تغيير العملة والحرب وتفكك الاقتصاد السوداني
مهدي داود الخليفة
لم يعد التدهور الاقتصادي في السودان مجرد أزمة معيشية عابرة أو نتيجة طبيعية لحرب طويلة، بل أصبح مؤشراً على تحلل تدريجي لبنية الدولة نفسها. فالانخفاض الحاد في قيمة الجنيه السوداني، والارتفاع الجنوني في أسعار المحروقات والسلع الأساسية، والانهيار المتسارع للنظام المصرفي، كلها مظاهر لأزمة أعمق تتعلق بفقدان الدولة لقدرتها على إدارة الاقتصاد الوطني والحفاظ على وحدة السوق والسيادة النقدية.
وفي خضم هذا الانهيار، يبرز قرار تغيير العملة كأحد أخطر القرارات الاقتصادية والسياسية التي اتُّخذت منذ اندلاع الحرب، ليس فقط بسبب توقيته، بل بسبب البيئة المنقسمة التي يُنفذ فيها. فالسياسات النقدية لا تُقاس فقط بصحتها النظرية، وإنما بقدرة الدولة على تنفيذها على كامل التراب الوطني، وهو ما يبدو غائباً في الحالة السودانية الراهنة.
تشير التطورات الاقتصادية الأخيرة إلى دخول السودان مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً من الانهيار الاقتصادي والنقدي. فقد تجاوز سعر الدولار في السوق الموازي حاجز 4250 جنيهاً، بعد أن كان يدور حول 3650 جنيهاً قبل أسابيع قليلة فقط، في مؤشر واضح على التسارع الحاد في تدهور قيمة العملة الوطنية. وتتصاعد التوقعات بأن يتجاوز سعر الدولار حاجز 10 آلاف جنيه إذا استمرت الحرب حتى نهاية العام، واستمرت معها حالة الانفلات المالي وغياب السياسات الاقتصادية الجادة والفعّالة.
وفي موازاة ذلك، شهدت أسعار الوقود ارتفاعات غير مسبوقة، إذ تجاوز سعر جالون الجازولين 41 ألف جنيه، بينما قفز سعر غاز المنازل إلى أكثر من 110 آلاف جنيه، الأمر الذي ينذر بموجة جديدة من الغلاء والتضخم ستنعكس بصورة مباشرة على تكاليف المعيشة والنقل والإنتاج، وتفاقم من معاناة المواطنين الذين يعيشون بالفعل أوضاعاً اقتصادية وإنسانية بالغة القسوة.
هذه الزيادات لم تعد مجرد مؤشرات أو أرقام اقتصادية مجردة، بل تحولت إلى واقع يومي قاسٍ يثقل كاهل المواطنين، ويهدد بشكل مباشر الأمن الغذائي والاجتماعي لملايين السودانيين. فمع تآكل القدرة الشرائية وانهيار قيمة العملة الوطنية، باتت الأسر عاجزة عن توفير أبسط احتياجاتها الأساسية، في ظل غياب سياسات اقتصادية واضحة، واستمرار الحرب، وتوسع اقتصاد المضاربات والسوق السوداء
إن ارتفاع أسعار المحروقات لا ينعكس فقط على النقل، بل يضرب كل حلقات الاقتصاد: الزراعة، الصناعة، التجارة، والخدمات. فالمزارع الذي ارتفعت عليه تكلفة الوقود والأسمدة والنقل قد يعزف عن الزراعة، والتاجر يرفع الأسعار لتعويض تدهور العملة، والمواطن يجد نفسه عاجزاً عن شراء احتياجاته الأساسية. وهكذا تدخل البلاد في دائرة تضخمية مدمرة تتآكل فيها الدخول وتنهار القدرة الشرائية بصورة متسارعة.
لكن الأخطر من الأزمة الاقتصادية نفسها هو ما أحدثته الحرب من تدمير للبنية المصرفية والمالية للدولة. فالحرب لم تقتصر على تدمير البنية التحتية والمصانع والمنازل، بل ضربت قلب النظام المالي السوداني. فقد تعطلت عشرات البنوك أو فقدت فروعها القدرة على العمل، وتوقفت خدمات مصرفية في مناطق واسعة من البلاد، بينما فقد المواطنون الثقة في الجهاز المصرفي بعد تعذر الوصول إلى حساباتهم أو سحب مدخراتهم.
وفي ظل هذا الواقع، يأتي قرار تغيير العملة ليضع السودان أمام معضلة غير مسبوقة: كيف يمكن تنفيذ سياسة نقدية موحدة في دولة منقسمة فعلياً بين سلطتين ومناطق نفوذ متحاربة؟
إن تغيير العملة في الظروف الطبيعية يُستخدم كأداة لإعادة ضبط الاقتصاد ومحاربة التضخم والكتلة النقدية غير الرسمية، لكن تنفيذه في ظل الحرب والانقسام الجغرافي قد يحوله إلى عامل إضافي لتفكيك الاقتصاد الوطني. فالمواطن في مناطق دارفور أو أجزاء من كردفان أو المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة لا يستطيع الوصول بسهولة إلى البنوك أو مراكز الاستبدال، ما يعني عملياً حرمانه من حقه في استبدال أمواله، وتحويل مدخراته إلى أوراق عديمة القيمة.
