قراءة في مقترح البنك السوداني لإعادة الإعمار والتنمية
م. زراعي محمد عبدالرحمن،
أرى أن فكرتك تفتح باباً مهماً لتطوير مقترح إنشاء البنك السوداني لإعادة الإعمار والتنمية؛ لأنك لا تنظر إلى البنك باعتباره مؤسسة جديدة تبحث عن التمويل فحسب، بل باعتباره مظلة مؤسسية تجمع التمويل المتخصص، وتعيد تنشيط مؤسسات التنمية، وتربط الموارد المحلية بالتمويل الدولي، وتوجهها نحو إعادة بناء الاقتصاد السوداني.
وسأناقش الفكرة في ضوء المقال الذي أرسلته، ثم أطورها إلى تصور مؤسسي ومالي وقانوني يمكن تقديمه للنقاش مع الاقتصاديين والمصرفيين والمتخصصين في التنمية.
أولاً: قراءة في مقترح البنك السوداني لإعادة الإعمار والتنمية:
ناقش الأستاذ عبد اللطيف علي إبراهيم في مقاله المنشور بموقع «الاقتصادي السوداني» يوم 24 أكتوبر 2026، أهمية إنشاء بنك سوداني لإعادة الإعمار والتنمية، مستفيداً من تجارب دولية، منها ألمانيا واليابان وإيطاليا، ومن مؤسسات مثل بنك التنمية الألماني وبنك التنمية الياباني والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
ويؤكد المقال أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على بناء المنشآت، وإنما يجب أن تستهدف استعادة الإنتاج، وتطوير البنية التحتية، وتوفير التمويل طويل الأجل، وبناء القدرات البشرية والمؤسسية. كما يشير إلى ضرورة إعداد دراسات فنية ومالية وقانونية قبل اعتماد النموذج النهائي للبنك.
وهنا تأتي الإضافة الأساسية في فكرتك: بدلاً من إنشاء بنك جديد بمعزل عن المؤسسات الموجودة، يمكن التفكير في بناء منظومة وطنية متكاملة لتمويل إعادة الإعمار والتنمية، تستفيد من البنوك المتخصصة القائمة، وتستعيد دور مؤسسة التنمية السودانية، وتؤسس علاقات مؤسسية مع صناديق ومصارف التنمية الإقليمية والدولية. وهذا يطرح سؤالاً محورياً: هل يحتاج السودان إلى بنك جديد فقط، أم إلى إعادة تنظيم مؤسسات تمويل التنمية كلها ضمن منظومة واحدة؟ أقترح أن يكون الخيار الثاني هو أساس الدراسة، مع إنشاء البنك الجديد باعتباره المؤسسة المحورية لهذه المنظومة.
ثانياً: تطوير فكرتك إلى مشروع مؤسسي:
- الاسم المقترح البنك السوداني للإنشاء والتعمير والتنمية بالإنجليزية: Sudanese Bank for .Reconstruction and Developmentويمكن اختصار الاسم إلى SBRD.
- أو، إذا أردنا الالتزام بالاسم الوارد في المقال: البنك السوداني لإعادة الإعمار والتنمية. والاسمان متقاربان في المعنى، لكن إضافة «التنمية» مهمة؛ لأنها تجعل مهمة المؤسسة أوسع من إصلاح الأضرار التي خلفتها الحرب، لتشمل تطوير الاقتصاد السوداني على المدى الطويل.
- الطبيعة القانونية والمؤسسية تُنشأ المؤسسة بموجب قانون خاص يصدر عن السلطة التشريعية المختصة، ويحدد أهدافها واختصاصاتها ورأس مالها وحقوق المساهمين وآليات الرقابة عليها. وتكون مؤسسة تمويل تنموي ذات نشاط محلي ودولي، تعمل وفق قواعد مصرفية ومالية واضحة، وتخضع للرقابة والإشراف القانونيين المقررين لطبيعة أنشطتها. ومن الضروري هنا التمييز بين أمرين: البنك التنموي: يقدم التمويل ويستثمر ويشارك في تمويل المشروعات وفقاً لاختصاصاته. منظومة مؤسسات التنمية: تشمل البنك التنموي والبنوك المتخصصة ومؤسسات إعداد المشروعات والضمانات والتمويل المشترك. والأفضل ألا نحمّل البنك الجديد جميع وظائف هذه المنظومة، بل نحدد لكل مؤسسة دوراً تكاملياً.
