إلغاء وزارة الري: قرار فني أم تنازل سيادي؟
بقلم: م. كمال السني حاج مدني
في الدول التي تعي معنى السيادة، لا تُمس مؤسساتها المرتبطة بالموارد الاستراتيجية إلا بعد نقاش وطني واسع، ودراسات عميقة، ومبررات تقنع المختص قبل السياسي. أما في حالتنا السودانية، فيبدو أن القرارات الكبرى تُتخذ بخفة لا تتناسب مع خطورتها، ومن أخطرها على الإطلاق: إلغاء وزارة الري والموارد المائية.
هذا القرار لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري عابر، بل هو—في جوهره—إضعاف مباشر لأحد أهم أعمدة السيادة الوطنية.
وزارة الري ليست مجرد وزارة، بل عقل الدولة في إدارة المياه.
هي المؤسسة التي راكمت خبرة تمتد لعقود في التعامل مع نهر معقد مثل النيل، وفي إدارة منظومات الري الكبرى، وفي ضبط التوازنات الدقيقة بين الاستخدامات الزراعية والاستراتيجية.
وليس من قبيل المبالغة القول إن هذه الوزارة كانت من أنظف وأكفأ مؤسسات الدولة السودانية:
كادر مهني مؤهل تأهيلاً عالمياً
تقاليد فنية راسخة
قدر نسبي من العزلة عن العبث السياسي مقارنة بغيرها
فإذا كانت هذه هي المؤسسة التي تُلغى، فماذا يُبقى؟
الأخطر من ذلك هو التوقيت والسياق.
نحن نعيش في لحظة إقليمية شديدة الحساسية فيما يتعلق بملف المياه، في ظل صراعات خفية ومعلنة بين دول الحوض، وعلى رأسها مصر وإثيوبيا، حيث لم يعد الماء مجرد مورد، بل أصبح أداة نفوذ وصراع.
في مثل هذا التوقيت، تقوم الدولة بإضعاف جهازها الفني السيادي المختص بالمياه؟
هذا ليس إصلاحاً… بل يفتح الباب لتساؤلات مشروعة:
من المستفيد من إضعاف الخبرة السودانية المتراكمة في إدارة النيل؟
ولماذا يتم تفكيك مؤسسة قوية بدلاً من إصلاح المؤسسات الضعيفة؟
وهل نحن أمام قرار وطني خالص… أم استجابة لضغوط وتوازنات إقليمية غير معلنة؟
لسنا هنا بصدد إطلاق اتهامات جزافية، لكننا أيضاً لسنا مطالبين بتصديق أن مثل هذه القرارات تُتخذ في فراغ.
في عالم السياسة، لا توجد قرارات بريئة تماماً، خاصة حين تتعلق بالموارد الاستراتيجية.
إن إلغاء وزارة الري لا يعني فقط فقدان هيكل إداري، بل يعني:
تهميش الكادر الفني الوطني
إضعاف القدرة التفاوضية للسودان في ملف المياه
فتح المجال لتدخلات خارجية—مباشرة أو غير مباشرة—في إدارة مورد سيادي
الخلاصة: إذا كانت الدولة عاجزة عن حماية مؤسساتها الكفؤة، فكيف ستحمي مواردها؟
وإذا كنا نفرط في أدواتنا الفنية، فبأي أدوات سندير صراع المياه في المستقبل؟
إن إعادة وزارة الري ليست مطلباً فنياً فحسب، بل هي استعادة لجزء من السيادة الوطنية.
والتاريخ لا يرحم الدول التي تفرط في مواردها… ولا في مؤسساتها.
والله المستعان.



آخر التعليقات