الأحد, فبراير 5, 2023
الرئيسيةبحوث ودراسات اقتصاديةبحوث وأوراقتاريخ -اقتصاد الريع- في المغرب
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شيوعاً

آخر التعليقات

تاريخ -اقتصاد الريع- في المغرب

تاريخ -اقتصاد الريع- في المغرب

عبد السلام أديب 

 

من العبارات الاقتصادية السياسية التي أصبحت شائعة الاستعمال في بلادنا، عبارة اقتصاد الريع، ويحاول الكثير من السياسيين تسويق هذا المصطلح في نقد الأداء الاقتصادي للدولة خاصة في مجال توزيع المئات من الرخص سواء من اجل استغلال كريمات النقل أو مقالع الرمال والأحجار أو استغلال المناجم أو الصيد في أعالي البحار … فعادة ما تعطى هذه الرخص لأشخاص بدواتهم بناء على اعتبارات تحددها السلطة، تجعل أصحابها يتوفرون على مداخيل مالية دورية مما يرفع من مستوى ثرواتهم ودرجة اغتنائهم من دون بدل أي مجهود يذكر.
وتجدر الاشارة في البداية إلى أن عبارة اقتصاد الريع لا علاقة لها بنظرية الريع والتي أسهب في تعريفها اقتصاديون كبار من مدارس فكرية مختلفة حتى وان كانت تدل على المداخيل المحققة دون مجهود. فعبارة اقتصاد الريع هو وصف سياسي لحالة الاقتصاد القائم على سلطة مستبدة والعلاقات الزبونية التي تنسجها والنفوذ الذي يحققه وانتزاع فوائض اقتصادية مفرطة غير مستحقة ناجمة عن جهد الطبقة العاملة لتغذية استمرار السلطة وتمويل جهازها القمعي خارج كل ما هو معروف في قوانين السوق.
لكن ما هي حقيقة اقتصاد الريع في الفهم الاقتصادي بشكل عام؟ ثم ما هي أشكال الريع الاقتصادي في بلادنا؟ وما هي انعكاسات هذا الاقتصاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟ وأخيرا كيف يمكن محاربة هذا الاقتصاد إن كان يشكل فعلا عائقا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا؟
ذلك ما سنحاول مقاربته من خلال هذه الورقة من خلال أربعة محاور أساسية كالتالي :
المحور الأول: مفهوم الريع وأشكال الريوع
المحور الثاني: الخلفية التاريخية لتطور عقلية اقتصاد الريع بالمغرب
المحور الثالث: اقتصاد الريع خلال فترة الحماية
المحور الرابع: اشكالية اقتصاد الريع منذ انتهاء فترة الحماية

المحور الأول: مفهوم الريع وأشكاله
الريع هو الثمن الذي يدفع لقاء خدمات أي عامل من عوامل الانتاج يكون عرضه ثابتا – أي غير مرن على الاطلاق – خلال فترة زمنية قصيرة . وغالبا ما تستعمل كلمة ريع لثمن خدمات الأرض، لأن الأرض هي أكثر العناصر الانتاجية التي يكون عرضها ثابتا.
وتجدر الاشارة إلى أن نظرية الريع لم تعد محصورة على عامل الأرض، إذ أنها إتسعت فيما بعد وشملت عوامل الإنتاج الأخرى كافة، حتى أصبح يقال بالريع الاقتصادي أو شبه الريع.
وقد عرف ألفريد مارشال ، الريع نسبة لكل عوامل الانتاج، بأنه “الفائض الاقتصادي الذي يعطيه كل عنصر انتاج حينما يكون عرضه عديم المرونة بالنسبة للطلب عليه خلال فترة الأجل القصير”.
وقد أشار ابن خلدون إلى ظاهرة الريع بكثير من التوسع إلا أن ريكاردو هو أول من وضع تحليلا لمردود الأرض . ذلك أنه أعاد ريع الأرض إلى صفتين رئيسيتين:
الأولى تتمثل في أن قوى الأرض هي قوى ذاتية لا تهلك، ولذلك فقد اعتبر بأن الريع ينشأ أساسا من هذه القوى.
تتمثل الثانية في أن الأرض الزراعية محدودة العرض نتيجة عدة عوامل طبيعية. وعليه فإن إرتفاع ريع الأرض يشكل انعكاسا للطبيعة، وهذا يعني أن ريكاردو قد أرجع ارتفاع ريع الأرض الزراعية إلى ندرتها.
ويعود نشوء الريع إلى سببين:
1 – ريع الندرة وهو الريع الذي ينشأ عن ندرة الأرض الزراعية وصعوبة زيادة عرضها؛
2 – الريع التفاضلي: وهو الذي ينشأ نتيجة لتوافر فوارق في الخصوبة التي تتصف بها الأرض الزراعية من جهة أو بالنسبة لموقعها من جهة ثانية.
أما كارل ماركس فقد انطلق في تحليله لمفهوم الريع من واقع الإنتاج الرأسمالي . فالزراعة عنده مثلها مثل الصناعة تخضع لنظام الإنتاج الرأسمالي ، ومادام الأمر أن هناك مبلغاً مدفوعاً من المزارع الى المالك العقاري مقابل استغلال أرضه (محددة بمدّة زمنية) فإن هذا المبلغ المدفوع يسمى ريعاً عقارياً سواء كان مدفوعاً في أراضي زراعية أم أراضي بناء أو مناجم أو مصايد…الخ .
ويرى ماركس ان الأرض ليست ناتج عمل ومن ثم ليست لها قيمة. ولكن بالرغم من ذلك فان للأرض في النظام الرأسمالي ثمن شأنها شأن السلع الأخرى ، فمع التوسع في غير الزراعة معتمداً على المنتجات الزراعية تزيد قدرة الملكية العقارية، بفضل احتكارها للتربة ، وهو ما يزيد الريع ويرفع من ثمن الأرض ، الذي هو في الحقيقة ليس ثمناً لشراء الأرض وانما ثمن لشراء الريع الذي يحصل عليه من يحتكر ملكية الأرض على مدار عدد السنوات.