- الهيكل المؤسسي المقترح أرى أن تقوم المنظومة على ثلاثة مستويات مترابطة:
المستوى الأول: البنك السوداني لإعادة الإعمار والتنمية وهو المؤسسة المحورية، ويتولى:
أ/ تعبئة الموارد المحلية والدولية.
ب/ تمويل مشروعات البنية التحتية الاقتصادية.
ج/ توفير التمويل التنموي متوسط وطويل الأجل.
د/ المشاركة في تمويل المشروعات الكبرى.
هـ/ تقديم الضمانات وفق ضوابط مالية مدروسة.
و/ الدخول في شراكات مع مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية.
ح/ إعداد محافظ تمويلية للقطاعات الإنتاجية.
ط/ تمويل الدراسات الفنية والاقتصادية للمشروعات ذات الأولوية. ولا يعني ذلك أن البنك سيحل محل البنك المركزي أو المصارف التجارية؛ فلكل منها وظيفة مختلفة.
المستوى الثاني: البنوك السودانية المتخصصة تضم المنظومة البنوك المتخصصة ذات الصلة المباشرة بالتنمية، مع الاحتفاظ باستقلالها التشغيلي والقانوني في المرحلة الأولى. ويمكن أن تشمل: المؤسسة الوظيفة التنموية المقترحة مجالات التركيز البنك الزراعي السوداني التمويل الزراعي المتخصص المحاصيل، المدخلات، الآليات، الري، التخزين مصرف التنمية الصناعية التمويل الصناعي المصانع، الصناعات التحويلية، المعدات، التصنيع الزراعي البنك العقاري التجاري التمويل العقاري والعمراني الإسكان، إعادة تأهيل المباني، المرافق العمرانية بنك الثروة الحيوانية التمويل المتخصص للثروة الحيوانية الإنتاج الحيواني، الأعلاف، الألبان، اللحوم والخدمات البيطرية توجد بالفعل مؤسسات مصرفية متخصصة من هذه الأنواع في السودان، وفق قائمة البنوك المنشورة على موقع بنك السودان المركزي. ولذلك فإن دراسة أوضاعها المالية والقانونية والتشغيلية شرط أساسي قبل تقرير دمجها أو إعادة هيكلتها.
توصيتي: تبدأ العلاقة بينها وبين البنك الجديد من خلال اتفاقيات تمويل مشترك، وخطوط ائتمان تنموية، وضمانات، وتبادل المعلومات والخبرات، قبل اتخاذ قرار بشأن الملكية المشتركة أو الدمج. وهذا يتيح الاستفادة من خبراتها المتراكمة دون إرباك أنشطتها القائمة.
المستوى الثالث: مؤسسة التنمية السودانية هذه النقطة في مقترحك تستحق دراسة مستقلة. أقترح إحياء مؤسسة التنمية السودانية، أو إعادة تأسيسها وفق تقييم وضعها القانوني والتاريخي، باعتبارها ذراعاً متخصصاً في إعداد المشروعات الإنمائية وتطويرها وتنسيق الشراكات. ويكون دورها مكملاً لدور البنك، من خلال: إعداد دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية والمالية. تحديد المشروعات القابلة للتمويل. إعداد ملفات المشروعات وفق متطلبات مؤسسات التمويل الدولية. تنسيق الشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص والمستثمرين. تطوير برامج التنمية الإقليمية والريفية. المساعدة في حشد المنح والمساعدات الفنية. متابعة مؤشرات الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. والأهم أن تكون هناك حدود واضحة بين المؤسسة والبنك: فمؤسسة التنمية تُعدّ المشروعات وتطورها، بينما يتخذ البنك قرارات التمويل وفق تقييم مستقل للمخاطر والجدوى. ويجب التحقق من الوضع القانوني والأصول والالتزامات التاريخية لمؤسسة التنمية السودانية قبل تحديد الصيغة المناسبة لإحيائها.
