الأربعاء, أبريل 15, 2026
الرئيسيةاقتصاد سياسيالنفط في قلب اقتصاد الحرب ...عمر سيد احمد.
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شيوعاً

آخر التعليقات

النفط في قلب اقتصاد الحرب …عمر سيد احمد.

النفط في قلب اقتصاد الحرب *

السلطة، الموارد، واستدامة الصراع — قراءة في الأثر الاقتصادي الكلي

مقال تحليلي شامل | أبريل 2026

     Oعمر سيد احمد.                 

ثمة مفارقة قاتلة تلخّص المأساة السودانية في عام 2026: بلد يمتلك أكبر إمكانات زراعية في أفريقيا، ويجاور أربع دول نفطية، ويضمّ في أرضه كنوزاً من الذهب والموارد الطبيعية — يجد نفسه عاجزاً عن إطعام شعبه، ومدمناً على استيراد الوقود الذي تضاعف سعره أكثر من أحد عشر ضعفاً في ثلاث سنوات. ليس هذا سوء حظ، بل نتيجة منطقية لحربين متشابكتين: حرب داخلية تنهب الموارد وتُدمّر الإنتاج، وحرب إقليمية في مضيق هرمز ترفع فاتورة ما يستورده السودان إلى مستويات لا يحتملها اقتصاد منهك وعملة انهارت بأكثر من ستة أضعاف

أولاً: السودان والنفطمن الإنتاج إلى التبعية

انفصال الجنوب وفقدان النفط

عام 2011 كان منعطفاً مصيرياً في تاريخ علاقة السودان بالنفط. حين انفصل جنوب السودان، أخذ معه ما يقارب 75 %من الاحتياطيات النفطية المشتركة، فتحوّل السودان دفعةً واحدة من دولة منتجة جزئياً إلى دولة مستوردة شبه كاملة ولم يكن البديل حاضراً: لا احتياطيات استراتيجية من الوقود، ولا طاقة تكريرية كافية، ولا مصادر طاقة متجددة قادرة على سد الفجوة

قبيل حرب أبريل 2023، كان إنتاج النفط السوداني قد تراجع إلى نحو 65 — 70 ألف برميل يومياً، وكانت مصفاة الجيلي شمال الخرطوم بطاقتها التكريرية البالغة 100 ألف برميل يومياً تغطي نحو 70% من الاستهلاك المحلي. هذا الوضع الهش كان يُعرّض البلاد لأي اضطراب خارجي، غير أن أحداً لم يتخيل أن الضربة ستأتي من الداخل والخارج في وقت واحد

الحرب تُدمّر ما تبقى من الطاقة

في الأيام الأولى لحرب أبريل 2023، تحوّلت مصفاة الجيلي إلى هدف عسكري. لم تكن مصادفة: من يسيطر على مصدر الوقود يسيطر على كل شيء آخر — الزراعة والنقل والصناعة والكهرباء. تضررت المصفاة في المعارك الأولى ثم دُمِّرت بصورة شبه كاملة بين 2023 و2024، بخسائر مباشرة تجاوزت ثلاثة مليارات دولار، وهو رقم يفوق ما تستطيع الحكومة جمعه في سنوات

الرقم الأكثر إيلاماً: تراجع الإنتاج النفطي من 65 — 70 ألف برميل يومياً إلى أقل من 24 ألف برميل، أي انخفاض بنسبة 65%. وفي السياق ذاته، تنافس الطرفان على منطقة هجليج في غرب كردفان التي كانت تمثّل أكثر من 60% من الإنتاج. حين سيطرت قوات الدعم السريع عليها في ديسمبر 2025 وأعلنت استخدامها مصدراً لتمويل عملياتها، ثم استعاد الجيش السيطرة مطلع 2026 في معركة وصفها المحللون بالأعنف، أصبح واضحاً أن النفط في السودان لم يعد سلعة اقتصادية، بل غدا ركيزةً لاستدامة الصراع ذاته

السودان تحوّل دفعةً واحدة من دولة تُكرّر 70% من وقودها محلياً إلى دولة تعتمد 80 — 90% على الاستيراد، في ظرف لا تملك فيه الدولارات الكافية لدفع فاتورته.

