الأحد, فبراير 5, 2023
الرئيسيةبحوث ودراسات اقتصاديةبحوث وأوراق لعنةُ الموارد: دورُ النفط في انفصال جنوب السودان...دكتور سلمان محمد أحمد سلمان
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شيوعاً

آخر التعليقات

 لعنةُ الموارد: دورُ النفط في انفصال جنوب السودان…دكتور سلمان محمد أحمد سلمان

                                           

مقدمة/
يُسْتخدمُ مُصطلحُ “لعنة الموارد” في إشارةٍ إلى مفارقةِ أن البلدان التي تمتلك قدراً من الموارد الطبيعية غير المتجدّدة مثل النفط والمعادن – خصوصاً في العالم الثالث – تتجه في الغالب الأعم إلى نموٍّ اقتصاديٍّ محدود، وفشلٍ في استخدام عائدات المورد الجديد في التنمية، ومديونية خارجية عالية، مع استشراء الفساد.

 وتمتد لعنةُ المواردِ إلى إهمال وتدهور القطاع الزراعي الذي كان مرتكزَ الاقتصاد، في معظم الحالات، قبل اكتشاف المورد الجديد وينتج عن هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي الجديد، في معظم الحالات، نظامٌ سياسيٌ مستبدٌّ وأحادي. وقد يتدهور الوضع السياسي والأمني نتيجة لعنةِ الموارد المُتمثّل في سوء استخدامها والمشاركة فيها، ويقود إلى حروب أهلية كما حدث في أنقولا وموزمبيق وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وإلى محاولات انفصال جزءٍ من القطر كما حدث في نيجيريا.
وقد امتدت لعنة الموارد إلى السودان، إثر اكتشاف النفط، لتشملَ كلَّ ما ورد ذكره سابقاً. فقد تمّ إهمال القطاع الزراعي إهمالاً تاماً خلال سنواتِ النفط، وانهار مشروعُ الجزيرة – أكبر مشروع ريٍّ في العالم تحت إدارة واحدة. وارتفعت مديونية السودان الخارحية فجأةً وبصورةٍ كبيرة بسبب استخدام النفط كضمانة لتلك الديون وقد لعب النفطُ دوراً محورياً وكبيراً في قضية الجنوب، وأدّى، مع عوامل أخرى، إلى انفصال جنوب السودان، كما سنناقش في هذا البحث.

كيف أدى النفط إلى إنفصال جنوب السودان؟/ 

شهد عام 1972 توقيع اتفاقية أديس أبابا بين الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري وحركة تحرير جنوب السودان بقيادة السيد جوزيف لاقو. توقّفت الحرب الأهلية في السودان لأوّلِ مرّة منذ عام 1955، وبدأ السودان ما اعتقدت الحكومة وجزءٌ كبير من الشعب السوداني أنها بداية السلام والتنمية في البلاد.
امتدت يدُ التنمية إلى مجال البحث عن النفط. وقد أعلنت شركة شيفرون الأمريكية اكتشاف النفط بكمياتٍ كبيرةٍ وتجارية في جنوب السودان في عام 1978. بدأت الحكومة في التخطيط لاستخراجه وتكرير جزءٍ منه للاستعمال المحلّي، وتصدير الجزء المتبقِّي. وقامت الوفود الحكومية بالطواف على المنظمات المالية الدولية والإقليمية للبحث عن الممولين الذين شملت قائمتهم البنك الدولي والصناديق العربية، وكذلك البنوك التجارية.وعمّت الفرحةُ والاحتفالات أرجاء البلاد. فقد تمّ اكتشاف النفط في السودان في وقتٍ وصل السعر العالمي للبرميل إلى رقمٍ لم يشهده العالم من قبل، ولم يتوقّعه اقتصاديو النفط، وفي وقتٍ كان الوضع الاقتصادي في السودان في أسوأ حالاته.
 
غير أن الرئيس جعفر نميري كان قد أصبح في تلك الفترة ديكتاتوراً مطلقاً بعد سحقه لعددٍ من محاولات الانقلاب العسكري على حكمه. وامتدت يد النميري إلى اتفاقية أديس أبابا، إنجازه الذي كان يمكن أن يميّزه عن غيره من السياسيين السودانيين، وبدأ في تمزيق الاتفاقية يوماً بعد الآخر، ومادةً بعد الأخرى.
بدأ العقيد نميري نقض اتفاقية أديس أبابا بالتدخّل بصورةٍ سافرة في أعمال مجلس الشعب الإقليمي والمجلس التنفيذي العالي في الإقليم الجنوبي. أمر العقيد نميري السيد أبيل ألير عام 1978 بسحب ترشيحه لرئاسة المجلس التنفيذي ليحلَّ محله السيد جوزيف لاقو، وتمّ له ذلك على مضضٍ من السيد أبيل ألير وأنصاره. ثم واصل العقيد نميري تدخّله وأبعد السيد كلمنت أمبورو من رئاسة مجلس الشعب الإقليمي، ثم قام فجأةً في أكتوبر عام 1980 بحلِّ مجلس الشعب الإقليمي والمجلس التنفيذي، واستبدل السيد جوزيف لاقو بالسيد قسم الله رصاص. كما قام العقيد نميري أيضاً بتعيين أعضاء المجلس التنفيذي وحكّام المديريات الثلاثة بالإقليم الجنوبي. كان كلُّ ذلك التدخّل خرقاً واضحاً لاتفاقية أديس أبابا التي قضتْ بأن يكون تعيين رئيس المجلس التنفيذي وعزله من اختصاصات رئيس الجمهورية، ولكن بناءً على توصية مجلس الشعب الإقليمي. كما أوضحت الاتفاقية أن تعيين وعزل أعضاء المجلس التنفيذي من اختصاص مجلس الشعب الإقليمي. ثم قام الرئيس نميري بالخرق الأكبر لاتفاقية أديس أبابا بتقسيمه الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم، ناسِفاً بذلك الأرضية التي انبنتْ عليها اتفاقية أديس أبابا.
 
قرّرتْ حكومة نميري بعد أسابيع من اكتشاف النفط في جنوب السودان عام 1978 عن نيتها بناء مصفاة في مدينة بانتيو في الجنوب. لكن نفس الحكومة عادت في بداية الثمانينيات وعدّلت عن قرارها، وأعلنت أن المصفاة سوف يتمّ بناؤها في مدينة كوستي في شمال السودان، بدلاً عن مدينة بانتيو، وأن التخطيط قد تمّ لبناء خط أنابيب لنقل النفط إلى ميناء بورتسودان.
إضافةً إلى هذا فإن الحكومة لم تتحدّث عن أيّةِ نسبةٍ من عائد النفط يتمُّ تخصيصها لجنوب السودان. أغضبتْ هذه القرارات السياسيين وشعب جنوب السودان الذين رأوا أن نفطهم سوف يتمّ تصفيته في شمال السودان لاستعماله هناك، بدلاً من القرار السابق بإقامة المصفاة في بانتيو. كما سيتم تصدير النفط عن طريق الشمال دون أن يكون هناك أيُّ عائدٍ ماديٍ أو عينيٍ للجنوب، ودون حتى مشاركة الحكومة الإقليمية في إدارة أو في عائدات النفط المكتشف في أراضيهم، وداخل إقليمهم.
 
وكأنَّ هذه التطورات لم تكن كافية لإثارة القلاقل في الجنوب، فقد بدأت الحكومة السودانية والحكومة المصرية في عام 1978 في بناء قناة جونقلي لتجفيف أجزاءٍ من مستنقعات جنوب السودان وإضافة مياهها للنيل الأبيض لاستخدامات السودان ومصر، دون أيّة تعويضاتٍ للمجموعات القبلية المتضرّرة من القناة، أو أيّة استخداماتٍ للمياه في الجنوب.
 
ثم بدأ الحديث في أوساط الدوائر السياسية والأكاديمية الجنوبية أن حكومة الخرطوم قد قامتْ بإعادة رسم الحدود بين شمال وجنوب السودان، واقتطعتْ أراضي واسعة حول مناطق البترول في منطقة بانتيو بالجنوب، تمَّ اكتشاف النفط فيها، وقامت بضمِّها لشمال السودان.
ونشب نزاعٌ حول الأراضي الزراعية في منطقة الرنك وجودة، واتهم الجنوبُ الشمالَ بالاستيلاء على هذه المناطق وضمّها للشمال. كما أنه لم يتم الاتفاق رسمياً على الحدود بين الشمال والجنوب والتي تمتد لمسافة ألفي كيلومتر. ورفض مجلس الشعب الإقليمي في عام 1980 خريطة السودان التي رسمت الحدود بين الشمال والجنوب، والتي كان مجلس الشعب القومي قد اعتمدها.
 
