ورقة تعليق تحليلية
البنك السوداني لإعادة الإعمار والتنمية: فكرة سليمة مهنياً وثغرات في الاقتصاد السياسي والتمويل
قراءة نقدية لسلسلة مقالات عبد اللطيف علي إبراهيم «حوارات ومناقشات حول مقترح إنشاء البنك السوداني لإعادة الإعمار والتنمية» (ثلاثة أجزاء، أكتوبر ونوفمبر 2026، موقع الاقتصادي السوداني)
(عمر سيد احمد |باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل Email:o.sidahmed09@gmail.com. نوفمبر 2026)
خلاصة التقييم
المقترح إيجابي بوصفه هدفاً بعيد المدى، لكن الشروع في تأسيس البنك الآن سابق لأوانه. تشخيصه الفني سليم، غير أنه يفترض شروطاً غير متوافرة اليوم: سلطة موحدة، وملاءة سيادية، وحوكمة محصنة من الاختراق السياسي والأمني. والأقرب إلى الواقع مسار تدريجي يبدأ بمرفق لإعداد المشروعات وصندوق متعدد المانحين بوكيل ائتماني دولي، ويتحول إلى بنك بعد اختبار الحوكمة وتراكم السجل.
ما يُحسب للمقترح
- تشخيص فني صحيح: عدم توافق الآجال (Maturity Mismatch) في البنوك المتخصصة، ومنع قبول الودائع حتى لا يتنافس البنك مع المصارف التجارية، والإصرار على رأس مال نقدي سائل لا على أصول عقارية.
- الفصل بين المنح والتمويل القابل للاسترداد، وهو ما تفتقده تجارب صناديق الإعمار الوطنية السابقة.
- طلب تقييم مستقل لكل بنك متخصص قبل الدمج أو التصفية أو إعادة الهيكلة، بدلاً من قرار إداري شامل.
- التمهيد المبكر والحوار عبر ورش العمل، بدل انتظار نهاية الحرب ثم البحث عن مؤسسة تقود الإعمار.
الثغرات في ضوء الواقع
- رأس المال (750 مليون دولار) بلا مصدر واضح. يعتمد المقترح على بنك السودان والحكومة وصندوق الضمان الاجتماعي. لكن الاحتياطيات النقدية محدودة، ومدخرات صندوق الضمان الاجتماعي أموال عاملين لا ينبغي توظيفها في مؤسسة تنموية عالية المخاطر. وهذا يتعارض مع إصرار الكاتب نفسه على أن يكون الجزء الأكبر من رأس المال نقداً سائلاً. ويلزم التمييز بين رأس المال المصرح به والمدفوع، والاحتياطيات، والاقتراض، والضمانات والمنح؛ فالقدرة على تعبئة تمويل خارجي ليست رأس مالاً مملوكاً للبنك ولا تعني خلوه من المخاطر.
- الملاءة السيادية. تعبئة القروض والضمانات الدولية تتطلب وضعاً سيادياً قابلاً للتعامل: بلغ السودان نقطة القرار في مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون عام 2021 ولم يبلغ نقطة الإتمام، ولم نجد ما يؤكد وجود برنامج تمويل نشط مع صندوق النقد الدولي، وقد استعرض رئيس الوزراء في أغسطس 2026 خريطة طريق لتخفيف الديون مع الصندوق بحسب تقرير صحفي، ولا تزال عقوبات أمريكية مستهدفة تطال شبكات تمويل وتوريد مرتبطة بطرفي الحرب، آخرها في يونيو 2026. ولا تقرض مؤسسات مثل KfW) أي مؤسسة الائتمان لإعادة الإعمار (بنك التنمية الألماني) والبنك الدولي مؤسسة جديدة قبل معالجة هذه الشروط. كما أن الاستشهاد بالبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD: European Bank for Reconstruction and Development) نموذجاً يحتاج إلى حذر، لأن عمله في أفريقيا ما زال محصوراً في مصر والمغرب وتونس، ولم يشمل توسعه نحو جنوب الصحراء السودان بعد.
- مفارقة الحوكمة. البنك مملوك للدولة ويخضع للبنك المركزي، في اقتصاد تهيمن عليه شبكات عسكرية وأمنية في الذهب والصادرات والاستيراد. وتشير تقارير صحفية وتصريحات نواب ومسؤولين إلى ضعف الشفافية والمساءلة وتواضع الأثر في صندوقي إعمار الشرق ودارفور، فيما يشكو مزارعون من ملاحقة البنك الزراعي لهم بعد مواسم فاشلة لأسباب خارجة عن إرادتهم. وهذه مؤشرات على أن الخلل مؤسسي وسياسي لا قانوني فحسب. والنص القانوني على الاستقلالية المهنية لا يكفي وحده لحماية البنك. ولا تكفي اختبارات قبول المشروعات المهنية (السلامة المصرفية، والإضافية التمويلية، والأثر التنموي) ولا لجان المخاطر والمراجعة ما لم توجد سلطة تنفذها واستقلال فعلي عن الإدارات التي تمنح التمويل.