ثانياً: حرب هرمزالضربة من الخارج

الممر الذي يتنفس منه السودان

يمر عبر مضيق هرمز وحده ما يقارب 21 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يمثّل نحو 21% من إجمالي الاستهلاك النفطي العالمي. وعبر البحر الأحمر يمر ما يزيد على 12% من حجم التجارة البحرية العالمية. كلا هذين الممرين يمثلان شريان حياة السودان الطاقوي، إذ يستورد معظم احتياجاته من وقود الديزل والبنزين وغاز الطهي من دول الخليج عبر هذه المسارات.

مع تصاعد التوترات العسكرية في مضيق هرمز منذ مطلع 2026، وتنامي عمليات الحوثيين في البحر الأحمر، وامتداد تداعيات الحرب الإسرائيلية في المنطقة، بدأت سلاسل الإمداد تتشوه. وكان السودان في أشد حالاته هشاشةً لاستيعاب هذه الصدمة: احتياطيات أجنبية شحيحة، وعملة في حالة انهيار، وإنتاج محلي معطوب.

التضخم المتسلسل: كيف يرفع اضطراب الإمداد تكلفة المعيشة

تسير آلية الصدمة عبر سلسلة متصلة الحلقات تبدأ في مضيق هرمز وتنتهي بسعر الخبز في عطبرة والمجلاد.

الحلقة الأولى: ارتفاع أسعار النفط الخام بنسبة تتراوح بين 15% و25% في سيناريوهات الاضطراب المتوسط، وهو ما يُضيف بين 35 و50 مليون دولار سنوياً إلى فاتورة استيراد بلد لا يملك احتياطيات أجنبية تُذكر.

الحلقة الثانية: ارتفاع أقساط التأمين البحري من نحو 0.1 — 0.2% إلى ما بين 0.5% و1% من قيمة السفينة — أي ما يعادل إضافة نصف مليون إلى مليون دولار لكل رحلة ناقلة. وأسعار الشحن على خطوط الخليج — البحر الأحمر ارتفعت بين 200% و300% مقارنة بما قبل أزمة 2023.

الحلقة الثالثة: اضطر أكثر من 90 شركة شحن كبرى إلى تحويل ناقلاتها عن مسار قناة السويس إلى الطريق حول رأس الرجاء الصالح، مضيفةً بين 10 و14 يوماً إلى مدة الرحلة وما بين مليون ومليوني دولار إضافية لتكاليف الوقود

الحلقة الرابعة: الفاتورة الأعلى للاستيراد تعني طلباً أكبر على الدولار في سوق شحيح الموارد. فتنهار العملة أكثر وسعر الجازولين الذي كان 600 جنيه للتر قبيل الحرب بلغ 6,867 جنيهاً في أبريل 2026 — زيادة تتجاوز 1,044% في ثلاث سنوات. غير أن جوهر هذا الانهيار السعري يعود في الأصل إلى الحربين الداخلية والإقليمية معاً، لا إلى اضطراب هرمز وحده

الحلقة الخامسة — الأقسى: الوقود في الاقتصاد السوداني ليس سلعةً نهائية بل مُدخَل في كل شيء. يُشغّل مضخات الري وآلات الحصاد والمولدات والمخابز وشاحنات النقل. حين يرتفع سعره 1,044%، لا يرتفع بند الطاقة وحده — بل تُطلق موجة تضخم مركّبة تجتاح كل سلاسل الإنتاج. وهذا ما تُجسّده الأرقام: أسعار الغذاء ارتفعت 350% عن متوسط السنوات الخمس الماضية، والتضخم الكلي بلغ 177% بحسب صندوق النقد الدولي.