وعند كارل ماركس فإن كل ريع عقاري هو جزء من فائض القيمة ، والريع وفقاً لذلك هو شكل خاص لفائض القيمة المنتزع من عمل العمال المنتجين، أي أنه جزء من الربح الفائض بمعنى هو ذلك الجزء من قيمة السلعة الذي يتمثل في فائض القيمة، وملكية القوى الطبيعية (الارض، ومساقط المياه…الخ) ليست لها في ذاتها علاقة بإنتاج ذلك الجزء من فائض القيمة، وبالتالي من سعر السلعة المنتجة بفضل هذه المصادر الطبيعية. إن هذا الفائض في الربح يوجد حتى في حالة عدم وجود الملكية العقارية، فالملكية العقارية لا تخلق هذا الجزء من فائض القيمة المحّول الى فائض ربح عبر المجهود العضلي للعمال، ولكنها فقط تعطي المالك العقاري القدرة على نقل فائض الربح من عرق العامل إلى جيب الرأسمالي الى جيبه. ومن ثم فإن القوى الطبيعية ليست مصدر فائض الربح ولكنها أساسه الطبيعي، وفائض الربح هذا يذهب الى المالك العقاري بدلاً من ان يذهب الى العامل المنتج. وهو ككل فائض قيمة يتم خلقه بواسطة عمل العمال.

1– طبيعة الريع العقاري
الريع إذن مثله مثل الأجر ومثل الربح، فهو يشكل دخل دوريا، لكن الفرق بينه وبين المداخيل الأخرى أي الأجر والربح فيكمن في مصدر الريع، فبينما الأجر هو الدخل الذي يحصل عليه العامل لقاء ما يقدمه من عمل من مشغله كشخص طبيعي أو شركة أو وحدة ادارية تابعة للدولة. أما الربح فهو الدخل الذي يستخلصه الرأسمالي المالك لوسائل الانتاج بعد تحقق عملية الانتاج وبيع منتوج في السوق. أما الريع فهو الدخل الذي يحققه الملاكون العقاريون لقاء ملكيتهم لتلك الأراضي ويشكل جزءا مقتطعا من فائض القيمة الناتج عن العمل الانساني.
لكن هذا التعريف المبسط لطبيعة الريع العقاري مثله مثل المداخيل الأخرى يخفي العديد من الاشكالات المفاهيمية. وأول هذه الاشكالات هي أن الأرض لا تنتج بحد ذاتها أي دخل لأنها عنصر طبيعي، وحيث لا يمكن البدء بالحديث عن امكانية توليد الارض للمداخيل الا في اطار قوانين النظام الرأسمالي، ومنها قانون الملكية، وسيادة القيمة التبادلية المصطنعة الى جانب القيمة الاستعمالية الطبيعية للأرض وامكانية استغلال هذه الأرض عن طريق حرثها من خلال تدخل العمل الانساني. حينذاك يصبح الريع العقاري غير ناجم عن الارض بحد ذاتها وانما من خلال تدخل عدة عناصر أخرى من بينها عنصر العمل والانتاج المتولد عن ذلك وبيع ذلك المنتوج في السوق. من هنا يمكن القول أن ريع الأرض يشكل جزءا من فائض القيمة المكون للربح الرأسمالي والمستخلص من العمل الانساني .
إذن فمصدر الريع بالإضافة الى توفر الخصائص الفنية للعقار وتدخل العمل الانساني الذي يحول تلك الخصائص الفنية للعقار الى قيم تبادلية على شكل منتجات تنتج أرباحا، وحيث يشكل الريع جزء من هذه الأرباح. فالريع إذن هو مقابل استعمال العقار مستخلص من الأرباح المحققة جراء هذا الاستعمال. إذن فالمتلقي للريع لا يقوم في الواقع بأي عمل أو مجهود مقابل الريع الذي يستخلصه، لكن احتكاره لملكية ذلك العقار هو الذي ينشأ استحقاقه للريع.
كخلاصة، هي أن الريع الذي ارتبط تاريخيا بالملكية الخاصة الرأسمالي يعتبر دخلا يحصل عليه مالك الأرض نتيجة وضع ملكيته تحت تصرف الآخرين مقابل عائد معين دوري عينياً كان أم نقدياً.