- تضارب دور بنك السودان المركزي. يقترح المقال أن يساهم المركزي في رأس المال وأن يشرف على البنك في الوقت نفسه. وهذا يجمع صفتي المساهم والرقيب ويثير تضارباً مؤسسياً، فضلاً عن أن توظيف الاحتياطيات في مؤسسة تنموية عالية المخاطر يحتاج إلى فحص قانوني. والأولى أن تأتي الملكية العامة عبر الحكومة أو جهة استثمارية عامة مستقلة، مع فصل سلطة المالك عن الرقابة النقدية.
- انقسام السلطة والشرعية. أي بنك قومي سيعمل في ظل تعدد مراكز القرار النقدي والمصرفي والإداري، وفي مناطق تخضع لسلطات مختلفة. ويبقى السؤال: من يحدد أولويات الإعمار ويمثل الدولة أمام المانحين؟ وإلا تحول البنك إلى أداة لاحتكار ريع الإعمار.
- قراءة غير مكتملة للدرس الأفريقي. اعتمدت ليبيريا في تعافيها على نموذج الصندوق الائتماني متعدد المانحين (LRTF: Liberia Reconstruction Trust Fund) وبرنامج الإشراف الدولي على الإدارة المالية (GEMAP: Governance and Economic Management Assistance Program)، أي بنموذج الصندوق لا البنك، وهذا يضعف حجة «بنك لا صندوق». وبنت رواندا دولة قوية ومؤسسات مالية منضبطة قبل أن يؤدي بنك التنمية دوره. أما أنغولا فتحذير من ريع نفطي بلا مساءلة وتنويع. وتبقى فعالية برنامج GEMAP موضع خلاف، إذ يرى منتقدوه أنه لم يحد من الفساد، ويراه مؤيدوه إجراء إنقاذياً عاجلاً نجح في ضبط المالية العامة.
- غياب الجوانب التشغيلية. بأي عملة سيقرض البنك في ظل انهيار الجنيه؟ وكيف سيمول طويل الأجل بصيغ إسلامية (استصناع، مشاركة، صكوك)؟ وما قدرة الاقتصاد على استيعاب المشروعات القابلة للتمويل فعلاً؟ وكيف ستُستقطب مدخرات المغتربين التي ورد ذكرها عرضاً؟ وتبرز مخاطر العملة بوجه خاص: فالاقتراض بالدولار أو اليورو والإقراض بالجنيه لمشروع بلا إيراد أجنبي قد يجعل خدمة الدين غير ممكنة، ولا يكفي افتراض أن الدولة ستغطي الفجوة. والضمان الحكومي التزام احتمالي على الخزانة لا مورد مجاني، ويحتاج إلى سقف وتقييم مستقل وإفصاح دوري. أما أدوات التمويل فلا ينبغي أن تقتصر على الإقراض المباشر، بل تشمل خطوط تمويل عبر المصارف المؤهلة، وضمانات جزئية تُبقي جزءاً من المخاطر على المصرف الوسيط، وتمويلاً مشتركاً، وصيغاً إسلامية (استصناع، مشاركة، سلم) لا تغني عن التحليل الائتماني.
السودان مقابل التجارب الأفريقية الثلاث
الجدول تقدير نوعي لكاتب هذه الورقة، وليس مؤشراً كمياً. الأخضر يعني شرطاً متوافراً نسبياً، والأصفر متوافراً جزئياً، والأحمر غائباً أو ضعيفاً وقت بدء الإعمار.
| المعيار | رواندا | ليبيريا | أنغولا | السودان اليوم |
| وقف الحرب ووحدة سلطة الدولة | قوي | قوي | قوي | ضعيف |
| الوضع السيادي والديون | متوسط | قوي | متوسط | ضعيف |
| إدارة المالية العامة والرقابة | قوي | متوسط | ضعيف | ضعيف |
| مورد تمويل ذاتي | ضعيف | ضعيف | قوي | متوسط |
| تنسيق المانحين والدعم الدولي | قوي | قوي | ضعيف | ضعيف |
| الحوكمة والمساءلة | قوي | متوسط | ضعيف | ضعيف |
القراءة: تجتمع في كل من الحالات الأفريقية الثلاث عناصر الأمن وسلطة الدولة والغطاء الدولي، وهي بدرجات متفاوتة غائبة عن السودان حالياً. وهذا يرجح أن الأولوية للتسوية السياسية والوضع السيادي قبل تأسيس المؤسسة المالية.