 

أرقام الصدمة المزدوجة

سعر الجازولين للتر — أبريل 2026 6,867 جنيه
الارتفاع عن ما قبل الحرب +1,044%
سعر الدولار في السوق الموازي 4,150 جنيه
تدهور العملة منذ 2023 +609%
معدل التضخم 2024 صندوق النقد الدولي 177%
ارتفاع أسعار الغذاء عن متوسط 5 سنوات +350%
السكان في انعدام الأمن الغذائي 41%

 

ثالثاً: الزراعة في مواجهة الانهيارالإمكانات الهائلة والواقع المؤلم

البلد الذي كان سلة الغذاء

يمتلك السودان أكثر من 84 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة — ما يجعله واحداً من أعظم الأراضي الزراعية في أفريقيا والشرق الأوسط. أكثر من 110 مليون رأس من الثروة الحيوانية. شبكة ري في مشروع الجزيرة تمتد على 4,300 كيلومتر من القنوات. ويستحوذ على 70% من الصادرات العالمية من الصمغ العربي. الزراعة كانت توظف نحو 80% من القوى العاملة وتشكل 33% من الناتج المحلي.

المفارقة المؤلمة — وهي العنوان الحقيقي للأزمة — أن هذا البلد الذي كان يمتلك إمكانات أن يكون سلة الغذاء الإقليمية بات في عام 2026 يعاني مجاعة تطال 41% من سكانه، ومعدل فقر مدقع وصل إلى 64 %

كيف دمرت الحرب الزراعة من أربعة محاور

المحور الأول: انهيار سلسلة المدخلات. الزراعة السودانية تعتمد شبه كلياً على مدخلات مستوردة — بذوراً وأسمدةً ومبيداتٍ ووقوداً. وقد قفز سعر اليوريا من 400 — 490 دولاراً للطن إلى نحو 700 دولار — ارتفاع بين 43% و75% — بفعل الصدمات اللوجستية المتراكمة. نحو 71% من تجار مدخلات الزراعة تعرضوا لصدمات اقتصادية حادة بحسب تقرير منظمة الفاو.

المحور الثاني: الديزل العدو الأول. الديزل في السودان ليس مجرد وقود — هو المحور الذي تدور حوله منظومة الإنتاج الزراعي بأسرها: يُشغّل مضخات الري في مشروع الجزيرة، ويُحرّك آلات الحراثة والحصاد، وينقل الإنتاج من المزارع إلى الأسواق. سعره الآن 6,867 جنيهاً للتر — أي ما يعادل 30,901 جنيه للجالون الواحد. هذا الرقم يجعل تشغيل أي آلة زراعية أو مضخة ري أمراً خارج متناول صغار المزارعين.

المحور الثالث: الاستيلاء المنظّم على المحاصيل. ولاية الجزيرة التي كانت تنتج نصف القمح السوداني تحوّلت إلى ساحة نهب. مارست قوات الدعم السريع عمليات استيلاء منظمة على المحاصيل والأسمدة على نطاق واسع. والسودان الذي يستورد أصلاً أكثر من 80% من قمحه بات شديد التعرض لأي ارتفاع في أسعار الحبوب العالمية.

المحور الرابع: تفكك القوى العاملة. النزوح الواسع اقتلع قوة العمل من مواقعها التقليدية. تحولت مساحات زراعية شاسعة إلى ممرات عسكرية. انهارت سلاسل الإمداد من مدخلات وتمويل وشبكات تسويق، بما جعل الإنتاج الزراعي متعذراً حتى في المناطق التي لم تشهد مواجهات مباشرة.

مشروع الجزيرة: نموذج الانهيار الكامل

كان مشروع الجزيرة أكبر مشروع ري في أفريقيا، وأحد أعظم إنجازات الزراعة المروية في العالم. يضم أكثر من 4,300 كيلومتر من شبكة القنوات، ويُنتج 50% من القمح السوداني و10% من الذرة. اليوم تقف مضخاته شبه متوقفة لشُح الديزل وارتفاع سعره إلى مستويات تعجز عنها الدولة والمزارع على حدٍّ سواء. النتيجة: انخفض الإنتاج الزراعي بنسبة تتراوح بين 40% و50% خلال موسم 2023 — 2024، وبين 60% و80% في مناطق النزاع المباشر.

يمتلك السودان إمكانات لأن يكون سلة الغذاء الإقليمية، لكنه في هذه اللحظة بالذات بات في حاجة ماسة إلى من يُطعمه.