2 – طبيعة الريع التفاضلي:
يعتبر الريع العقاري الأساس الذي انطلقت منه النظرية الاقتصادية لصياغة مقولة الريع. حيث يشكل الريع العقاري الدخل الناجم عن عنصر الإنتاج «الأرض». وحيث صاغت النظرية الاقتصادية نوعين من الريوع، الريع المطلق absolue والريع التفاضلي différentielle فالريع العقاري المطلق ينتج عن الملكية الخاصة للأراضي بحيث لا يسمح المالكون للمستثمرين باستخدام هذه الأراضي، مهما كانت نسبة خصوبتها متدنية، بدون مقابل. هذا المقابل هو الريع العقاري المطلق الذي يضيفه المستثمرون إلى تكاليف إنتاجهم إضافة إلى معدل الربح الذي يحصلون عليه لأنفسهم.
أما الريع العقاري التفاضلي فينتج عن ملكية الأراضي الأكثر خصوبة. فمع تزايد عدد السكان وزيادة الطلب على المواد الغذائية تدخل في الإنتاج الزراعي الأراضي الأقل خصوبة والتي يصبح استخدامها في الزراعة ضرورياً لإشباع الحاجات المتزايدة. ولكن أصحاب الأراضي الأقل خصوبة يحصلون مقابلها على الريع المطلق، في حين يطالب أصحاب الأراضي الخصبة ببدلات أعلى مقابل استخدام أراضيهم لأنها تعطي مردودات أعلى وبالتالي فإنهم يحصلون، إضافة إلى الريع المطلق، على ريع تفاضلي إضافي. ولا ينتج الريع التفاضلي من خصوبة الأراضي فقط وإنما قد ينتج أيضا من الموقع القريب من مراكز الاستهلاك بحيث يكون نقل المحصولات إلى مراكز الاستهلاك أقل تكلفة .

3 – أشكال الريوع
تتعدد أنواع الريوع بحسب تعدد استعمالات هذا التعبير وأيضا بحسب مضمون النظرية الاقتصادية التي ترى في الريع دخلاً ناتجاً من عامل طبيعي بفعل ندرته وعدم إمكانيته إنتاج ما يكفي لإشباع الحاجات المتزايدة، ويمكن التمييز بين الأنواع الآتية:
أ – الريع العقاري: وهو الريع الذي بني على اساسه المفهوم الاقتصادي للريع، وكما رأينا ذلك أعلاه، هناك الريع المطلق والريع الفرقي انطلاقا من مدى خصوبة الأرض أو عدمها
ب – الريع الدائم أو الريع مدى الحياة: وهو الدخل المتأتي سواء عن المشاركة في قرض تصدره الدولة لقاء دفعات سنوية أو شهرية تستمر مدى الحياة أو المتأتي نتيجة التنازل عن التصرف بملكية معينة لقاء دفعات منتظمة مدى الحياة.
ج – الريع المنجمي: وهو الدخل الزائد الناجم عن استثمار الثروات الباطنية اليابسة، السائلة أو الغازية المستخرجة من مناجم أو آبار ذات إنتاجية عالية قياساً بالإنتاجية المتدنية لمثيلاتها . ولما كانت أسعار منتجات الثروات الباطنية مثل الذهب والنفط والغاز والفلزات وغيرها تتحدد في ضوء تكاليف إنتاج الثروات الباطنية الأقل إنتاجية والتي يكون إنتاجها ضرورياً لتلبية الطلب عليها، فإن المناجم والآبار ذات الإنتاجية العالية تكون تكاليفها متدنية وتعطي مستثمريها ريعاً منجمياً إضافياً يشبه إلى حد كبير الريع العقاري الفرقي. ويمكن أن نضيف الى الريع المنجمي ريع مقالع الرمال والحجارة والتي تستخدم في شتى المجالات من بينها قطاع البناء. وينجم هذا الريع عن حيازة رخص الاستغلال عادة تسلمها السلطة، بناء على معاير تحددها.
د – ريع الموقع: وهو ريع فرقي ناجم عن وفورات خارجية مرتبطة بالموقع المتميز الذي تشغله وحدات النشاط الاقتصادي: مثل القرب من خط السكة الحديدية الذي يوفر للمشروعات تخفيضاً في أجور النقل.
ه – الريع الوظيفي: من الأشكال الحديثة للريوع الريع الوظيفي الناجم عن المزايا العينية التي يتمتع بها أصحاب الوظائف مثل السكن المجاني، السيارات، مهمات الإيفاد، بعض السلع والخدمات بأسعار مخفضة. هذه المزايا العينية ترتبط بالموقع الوظيفي وليس بكمية العمل الذي يقوم به شاغل الوظيفة أو بنوعيته. وبعضهم يدخل في إطار الريع الوظيفي الرشاوى التي يمكن أن يحصل عليها شاغل الوظيفة بسبب موقعه ودوره في اتخاذ القرارات. وهكذا يمكن تفسير الصراع على المواقع والسلطات أحياناً بدوافع مادية للحصول على نصيب أكبر من الريع الوظيفي.
و – ريع المضاربة: باعتبار أن الريع إجمالاً هو الدخل غير الناتج من العمل فإن المضاربين، بالرغم من تعرضهم للخسائر أحياناً، يحصلون على دخول عالية جداً أحياناً ويجمعون بذلك ثروات طائلة تصبح بدورها مصدراً لدخول جديدة. وأكثر ما يظهر ريع المضاربة في سوق العقارات أو في أسواق الأوراق المالية. يعرف التاريخ الاقتصادي تشكل ثروات طائلة نتيجة المضاربة مثل المضاربة على الأراضي في أثناء نزوح النشاطات الاقتصادية نحو الغرب الأمريكي إذ كانت أسعار الأراضي تتضاعف عدة مرات في السنة الواحدة. كما سجل التاريخ الاقتصادي الدولي جنوب شرقي آسيا تشكل ثروات ضخمة جداً نتيجة المضاربة على العقارات أو على الأسهم.
ز – الريع الاحتكاري: من المعلوم أن معدل الربح الاحتكاري أعلى من معدل الربح المتوسط الذي تحصل عليه المشروعات العاملة في سوق المنافسة الكاملة. والربح الاحتكاري الزائد ليس بالضرورة ناجماً عن نجاعة أعلى في الأداء الاقتصادي وإنما يكون غالباً نتيجة احتكار السوق وتحديد مستوى العرض بحيث تكون الأسعار أعلى من تكاليف الإنتاج مما يوفر للمحتكر ربحاً إضافياً يمثل الريع الاحتكاري.
ح – أذونات استغلال مرفق النقل: حيث تمكن هذه الأذونات أصحابها من كرائها لاصحاب الطاكسيات أو الحافلات مقابل ريوع تتزايد مع الزمن مع ارتفاع نسبة التضخم.
ط – أذونات الصيد في أعالي البحار: أصحاب هذه الأذونات قد يعملون على كرائها لممتهني الصيد في أعالي البحار لقاء ريوع دورية متزايدة مع الزمن أو من خلال استغلالها بشكل مباشر، وفي كافة الأحوال فإن مصدر الريع المتأتى من هذه الأذونات يبقى دائما فائض القيمة المستخلص من العمل الانتاجي الذي يؤديه العاملين في هذا القطاع.
كخلاصة لما سبق هو أنه في اطار اقتصاد السوق القائم على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج وحرية النشاط الاقتصادي تتوافر التربة الملائمة لتوليد الريوع ويستحوذ الريع على قسم كبير من الدخل الوطني مما يؤدي إلى احباط دوافع العمل والاستثمار المنتج في هذا الاقتصاد.