وهنا تبدأ أخطر مراحل الانقسام الاقتصادي. ففي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة تُفرض العملة الجديدة، بينما تستمر مناطق أخرى في التداول بالعملة القديمة أو تعتمد على العملات الأجنبية ووسائل التبادل غير الرسمية. ومع الوقت، يتشكل واقع نقدي مزدوج، وربما متعدد، داخل الدولة الواحدة. وهذا يعني عملياً نهاية السوق القومي الموحد، وظهور اقتصادات محلية منفصلة لكل منها سعر صرفها وقواعدها الخاصة.
إن تعدد العملات داخل السودان لا يمثل مجرد خلل اقتصادي، بل يحمل دلالات سياسية خطيرة. فالعملة ليست فقط وسيلة تبادل، وإنما رمز للسيادة الوطنية ووحدة الدولة. وعندما تفقد الدولة قدرتها على فرض عملتها على كامل أراضيها، فإنها تفقد أحد أهم مظاهر سيادتها. ولهذا فإن خطر تغيير العملة في ظل الحرب لا يكمن فقط في فشل الإجراء اقتصادياً، بل في مساهمته – بصورة غير مباشرة – في ترسيخ واقع الانقسام الجغرافي والسياسي.
ومع استمرار فقدان الثقة في الجنيه السوداني، قد تتجه بعض المناطق إلى الاعتماد الكامل على الدولار أو العملات الإقليمية المرتبطة بدول الجوار، خاصة في المناطق الحدودية التي ترتبط اقتصادياً بتشاد أو إثيوبياً أو جنوب سودانياً بحكم الضرورة التجارية. وفي هذه الحالة، يصبح الاقتصاد السوداني نفسه عرضة لإعادة التشكل خارج الإطار الوطني، حيث تتحول الولاءات الاقتصادية تدريجياً نحو الخارج بدلاً من المركز.
كما أن تآكل النظام المصرفي يفتح الباب أمام توسع الاقتصاد الموازي والسوق السوداء بصورة غير مسبوقة. فكلما ضعفت المؤسسات الرسمية، ازدهرت شبكات التحويل غير الرسمية وتجارة العملات والتهريب، وفقدت الدولة قدرتها على مراقبة حركة الأموال أو تحصيل الإيرادات. وهذا يعني أن الأزمة الاقتصادية لن تبقى أزمة تضخم فقط، بل ستتحول إلى أزمة دولة عاجزة عن تمويل نفسها أو تقديم الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
الأخطر من ذلك أن الأجيال الجديدة التي تعيش هذه الفوضى قد تفقد تماماً ثقتها في الدولة وفي أي مشروع وطني جامع. فالمواطن الذي يرى مدخراته تتبخر، والبنوك تنهار، والعملات تتغير دون ضمانات، سيبحث بطبيعته عن بدائل فردية للبقاء، لا عن الانتماء لمؤسسات فقدت قدرتها على الحماية والاستقرار.
ورغم كل هذه المخاطر، فإن الأزمة ليست قدراً محتوماً إذا ما أُدير الملف النقدي بعقلانية وطنية بعيداً عن منطق الحرب والغلبة السياسية. فنجاح أي عملية لتغيير العملة يتطلب أولاً الاعتراف بأن السودان يعيش حالة استثنائية لا يمكن إدارتها بالأدوات التقليدية.
ولهذا، فإن أي إصلاح نقدي حقيقي يجب أن يقوم على عدة مرتكزات أساسية:
أولاً، تنفيذ عملية الاستبدال بصورة تدريجية ومرنة تراعي الأوضاع الأمنية والإنسانية، مع تمديد الفترات الزمنية في المناطق المتأثرة بالحرب، وعدم حرمان المواطنين من حقوقهم بسبب ظروف خارجة عن إرادتهم.
ثانياً، تحييد القرار النقدي عن الصراع السياسي والعسكري، لأن تقديم العملة الجديدة كأداة انتصار لطرف ضد آخر سيقوض مشروعيتها الوطنية ويزيد من احتمالات رفضها في أجزاء واسعة من البلاد.
ثالثاً، توفير ضمانات قانونية واضحة لحماية مدخرات المواطنين، بما في ذلك الاعتراف المؤقت بالعملة القديمة خلال مرحلة انتقالية، حتى لا يتحول القرار إلى عملية مصادرة جماعية للمدخرات.
رابعاً، تطوير أدوات دفع بديلة، مثل الخدمات المصرفية عبر الهاتف وشبكات الوكلاء المحليين، لتجاوز ضعف البنية المصرفية وانهيار فروع البنوك في مناطق واسعة.
خامساً، ربط الإصلاح النقدي بإصلاح اقتصادي شامل يعالج جذور الأزمة، لأن تغيير شكل العملة دون معالجة التضخم وعجز المالية العامة وتدهور الإنتاج لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيداً.
إن السودان اليوم لا يواجه مجرد أزمة عملة، بل يواجه أزمة ثقة شاملة في الدولة والاقتصاد والمؤسسات. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تنجح الحكومة في استبدال العملة؟ بل: هل يستطيع السودان الحفاظ على وحدة اقتصاده ودولته في ظل هذه الحرب الطويلة؟
فإذا أُديرت العملية بعقلية وطنية شاملة، قد تكون بداية لاستعادة الثقة وإعادة بناء الدولة، أما إذا أُديرت بمنطق الإقصاء والسيطرة، فقد تتحول إلى محطة جديدة في مسار التفكك والانهيار، حيث لا يصبح الخطر على الجنيه وحده، بل على فكرة السودان نفسها كدولة موحدة.



آخر التعليقات