رابعاً: الذهبمن ثروة وطنية إلى وقود الحرب

انقسام جغرافي على موارد الذهب

أفرز الصراع انقساماً جغرافياً واضحاً في السيطرة على مناطق التعدين. الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه يُحكمون قبضتهم على مناطق التعدين في ولايات نهر النيل والشمال والبحر الأحمر وجنوب كردفان، حيث بلغ الإنتاج الرسمي 64 طناً في عام 2024 تعادل قيمتها نحو 9.57 مليار دولار. في المقابل، تسيطر قوات الدعم السريع على مناطق التعدين في دارفور التي تمثل 30% من الإنتاج الذهبي الإجمالي.

التهريب: الاقتصاد الخفي الذي يُغذّي الحرب

الرقم الذي يكشف حجم الكارثة: وصل ما تلقّته الخزينة السودانية رسمياً من صادرات الذهب في عام 2024 إلى 183,000 دولار فقط — بينما بلغ الإنتاج الرسمي 9.57 مليار دولار. هذا يعني أن الغالبية العظمى هُرِّبت خارج القنوات الرسمية. التقديرات تشير إلى أن ما بين 80 و100 طن يُهرَّب سنوياً — ما يمثل نحو 37% من الناتج المحلي الإجمالي، بخسارة سيادية يومية تقارب 32.8 مليون دولار.

مسارات التهريب متعددة: أكثر من 100 كيلوغرام يومياً يُهرَّب إلى مصر عبر المناطق الحدودية — أي ما يتجاوز 60 طناً منذ بداية الحرب — مستفيداً من إلغاء مصر رسوم الاستيراد في مايو 2023. أما الوجهة الأكبر فهي الإمارات التي استوعبت 96.8% من الصادرات الرسمية السودانية في 2024. في مارس 2024، نُقلت مئات الكيلوغرامات من ذهب منجم سونغو إلى جنوب السودان ثم إلى الإمارات على طائرات تجارية وخاصة بحسب التقارير.

المفارقة المثيرة للتساؤل: حكومة بورتسودان التي رفعت دعوى ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية تسمح في الوقت ذاته بتصدير ذهب بأكثر من مليار دولار إليها — وهو ما يكشف عن تناقض صارخ بين الخطاب السياسي والمصالح الاقتصادية.

كلا الطرفين يُهرِّبلكن الشعب يدفع الثمن

ما يجعل هذا الواقع أكثر مرارةً أن تهريب الذهب ليس حكراً على طرف دون آخر. كلا طرفي النزاع يتحكمان في الذهب بآليات متماثلة — ما يميّز مناطق الجيش هو قدر أكبر من الشفافية الرسمية، لكن كليهما يُهرَّب الذهب بالطريقة ذاتها. يُشير تقرير لشاتام هاوس إلى أن الجيش أخرج طنّين من الذهب وأعاد بيعهما قبل سيطرة الدعم السريع على بعض مناطق التعدين. والنتيجة الحتمية: الدولة لا تحصل على الإيرادات اللازمة لشراء الوقود أو دعم الزراعة أو صرف الرواتب، بينما تتوافر الموارد الكافية لاستمرار الحرب.

أرقام الذهب السوداني

الإنتاج الذهبي الرسمي 2024 64 طناً / 9.57 مليار دولار
ما وصل الخزينة من صادرات الذهب 2024 183,000 دولار فقط
المُهرَّب سنوياً (تقدير) 80 — 100 طن
نسبة المُهرَّب من الناتج المحلي ~37%
الخسارة السيادية اليومية ~32.8 مليون دولار

 

خامساً: الثروة الحيوانيةالقطيع الذي يتآكل

بأكثر من 110 مليون رأس من الماشية والأغنام والماعز، كانت الثروة الحيوانية السودانية ركيزةً أساسية للاقتصاد وللصادرات، وسبيل ملايين الأسر للعيش. اليوم يواجه هذا القطاع مثلثاً من التهديدات المتزامنة.

التهديد الأول هو الفقد المباشر: ما يزيد على 6 ملايين رأس ماشية و2 مليون خروف ومليون ماعز فُقدت منذ اندلاع الحرب، بين ما دُمِّر في المعارك وما هُرِّب وما نفق بسبب غياب الرعاية. صادرات الثروة الحيوانية خسرت 55% من قيمتها منذ اندلاع الحرب.