—
ثالثاً: هل تكون البنوك المتخصصة مملوكة للبنك الجديد؟ هذه واحدة من أهم نقاط التصميم المؤسسي. هناك ثلاثة نماذج يمكن دراستها: آلية العمل، المزايا، والتحديات.
الأول: التنسيق المؤسسي يبقى كل بنك مستقلاً، ويتعاون مع البنك الجديد سرعة التأسيس، واستمرار الخبرات والعمليات احتمال ضعف التنسيق.
الثاني: مجموعة مالية تنموية يشكل البنك الجديد مع البنوك المتخصصة مجموعة مترابطة، مع استقلال تشغيلي مناسب تنسيق أكبر للموارد والقطاعات والمخاطر يتطلب ترتيبات ملكية ورقابة دقيقة.
الثالث: الدمج الكامل دمج البنوك المتخصصة في كيان مصرفي واحد توحيد الإدارة وبعض الأنظمة والموارد، مخاطر فقدان التخصص، وتعقيدات قانونية وتشغيلية كبيرة أي نموذج أقرب إلى فكرتك؟ أرى أن نموذج المجموعة المالية التنموية هو الأنسب للدراسة، أولاً، وليس الدمج الكامل المباشر. ويكون التصور كالتالي: البنك السوداني لإعادة الإعمار والتنمية: تمويل المشروعات الكبرى وطويلة الأجل وتعبئة الموارد. البنوك المتخصصة: التمويل القطاعي والخبرة الفنية والعلاقة المباشرة بالمنتجين. مؤسسة التنمية السودانية: إعداد المشروعات وتطويرها وبناء الشراكات. ويمكن أن تتطور هذه العلاقة مستقبلاً إلى ملكية مشتركة أو مجموعة قابضة إذا أثبتت الدراسة القانونية والمالية جدواها. لكن ينبغي ألا نفترض أن إنشاء المجموعة سيحقق تلقائياً وفورات أو زيادة في التمويل؛ فهذه النتائج تحتاج إلى دراسة مقارنة للتكاليف والقدرات والالتزامات والمخاطر.
—
رابعاً: كيف تتحول المؤسسة إلى جسر بين التمويل المحلي والدولي؟ أنت وصفتها بأنها «مؤسسة تمويلية محلية دولية». وهذا وصف مهم؛ لأن السودان لا يحتاج إلى مؤسسة تجمع الأموال فقط، وإنما إلى مؤسسة تستطيع تحويل احتياجات التنمية إلى مشروعات قابلة للتمويل والاستثمار. وأقترح أن تتأسس هذه الوظيفة على أربعة مسارات.
المسار الأول: تعبئة الموارد الوطنية تشمل مصادر التمويل المحتملة: 1. رأس المال التأسيسي الذي يقرره القانون. 2. مساهمات الدولة وفق الإمكانات المالية المتاحة. 3. مساهمات المؤسسات المصرفية والمالية السودانية. 4. استثمارات القطاع الخاص وفق ضوابط الحوكمة. 5. أدوات استثمارية موجهة للجمهور والمستثمرين، وفق القانون. 6. استقطاب مدخرات السودانيين بالخارج عبر قنوات استثمارية رسمية وآمنة. ولا ينبغي أن تعتمد المؤسسة على الأموال الحكومية وحدها، أو على الاقتراض الخارجي وحده. بل تحتاج إلى هيكل رأسمالي متنوع يحقق التوازن بين الاستدامة المالية والقدرة على تمويل التنمية.