المحور الثاني: الخلفية التاريخية لتطور عقلية اقتصاد الريع بالمغرب
في العصور القديمة حين خضع المغرب لحكم الفينيقيين والقرطاجيين والرومان كان حق ملكية الأرض خاصا بالدولة أو الحاكم. و كان هذا الواقع يعطي للحاكم الحق في أخذ الريع العقاري من العاملين في الأرض التي كانت تخول لهم كحيازة(حق الانتفاع) وليس كملك، وقد استدعى ذلك إنشاء جهاز منظم لجباية هذا الريع. واستمر الحال على هذا النحو حتى وصول الجيوش العربية إلى المغرب عام (681 – 682) بقيادة عقبة بن نافع، من غير أن تستطيع التوغل كثيرا داخل البلاد ، بسبب المقاومة العنيدة التي نظمتها القبائل الأمازيغية.
وعندما استكمل موسى بن نصير السيطرة على المغرب في بداية القرن الثامن وعمل على نشر الدين الإسلامي بين القبائل الأمازيغية، أصبحت رقبة الأرض تحت سلطة الخليفة الأموي في دمشق، أي أن الأرض الزراعية اعتبرت ملكا للدولة الأموية، بينما زارعوها حائزين لها فقط.
وقد فرض العرب في بادئ الأمر على القبائل الأمازيغية المزارعين الحائزين للأرض ضريبة الخراج والجزية. والمقصود بالخراج، مقدار معين من المال أو المحاصيل الزراعية يستوفى من غير المسلمين. وتشمل الأرض الخراجية كل من الأراضي الواقعة في غير البلاد العربية والأراضي التي فتحها المسلمون عنوة وقهرا أو صلحا، والأراضي المملوكة لأهالي البلاد الذين لم يعتنقوا الإسلام، وسمح لهم المسلمون باستمرار حيازتهم لها.
أما الجزية فهي مبلغ معين من المال تفرض على الرؤوس، ويسقط بالإسلام، وقد فرضت الجزية على الذميين في مقابل الدفاع عنهم وحمايتهم. ولا تعتبر الجزية من مستحدثات الإسلام، بل هي قديمة فرضها اليونان على سكان آسيا الصغرى في القرن الخامس قبل الميلاد، وفرضها أيضا الرومان والفرس على الأمم التي أخضعوها .
وعندما اعتنق الامازيغ الإسلام، ألغي الخراج والجزية، وأصبحوا يدفعون ضريبة العشور (أي عشر المحصول)، والزكاة لصالح بيت المال في دمشق. وبقي الوضع على هذا الحال حتى تم انفصال المغرب عن الخلافة الأموية في منتصف القرن الثامن، وقيام دولة الأدارسة في أواخر القرن الثامن، ودولة المرابطين في القرن الحادي عشر، ودولة الموحدين من منتصف القرن الثاني عشر حتى منتصف القرن الثالث عشر، ودولة المرينيين من منتصف القرن الثالث عشر حتى أوائل القرن الرابع عشر حين آلت ملكية الأراضي إلى السلطان. فسلطان البلاد أصبح مالكا لرقبة الأراضي الزراعية، أما الفلاحون فلهم حق استغلال الأرض والانتفاع مقابل دفع ضريبة العشور والزكاة لبيت المال.
كخلاصة لما سبق نلاحظ كيف ظل الريع العقاري يشكل ثقافة السلطة السائدة والمورد المالي الأساسي للدولة، فهيمنة السلطة تتم من خلال هيمنتها المطلقة على الأراضي الفلاحية ومنحها لحق الاستغلال لمن يظهر الولاء لها مقابل سداد الريع المستخلص عينا أو نقذا من استغلالها، وغالبا ما يتجاوز الريع المستخلص قيمته الحقيقية، وهذا ما يفسر عدم ظهور أثرياء خارج دائرة السلطة المركزية.