التهديد الثاني هو أزمة الأدوية البيطرية: علقت إمدادات الأدوية في مراكز الشحن الخليجية جراء التوترات في هرمز والبحر الأحمر، مما يعرّض القطيع لأوبئة حيوانية قد تكون كارثية. السودان فقد معظم طاقته التصنيعية للقاحات البيطرية جراء الحرب، وبات يعتمد على استيراد لا يصل.

التهديد الثالث هو أزمة التسويق: فقد ميناء بورتسودان قدرته على استقبال سفن الحاويات الكبيرة، واضطر إلى الاعتماد على سفن ساحلية لترحيل الحاويات من ميناءَي جدة وصلالة، مما أدى إلى ازدحام وتأخيرات وارتفاع تكاليف. وانكماش حجم الحاويات العابرة عبر بورتسودان بأكثر من 30% في الربع الأول من 2026 يعني خسارة إيرادات الترانزيت وضغطاً مضافاً على الميزان التجاري.

سادساً: اقتصاد الحربعندما تأكل الحرب نفسها بنفسها

الاقتصاد الموازي يبتلع الاقتصاد الرسمي

ما يحدث في السودان ليس فقط انهياراً اقتصادياً — بل تحوّل بنيوي عميق: انتقال الاقتصاد من نموذج إنتاجي هش إلى نموذج ريعي-حربي قائم على الاستخراج غير الرسمي والتمويل غير المنظم. الاقتصاد الموازي يسيطر الآن على أكثر من 85 — 90% من النشاط الاقتصادي الفعلي. خرجت ما بين 90% و95% من الكتلة النقدية من الجهاز المصرفي. أكثر من ستة بنوك أجنبية غادرت السوق السوداني.

الصمغ العربي كنموذج للنهب المنظّم

لم يسلم الصمغ العربي الذي كان السودان يستحوذ على 70% من صادراته العالمية من براثن اقتصاد الحرب. كشف تقرير أممي صدر عام 2025 أن 14.6 مليون دولار من الصمغ المنهوب وُظِّفت لتمويل أنشطة قوات الدعم السريع في ستة أشهر فقط. وبلغت خسائر تجارة الصمغ الرسمية 200 مليون دولار حتى مطلع 2025، بات يُصدَّر الآن شبه كامل عبر قنوات غير شرعية.

الحلقة المفرغة: الموارد تُديم الحرب والحرب تُدمّر الموارد

تتكشّف معادلة مُحكمة الحلقات: كلا الطرفين يعتمد على موارد الأرض السودانية لتمويل حربه، وكلاهما يُدمّر في الوقت ذاته هذه الموارد بفعل القتال. انهار إنتاج الذهب الرسمي إلى 6.4 أطنان فحسب في 2023 إثر اندلاع الحرب. دُمِّرت مصفاة الجيلي. هُجر المزارعون وتوقفت مضخات الري في الجزيرة. حُرمت الدولة من إيرادات النفط بأكثر من 50%.

وهنا يظهر الأثر الأعمق: طالما ظل النفط والذهب قادرَين على تمويل الحرب ولو بكميات منخفضة وعبر قنوات غير رسمية، فلن يكون وقفهما حافزاً كافياً للطرفين للجنوح نحو السلام. ولهذا يتحوّل مصدر الثروة إلى لعنة تُطيل الصراع بدلاً من أن يكون طريقاً للازدهار.

سابعاً: الإنسان السودانيالكشف النهائي للأرقام

خلف الأرقام الكلية يقف إنسان سوداني تحوّل وضعه في ثلاث سنوات تحولاً جذرياً. في الجزيرة، مزارع كان يملك خمسة أفدنة وتراكتوراً واحداً — اليوم لا يستطيع تأمين وقود لمضخة الري ولا بذوراً للموسم. في بورتسودان، عامل عاد قسراً من الخليج ليجد عائلته نازحة وبيته مهجوراً. هذان الوجهان الإنسانيان يُجسّدان ما تعجز الأرقام وحدها عن قوله.