المسار الثاني: التمويل الدولي يعمل البنك على بناء علاقات مؤسسية مع جهات التمويل التنموي، ومنها: مجموعة البنك الدولي. مجموعة بنك التنمية الأفريقي. مجموعة البنك الإسلامي للتنمية. الصناديق العربية والإقليمية للتنمية. مؤسسات التمويل الإنمائي الثنائية. بنوك التنمية والاستثمار الدولية. ويكون الهدف هو الوصول إلى أدوات متنوعة، وليس القروض وحدها، مثل التمويل الميسر والمنح الفنية والضمانات والتمويل المشترك والاستثمار المباشر، وفق أهلية السودان وشروط كل جهة. ومن التطورات ذات الصلة أن وكالة السودان للأنباء نشرت خبراً عن مباحثات بين السودان ومجموعة البنك الإسلامي للتنمية في أغسطس 2026، شملت التعاون في التعافي وإعادة الإعمار، وبناء القدرات، وتمويل القطاع الخاص، ومقترح إنشاء صندوق ائتماني لإعادة الإعمار. وهذا يوضح وجود مسار يمكن دراسته للتكامل مع البنك المقترح، بدلاً من إنشاء قنوات مؤسسية متنافسة. الفكرة هنا: أن يصبح البنك السوداني جهة وطنية متخصصة تستطيع تجهيز المشروعات والتفاوض بشأنها ومتابعة تنفيذها، مع الالتزام بمتطلبات كل مؤسسة تمويل دولية.
المسار الثالث: إنشاء محفظة وطنية للمشروعات لا يكفي أن يذهب البنك إلى مؤسسات التمويل الدولية ويطلب مبالغ كبيرة لإعادة الإعمار. بل يجب أن يقدم محفظة من المشروعات المحددة والمعدة فنياً، تتضمن: التكلفة التقديرية. المساهمة الوطنية. مصادر التمويل المطلوبة. الجدول الزمني. العائد الاقتصادي والاجتماعي. فرص العمل. الأثر على الصادرات وإحلال الواردات. المخاطر والضمانات. ترتيبات التشغيل والصيانة. وهنا تتكامل وظيفة مؤسسة التنمية السودانية مع وظيفة البنك. فبدلاً من طلب تمويل عام لإعادة الإعمار، يصبح بالإمكان عرض مشروعات زراعية وصناعية وعمرانية محددة، لكل منها ملف مستقل وقابل للتقييم. المسار الرابع: التمويل المشترك يمكن للبنك الجديد أن يمول جزءاً من المشروع، بينما تشارك البنوك المتخصصة أو المصارف التجارية أو المستثمرون أو مؤسسات التنمية الدولية في تمويل الأجزاء الأخرى. وبذلك لا يتحمل البنك وحده جميع مخاطر المشروعات الكبرى.
—
خامساً: ما القطاعات التي ينبغي أن يمولها البنك؟ أقترح ألا يكون البنك مجرد مؤسسة لتمويل المباني والمنشآت المتضررة، بل أن يربط إعادة الإعمار بزيادة الإنتاج والدخل وفرص العمل. وهذا يقتضي توزيع التمويل على قطاعات متكاملة. القطاع المشروعات ذات الأولوية النتيجة المستهدفة الزراعة والري تأهيل قنوات الري، الطلمبات، الآليات، التمويل الموسمي، التخزين رفع الإنتاجية وتقليل الفاقد الثروة الحيوانية الأعلاف، الألبان، المسالخ، الخدمات البيطرية، سلاسل التبريد زيادة الإنتاج والصادرات الصناعة الصناعات الغذائية، الزيوت، الغزل والنسيج، الصناعات الدوائية والمدخلات الزراعية إحلال الواردات وزيادة القيمة المضافة البنية التحتية الكهرباء والمياه والطرق والنقل والاتصالات استعادة النشاط الاقتصادي الإسكان والعمران إعادة تأهيل المساكن والمرافق والمنشآت الإنتاجية استعادة الخدمات والنشاط الحضري المشروعات الصغيرة والمتوسطة التمويل الإنتاجي، المعدات، الورش، الصناعات الريفية توسيع فرص العمل والإنتاج التخزين والتصنيع الزراعي الصوامع، المخازن، مطاحن الحبوب، التجفيف والتعبئة تقليل الفاقد وتعزيز الأمن الغذائي الغابات والموارد الطبيعية استعادة الغطاء النباتي، مشروعات الصمغ العربي، تأهيل الأراضي دعم سبل العيش واستدامة الموارد وأقترح اعتماد معيار رئيسي للمفاضلة بين المشروعات: ما مقدار الإنتاج والدخل وفرص العمل والقيمة المضافة التي يولدها كل جنيه يُستثمر في المشروع؟ ويُستكمل هذا المعيار بقياس أثر المشروع في توزيع التنمية جغرافياً، واستدامة الموارد الطبيعية، وقدرته على توفير النقد الأجنبي، ومخاطره المالية ،والبيئية والاجتماعية. فقد يكون المشروع مربحاً مالياً، لكنه محدود الأثر التنموي، وقد يكون مشروع البنية التحتية أقل ربحية مباشرة، لكنه يفتح المجال أمام مئات المشروعات الإنتاجية. لذلك ينبغي أن يجمع تقييم المشروعات بين الجدوى المالية والجدوى الاقتصادية والاجتماعية.