1) – اشكال تدبير اقتصاد الريع العقاري في ما يعرف ببلاد المخزن
في أواخر القرن الخامس عشر بدأت تظهر ملامح انقسام سياسي يتمثل من جهة في بلاد المخزن ومن جهة أخرى ما كان يعرف ببلاد السيبة وهي المناطق الوعرة، كجبال الأطلس والريف والصحراء والمناطق الشرقية، التي لجأت اليها القبائل الامازيغية المتمردة على السلطة المركزية بسبب الجبايات الفاحشة التي كانت تفرض عليها بالقوة وتشكل ريوعا من كافة الاصناف لكنها غير متناسبة مع القيمة الحقيقية للإنتاج.
وتتكون بلاد المخزن من المناطق التي تسكنها القبائل العربية التي استوطنت في السهول المغربية الخصبة والتي قبلت بالخضوع للحكم المطلق للسلطان المدني وبحمايته وبالواجبات التي يفرضها مثل هذا الارتباط. والمقصود بكلمة المخزن تلك السلطة المطلقة التي يكتسبها السلطان وأعوانه نتيجة خضوع القبائل العربية المختلفة لعائلة السلطان، إما طوعا جراء العصبية والبيعة المترتبة عنها وإما كرها نتيجة اجتياح أراضي جديدة وفرض الأمر الواقع على سكانها. ويذكرنا هذا التعاقد بالعقد الاجتماعي الذي تحدث عنه المفكر الإنجليزي توماس هوبز في القرن السابع عشر ، فقبل أن يكون الحكم المطلق باسم نشر الدين وخلافة الله على الأرض فإنه يتم باسم مصلحة الأفراد وبقائهم وتوفير حالة من السلم لهم (مصلحة العرب الغزاة وبقاء استيطانهم في مواجهة سكان البلاد الأصليين الامازيغ) فهو تعاقد اصطناعي بين مكونات قومية معينة دخيلة من أجل المحافظة على استمرارية إيديولوجيتها التي تضمن لها البقاء واستمرارية مصالحها وهيمنتها على الشرائح الاجتماعية الأخرى الأصيلة.
ومع أن المخزن يعني حكومة السلطان، إلا أنه يعني أيضا الطبقة الحاكمة كافة. وتتكون هذه الطبقة من قسمين متميزين: إدارة الدولة، ورجال البلاط. فالسلطان يشكل رأس الإدارة ويليه الوزير الأكبر وهو وزير الداخلية، ثم بقية الوزراء. وقد يعهد ببعض الوظائف المخزنية إلى السلطات المحلية أي إلى القواد وشيوخ القبائل، أو إلى الجماعة أي المجلس القبلي أو إلى المجالس الاستشارية في المدن .
ويعتر أحمد منصور الذهبي أول من وضع نظاما ثابتا لحكومة المخزن، ونظم جهازه الإداري والعسكري والضريبي. وعند مجيء الحسن الأول (1873-1894) عمد إلى إصلاح الجهاز الإداري الذي كان يعتمده، ولكن على أساس المركزية، وتركيز السلطات كافة في يديه، وعمل على استبدال نظام القواد السابق. وكان عددهم آنذاك ثمانية عشر قائدا بنظام جديد اعتمد فيه 330 قائدا، وعين أمينا إلى جانب كل قائد لشؤون الضرائب .
وقد ظلت ملكية الأرض في بلاد المخزن تخضع لتلك النظرية التي تعتبر السلطان هو المالك الحقيقي لأراضي البلاد بأسرها، وهو الذي يعطي حق الانتفاع بها، من دون تملكها، إلى من يشاء من رعاياه مقابل دفع الضرائب لبيت المال، والقيام ببعض الالتزامات العسكرية عندما يطلب منه ذلك، ويقوم هؤلاء بدورهم بتخويلها لأتباعهم من الفلاحين شرط دفع الضرائب المستحقة، والقيام بأعمال السخرة العامة والخاصة وغيرها من الالتزامات. وهكذا كانت الأراضي السلطانية سلعة في يد المخزن يستطيع بها كسب ولاء القواد والشيوخ وكبار رجال الدين، وكبار موظفي الدولة باقتطاعهم مساحات واسعة منها يتصرفون بإنتاجها وغلتها. وفي حالة تمرد واحد من الإقطاعيين على سلطة المخزن، ورفض القيام بالالتزامات المفروضة عليه فإن حق الانتفاع بالأرض يسحب منه ويعطي لغيره. ويدل هذا الواقع على أن الإقطاع في المغرب لم تكن له ذاتية أو شخصية مستقلة عن السلطان مثلما كان عليه الأمر في عهد الإقطاع الأوروبي، بل كان يخضع بشكل مطلق لإرادة السلطان.
وعلى العموم أخذت الملكية الإقطاعية للأراضي الزراعية الأشكال الآتية:
– أراضي الأحباس: وهي الأراضي التي يمنح السلطان حق الانتفاع بها إلى كبار رجال الدين من الشرفاء ورؤساء الزوايا الدينية، وأعفاهم من دفع الضرائب نظرا لما لهذه الفئة من رجال الدين من مكانة اجتماعية ودينية ودورها الكبير في التأثير في الجماهير البدوية والحضرية معا لاستمالتهم سياسيا لتأييد سلطة المخزن.
– أراضي الكيش: هي الأراضي التي كان السلاطين يمنحون حق الانتفاع بها لبعض قادة القبائل العربية كي يتمكنوا بواسطتهم من فرض سيطرتهم على البلاد وإخضاع القبائل العاصية التي تمتنع عن دفع الضرائب. وكانت هذه القبائل تسمى بقبائل المخزن. وكان السلاطين يعفون قادتهم من دفع الضرائب، ويضمنون لهم حيازة أراضي واسعة. وهناك بعض القبائل البربرية التي لعبت مثل هذا الدور لإخضاع قبائل بربرية أخرى.
– وهناك أراض واسعة منح السلطان حق الانتفاع بها إلى بعض القادة العسكريين وقبائلهم مكافأة لهم على مشاركتهم في المعارك إلى جانب جيش السلطان. من هؤلاء القادة نذكر على سبيل المثال الريسولي الذي قاد قبيلة بني عروس في معركة الملوك الثلاثة، والقائد محمد الريفي الذي قاد قبيلة الفحصيين لقتال الجيش الانجليزي الذي كان يتمركز على طول الشريط الساحلي في شمال غربي المغرب .
– وهناك أراض واسعة منحها السلطان إلى كبار موظفي الدولة (الباشوات وعمال وقواد) مكافأة لهم على إخلاصهم وتفانيهم في أداء عملهم.
وجدير بالذكر أنه حتى مجيء الفرنسيين لم تكن هناك إحصاءات رسمية متوفرة لأنواع الملكيات وتوزيعها حيث بدأت هذه الإحصاءات بالظهور بعد أن تم للفرنسيين إخضاع البلاد كلها وإحكام السيطرة عليها.