 

البطالة (2022 → 2024) من 32% إلى 58%
الفقر المدقع 64% من السكان
انعدام الأمن الغذائي الحاد أكثر من 25 مليون شخص
فقدان الوظائف 4.6 مليون وظيفة
النزوح الداخلي 8.8 مليون شخص
اللاجئون خارج البلاد 3.5 مليون
العمال المُعادون من الخليج (مارس 2026) أكثر من 220,000

 

انطلاق مظاهرات عارمة في عطبرة بعد ارتفاع سعر الخبز إلى 250 جنيهاً للقطعة ليس مجرد احتجاج على غلاء المعيشة — بل هو صرخة شعب يدفع ثمن حربين لم يصنع أياً منهما: حرب داخلية تدمر إنتاجه، وحرب إقليمية ترفع تكلفة ما يستورده وتُطيل مسارات إمداده.

خاتمة: السلام وحده لا يكفيلكنه البداية الوحيدة الممكنة

الأزمة السودانية في عام 2026 ليست أزمة شُح موارد — بلد يمتلك أكبر احتياطيات زراعية في المنطقة وعاشر احتياطيات الذهب في أفريقيا لا يمكن وصفه بالفقير في الموارد. هي أزمة حوكمة موارد، وأزمة سلام، وأزمة ترابط إقليمي جعل صدمةً بعيدة في مضيق هرمز تُجوِّع الأطفال في كردفان — وإن كانت الحربان الداخلية والإقليمية هما الأساس الذي جعل هذا الاقتصاد عاجزاً عن استيعاب أي صدمة خارجية.

المعادلة الجوهرية التي يجب استيعابها: السودان يدفع فاتورة حربين في آنٍ واحد — حرب داخلية تُدمّر الإنتاج، وحرب إقليمية ترفع تكلفة الاستيراد — وهو يفتقر تماماً إلى أي وسادة اقتصادية لاستيعاب الصدمتين معاً. أي انفراج جزئي في جبهة واحدة وحده لن يكفي.

ثمة خيط واحد يمر عبر كل فصول هذه الأزمة: الموارد التي كان يمكنها بناء بلد حُوِّلت إلى وقود لحرب تأكل هذا البلد. الذهب يُهرَّب بدلاً من أن يُموّل التعليم. النفط يُستخدم رافعةً لقوى الحرب بدلاً من أن يُشغّل مضخات الري. الأرض الخصبة تتحول إلى ممرات عسكرية بدلاً من حقول قمح.

ومن هنا تأتي التوصية التي تتخطى النداء العام بوقف إطلاق النار: لا يكفي أن يتوقف القتال — بل لا بد أن يُرفق أي اتفاق سلام بآلية دولية للإشراف على إيرادات الموارد تحول دون عودة الذهب والنفط إلى وقود لجولة صراع قادمة.

السودان لا يحتاج إلى مساعدة مؤقتة — بل إلى سلام دائم يُعيد للموارد وظيفتها الإنتاجية بدلاً من أن تكون وقوداً للحرب.

 

المصادر الرئيسية

البنك الدولي — Sudan Economic Monitor and Macro Poverty Outlook 2025

صندوق النقد الدولي — World Economic Outlook, April 2025 و2026

البنك الأفريقي للتنمية — التوقعات الاقتصادية 2024

وكالة الطاقة الدولية (IEA) — Oil Market Report Q1 2026

منظمة الفاو وبرنامج الغذاء العالمي — تقارير 2025 — 2026

Chatham House — Gold and the War in Sudan, March 2025

مجلس الأمن الأممي وفريق خبراء السودان — تقرير 2024

UNCTAD — Maritime Transport Report Q1 2026

IPC — تصنيف مراحل الأمن الغذائي 2025 — 2026

*  مقال مجتزأ من ورقة بحثية ” النفط  في قلب اقتصاد الحرب -السلطة، الموارد، واستدامة الصراع قراءة في الأثر الاقتصادي الكلي.

*عمر سيد احمد  | أبريل  2026

.sidshmed09@gmail.com                 

 

 

 

مواضيع متعلقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

التخطي إلى شريط الأدوات