—
سادساً: كيف يُموّل البنك نفسه دون أن يتحول إلى عبء على الدولة؟ هذه نقطة جوهرية؛ لأن تأسيس البنك بقانون خاص لا يضمن نجاحه المالي. وأقترح أن يعتمد على مزيج من الأدوات التالية: الأداة طريقة الاستخدام رأس المال المدفوع تأسيس قاعدة مالية تتحمل جزءاً من مخاطر النشاط خطوط الائتمان التنموية توفير موارد متوسطة وطويلة الأجل للمشروعات التمويل المشترك توزيع المخاطر بين البنك والممولين الآخرين الضمانات الائتمانية تسهيل التمويل للمشروعات المؤهلة التي تعاني من نقص الضمانات الاستثمار في المشروعات المشاركة في مشروعات منتجة وفق حدود واضحة للمخاطر الصناديق الائتمانية تخصيص موارد لمشروعات أو قطاعات أو مناطق محددة التمويل الميسر والمنح الفنية دعم الدراسات والتأهيل وبناء القدرات والمشروعات المؤهلة أدوات الاستثمار المتوافقة مع القانون استقطاب المدخرات والاستثمارات المحلية والخارجية وفي حال اعتماد الصيرفة الإسلامية، يمكن استخدام صيغ مثل المشاركة والإجارة والاستصناع والمرابحة، وفق طبيعة المشروع والمخاطر، وليس باعتبارها بدائل متطابقة. فتمويل شراء مدخلات زراعية موسمية يختلف عن تمويل مصنع يحتاج إلى سنوات قبل استرداد رأس المال، كما يختلف عن تمويل مشروع ري عام. ومن أهم المبادئ المقترحة: ألا يُستخدم التمويل قصير الأجل لتمويل أصول طويلة الأجل بطريقة تخلق فجوة خطيرة في السيولة. كذلك يجب ألا يُسمح للبنك بتمويل العجز الحكومي بصورة غير منضبطة، أو بتوجيه التمويل إلى مشروعات غير مجدية لمجرد أنها تحظى بدعم سياسي.
—
سابعاً: القانون والحوكمة والرقابة أقترح أن يتضمن القانون الخاص بالبنك أحكاماً واضحة في المجالات الآتية: 1. الملكية ورأس المال تحديد المؤسسين، وطبيعة المساهمات، وحقوق المساهمين، وشروط زيادة رأس المال. 2. استقلال قرارات التمويل يجب أن تستند قرارات الائتمان إلى معايير مهنية معلنة، ودراسات جدوى وتقييم مخاطر، مع منع التدخلات التي تتجاوز الإجراءات المعتمدة.
- مجلس الإدارة تشكيل مجلس يتمتع بالخبرة في التمويل والتنمية والمحاسبة والقانون والهندسة والقطاعات الإنتاجية، وفق قواعد تعيين ومساءلة واضحة.
- الرقابة والمراجعة إخضاع الحسابات للمراجعة المستقلة، ونشر تقارير دورية عن الأداء المالي والمشروعات الممولة، مع الالتزام بمتطلبات الرقابة المصرفية والقوانين السارية.
- مكافحة تضارب المصالح الإفصاح عن المصالح المرتبطة بالمشروعات والموردين والمقاولين، وتطبيق قواعد المشتريات والتعاقدات بصورة شفافة.