وكانت حكومة الفريق إبراهيم عبود قد واجهت اتهاماتٍ مماثلة في ستينيات القرن الماضي. فقد ادّعت قيادات جنوبية سياسية وأكاديمية متعدّدة أن الفريق عبود قام بضمِّ منطقة حفرة النحاس الجنوبية إلى مديرية دارفور إثر اكتشاف كمياتٍ من المعادن، من بينها النحاس، في تلك المنطقة الجنوبية. وهذه المنطقة تقع ضمن المناطق المتنازع عليها الآن بين السودان وجنوب السودان، والتي ما يزال الطرفان يتفاوضان عليها.
 
أدّت تلك التطورات السلبية المتسارعة بين الشمال والجنوب في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات إلى ميلاد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور جون قرنق في شهر مايو عام 1983، واندلاع الحرب الأهلية الثانية في السودان. وساهم إعلان قوانين سبتمبر بواسطة الرئيس نميري في تقوية الحركة الشعبية ومدِّها بمزيدٍ من الذخيرة السياسية وأعدادٍ كبيرة من المتطوعين.
وقد ساهم برنامج الحركة الشعبية للسودان الجديد القائم على المواطنة في جذب أعدادٍ متزايدةٍ من الشماليين إلى صفوف الحركة. وأصبح المتطوّع الشمالي يحارب جنباً إلى جنب المحارب الجنوبي ضد حكومة الخرطوم.
 كانت مشاريع النفط والمياه في جنوب السودان من أوائل الأهداف العسكرية للحركة الشعبية. قامت الحركة في شهر نوفمبر عام 1983 (بعد شهورٍ فقط من إعلان ميلادها) بإنذار شركة شيفرون بوقف نشاطها في قطاع النفط في جنوب السودان. وتبعتْ ذلك الإنذار بهجومٍ عسكريٍ ناجحٍ على معسكر الشركة، وعلى أحد مواقع النفط الرئيسية، مما أدّى إلى إغلاق الشركة لكل عملياتها وانسحابها التام من الجنوب.

كانت تلك ضربةً موجعةً وقاسيةً لنظام نميري الذي بدأ يخطّط للاستفادة من نفط الجنوب لحلّ الضائقة الاقتصادية الحادة التي كانت تحاصر السودان. وكان السودان قد وصل مرحلةً متقدّمة في المفاوضات مع بعض المنظمات المالية الدولية والإقليمية والعربية لتمويل خط الأنابيب من مواقع إنتاج البترول إلى بورتسودان، وكذلك المصفاة المزمع قيامها في مدينة كوستي بشمال السودان.
 
كانت الضربة الموجعة الثانية هي لقناة جونقلي. فبعد الإنذار الذي وجهته الحركة الشعبية لشركة “سي سي آي” الفرنسية (التي كانت تقوم بحفر القناة) في نوفمبر عام 1983 بوقف حفر القناة، قامت الحركة في فبراير عام 1984 بهجومٍ على معسكر الشركة، وتدمير أجزاء منه، واختطاف عددٍ من موظفي الشركة والعبور بهم إلى إثيوبيا حيث كانت قد أقامت بعض معسكرات التدريب. وأوقفتْ الحركةُ بذلك الهجوم العملَ نهائياً في قناة جونقلي بعد الانسحاب الكامل للشركة الفرنسية في ذلك الشهر.
توالت انتصارات الحركة الشعبية، واستطاعت أيضاً في فبراير عام 1984 ضرب مطار جوبا الذي كانت تُجرى فيه عمليات توسيع وتحديث منذ عام 1982. وذكرت الحركة في بياناتها أنها بضربها مطار جوبا فقد أوقفتْ الإمدادات العسكرية والغذائية التي كانت الخرطوم ترسلها إلى الجيش السوداني في جنوب السودان، وإلى مواقع النفط وقناة جونقلي.
 
نتج عن هذه الانتصارات الثلاثة المتوالية، والتي جاءت بعد شهورٍ فقط من ميلاد الحركة الشعبية لتحرير السودان، دويٌّ هائلٌ ليس فقط في الخرطوم، بل امتد ليصل إلى القاهرة وباريس وواشنطن، وغرباً حتى ولاية كاليفورنيا، مقر شركة شيفرون.
عليه فقد كان مورد النفط عاملاً أساسياً في اندلاع الحرب الأهلية الثانية في السودان، والتعجيل بالهجوم الكبير والناجح على مواقع آبار النفط وإغلاقها قبل البدء في الإنتاج، وإجبار شركة شيفرون على وقف إنتاج النفط، ومغادرة جنوب السودان نهائياً.

 لكنَّ لعنةَ المواردِ كانت قد بدأت عملها وبسرعةٍ في جسد الاقتصاد السوداني المنهك الهش. فقد بدأ السودان في الاستدانة من المصارف التجارية، وفتح اقتصاديو صندوق النقد الدولي خزائنهم بسخاءٍ لنظام نميري. وكانت ضمانة الدائنين هي النفط الذي تمَّ اكتشافه في جنوب السودان. ويبدو أن اقتصاديي صندوق النقد الدولي لم يشملوا في دراستهم عن نفط واقتصاد السودان المخاطر التي يمكن أن تنتج عن تجدّد القتال في جنوب السودان.
ولا بُدّ من الإشارة هنا إلى أن نظام نميري كان قد أصبح الطفلَ المدلّل للغرب بعد أن قام بالضرب بيدٍ من حديد على الحزب الشيوعي السوداني، أكبر الأحزاب الشيوعية في العالم العربي وأفريقيا في ذلك الوقت، إثر الانقلاب الفاشل للحزب في شهر يوليو عام 1972.
كما أن نظام نميري (والذي كان قد أصبح نظاماً إسلامياً متكاملاً وقتها) سمح لإسرائيل في شهر نوفمبر عام 1984 بترحيل اليهود الفلاشا من إثيوبيا إلى السودان، ثم نقلهم بالطائرات الإسرائلية من داخل السودان لدولة إسرائيل مباشرةً. ونال السودان بذلك العمل المزيد من الرضاء من أمريكا ودول الغرب الأخرى ومؤسساتها المالية.
 
أفاق صندوق النقد الدولي على ديون السودان المتزايدة للصندوق إثر الضربة الناجحة التي قامت بها الحركة الشعبية لمواقع النفط في جنوب السودان، والانسحاب الكامل لشركة شيفرون من السودان في بداية عام 1984. كانت قروض الصندوق للسودان قروضاً قصيرة الأمد، وكبيرة الحجم، وبأسعار فائدةٍ عالية، لاقتصادٍ هشٍّ ومحدود الإنتاج.
بدأ حلول سداد الجزء الأكبر من الديون تلك في النصف الثاني من عام 1984. وبما أن توقّعات إنتاج وترحيل وبيع نفط السودان لسداد تلك الديون كانت قد تبخّرتْ تماماً بذاك الوقت، فقد كان على إداريي صندوق النقد الدولي مواجهة ذلك الوضع الحرج. وبات واضحاً لصندوق النقد الدولي أنه بلا نفط فلن يستطيع السودان تسديد المستحقات من ديونه للصندوق. وقد حدث ذلك بالفعل، ولم يستطع السودان سداد قسطٍ واحدٍ من مديونيته لصندوق النقد الدولي.
في شهر سبتمبر عام 1984 أصبح السودانُ أولَ دولةٍ في تاريخ صندوق النقد الدولي تفشل في سداد ديونها للصندوق. وأعلن مجلسُ إدارة الصندوق السودانَ دولةً غير متعاونة في بداية عام 1985، وأصبح السودانُ بذلك أولَ دولةٍ في تاريخ صندوق النقد الدولي تنال تلك الصفة.
عند زيارته لواشنطن في نهاية شهر مارس عام 1985، التقى الرئيس جعفر نميري ببعض إداريي صندوق النقد الدولي. وقد أوضح له أولئك الإداريون خطورةَ الموقف، وطالبوه بالاستعانة بالصناديق العربية والإدارة الأمريكية لسداد تلك الديون. وكانت ديون السودان لصندوق النقد الدولي تقترب بسرعةٍ في شهر مارس عام 1985 من ستمائة مليون دولار.
انهار نظام نميري في بداية شهر أبريل عام 1985، دون أن يتقدّم خطوةً واحدة في اتجاه حلِّ مشكلة مديونيته لصندوق النقد الدولي. وبسببِ إعلان السودان دولة غير متعاونة فقد توقّفت معظم المنظمات المالية الأخرى من التعامل مع السودان. وهكذا تمدّدت لعنة الموارد عبر شرايين اقتصاد السودان الهش المنهك، وعبر حكوماته المتعاقبة.
زار وفدٌ وزاريٌ من حكومة الانتفاضة واشنطن في شهر يوليو عام 1985، واجتمع مع موظفي وإداريي صندوق النقد الدولي لمناقشة ديون السودان للصندوق والتي كانت تقترب بسرعة وقتها من سبعمائة مليون دولار، وكذلك ديونه لبقية المنظمات المالية الدولية والبنوك التجارية، والتي كادت أن تصلَ إلى تسعة مليار دولار. وقد سبقت زيارة ذلك الوفد زيارةٌ قام بها رئيس وزراء حكومة الانتفاضة الدكتور الجزولي دفع الله لواشنطن.
غير أن همَّ اقتصاديي وإداريي صندوق النقد الدولي كان دفعَ السودان لديونه للصندوق، وطيَ ذلك الملف الحرج للصندوق. عليه فقد انتهى الاجتماع من حيث بدأ، وعاد الوفد الوزاري لحكومة الانتفاضة إلى الخرطوم خالي الوفاض.
 