3) – طرق استغلال الأرض الزراعية واستعمالها في بلاد المخزن:
إن الملكيات الإقطاعية في بلاد المخزن كانت تستغل بالمزارعة أو المحاصة، لأن الإقطاعيين الذين يتمتعون برخاء العيش في المدن كانوا يتركون أراضيهم في يد المحاصين. والمقصود بالمزارعة شكل مساهمة المالك والمزارع في استغلال مشروع زراعي، حث يقدم المالك وسائل الإنتاج كالأرض والبذور وأدوات العمل، بينما يقدم المزارع قوة عمله. ويقسم ناتج الأرض بين الشريكين حسب نسبة يحددها عقد المزارعة في ضوء العرف المتبع في كل منطقة من المناطق البدوية. ومن بين أهم أنظمة المزارعة التي سادت في بلاد المخزن نذكر ما يلي:

نظام المخامسة:
وهو النظام الأكثر انتشارا في بلاد المخزن. حيث يتم إبرام عقد المخامسة بصورة شفهية بين مالك الأرض أي الإقطاعي والخماس وذلك لمدة سنة واحدة قابلة للتجديد في السنوات القادمة في حالة اتفاق الطرفين.
ويقضي هذا النظام بأن يتعهد المالك بتقديم الأرض، والبذور، وحيوانات الحراثة، وسائر أدوات العمل، بينما يقدم الخماس وسائر أفراد أسرته قوة عملهم. وعند توزيع المحصول ينال المالك أربعة أخماس المحصول، ويبقي الخمس الأخير للفلاح أي الخماس.

نظام المرابعة:
يتم إبرام عقد المرابعة بين مالك الأرض والرباع بصورة شفهية ولمدة سنة واحدة قابلة للتجديد، حيث يقوم المالك بتقديم وسائل الإنتاج من أرض وبذور وحيوانات حراثة وأدوات عمل، في حين يقدم الرباع وأفراد أسرته قوة عملهم. وبعد جني المحصول يأخذ الرباع ربع المحصول، بينما يذهب ثلاثة أرباعه إلى المالك.

