الجمعة, أبريل 17, 2026
الرئيسيةاقتصاد سياسيالمؤسسة التعاونية للقوات المسلحة ( وزارة مالية الكيزان)...أسامة كنينة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شيوعاً

آخر التعليقات

المؤسسة التعاونية للقوات المسلحة ( وزارة مالية الكيزان)…أسامة كنينة

 

المؤسسة التعاونية للقوات المسلحة ( وزارة مالية الكيزان) :

شركة زادنا العالمية (Zadna International Co. for Investment Ltd)

من التكوين إلى اليوم (1997 – 2026)

أسامة كنينة *

ـــــــــــــــــــــــــــ

أولاً: مرحلة التكوين والتمكين (1997 – 2019)

تأسست شركة زادنا عام 1997 في ذروة حكم نظام الإنقاذ، الذي كان يسيطر عليه المشروع الإسلامي بالكامل (الحركة الإسلامية السودانية والمؤتمر الوطني). أُنشئت كشركة قابضة تضم مئات الشركات، بتمويل ودعم مباشر من الحكومة، والبنك الزراعي السوداني، والنظام السياسي آنذاك، وذلك ضمن سياسة “التمكين الاقتصادي” الشاملة.

كانت الغاية الأساسية من تأسيسها توليد إيرادات مستقلة خارج الخزينة العامة التقليدية، وضمان استقلالية مالية للمشروع الإسلامي والمؤسسة العسكرية المرتبطة به. ارتبطت زادنا في بداياتها بنظام التصنيع الدفاعي (DIS)، وتركزت أنشطتها الأولى على الزراعة والإنتاج الحيواني، مع امتداد لاحق إلى قطاعي التشييد واللوجستيات.

في هذه المرحلة، كانت زادنا أداة اقتصادية واضحة للحركة الإسلامية، تساهم في بناء شبكة اقتصادية موازية تعتمد على كوادر وولاءات النظام السابق.

ثانياً: في سياق شبكة التمكين الإسلامي

لم تكن زادنا وحيدة في هذا المشروع. فخلال فترة التمكين (1989-2019)، أنشأت الحركة الإسلامية شبكة واسعة من الشركات والمؤسسات الاقتصادية للسيطرة على المفاصل الحيوية وتوليد إيرادات مستقلة. من أبرز هذه الكيانات:

  • البنوك الإسلامية: بنك فيصل الإسلامي السوداني (مع شركات تابعة مثل شركة التأمين الإسلامية والشركة الفيصلية)، بنك التضامن الإسلامي، بنك البركة السوداني، والبنك الإسلامي السوداني. كانت هذه البنوك أدوات رئيسية لتوجيه التمويل وفق الشريعة مع تفضيل كوادر الحركة.
  • منظمة الدعوة الإسلامية (MADA): إحدى أكبر الكيانات الاقتصادية المرتبطة بالحركة، امتلكت أراضٍ واسعة ومشاريع استثمارية في الزراعة والعقارات والتعليم والصحة.
  • شركات بارزة أخرى: شركة سين للغلال والتنمية، شركة منتجات البترول (أمان)، شركة هولبورن للتجارة والاستثمار، وشركات مقاولات كبرى حصلت على عقود حكومية ضخمة.

كانت هذه الشبكة معقدة و”رمادية” في كثير من الأحيان؛ مملوكة اسميًا للدولة أو لجهات عامة، لكنها تُدار فعليًا من خلال ولاءات وكوادر الحركة الإسلامية. بعد عام 2019، حاولت لجنة تفكيك نظام الإنقاذ استرداد بعض هذه الأصول، إلا أن العديد منها (مثل زادنا) نُقلت تبعيتها إلى صناديق عسكرية لحمايتها.

ثالثاً: مرحلة ما بعد الثورة والحماية (2019 – 2022)

بعد سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، شكّلت الحكومة الانتقالية لجنة تفكيك نظام الإنقاذ (لجنة إزالة التمكين)، التي حاولت الوصول إلى الشركات والأصول المرتبطة بالنظام السابق، بما فيها زادنا.

لكن الفريق أول كوز عبد الفتاح البرهان اتخذ إجراءات استباقية تمثلت في:

  1. نقل تبعية الشركة مباشرة من نظام التصنيع الدفاعي إلى الصندوق الخاص للتأمين الاجتماعي للقوات المسلحة (SFSSAF).
  2. تعيين الفريق المرغني إدريس سليمان (حليف مقرب ومدير نظام التصنيع الدفاعي سابقًا) رئيسًا لمجلس إدارتها.