- تقييم الأثر التنموي لا يُقاس نجاح البنك بحجم الأموال التي صرفها فقط، بل بقدرته على استعادة الإنتاج، وتوليد الوظائف، وزيادة الدخل والصادرات، وتحسين الخدمات.
- إدارة المخاطر وضع حدود لتركيز التمويل في عميل واحد أو قطاع واحد، وتقييم مخاطر العملة والائتمان والسيولة، ووضع مخصصات مناسبة للخسائر المتوقعة. والأهم أن يوازن القانون بين الرقابة الضرورية والمرونة التشغيلية؛ فلا يتحول البنك إلى جهاز بيروقراطي عاجز عن اتخاذ القرار، ولا إلى مؤسسة تتصرف في الموارد العامة والخاصة دون مساءلة.
—
ثامناً: خطة تأسيس تدريجية بدلاً من البدء بإنشاء هياكل إدارية كبيرة ثم البحث عن المشروعات والموارد، أقترح أن يبدأ العمل من الدراسات والمحافظ التمويلية. المرحلة المدة التقديرية الأعمال الرئيسية الأولى: التقييم والتصميم 3 أشهر دراسة المؤسسات القائمة، وحصر الأصول والالتزامات، وإعداد التصور القانوني والمالي الثانية: التأسيس 3–6 أشهر إضافية إعداد القانون، وتحديد رأس المال، وترتيبات الحوكمة، والتفاوض بشأن الشراكات الثالثة: التشغيل الأولي خلال السنة الأولى بحسب الجاهزية تمويل مشروعات تجريبية مختارة، وإبرام اتفاقيات التمويل المشترك، وبناء نظم إدارة المخاطر الرابعة: التوسع السنتان الثانية والثالثة توسيع المحافظ القطاعية والجغرافية، واستقطاب استثمارات إضافية، وتطوير أدوات الضمان الخامسة: التقييم والتطوير بعد ثلاث سنوات من التشغيل تقييم الأداء المالي والأثر التنموي، وتقرير مدى جدوى التحول إلى مجموعة مالية تنموية متكاملة هذه مدد مقترحة للتخطيط وليست تقديراً مؤكداً للمدة اللازمة؛ فالتنفيذ يعتمد على الظروف القانونية والأمنية، وتوافر رأس المال، ووضع المؤسسات القائمة، والقدرة على الوصول إلى التمويل الخارجي. ويُفضّل أن تبدأ المرحلة التشغيلية بمشروعات ذات أولوية واضحة وقابلة للإنجاز، بدلاً من توزيع الموارد على عدد كبير من المشروعات غير الجاهزة.
—
تاسعاً: أين تكمن الإضافة النوعية في فكرتك؟ أرى أن فكرتك تتضمن أربع إضافات تستحق إبرازها عند مناقشتها مع الاقتصاديين والمصرفيين. الإضافة الأولى: الانتقال من إنشاء بنك منفرد إلى بناء منظومة تمويل تنموي. فالبنك الجديد لن يعمل بمعزل عن المؤسسات الموجودة، وإنما يستفيد من تخصصها وخبراتها وشبكاتها التمويلية. الإضافة الثانية: الجمع بين التمويل وإعداد المشروعات. فالمشكلة ليست دائماً نقص الأموال؛ فقد يكون نقص المشروعات المعدة فنياً، أو ضعف دراسات الجدوى، أو عدم وضوح مصادر السداد، من العوائق الأساسية أمام الحصول على التمويل. لذلك فإن إحياء مؤسسة التنمية السودانية، أو تأسيس ذراع مماثلة لها، يمكن أن يسد فجوة مؤسسية مهمة. الإضافة الثالثة: تحويل التمويل الدولي إلى استثمارات منتجة داخل السودان. بدلاً من النظر إلى التمويل الخارجي باعتباره مورداً منفصلاً، يصبح جزءاً من خطة متكاملة لإعادة تأهيل الإنتاج والبنية التحتية، مع استقطاب الموارد المحلية ومدخرات السودانيين بالخارج. الإضافة الرابعة: ربط إعادة الإعمار بالتنمية طويلة الأجل. إعادة بناء مصنع متضرر ليست غاية في حد ذاتها؛ بل ينبغي أن ترتبط بتوفير الطاقة والمواد الخام والنقل والأسواق والتمويل العامل والتكنولوجيا والعمالة المدربة. وهذا هو الفرق بين إعادة بناء الأصول المادية وإعادة بناء القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