نظام المشاركة بالخبزة:
يقضي هذا النظام بأن يقدم المالك الأرض فقط، بينما يقدم الفلاح أي الخباز العمل، والبذور، وحيوانات الحراثة، وسائر أدوات العمل. وفي نهاية السنة، يحصل الخباز على ثلث المحصول أو نصفه، وينال مالك الأرض الباقي .
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الفلاح المحاص زيادة على عمله الأساسي في أراضي الإقطاعي، مطالب بتنفيذ الأمور الآتية:
– أن يكون وأفراد أسرته في خدمة أسرة المالك أي الإقطاعي؛
– العمل على صيانة منزل المالك والاعتناء بالحديقة؛
– تزويد المالك بالخضار والفواكه التي ينتجها.
نجم عن نظام المزارعة أضرار اجتماعية واقتصادية كثيرة نذكر منها ما يلي:
– أعاقت الأراضي التي وزعت على الإقطاعيين تقدم الزراعة وازدهارها، وذلك بسبب إهمالهم للأرض وعدم إجراء أي تحسين فيها، فكل ما كان يهمهم هو البدل العيني والنقدي الذي كانوا يبتزونه من الفلاح المحاص.
– إن نظام المزارعة يمنع إنفاق المال على تحسين الأرض والعمل فيها، وذلك لأن عقد المحاص كان يلغي حسب إرادة صاحب الأرض، فيعود المال المستخدم في تحسين الأرض إلى المالك ولا يرغب المحاص للأسباب نفسها في إحداث تحسين ثابت في الأرض أو بذل جهد عظيم في استثمار التربة، لأن صاحب الأرض يقاسمه الغلة، ويجني نصيبا من الفوائد التي يحسبها ذلك المحاص ثمرة جهوده. وبما أن المحاص مهدد دوما بترك الأرض، فإنه يبذل كل ما في وسعه لجني معظم الغلة الممكن جنيها في ذلك الوقت القصير. وهذا معناه إنهاك التربة وإفقارها، ثم عجزها عن الإنتاج في مدة قصيرة .
– أدى نظام المزارعة إلى فقر الفلاح المحاص ثم إلى جهله ومرضه وإلى خوفه في كل لحظة من الموت وأفراد أسرته جوعا لأن باستطاعة الإقطاعي طرده، وهو مضطر للاستدانة خصوصا عند رداءة الموسم من أجل تجديد قوة عمله، فيقع فريسة في أيدي الإقطاعي من جهة، وفي أيدي رجال المخزن الذين يجبون الضرائب من جهة ثانية، إذ أن الضرائب مع الريع العقاري كانت الوسيلة المهمة التي استولى بها الإقطاعيون والمخزن على ثمرة أتعاب هؤلاء الفلاحين.
نستخلص مما سبق أن الملكية الإقطاعية للأراضي الزراعية في بلاد المخزن كانت تقوم على مبدأ من يملك لا يزرع، ومن يزرع لا يملك.

4) – الفئات الاجتماعية المستحوذة على الريع الاقتصادي:
أدت سيادة العلاقات الإقطاعية في بادية بلاد المخزن إلى تدرج اجتماعي بين السكان البدويين، وإلى ظهور فئتين اجتماعيتين رئيسيتين تتمثلان في الإقطاعيين الذين كانوا يشكلون قلة عددية، والفلاحين الذين كانوا يمثلون أكثرية السكان في البادية. وكانت الأقلية الإقطاعية تعمل على استغلال الفلاحين وتعيش على الريع المستخلص من أتعابهم.

أ) – الإقطاعيون:
عرفت بادية بلاد المخزن نوعين من الإقطاعيات: الإقطاعية العقارية والقيادية، والإقطاعية الدينية.
– الإقطاعية العقارية والقيادية:
وتتمثل في شيوخ القبائل والقواد وكبار موظفي المخزن. وتستمد هذه الإقطاعية قوتها من سيطرتها على وسائل الإنتاج من جهة، ومن السلطة التي كان يمارسها الإقطاع باسم المخزن على الفلاحين المنتجين الخاضعين من جهة أخرى. وقد أدى هذا الواقع إلى أن تصبح الإقطاعية فئة متعالية على العامة.
انطلاقا من هذا الواقع كان الإقطاعي يستغل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي كان يعمل فيها مجموعة كبيرة من الفلاحين على أساس نظام المخامسة أو المرابعة أو بالخبزة. وكان الإقطاعي يقتطع من الفلاحين حصة من الإنتاج بوصفه ريعا عقاريا ، ويجبي شخصيا من الفلاحين ضرائب لحسابه إلى جانب الضرائب التي كان يفرضها المخزن ويجمعها تحت إشرافه. وكان الفلاحون مرغمين على القيام بأعمال السخرة والاشتراك في ما يسمى “بالحركة” مثل الحملات العسكرية لفائدة السلطان لتأديب بعض القبائل الثائرة.
وعلى العموم كان الفلاحون الفقراء عرب وأمازيغ يعانون من أنواع متعددة من أشكال القهر الاقتصادي والاجتماعي التي مارستها عليهم هذه الإقطاعية ففي الأراضي النائية الخاصة بالقواد وشيوخ القبائل كان الفلاحون مطالبين مقابل تسليم الإقطاعي قطعة من الأرض لهم بغية استغلالها بتقديم أكبر قسم من المحصول للإقطاعي بوصفه ريعا عقاريا. وإبداء الولاء والإخلاص الشخصي للإقطاعي إذا ما تعرض شخصه أو أملاكه للاعتداء من قبل الإقطاعيين المجاورين. إضافة إلى دفع أنواع من الضرائب النقدية والعينية لحساب الإقطاعي ولحساب المخزن. وبالإضافة إلى القيام بأعمال السخرة (التويزا) التي كان يفرضها الإقطاعي كالحراثة والحصاد، والخدمات المنزلية، كان عليهم القيام بخدمات يفرضها المخزن مثل شق الطرقات وبناء الجسور، وإصلاح القنوات الخاصة بالري وغيرها. ومد جيش السلطان بالمواد الغذائية (المونة) في أثناء قيامه بحملة عسكرية في الجوار. والاشتراك في “الحركة” أي في الحملات العسكرية التي كان يشنها جيش السلطان على القبائل المتمردة على سلطته، أو التي رفضت دفع الضرائب الواجبة عليها.
وإذا ما قصر الفلاح في دفع الضرائب، أو القيام بأعمال السخرة سارع الإقطاعي إلى فرض الغرامة أو تعذيبه جسديا، أو نفيه من الدوار في بعض الأحيان.