وهكذا تحولت زادنا من شركة مرتبطة صراحة بالتمكين الإسلامي إلى شركة تختبئ خلف غطاء المؤسسة العسكرية وتقديمها كـ”مؤسسة قومية”، لحمايتها من الرقابة المدنية وإجراءات التفكيك.

رابعاً: مرحلة الحرب والتعزيز (2023 – 2026)

مع اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، تعزز دور زادنا كمصدر إيرادات رئيسي للحركة الإسلامية (التي تدير الجيش نفسه) خارج الميزانية العامة.

  • العقوبات الدولية (يناير 2024): فرضت وزارة الخزانة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وبريطانيا عقوبات على الشركة، ووصفتها الخزانة الأمريكية بأنها “مركبة لغسل أموال الحركة الاسلامية” و”أحد أهم مكونات الإمبراطورية التجارية للجيش”. العقوبات ما زالت سارية حتى عام 2026.

رغم ذلك، استمرت الشركة في توسيع أنشطتها تحت قيادة المدير العام الدكتور طه حسين يوسف، وشملت أنشطتها الرئيسية:

  • الزراعة والإنتاج الحيواني (النشاط الأساسي): مشروع “زادي 1” (أكبر مشروع زراعي متكامل بولاية نهر النيل بمساحة تقدر بـ600 ألف فدان وقابل للتوسع إلى مليون فدان) يعتمد على 3500 وحدة ري محوري. يشمل إنتاج القمح والذرة والأعلاف، إضافة إلى تسمين عشرات الآلاف من العجول، وأبقار حلوب، ودواجن، ومسالخ، ومدابغ.
  • التعدين: التوسع في قطاع الذهب عبر مذكرات تفاهم مع الشركة السودانية للموارد المعدنية، وإنشاء “مدينة الذهب” كمجمع متكامل للمعالجة وتعظيم القيمة المضافة.
  • الأنشطة المساندة: التشييد والبنية التحتية (تطوير مطار عطبرة، إعادة تأهيل مشروع القاش في كسلا)، واللوجستيات والنقل والتخزين، وبرامج البحوث الزراعية والبيئية.

مفارقة العطاءات الحكومية:

في مشهد يكشف طبيعة “الدولة داخل الدولة”، تقوم شركة زادنا – المملوكة لصندوق التأمين الاجتماعي للقوات المسلحة – بالتوقيع على عقود إنشائية ضخمة مع حكومة السودان ذاتها. المفارقة هنا أن الحكومة تمنح العطاء لذراعها العسكري، لكنها في الغالب لا تدفع نقداً من الخزينة العامة المنهكة، بل تُسدد عبر إعفاءات ضريبية وجمركية واسعة، أو تمنح مقابل المشاريع حقوق انتفاع بأصول الدولة (كالمطارات والطرق). هكذا تخرج أصول الدولة ومنشآتها الحيوية من الدورة المحاسبية المدنية لتصبح ضمن “الصندوق الأسود” للمؤسسة العسكرية، بعيداً عن أي رقابة مالية عامة.

في عام 2025، احتفلت الشركة بـ”عام الصعود ومجابهة التحديات”، وأعلنت عام 2026 عام “القيمة المضافة والانطلاق”، مع التوسع في برنامج “التنمية المتوازنة” الذي يشمل ولايات نهر النيل، الشمالية، النيل الأبيض، كسلا، والنيل الأزرق.

الخلاصة

منذ تأسيسها عام 1997 كأداة اقتصادية لمشروع الحركة الإسلامية ضمن سياسة التمكين، مرورًا بحمايتها خلف الجيش بعد 2019، وصولًا إلى دورها الحالي كمصدر إيرادات مستقل للمؤسسة العسكرية أثناء الحرب، ظلت زادنا رافعة اقتصادية استراتيجية تحافظ على استقلاليتها المالية بعيدًا عن الرقابة المدنية والخزينة العامة.

رغم الإنجازات المعلنة في الزراعة والتعدين، يظل السؤال الجوهري قائمًا: أين تذهب العائدات بالضبط، ولماذا لا يلمس المواطن السوداني تأثيرها الملموس في مواجهة الجوع والانهيار الاقتصادي؟

هذا التاريخ يجعل زادنا نموذجًا واضحًا لـ”الدولة داخل الدولة” الاقتصادية في السودان: مشاريع ضخمة بإمكانيات هائلة، لكن مع غموض مستمر حول مصير الثروة الوطنية، بل إن الدولة الرسمية باتت مجرد زبون متعاقد مع كيانها الموازي.

kaneenaosama@gmail.co*

مواضيع متعلقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

التخطي إلى شريط الأدوات