وقد استقال السيد عوض عبد المجيد وزير المالية في حكومة الانتفاضة في شهر يناير عام 1986 بسبب الخلافات مع زملائه في الحكومة حول الإجراءات الاقتصادية التي يستلزم القيام بها لمواجهة الوضع الاقتصادي الحرج الذي كانت البلاد تواجهه.
تمّ تعيين الدكتور سيد أحمد طيفور وزيراً للمالية خلفاً للسيد عوض عبد المجيد. وقد زار السيد سيد أحمد طيفور واشنطن واجتمع مع إداريي صندوق النقد الدولي في شهر فبراير عام 1986. حاول الدكتور طيفور شرحَ الظروف الاقتصادية الحرجة التي يواجهها السودان، وناشد الصندوقَ تأجيل وقت سداد ديون السودان للصندوق بعام. غير أن همَّ إدارةِ الصندوق كان دفع السودان لديونه التي حان وقت سدادها، وانتهى الاجتماع بلا اتفاق.
 
ورثت حكومةُ السيد الصادق المهدي الائتلافية في أبريل عام 1986 ذلك الوضع الحرج وديون السودان الخارجية، والتي كانت تقترب من العشرة مليار دولار.
غير أن تنصّل السيد الصادق المهدي من إعلان كوكا دام، ورفضه إلغاء قوانين سبتمبر، وعلاقاته الوطيدة بجمهورية إيران الإسلامية (التي كانت على خلافٍ حاد مع الغرب وقتها)، وتصعيد الحرب في الجنوب، زادت علاقة السودان بالغرب، والوضع الاقتصادي، تعقيداً وسوءاً. وقد انهارت بسرعة الآمال العريضة لوقف الحرب في الجنوب وتبخّرت معها آمالُ عودةِ شركة شيفرون لتعاود إنتاج النفط في جنوب السودان.
وقد انهارت لتلك الأسباب أيضاً الاتفاقية المبدئية التي كان يمكن بموجبها سداد ديون السودان لصندوق النقد الدولي بمنحٍ وديونٍ طويلة الأمد للسودان من بعض دول الغرب. وزادت العلاقات بين السودان وصندوق النقد الدولي ارتباكاً وتعقيداً، وزادت ديونه للصندوق ولبقية المنظمات المالية والبنوك التجارية في حجمها. وجاءت زيارة السيد الصادق المهدي لواشنطن ونيو يورك في شهر سبتمبر عام 1986 بنتائج عكسية لتوقّعاته وتوقّعات حكومته.
 
انهارت حكومة السيد الصادق المهدي تحت دبابات الإنقاذ في 30 يونيو عام 1989. كانت مديونية السودان لصندوق النقد الدولي في ذاك الوقت تقترب من المليار دولار، بينما كانت ديونه الخارجية تقترب من ثلاثة عشر مليار دولار.
ظلَّ السودان مُصنّفاً كدولةٍ غير متعاونة بواسطة صندوق النقد الدولي. ثم أعلن الصندوقُ تعليقَ حقِّ السودان في التصويت في مجلس الإدارة كخطوةٍ لاحقةٍ تلقائية لتصنيف السودان كدولة غير متعاونة.
 
وهكذا بدأت وتواصلت لعنة الموارد على السودان. فقد تبخّرت أحلام استخراج وتصدير النفط، وحلَّ مكان ذلك الحلم كابوسُ ديون السودن الخارجية، والتي ظلّت تزداد يوماً بعد الآخر بسبب تراكم الفائدة والعقوبات على عدم السداد.
وكما ذكرنا أعلاه فقد اشتعلت الحرب الأهلية في السودان في مايو عام 1983 بسبب عوامل كثيرة من بينها اكتشاف النفط في السودان، والذي كان جُلُّه في جنوب السودان.
وقد قرّرت حكومة الإنقاذ وقف سداد ديون السودان للبنك الدولي عام 1991، ليلحق البنكُ الدولي بصندوق النقد الدولي في ذلك العام، وليصبح السودانُ الدولةَ الأولى في تاريخ المنظمات المالية الدولية التي تتوقّف عن سداد ديونها للمنظمتين في وقتٍ واحدٍ.
وتوقّف البنك الدولي عام 1991 عن دراسة والموافقة على أيِّ مشاريع وقروض ومنح جديدة للسودان، كما فعل صندوق النقد الدولي عام 1984. وتشمل ديون السودان الخارجية في الوقت الحاضر أكثر من مليارين وربع المليار دولار، تتضمّن أصول الديون التي مضى وقت سدادها لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وكذلك الفائدة المتراكمة والمتزايدة على هذه الأصول.
بعد نجاح حكومة الإنقاذ في إنتاج وتصدير النفط عام 1999، بدأت الحكومة في دفع مبالغ محدودة لصندوق النقد الدولي لسداد الفائدة من ديون السودان لصندوق النقد الدولي، دون سداد أي جزءٍ من أصول الديون الواجبة السداد. وقد نتج عن هذا الوضع إزالة إسم السودان عام 2000 من لائحة الدول غير المتعاونة، واسترداد السودان لحقِّ التصويت في مجلس إدارة الصندوق.
غير أن لعنة النفط تضخّمت وتطاولت وتمدّدت، وأدّت لارتفاع ديون السودان لتصل إلى قرابة الخمسين مليار دولار هذا العام، بعد سبعة عشر عام من بدء الإنقاذ استخراج وتصدير النفط واستخدامه كضمانة لسداد تلك الديون، وبعد ستة أعوام من ذهاب جلِّ النفط مع دولة الجنوب.
 
لكنّ نجاح حكومة الإنقاذ في استخراج النفط وتصديره عام 1999، أدّى مع عوامل أخرى، إلى تسارع وتيرة التفاوض بين الحكومة والحركة الشعبية، والوصول إلى اتفاق السلام الشامل.
غير أن اتفاق السلام الشامل نفسه، أدّى بسبب النفط (كعاملٍ رئيسي)، إلى انفصال جنوب السودان، وذهاب جلِّ النفط مع الدولة الجديدة، كما سنناقش في المقالين القادمين.

شهد عام 1999 أحداثاً جِسام ومتفاوتة في السودان وعن السودان، شملت الحزب الحاكم في الخرطوم، وأحزاب المعارضة المنضوية تحت مظلّة التجمع الوطني الديمقراطي، وكذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان
فقد انشقّت الحركة الإسلامية الحاكمة إلى حزبين – المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي – يناصبُ إخوةُ الدينِ والأمس فيهما العداء والخصومة لبعضها البعض. وانهارتْ في ذلك العام اتفاقيةُ السلام من الداخل (اتفاقية الخرطوم) التي وقّعتها حكومة الإنقاذ عام 1997 مع الحركات الجنوبية المنشقّة عن الحركة الشعبية. وغادر مساعدُ رئيس الجمهورية الدكتور رياك مشار الخرطوم، وعاد إلى جنوب السودان منضمّاً إلى قواته التي لم يكن قد تم استيعابها في الجيش السوداني بعد، وانهار بذلك تحالفُ الإنقاذ مع قبيلة النوير. وكانت حكومة الإنقاذ قد استثمرت الكثير من الجهد والمال والإعلام والوقت في اتفاقية الخرطوم.
من الجانب الآخر غادر حزبُ الأمة التجمعَ الوطني الديمقراطي بعد توقيع الحزب اتفاق جيبوتي مع حكومة الإنقاذ في نوفمبر عام 1999. ثم انشقّ حزب الأمة نفسه بين أبناء العمومة – من واصل الوفاقَ والتصالحَ مع الإنقاذ وأصبح جزءاً من مؤسساتها، ومن قرّرَ البقاءَ في منطقة الشفق، أو المنزلة بين المنزلتين.
وبرزت بوادر خلافٍ بين الحركة الشعبية الأم والتجمع الوطني الديمقراطي بسبب المبادرة الليبية المصرية التي قبلها التجمع بينما تحفّظت عليها الحركة الشعبية. فالمبادرة الليبية المصرية كانت ستعطي التجمع مقعداً على طاولة التفاوض، على عكس مبادرة الإيقاد التي حرمت التجمع من ذلك الدور. من الجانب الآخر فقد هدّدت المبادرة الليبية المصرية بنسف مبدأ حق تقرير المصير الذي كانت الحركة الشعبية قد انتزعته عام 1995 من جميع أحزاب الساحة السودانية، ومثّل انتزاع ذلك الحق قمّةَ الانتصارات للحركة الشعبية.
وقد خلتْ المبادرة الليبية المصرية من أيّة إشارة إلى حق تقرير المصير، وانبنتْ على قيامِ مؤتمرٍ جامع للأحزاب والمنظمات السودانية لمناقشة قضايا السودان. ومن هنا جاء تحفّظ الحركة الشعبية على المبادرة الليبية المصرية، وقبول التجمع لها.
وكما ذكرنا في السابق فقد نجحت شركة شيفرون في اكتشاف النفط في جنوب السودان عام 1978، إبان سنوات الرئيس نميري في الحكم. غير أن الحركة الشعبية نجحت في وقف العمليات في مناطق اسنخراج النفط، وأجبرت شركة شيفرون الأمريكية على مغادرة السودان في شهر فبراير عام 1984، بعد أشهر قليلة من قيام الحركة الشعبية عام 1983.
بعد مفاوضاتٍ مكثّفة مع حكومة الإنقاذ وافقت شركة شيفرون في منتصف التسعينيات على التخلّي عن امتيازها في مواقع النفط في جنوب السودان. وبدأت الشركات الصينية والماليزية والكندية والسويدية والهندية العمل في هذه المواقع، وإنتاج وتصدير كمياتٍ محدودة من النفط، لكنها متزايدة، في أغسطس عام 1999.
ويجادل البعض أن اكتشاف النفط والبدء في تصديره عام 1999 كان أحد الأسباب الرئيسية لانشقاق الحركة الإسلامية الحاكمة، وأيضاً إلى انهيار مشروع السلام من الداخل.
 