—
عاشراً: المخاطر التي يجب أن تعالجها الدراسة قبل اعتماد الفكرة حتى لا يتحول المشروع إلى مجرد إعادة تسمية لمؤسسات قائمة، أقترح أن تجيب الدراسة التأسيسية عن الأسئلة التالية:
- ما الوضع المالي والقانوني الفعلي لكل بنك متخصص؟ وما حجم الديون المتعثرة والالتزامات والأصول القابلة للاستخدام؟
- هل الأفضل أن يمتلك البنك الجديد حصصاً في البنوك المتخصصة، أم يكتفي بالتنسيق والتمويل المشترك؟ 3. ما الوضع القانوني لمؤسسة التنمية السودانية، وما إمكانات إحيائها؟
- ما حجم رأس المال الذي يمكن توفيره فعلياً، ومن هم المستثمرون المحتملون؟
- ما المشروعات التي يمكن تمويلها دون الاعتماد الكامل على ضمانات حكومية؟
- كيف تُدار مخاطر التضخم وتغير سعر الصرف، خصوصاً في المشروعات التي تعتمد على المعدات المستوردة؟
- كيف يمكن حماية التمويل من الفساد والمحسوبية وتضارب المصالح؟
- كيف يُضمن التوازن بين تمويل المشروعات التجارية القابلة للربح والمشروعات ذات العائد التنموي العام؟ 9. كيف تُنسّق المؤسسة مع الجهات الوطنية ومؤسسات التمويل الدولية القائمة، حتى لا تتكرر الوظائف أو تتنافس الجهات على الموارد نفسها؟
والإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد شكل البنك وحجم رأسماله، وطبيعة علاقته بالمؤسسات المتخصصة، ومدى قدرته على الاستمرار.
—
الحادي عشر: أرى أنه من المفيد توسيع النقاش من مجرد تأسيس بنك جديد إلى دراسة إنشاء منظومة وطنية متكاملة لتمويل إعادة الإعمار والتنمية، تجمع بين المؤسسات المصرفية المتخصصة، ومؤسسات إعداد المشروعات، والتمويل الوطني والدولي. يقوم المقترح على تأسيس البنك السوداني للإنشاء والتعمير والتنمية بموجب قانون خاص، ليكون مؤسسة تمويل تنموي قادرة على تعبئة الموارد المحلية والدولية، وتمويل المشروعات الإنتاجية والبنية التحتية، وتوفير التمويل متوسط وطويل الأجل، وتطوير الشراكات مع مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية. وفي إطار هذه المنظومة، ارى تطوير العلاقة المؤسسية مع البنوك السودانية المتخصصة، وفي مقدمتها البنك الزراعي السوداني، ومصرف التنمية الصناعية، والبنك العقاري التجاري، وبنك الثروة الحيوانية، مع دراسة أوضاعها المالية والقانونية وتحديد الصيغة المناسبة للتنسيق بينها وبين البنك الجديد. كما أرى إحياء مؤسسة التنمية السودانية، أو إعادة تأسيس ذراع متخصصة مماثلة بعد التحقق من وضعها القانوني، لتتولى إعداد المشروعات ودراسات الجدوى، وتطوير محافظ التمويل، وتنسيق الشراكات الاستثمارية، وتأهيل المشروعات للحصول على التمويل الدولي. وتقوم العلاقة بين هذه المؤسسات على التكامل الوظيفي؛ بحيث يركز البنك الجديد على تعبئة الموارد والتمويل التنموي وتمويل المشروعات الكبرى، بينما تتولى البنوك المتخصصة التمويل القطاعي، وتعمل مؤسسة التنمية على إعداد المشروعات وتطويرها.