الحكم والمسار المقترح
نرى أن فكرة بنك تنموي متخصص صحيحة في مبدئها، لكن نجاحها مشروط بما يسبقها. ونقترح مساراً من ثلاث مراحل:
- مرحلة أولى: مرفق لإعداد المشروعات وتقديم الضمانات، وصندوق متعدد المانحين يديره وكيل ائتماني دولي، مع فصل المنح عن التمويل القابل للاسترداد. ويعتمد في عمله على خطوط تمويل طويلة الأجل للمصارف المؤهلة وضمانات جزئية، لا على الإقراض المباشر وحده.
- مرحلة ثانية: اختبار الحوكمة وبناء السجل: مراجعة خارجية مستقلة، ونشر العقود والمشتريات، وتقييم مستقل للبنوك المتخصصة. وبناء منظومة المخاطر منذ البداية: اختبارات قبول إلزامية للمشروعات (السلامة المصرفية، والإضافية التمويلية، والأثر التنموي)، ولجان مستقلة للمخاطر والمراجعة والائتمان، وإطار بيئي واجتماعي، وقواعد لمخاطر العملة.
- مرحلة ثالثة: التحول إلى بنك بعد ثبوت الحوكمة وتوافر رأس مال نقدي حقيقي وقاعدة سيادية، مع مجلس إدارة مهني معلن المعايير. ويكون الشكل الأرجح مؤسسة تمويل تنموي لا تقبل ودائع الجمهور إلى جانب صندوق منح مستقل، بملكية عامة عبر الحكومة أو جهة استثمارية مستقلة لا عبر البنك المركزي. ويُقاس أداؤها بالوظائف والإنتاج والصادرات ونسبة التعثر لا بحجم رأس المال، وتُستعان الخبرة الدولية في التأسيس وبإدارة انتقالية محددة المدة مع خطة لتوطين المعرفة.
شروط مسبقة لا غنى عنها: تسوية سياسية تنهي الحرب، ومعالجة الديون والعقوبات، وفصل واضح لقرارات الائتمان عن النفوذ السياسي والأمني، وخطة وطنية متعددة السنوات بأولويات جغرافية وقطاعية.
ملاحظة منهجية ومصادر
استندت الورقة إلى نصوص المقالات الثلاثة كما نُشرت، ولم تنقل أرقامها عن مساعدات خطة مارشال ونسب النمو. أما الوقائع الواردة في أحكامنا فراجعناها في المصادر المنشورة الآتية، وهي تعكس ما نُشر حتى تاريخ الاطلاع في نوفمبر 2026:
- بلوغ السودان نقطة القرار في مبادرة HIPC (Heavily Indebted Poor Countries Initiative) عام 2021: DevelopmentAid، developmentaid.org/news-stream/post/97951/hipc-initiative-sudan
- خريطة الطريق مع صندوق النقد الدولي (أغسطس 2026)، ولم نجد برنامج تمويل نشطاً: allAfrica، 11 أغسطس 2026، com/stories/202608110045.html
- حصر عمل EBRD في أفريقيا في مصر والمغرب وتونس: Devex، devex.com/news/nigeria-becomes-ebrd-shareholder-as-it-continues-african-expansion-109579
- تقييم برنامج GEMAP وتباين الآراء في فعاليته: Wikipedia، en.wikipedia.org/wiki/Governance_and_Economic_Management_Assistance_Program
- صندوق LRTF صندوق ائتماني متعدد المانحين يديره البنك الدولي: البنك الدولي، 23 سبتمبر 2010، org/en/news/press-release/2010/09/23/world-bank-european-commission-sign-us80-million-agreement-for-liberia-reconstruction-trust-fund
- العقوبات الأمريكية المستهدفة (آخرها 26 يونيو 2026): وزارة الخزانة الأمريكية، govdelivery.com/accounts/USTREAS/bulletins/41dd4a8
- أداء صندوق إعمار الشرق: Dabanga، dabangasudan.org/en/all-news/article/eastern-sudanese-denounce-development-fund-report
- أداء سلطة دارفور الإقليمية وصندوق الإعمار: Sudan Tribune، 4 يناير 2015، com/?p=52225
- ملاحقة البنك الزراعي للمزارعين: allAfrica، 29 مايو 2026، com/stories/202605290002.html
لم نجد مصادر كافية عن حال البنكين الصناعي والعقاري، ولذلك لم نبنِ عليهما حكماً. وما سبق مؤشرات من مصادر صحفية ومؤسسية لا تغني عن تقييم مستقل لكل مؤسسة.



آخر التعليقات