لكن بدءَ تصدير النفط في السودان مثّلَ أيضاً نقطةَ تحوّلٍ كبيرة في المفاوضات بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان.
فقد بات واضحاً أن حكومة الإنقاذ كانت على أتمّ العلم بصعوبة المسائل الأمنية لحقول النفط في الجنوب. وكانت الحكومة تتوقّع أن تقوم الحركة الشعبية بالهجوم على هذه المواقع مثلما فعلت بنجاح عام 1984، وتنسف أحلامها التي بنتها على إنتاج وتصدير النفط من جنوب السودان. ولا بُدَّ أن حكومة الإنقاذ كانت قد وصلت إلى قناعةٍ أن حماية آبار النفط، وزيادة الإنتاج، تحتاج إلى السلام، وليس إلى جيوشٍ وأسلحةٍ إضافية.
ومن المؤكّد أيضاً أن تلك الوصفة، ومعها الكثير من الضغوط، أتتْ من شركات النفط العاملة وقتها في جنوب السودان. فقد كانت تلك الشركات على درايةٍ تامة بتجربة شركة شيفرون الأمريكية وما صرفته من مالٍ وجهد في نفط جنوب السودان قبل أن تُرغِمها الحركة الشعبية على مغادرة جنوب السودان عام 1984، تاركةً وراءها كلَّ استثمارتها الضخمة في نفط جنوب السودان.
ويبدو أيضاً أن الحكومة كانت تتوقّع أن يفتح السلامُ البابَ على مصراعيه للشركات الغربية – خصوصاً الشركات الأمريكية – بتقانتها المتقدّمة وإمكانياتها المالية الواسعة، للاستثمار في نفط جنوب السودان، خصوصاً وأن الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا كانتا قد دخلتا حلبة الوسطاء في النزاع السوداني في عام 2000، إثر التوقيع على اتفاقٍ بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية يخصُّ منطقة جبال النوبة، رعته هاتان الدولتان.
عليه فقد رأت الحكومة السودانية ضرورة العودة لطاولة التفاوض على أمل الوصول لاتفاقٍ مع الحركة الشعبية يحمي انتصارها الاقتصادي والسياسي الكبير المتمثّل في استخراج وتصدير النفط، ويساهم في زيادة ذلك الإنتاح، ويفتح البابَ للتقانة الغربية المتقدّمة في مجال النفط.
من الجانب الآخر كانت الحركة الشعبية على أتمّ العلم بالتطورات في مسألة النفط. وكانت الحركة ترى في العودة لطاولة التفاوض بارقةَ أملٍ في الوصول لاتفاق سلامٍ يضمن قسمةً عادلةً لعائدات نفط الجنوب بين الشمال والجنوب، ويقلّل فرصَ الخرطوم في استخدام عائدات النفط لتسليح جيوشها ومليشياتها ودفاعها الشعبي للحرب في الجنوب، ويعطي جنوبَ السودان قدراً من الموارد المالية لإعادة بناء بنيته التحتية.
عليه فقد أصبح النفط، والذي كان سببا رئيسياً لإعادة اندلاع الحرب الأهلية عام 1983، عاملاً فاعلاً وحافزاً قويّاً عام 2002 لعودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، ولدفع المفاوضات ونجاحها، ولتوقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005.
 
بدأت اللقاءات بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان تحت رعاية الإيقاد في نيروبي في كينيا في منتصف مايو عام 2002، ثم انتقلت إلى ناكورو في الأسبوع الأخير من شهر مايو من ذاك العام، ثم إلى مشاكوس في شهر يونيو عام 2002.
كانت تلك هي حلقة التفاوض الثالثة بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية التي رعتها منظمة الإيقاد. فقد بدأت الحلقة الأولى في مارس عام 1994 وانتهت بعد أربع جولاتٍ في سبتمبر عام 1994، بعد أن صدرت مبادئ الإيقاد التي تضمّنتْ حق تقرير المصير لجنوب السودان وعلمانية الدولة السودانية. وقد رفضت حكومة الإنقاذ مبادئ الإيقاد، وانتهت بذلك الحلقة الأولى من حلقات التفاوض.
ثم دارت الحلقة الثانية عام 1997، وانتهت بعد أربع جولاتٍ أخرى بلا نتائج عام 1999.
وبدأت الحلقة الثالثة من مفاوضات الإيقاد بلقاءاتٍ بين الطرفين في شهر مايو عام 2002. وتحوّلت تلك اللقاءات إلى مفاوضاتٍ رسمية بعد أن انتقلت السكرتارية وأطراف التفاوض جميعاً إلى منتجع مشاكوس في 17 يونيو عام 2002، بعيداً عن أضواء نيروبي ومؤسساتها وإعلامها ودبلوماسييها الأجانب وصحافييها المتعطشين للأخبار. وشارك في المفاوضات شركاءُ الإيقاد ممثلين بمجموعة الثلاثة أو الترويكا (النرويج والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا)، مع عددٍ كبيرٍ من الفنيين والقانونيين من عدّة دول من بينها جنوب أفريقيا وسويسرا.
وتمّ في 20 يوليو عام 2002 التوقيع على بروتوكول مشاكوس الذي وافقتْ بمقتضاه حكومةُ الإنقاذ على منح شعب جنوب السودان حق تقرير المصير في استفتاءٍ شعبي يتم عقده بعد ستِّ سنواتٍ من الفترة الانتقالية. وشمل البروتوكول خياري شعب جنوب السودان – الوحدة والانفصال.
وكما ذكرنا أعلاه فقد ساهمت عوامل كثيرة، من بينها النفط، في الوصول لبروتوكول مشاكوس.
 