ويستهدف هذا النموذج توجيه الموارد نحو إعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير الزراعة والري والثروة الحيوانية والصناعة والتصنيع الزراعي والإسكان والخدمات الإنتاجية، مع إعطاء الأولوية للمشروعات التي تحقق عائداً اقتصادياً واجتماعياً واضحاً، وتوفر فرص العمل، وتزيد الإنتاج والصادرات والقيمة المضافة المحلية. كما يتطلب نجاح المنظومة تنويع مصادر التمويل، من خلال رأس المال الوطني، والاستثمارات الخاصة، ومدخرات السودانيين بالخارج، والتمويل الميسر، والمنح الفنية، والضمانات، والتمويل المشترك مع مؤسسات التنمية الدولية، وفق الشروط القانونية والمالية لكل أداة. ويظل نجاح المشروع مرتبطاً بوجود قانون واضح، وحوكمة مؤسسية، واستقلال مهني لقرارات التمويل، ورقابة مالية مستقلة، وشفافية في المشتريات والتعاقدات، ونظم فعالة لإدارة المخاطر وقياس الأثر التنموي.
إن الهدف ليس مجرد إنشاء مؤسسة مصرفية جديدة، بل بناء قدرة وطنية مستدامة على تعبئة الموارد وتوجيهها نحو الإنتاج وإعادة الإعمار والتنمية المتوازنة. وعليه، أقترح تشكيل فريق فني من الاقتصاديين والمصرفيين والقانونيين والمتخصصين في القطاعات الإنتاجية، لإعداد دراسة تأسيسية تتناول النموذج القانوني والمالي، وأوضاع المؤسسات القائمة، والخيارات المتاحة للملكية والحوكمة، ومصادر رأس المال، ومحفظة المشروعات ذات الأولوية. إن إعادة إعمار السودان تتطلب أموالاً، ولكنها تتطلب أيضاً مؤسسات قادرة على تحويل هذه الأموال إلى إنتاج وفرص عمل ودخل مستدام. ومن هنا تأتي أهمية بناء منظومة تمويل تنموي سودانية متكاملة، ترتبط فيها الموارد الوطنية بالشراكات الدولية، ويتكامل فيها التمويل المصرفي مع التخطيط الاقتصادي وإعداد المشروعات.
—
الثاني عشر: خلاصة التقييم والتوصية أقترح أن يُطرح المشروع للنقاش باعتباره منظومة وطنية لتمويل إعادة الإعمار والتنمية، يكون البنك السوداني لإعادة الإعمار والتنمية محورها المالي، وتتكامل معها البنوك المتخصصة ومؤسسة التنمية السودانية. وتتمثل الخطوة العملية الأولى في إعداد دراسة تأسيسية تقارن بين ثلاثة بدائل: تأسيس بنك جديد مستقل. تأسيس بنك جديد ضمن مجموعة مالية تنموية. إعادة هيكلة المؤسسات القائمة وتطويرها ضمن منظومة تنموية مشتركة، مع تحديد ما إذا كانت تحتاج إلى بنك محوري جديد. ويجب أن تحسم الدراسة الاختيار بناءً على التكلفة، والقدرة التمويلية، والمخاطر، والحوكمة، وسرعة التنفيذ، وليس على افتراض أن نموذجاً واحداً هو الأفضل في جميع الظروف. وأرى أن أهم سؤال ينبغي أن يُطرح على فريق إعداد المقترح هو: كيف نبني مؤسسة تستطيع تعبئة الموارد الوطنية والدولية وتمويل الإنتاج السوداني على مدى عشرين أو ثلاثين عاماً، دون أن تصبح عبئاً على الموازنة العامة أو أداة لتوزيع الائتمان دون جدوى اقتصادية؟ إذا نجح التصميم المؤسسي في الإجابة عن هذا السؤال، فسيكون البنك المقترح أكثر من مجرد بنك لإعادة الإعمار؛ إذ يمكن أن يصبح إحدى الأدوات الوطنية طويلة الأجل لتمويل التحول الإنتاجي والتنمية الاقتصادية في السودان.



آخر التعليقات