كانت التوقّعات بعد التوقيع على بروتوكول مشاكوس في 20 يوليو عام 2002، وحسم معضلتي حق تقرير المصير والدين والدولة، أن لا تأخذ القضايا المتبقّية وقتاً طويلاً أو جهداً كبيراً. فقد كانت هاتان القضيتان هما محور التفاوض في جولات مفاوضات الإيقاد الثمانية الأولى، خلال حلقتي التفاوض الأولى والثانية، في الأعوام 1994 – 1999. لكن برزت مجموعةٌ من القضايا الخلافية بعد التوقيع على بروتوكول مشاكوس، وتراكمت فوق بعضها البعض لتبني طوقاً ضخماً من التعقيدات في طريق التفاوض، ولتخلق حالةً كبيرة من الإحباط وسط فريق الوساطة.
أولى تلك القضايا هي منطقتا النيل الأزرق وجنوب كردفان. كان هناك إحساسٌ مفعمٌ بالمرارة والغضب بين قادة هاتين الولايتين أن الحركة الشعبية قد باعتْ قضيتهم مقابل تقرير المصير لجنوب السودان لأن بروتوكول مشاكوس لم يشمل كلمةً واحدة عن هاتين المنطقتين.
وكانت هناك أيضاً مشكلة أبيي. فقد خلق تضمين قضية المنطقة في اتفاقية أديس أبابا عام 1972 بين العقيد جعفر نميري والسيد جوزيف لاقو قناعةً بأن حلَّ الاستفتاء بموجب تلك الاتفاقية يمثل الحدَّ الأدنى الذي يجب أن لا تتنازل عنه الحركة الشعبية. من الجانب الآخر، كانت الحكومة مصرّةً على قدسيّة حدود عام 1956 بين الشمال والجنوب، وأن أيّة مناطق تقع شمال هذه الحدود هي خارج أجندة التفاوض لأنها مناطق شمالية.
كانت هناك أيضاً مسألة قوات الجيش الشعبي التي كانت الحركة مصرّةً على بقائها وحدةً قائمةً بذاتها، ومنفصلةً عن الجيش الحكومي خلال الفترة الانتقالية، ولها حق التسليح، وهو ما لم تكن الحكومة موافقةً عليه.
كانت هناك قضايا اقتسام السلطة، بما في ذلك الصلاحيات التي ستؤول لحكومة الجنوب، والوظائف السياسية في الحكومة المركزية التي ستُمنح لقيادات الحركة.
وقد زادت مسألةُ اقتسام الثروة، خاصةً تخصيص عائدات النفط بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية خلال الفترة الانتقالية من هذه التعقيدات والتشابكات. وكان النفطُ حتى تلك الأسابيع من التفاوض هو الكرت الخفي، والضمير المستتر لطرفي التفاوض.
 
كثّف الوسطاء من جهودهم. وأخيراً تمّ، نتيجة تلك الجهود، التوقيع في نيفاشا في 25 سبتمبر عام 2003 على اتفاق الترتيبات الأمنية. وأصبح ذلك الاتفاق هو الثاني في سلسلة الاتفاقيات بين الطرفين، والتي شكّلت فيما بعد اتفاقية السلام الشامل.
أزال اتفاق الترتيبات الأمنية الكثير من العقبات والخلافات في وجه التقدّم في التفاوض. عليه فقد تواصل التفاوض بعد التوقيع على الاتفاق بصورةٍ أكثر سرعةٍ من ذي قبل. وفي 4 يناير عام 2004، أي بعد حوالي الأربعة أشهر من اتفاق الترتيبات الأمنية، تمّ التوقيع على اتفاق اقتسام الثروة. وكان هذا الاتفاق الثالث اختراقاً آخر وإنجازاً كبيراً للوسطاء.
 
تضمّن الجزء الأول من الاتفاق مبادئ موجّهة بشأن اقتسام الثروة بين الحكومة المركزية وحكومة الجنوب وأقاليم السودان الأخرى. وشمل الاتفاق مواد مفصّلة عن الأراضي والموارد الطبيعية، وخاصةً النفط. أوضحت هذه المواد أن المجتمعات المحلية التي تُباشَرُ في أراضيها تنمية الموارد الطبيعية من باطن الأرض لها الحق في المشاركة من خلال الولاية /الإقليم في مفاوضات التعاقد على استغلال تلك الموارد، وأن الأشخاص الذين يتمتّعون بحقوق ملكية في أرض لهم الحق في التعويض العادل في حال استيلاء الحكومة على الأرض، أو تنميتها لاستخراج الموارد الطبيعية من باطن الأرض.
وتضمّن الاتفاق إنشاء مفوضية الأراضي القومية، ومفوضية أراضي جنوب السودان، والمفوضية القومية للبترول، ومفوضية تخصيص ومراقبة الإيرادات العامة، والصندوق القومي للإعمار والتنمية، وصندوق الإعمار والتنمية لجنوب السودان.
 
وأشار الاتفاق إلى أن يقوم برئاسة المفوضية القومية للبترول رئيسُ الجمهورية ورئيسُ حكومة الجنوب. وتضمُّ المفوضيةُ أربعةَ أعضاء من الحكومة المركزية وأربعة أعضاء من الجنوب، وأعضاء غير دائمين بما لا يتجاوز ثلاثة أشخاص يمثّلون الولاية/ الإقليم المنتج للبترول الذي تجري تنميته. وتشمل مهام المفوضية إعداد السياسات العامة والموجّهات المتعلّقة بتنمية وإدارة قطاع البترول، والتفاوض لإبرام كل عقود استكشاف وتنمية البترول في السودان، والتأكّد من توافقها مع مبادئ وسياسات المفوضية ومبادئها الموجِّهة.
وأشار الاتفاق إلى أنه بالنسبة لعقود البترول التي تمّ التوقيع عليها بواسطة حكومة الإنقاذ فإن هذه العقود لا تخضع لإعادة التفاوض. وإذا رُؤي أن العقود تشتمل على ما يتسبّب في مضار بيئية واجتماعية أساسية، تتخذ حكومة السودان الإجراءات العلاجية اللازمة تجاه تلك المضار.
واتفق الطرفان على أن تُعيّن الحركةُ الشعبية عدداً محدوداً من الممثلين لبحث كل عقود البترول الراهنة، وللممثلين الحق في الاستعانة بخبراء فنيين. ويُوقّع كل أولئك الذين يحقّ لهم الاطلاع على العقود اتفاقاتٍ بالتزام السرّية، وعدم الإفصاح إطلاقاً بمضمون تلك العقود.
 
أوضح الاتفاق أن صافي الدخل من البترول الذي يتمُّ انتاجه في جنوب السودان تتمُّ قسمته مناصفةً بين الحكومة المركزية وحكومة جنوب السودان، بعد خصم 2% لحساب تثبيت إيرادات البترول، و2% للولاية المنتجة للبترول.
كانت الحركة الشعبية قد طالبتْ عند بدء المفاوضات بـ 90% من صافي دخل بترول جنوب السودان، ثم عادت وخفّضت ذلك الرقم إلى 70%. وقد رفض الوفد الحكومي هذه الأرقام، مشيراً إلى التكلفة العالية التي تكبّدتها الحكومة لاستخراج البترول وبناء خط الأنابيب والمصفاة والبنية التحتية لتصدير البترول عبر ميناء بورتسودان.
وكانت المفاوضات قد تعسّرت بسببِ هذه المسألة، وأوشكت مسألةُ اقتسام النفط أن تعصف بالمفاوضات نفسها. لكن بعد تدخّل الخبراء من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وعرضهم لاتفاقاتٍ مشابهة في دول أخرى، وافق الطرفان على قسمة صافي الدخل من بترول جنوب السودان مناصفةً بينهما، بعد خصومات 2% لصالح لحساب تثبيت إيرادات البترول، و2% للولاية المنتجة للبترول. 
 
وقد اتفق الطرفان فيما بعد على قسمةٍ شبيهةٍ باتفاق اقتسام الثروة للنفط في منطقة أبيي. فقد نصّ بروتوكول حسم النزاع في منطقة أبيي على تقسيم صافي عائدات البترول من أبيي خلال الفترة الانتقالية إلى ستة أقسامٍ كالآتي: الحكومة القومية 50%، حكومة جنوب السودان 42%، ولاية بحر الغزال 2%، ولاية غرب كردفان 2%، ودينكا نقوك 2%، والمسيرية 2%. وقد حسم قرار محكمة التحكيم الدولية مسألة حدود أبيي، وأوضح مواقع النفط التي تقع داخل المنطقة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن اتفاقية الخرطوم للسلام التي وقّعتها حكومة الإنقاذ مع الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية في 21 أبريل عام 1997 كانت قد وزّعتْ عائدات النفط كالآتي: 25% النسبة الاتحادية، 35% نسبة التنسيق، و40% نسبة الولاية. ويبدو أن وفدي حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لم يكونا متحمسين لأن تؤول 40% من عائدات النفط للولاية المنتجة للنفط.
 
يُلاحظ أن الحركة الشعبية قد سارتْ على درب حكومة الإنقاذ فيما يتعلّق بسرّية عقود النفط. فقد وافقتْ الحركةُ على مطلب حكومة الإنقاذ أن يوقّع كلُ أولئك الذين يحقّ لهم الاطلاع على العقود، من مفاوضيها، على اتفاقاتٍ بالتزام السرّية. وقد أدهش ذلك النص الكثيرَ من أصدقاء وحلفاء الحركة الشعبية الذين كانوا يتوقّعون قدراً كبيراً من الشفافية والمساءلة فيما يتعلّق بعقود وعائدات النفط، ومصادرها والبنود التي تمّ ويتمّ صرف العائدات عليها.
وقد نتج عن عدم الشفافية النقاش الذي دار وما يزال دائراً حول العائد الحقيقي للسودان من مبيعات النفط خلال الفترة من أغسطس عام 1999، وحتى انفصال جنوب السودان في يوليو عام 2011، وأين ذهب كلُّ ذلك العائد؟
 
تلى التوقيع على بروتوكول اقتسام الثروة الاتفاق والتوقيع على ثلاث اتفاقيات أخرى في يوم 26 مايو عام 2004، أي بعد أربعة أشهرٍ من اتفاق تقاسم الثروة. كانت الاتفاقية الأولى عن اقتسام السلطة، والثانية عن ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، والثالثة عن النزاع في منطقة أبيي.
أكمل الطرفان في 31 ديسمبر عام 2004 الاتفاق على تفاصيل تنفيذ البروتوكولات الستّة في ملحقين. شمل الملحق الأول تفاصيل دقيقة تختصُّ بتنفيذ الترتيبات الأمنية ووقف إطلاق النار. وشمل الملحق الثاني تفاصيل تنفيذ بقية البروتوكولات الخمسة الأخرى. وتمّ إضافة الملحقين إلى البروتوكولات الستة لتكوّن جميعها اتفاقية السلام الشامل. وتمّ التوقيع على الاتفاقية، والتي أصبح اسمها اتفاقية نيفاشا أيضاً، في التاسع من يناير عام 2005 في مدينة نيروبي في كينيا.
 
أغضبت المناصفةُ بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لعائدات نفط جنوب السودان الكثيرَ من أبناء الجنوب. فقد رأوا فيها ظلماً كبيراً لجنوب السودان الذي يحتاج في رأيهم إلى الكثير من الموارد المالية ليعيد بناء مدارسه ومستشفياته وقراه التي دمّرتها الحرب.
وقد كانت هذه القسمة لصافي بترول جنوب السودان حافزاً للانفصال، وساهمت مع أسباب أخرى، على التصويت بما يشبه الإجماع للانفصال في التاسع من يناير عام 2011، فالانفصال سيعطي جنوب السودان كلَّ صافي الدخل من البترول المنتج هناك، كما سنناقش في المقال القادم والأخير من هذه السلسلة من المقالات عن لعنة الموارد.

فيما يلي من البحث سنتناول ونوضح كيف تحوّل النفط إلى حافزٍ للانفصال لشعب جنوب السودان، كيف قاد ضمن عوامل أخرى إلى التصويت بما يشبه الإجماع إلى الانفصال في استفتاء 9 يناير عام
اتفقت حكومةُ الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان على تنفيذ اتفاقية السلام الشامل طبقاً لتسلسلاتٍ زمنية محدّدة شملت ثلاث فترات: الفترة قبل الانتقالية، ثم الفترة الانتقالية، وفترة ثالثة تلي الاستفتاء. وقد نصّت اتفاقية السلام الشامل على أن تبدأ الفترة قبل الانتقالية عند توقيع الاتفاقية، أي في يوم 9 يناير عام 2005. وحدّد بروتوكول مشاكوس مدة هذه الفترة بستة أشهر، وعدّد المهام التي اتفق الطرفان على إتمامها خلال تلك الفترة. وشملت تلك المهام إنشاء المؤسسات والآليات المنصوص عليها في اتفاقية السلام الشامل، ووضع إطارٍ دستوريٍ لاتفاقية السلام الشامل.
وتبدأ الفترة الانتقالية بعد ذلك مباشرةً، أي في 9 يوليو عام 2005، وتستمر لمدة ستِّ سنوات، أي حتى 9 يوليو عام 2011. كما اتفق الطرفان على عقد الاستفتاء في 9 يناير عام 2011، وأن تكون الستة أشهر الأخيرة من الفترة الانتقالية التي تلي الاستفتاء هي فترة انتقالية أخرى لتنفيذ نتائج الاستفتاء، وحسم المسائل العالقة إذا اختار الجنوبُ الانفصالَ.
 
كانت وفودُ المقدّمة للحركة الشعبية قد بدأتْ في الوصول إلى الخرطوم في نهاية يناير عام 2005، بعد أقل من شهر من توقيع اتفاقية السلام الشامل. وقد تمّ تشكيل فريق العمل الوطني الانتقالي المشترك من عددٍ من قيادات حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية للبدء في العمل معاً في تنفيذ اتفاقية السلام الشامل.
بعد أسابيع قلائل من إجازة الدستور في 9 يوليو عام 2005 تشكّل المجلس الوطني من 450 عضواً. نال حزب المؤتمر الوطني 234 مقعداً منها، وحصلت الحركة الشعبية على 126 مقعداً، وتمّ تخصيص 55 مقعداً للأحزاب الشمالية الأخرى (نال التجمّع الوطني الديمقراطي 16 مقعداً منها)، ونالت الأحزاب الجنوبية الأخرى 27 مقعداً، بينما ملأت المقاعدَ الثمانية الباقية ما تمّت تسميته “شخصيات وطنية.” وقد مُلِئتْ كل المقاعد بالتعيين.
ويُلاحظ أن عددَ أعضاء المجلس الوطني فاقَ عددَ أعضاء مجلس النواب الأمريكي المكوّن من 435 عضواً، عِلماً بأن سكان الولايات المتحدة الأمريكية كان يساوي حوالي ثمانية أضعاف سكان السودان عام 2005 (310 مليون في الولايات المتحدة الأمريكية، مقابل 39 مليون في السودان).
بالإضافة إلى المجلس الوطني، فقد أنشأ الدستور سلطةً تشريعيةً أخرى أسماها مجلس الولايات الذي يتكوّن من ممثلين اثنين لكلٍ من ولايات السودان البالغ عددها في ذلك الوقت 26 ولاية (16 في الشمال، و 10 في الجنوب)، بالإضافة إلى ممثلين اثنين لمنطقة أبيي.
 
لكن حتى قبل أن يبدأ شهر العسل في الخرطوم، بل حتى قبل أن يباشر دكتور قرنق مهامه كنائبٍ أول لرئيس الجمهورية، بدأت الخلافات بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية في البروز والازدياد.
أوضح جانبُ الحركة الشعبية لقيادته أن هناك خلافاتٍ حادة في الوزارات التي ستؤول إلى الحركة الشعبية. كانت الحركة الشعبية ترى أنه يتوجّب أن تؤول إلى الحركة وزارة النفط، أو وزارة المالية، بسبب أن حوالي 75% من نفط السودان يأتي من الجنوب. ورغم معقولية هذا الطلب، فقد رفضه حزب المؤتمر الوطني الحاكم الذي أصرّ على أن تؤول إليه الوزارتين باعتبار أنه الشريك الأكبر في الحكم.
كان ذلك الموقف يمثّل قصرَ نظرٍ كبيرٍ من الحزب الحاكم. فما هو الجاذب في الوحدة التي تأخذ نصف نفط الجنوب، ثم ترفض أن تعطي أيَّ دورٍ في إدارته وإدارة عائداته إلى ممثلي جنوب السودان؟
أجّل ذلك الخلاف تكوين الحكومة لبعض الوقت. وقد وافقتْ الحركة الشعبية في نهاية شهر سبتمبر على ترك الوزارتين للمؤتمر الوطني، ولكن تعليقات قيادة الحركة أشارت إلى أن هذا الوضع سينتهي بنهاية الفترة الانتقالية.
وإذا كانت الحركة الشعبية تبحث عن مبرراتٍ للانفصال، فقد أعطاها هذا الإصرار والعناد من المؤتمر الوطني على أخذ الوزارتين اللتين تعتمدان على نفط الجنوب إحدى تلك المبررات القوية للانفصال.
 
وقد كان تصريح السيد سلفا كير، الذي خلف الدكتور قرنق في بداية أغسطس عام 2005، مؤشراً قوياً على ذلك. فقد صرّح السيد سلفا كير أن الحركة الشعبية لن تعود للحرب بغرض الحصول على واحدٍ من هذين المنصبين الوزاريين لأن الزمن في صالحها. كان ذلك التصريح دليلاً قوياً على أن الحركة ترى أن مسألة أيلولة نفط جنوب السودان، وأيلولة إدارة العائدات المالية من النفط للحركة، هما مسألتا زمنٍ فقط، لا أكثر ولا أقل.
 
في بداية نوفمبر عام 2005، أي بعد أقل من أربعة أشهر من بدء الفترة الانتقالية، وحوالي الثلاثة أشهر من خلافته الدكتور جون قرنق، زار السيد سلفا كير الولايات المتحدة الأمريكية. كانت تلك أولَ رحلةٍ له خارج السودان بعد أن تمّ اختياره لخلافة الدكتور جون قرنق إثر مقتل الأخير في حادث تحطّم الطائرة اليوغندية في 30 يوليو عام 2005.
التقى السيد سلفا كير عصر يوم الأحد 6 نوفمبر عام 2005 بحشدٍ كبيرٍ من السودانيين الجنوبيين والشماليين في قاعة الاجتماعات الكبرى بالجامعة الأمريكية بواشنطن. كان ذلك أولَ لقاءٍ جماهيريٍ له منذ توليه السلطة قبل ثلاثة أشهر. ويبدو أن قيادة الحركة قد أعدّت عدّتها لهذا اللقاء لعلمها بأهميته. فهو الأول لرئيسها الجديد، ومن أهم المحطات في العالم للحركة ولحكومة الإنقاذ، وللسودانيين عامةً.
قال النائب الأول في بداية اللقاء إنه التقى الرئيس الامريكي جورج بوش قبل يومين، وقد أهداه القبعة السوداء التي كان يرتديها، وإن الرئيس بوش قال له في بداية اللقاء إنه (أي سلفا كير) يحمل عدّة القاب، وسأله عن اللقب الذي يودّ أن يُخاطب به: “هل تريدني أن أشير اليك بلقب النائب الأول لرئيس جمهورية السودان، أم رئيس حكومة جنوب السودان، أم رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان؟” صمت السيد سلفا كير لعدّةِ ثواني (وكأنه أراد من الحضور التفكير في الإجابة)، ثم أردف قائلاً “لقد طلبتُ من الرئيس بوش أن يناديني بلقب رئيس حكومة جنوب السودان، فتلك هي الوظيفة، وذلك هو اللقب الذي أفضّله”. 
لا بُدّ أن تلك الإجابة قد أسعدت عدداً كبيراً من الجنوبيين الذين قرّروا أن الانفصال سيكون خيارهم في نهاية الفترة الانتقالية. لكن الشماليين الذين أتوا ليسمعوا حديثاً عن السودان الجديد، والوحدة الجاذبة، أحسّوا بإحباطٍ شديد وهيأوا أنفسهم لمزيدٍ من مثل تلك الإفادات.
 
تحدّث السيد سلفا كير عن اتفاقية السلام الشامل والبروتوكولات التي تضمّنتها، وأمضى بعد ذلك جلَّ الوقت يعدّد الخلافات التي تفجّرت بين الحركة الشعبية وحزب المؤتمر الوطني منذ بداية الفترة الانتقالية في يوليو عام 2005.
شدّد السيد سلفا كير على أن رفض المؤتمر الوطني لقرار خبراء مفوضيّة حدود أبيي، والذي تمّ تقديمه لمؤسسة رئاسة الجمهورية (رئيس الجمهورية ونائبيه) في 14 يوليو عام 2005، هو أول خرقٍ لاتفاقية السلام، وأكّد أن الحركة تعتبر ذلك بدايةً سيئة للفترة الانتقالية. تعرّض بالشرح لبروتوكول أبيي، وأوضح لماذا تصرُّ الحركةُ على ترسيم منطقة أبيي حسب قرار خبراء المفوضية.
 
تحدّث بعد ذلك عن الخلافات حول توزيع حقائب الوزارة بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وأوضح أن رفض حزب المؤتمر الوطني تخصيص وزارة المالية أو وزارة النفط للحركة يعني ببساطة أن المؤتمر الوطني يريد أن يُخفي الأرقام الحقيقية لعائدات النفط ويواصل سيطرته على بترول الجنوب، وخداعه للحركة الشعبية، ولمواطني جنوب السودان.
وجّه السؤالَ الأولَ للسيد سلفا كير شابٌ جنوبيٌ كان الغضب بادياً من صوته وارتعاش يديه. سأل ذلك الشاب: لماذا قبلتْ الحركةُ الشعبية التنازلَ عن نصف عائد بترول الجنوب للشمال، في الوقت الذي يحتاج فيه الجنوب لكل دولارٍ لبناء مدارسه، ومستشفياته، وطرقه، وقراه التي دمّرها الشمال بلا رحمةٍ خلال الحرب؟
أجابه السيد سلفا كير بهدوء: “لقد أعطينا الشمال خمسين في المائة من نفطنا مقابل حق تقرير المصير. لقد كانت تلك صفقةً مع حزب المؤتمر الوطني. إنها صفقة النفط مقابل حق تقرير المصير. لقد اشترينا حق تقرير المصير بنصف نفطنا لمدة ستة أعوام. إذا كنتَ تريد أن يذهب كلُّ عائد نفط الجنوب للجنوب فعليك أن تعود إلى جوبا غداً وتبدأ العمل ليقود استفتاء تقرير المصير إلى الاستقلال. سيعطينا الاستقلالُ كلَّ نفطنا”.
 
حبس الشماليون الذين بقوا في القاعة حتى تلك اللحظة (وكنتُ واحداً منهم) أنفاسَهم وابتدأوا في تهيئة أنفسهم لمزيدٍ من القنابل الحارقة. أتت الطعنة الثالثة من خلال سؤالٍ عن الحدود بين الشمال والجنوب، ومتى سوف يبدأ ترسيمها. أجاب السيد سلفا كير بأن الشمال ظلّ يزحف بحدوده جنوباً منذ عام 1955، وأنّه ضمّ، خلال الخمسين عاماً الماضية، عشرات الآلاف من الكيلومترات من أراضي الجنوب للشمال، بما في ذلك مناطق جنوبية غنيّة بالبترول والمعادن الأخرى. وأضاف السيد سلفا كير في سخريةٍ جارحة “إذا استمر هذا الوضع لعشر سنواتٍ أخرى فستكون الحدود بين الشمال والجنوب هي حدود السودان مع كينيا ويوغندا الآن”.
 
بالنسبة لي، ولمجموعةٍ أخرى من الشماليين، فإن ذلك اللقاء قد بدّد أيَّ شكٍ في توجّه الحركة الشعبية نحو الانفصال. لم يكن السيد سلفا كير يحتاج أن يكون أكثر وضوحاً، أو أقلَّ دبلوماسيةً، ليكشف للحاضرين، شماليين وجنوبيين، عما يدور في ذهنه وذهن قادة الحركة الشعبية الآخرين. أصبح الحديث عن السودان الجديد والوحدة الجاذبة بعد إفادات واشنطن تلك نكراناً لا معنى له.
بل لقد كانت تلك الإفادات في رأيي هي البرنامج العام للحركة الشعبية خلال الفترة الانتقالية. أصبحت مسألة اقتسام عائدات نفط الجنوب، والنزاع في المناطق الحدودية بين الجنوب والشمال، بما في ذلك نزاع أبيي، والخلافات الأخرى مع حزب المؤتمر الوطني، أسباباً قوية في نظر الحركة الشعبية للتخلّص من أيِّ التزامٍ قانونيٍ أو أخلاقيٍ أو سياسيٍ أو تاريخيٍ لما تبقّى من مسألة السودان الجديد والوحدة الجاذبة.
 
تواصل بروز الخلافات بين الطرفين حول النفط. ورغم أن مفوضية البترول كانت قد تشكّلت إلا أنها وُلِدت ميتةً ولم تضع لوائح لأداء مهامها، أو جدولاً زمنياً لاجتماعاتها. ونتيجةً لهذا الوضع بدأ كلٌ من طرفي اتفاقية نيفاشا في التعاقد مع شركات البترول العالمية بمفرده، ودون علم الآخر. وبدأ كلٌ من الطرفين في الشكوى أن الطرف الآخر قد نقض اتفاقية السلام الشامل بذلك التعاقد.
ثم برزت خلافاتٌ جديدة تركّزت حول العائد الحقيقي لمبيعات نفط الجنوب. فقد أوردت تقارير دولية من منظمة الشاهد الدولي (غلوبال ويتنيس) عام 2009 أن الحكومة السودانية أعطت أرقاماً أقلّ بكثيرٍ من الأرقام الحقيقية لعائدات النفط. أغضبتْ تلك التقارير الحركة الشعبية التي طالبت بمراجعة مستقلّة لمبيعات وعائدات النفط منذ عام 2005، وبدفعِ فروقات مستحقاتها منذ ذلك التاريخ. وزاد ذلك الوضع من تعقيد وارتباك العلاقة بين الطرفين.
كان غريباً أن يفشل قادة حزب المؤتمر الوطني الحاكم في إدراك أن مشاكل النفط المتزايدة ستكون حافزاً قوياً لأبناء الجنوب لكي يصوّتوا من أجل الانفصال، ليكون نفطُ الجنوبِ تحتَ كاملِ سيطرتهم، وتكون كلُ عائدات نفط جنوب حقّاً مطلقاً لهم.
 
في تلك الأثناء تصاعد الخلاف حول منطقة أبيي، وزاد الوضعُ المتأزّم في المنطقة من نيران الخلافات بين الطرفين. اندلع القتال في مدينة أبيي في مايو عام 2008 بين القوات الحكومية وقوات الجيش الشعبي إثر مشادةٍ بين مواطنين من قبيلة دينكا نقوك وبعض جنود الجيش السوداني. أوضحت الأمم المتحدة أنه بعد ثلاثة أيامٍ من القتال فَقَدَ أكثرُ من مائة شخصٍ أرواحَهم، وفرّ أكثر من ثلاثين ألف شخص من مدينة أبيي، وأكثر من عشرين ألف من القرى المجاورة، وتمّ تدمير المدينة تدميراً كاملاً.
كانت تلك أولَّ مرّةٍ ينطلق فيها الرصاص بين الطرفين منذ التوقيع على اتفاقية السلام في 9 يناير عام 2005. أوضحت تلك المعارك هشاشةَ السلام وعمق الخلافات، وأيقظت الطرفين على خطورة الموقف.
كما أن خطورة الوضع في السودان تأكّدت للدول والمنظمات التي وقّعت كشهودٍ على اتفاقية السلام. قرّرت هذه الدول الضغط على الطرفين للرجوع إلى طاولة المفاوضات في قضية أبيي، وتم الاتفاق على إحالة الخلاف إلى محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي.
كان إحالة الخلاف حول أبيي إلى محكمة التحكيم الدائمة مؤشراً واضحاً لفشل الشراكة ونظرية الوحدة الجاذبة، ودليلاً قوياً على أن الحركة الشعبية وحكومتها في الجنوب قد أصبحت حكومةً كاملة، تقف في ندّيةٍ تامةٍ مع شريكها في الشمال أمام المحاكم الدولية. كما كان واضحاً أيضاً أن نفط أبيي هو أحد أسباب تعقيد القضية.
 
بعد أسابيع قليلة من صدور قرار محكمة التحكيم الدائمة حول أبيي، بدأ الطرفان النقاش حول قانون استفتاء جنوب السودان، وقانون استفتاء أبيي. وفي 31 ديسمبر من عام 2009، أي بعد خمسة أشهر من قرار محكمة التحكيم الدائمة، صدر القانونان.
أتى إصدار قانون استفتاء جنوب السودان متأخراً عامين ونصف من التاريخ الذي حدّدته اتفاقية السلام، وتضمّنه الدستور. فقد ألزمتْ المادة 220 من الدستور الهيئة التشريعية القومية بإصدار قانون استفتاء جنوب السـودان في بداية السنة الثالثة للفترة الانتقالية (أي في يوليو عام 2007). كما ألزمت نفس المادة من الدستور رئاسة الجمهورية، عند إصدار قانون استفتاء جنوب السودان، بإنشاء مفوضية استفتاء جنوب السودان. كان واضحاً أن المشاكل والقضايا الكثيرة المعقّدة والمعلّقة والمتزايدة بين الطرفين قد ساهمت في هذا التأخير.
 
وقد ساهمت في التأخير أيضاً خلافاتٌ حول مضمون القانون نفسه. فقد اختلف الطرفان في نسب تصويت الناخبين المسجّلين التي تجعل الاستفتاء ونتائجه قانونيةً.
أصرّ حزب المؤتمر الوطني على تصويت 75% من الناخبين المسجّلين في جنوب السودان ليكون الاستفتاء قانونياً، وعلى تصويت 60% من هذه النسبة للانفصال لتكون النتيجة مقبولةً قانونياً. من الجانب الآخر رأت الحركة الشعبية أن الأغلبية العادية (50% زائد واحد) هي المطلوبة في الحالتين. كان غريباً أن تكون اتفاقية السلام الشامل بكل ملاحقها وتفاصيلها الدقيقة، وصفحاتها التي زادتْ عن المائة والخمسين، صامتةً عن هاتين القضيتين الجوهريتين.
بعد شدٍّ وجذب ونقاشٍ دام أكثر من شهر، اتفق الطرفان على مشاركة 60% من الناخبين المسجلين في التصويت ليكون الاستفتاء قانونياً، وعلى الأغلبية العادية (50% زائد واحد) لتكون نتائجه مقبولةً قانونياً.
 
عدّدت المادة 67 من قانون الاستفتاء عشر قضايا ليتمَّ حسمها بين الطرفين في فترة ما بعد الاستفتاء، في حالة صوّت شعب جنوب السودان للانفصال. وهذه القضايا هي: الجنسية، العملة، الخدمة المدنية، وضع الوحدات المشتركة المدمجة، الاتفاقيات الدولية، الديون والأصول، النفط وإنتاجه وترحيله وتصديره، عقود النفط والمسائل البيئية، موارد المياه، والممتلكات.
بالإضافة إلى هذه القضايا، فقد كانت هناك نزاعاتُ الحدود بين الشمال والجنوب، وكذلك بالطبع مشكلة أبيي. وهكذا وضح أن الخلافات المتعلّقة بمسائل النفط بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية قد تجاوزت وتعدّت الفترة الانتقالية.
 
وقد سافر السيد رئيس الجمهورية إلى جوبا في بداية ديسمبر عام 2010 وخاطب الجنوبيين عارضاً عليهم التصويت للوحدة مقابل أن يحصلوا على كاملِ نفطِ الجنوب. ويبدو أن قيادة المؤتمر الوطني كانت قد بدأتْ في تفهّم الدور الخطير للنفط في مستقبل السودان ووحدته. ولكن ذلك العرض كان متأخّراً وقليلاً، وقابله الجنوبيون بالكثير من البرود.
فقد كان الجنوبيون يعرفون أنهم إذا صوّتوا للانفصال (كما هو مُتوقّع) فسوف يحصلون على كاملِ نفطِهم، فما هو إذاً الحافز الإضافي لهم في ذلك العرض في مسألة النفط ليجعلهم يصوتون للوحدة؟
على كلٍ فمن الواضح أن الجنوبيين سيفضّلون الحصول على كلِّ نفطهم من خلال الاستفتاء والانفصال كحقٍ، بدلاً من أن يحصلوا عليه كمنحةٍ وتفضّلٍ من الشمال في حالة تصويتهم للوحدة.

 
رغم تلك الخلافات الحادّة فقد جرى الاستفتاء في ميعاده في يوم الأحد 9 يناير 2011. بدأت آثار الصدمة تظهر في شمال السودان، خاصةً في أوساط حزب المؤتمر الوطني الحاكم، عندما بدأت النتائج الأوليّة في الظهور.
لكنّ الصدمةَ كانت قاسيةً عندما تمّ إعلان نتيجة الاستفتاء الأولية الكاملة في 25 يناير، وعندما أكّدت مفوضية الاستفتاء النتائج رسمياً في 7 فبراير عام 2011. أظهرت تلك النتائج مشاركة 97% من الناخبين الذين سجّلوا أسماءهم في الاستفتاء. وحسمت هذه النسبة الجدل حول قانونية الاستفتاء نفسه، والتي كانت تحتاج إلى مشاركة 60% من الناخبين المسجلين حسب قانون الاستفتاء. وأوضحت النتائج أن 98.83% من الناخبين صوّتوا لصالح الانفصال.
كانت لغةُ الأرقام أوضحَ، فقد أدلى 3,851,994 مواطناً جنوبياً بأصواتهم، وصوّت 3,792,518 منهم لصالح الانفصال، بينما صوّت 44,888 فقط لصالح الوحدة. كان التصويت لصالح الانفصال أشبه وأقرب إلى الإجماع.
 
وهكذا أصبح السودان في 9 يوليو عام 2011 (وما يزال) القطرَ الوحيدَ في العالم الذي انشطر إلى دولتين منذ بداية القرن الحادي والعشرين. وفَقَدَ السودانُ بذلك صفةَ أنه أكبر دولةٍ في أفريقيا والعالم العربي، وفَقَدَ ربعَ أراضيه وخمسَ سكانه، و75% من نفطه، وقدراً كبيراً من مياهه.
لعبتْ لعنةُ المواردِ دورَها كاملاً في تلك النتيجة، كما أوضحنا في هذه المقالات الثلاثة. وكان النفطُ هو الحافز الأكبر للجنوبيين للانفصال، لكي ينالوا موردَهم كاملاً، وكحقٍّ عبر الاستفتاء، وليس كمنحةٍ من حكومة الإنقاذ.
وقد أصبح النفطُ بدورِه أحدَ الأسباب الرئيسية للحرب الأهلية الدائرة الآن في جنوب السودان.
إنها لعنةُ المواردِ في أبلغِ تعبيراتِها.

 السؤال الخاتمة/
تُرى هل سيتمُّ استنساخُ لعنةِ الموارد في السودان من النفط إلى معدنِ الذهب في ولاية دارفور، والذي تسارعتْ الأحداثُ وبرزتُ الكثيرُ من المعلوماتِ حوله في الأسابيعِ الماضية، خصوصاً في منطقة جبل عامر في الولاية؟.

____________________________________________.

للإتصال بالكاتب/

Salmanmasalman@gmail.com
www.salmanmasalman.org

 

 

 

 

مواضيع متعلقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

التخطي إلى شريط الأدوات