– الإقطاعية الدينية:
وتتمثل في الشرفاء ومشايخ الطرق الصوفية وغيرهم من كبار رجال الدين. ونظرا لأن المجتمع القبلي يتميز عموما بالتدين والتأثر الديني العميق، فقد سادت عبر تاريخ المغرب عددا من الزوايا الدينية التي شكلت مراكز للطرق الصوفية وعرفت انتشارا واسعا حتى لا تكاد قرى متجاورة تخلو من زاوية يلجأ إليها الناس، ويلتمسون من وليها أو صالحها البركة. وقد سادت زوايا كثيرة كان لها نفوذ كبير في منطقتها كالزاوية الرحالية، والزاوية الكتانية، والزاوية الناصرية، والزاوية الوزانية والزاوية الشرقاوية. وغالبا ما تكون البادية منبع تشكل الزاوية، إذ ينعزل الشيخ الصوفي في الجبل للتعبد والزهد في مرحلة أولى لكي يعمل في ما بعد على نشر تعاليمه وتأسيس طريقة تابعة له. ويقتضي الحصول على صفة الشيخ أن يتحلى بصفات معينة تميز صاحبها عن العامة. وأكثر هذه الصفات شيوعا هي الشرف أي الانتماء إلى الأسرة النبوية. ولكن في غياب الشرف قد يكون العلم.
وتقوم العلاقة التي تربط قبيلة ما بزاويتها على ولاء أفراد القبيلة مقابل حماية روحية من الصالح أو الولي المؤسس للزاوية. ولذلك يطلق على التابعين للزاوية اسم خدامها، ويكون لشيخ الزاوية السلطة الروحية والرمزية في نظر الأفراد حيث أنه بمجرد تدخل الشيخ في النزاع يتوقف ذلك النزاع، وغالبا ما يؤدى اليمين باسم الولي مؤسس الزاوية الشيء الذي أصبح له أهمية كبيرة في القانون العرفي.
ومقابل هذه الحماية الروحية تقدم القبيلة الولاء الذي يتجلى ماديا في كون الخدام يؤدون واجب السنة الذي يطلق عليه اسم “الزيارة” وما يترتب عن ذلك من رعاية، وإكرام الشيوخ والشرفاء بالهدايا إذا ما حلوا بالقبيلة أو الدوار . لكن تدهور الأمن وتغلغل الفوضى الاجتماعية في معظم القبائل حول هذه الطرق إلى منظمات يشرف عليها في الغالب انتفاعيون نصبوا أنفسهم وسطاء بين المخزن والشعب، فكانت السلطة لا تستطيع حفظ الأمن وجبي الضرائب ولا تعبئة الجيوش إلا من خلال هؤلاء الذين كانوا يدعون أنهم يشعون عليها من بركة نفوذهم مما يسهل عليها تحقيق أغراضها. وكانت هي أيضا تعتبر إرضاء هؤلاء القوم أسهل السبل للحصول على ما تريده من تسخير للعامة واستغلالها . ولا عجب إذن أن اعترف المخزن بالزوايا وعزز وجودها بظهائر التوقير والاحترام التي تضمن لها امتيازاتها، وأغدق عليها أنواع المساعدات الكافة، ومنحها أراضي واسعة معفاة من الضرائب سميت بأراضي الأحباس، وقد ساعد هذا الأمر على نشأة نوع معين من الإقطاعية سميت بالإقطاعية الدينية.
وتجدر الإشارة إلى أن الإقطاعية الدينية شبيهة بالإقطاعية العقارية والقيادية من حيث انطوائها على الظلم واستغلال الفلاحين، ففي الأراضي التي كانت بحوزة رجال الدين كان الفلاح يعمل تحت إشراف المقدم الذي كان يمثل الشريف أو رئيس الزاوية الدينية. وكان المقدم يمد الفلاح بالبذور ويشرف على عملية توزيع المحصول، وعلى الفلاح أن يخضع للالتزامات المفروضة عليه مثل اقتطاع جزء من المحصول لحساب الشريف بوصفه ريعا عقاريا. والارتباط الدائم بالأرض، وعدم السماح للفلاح بمغادرتها بإرادته للعمل في مكان آخر. ودفع الضرائب الدينية كالعشور والزكاة وغير ذلك. والإسهام في الهدية التي كانت تقدم للسلطان. والقيام بأعمال السخرة الخاصة بالشيخ من حراثة وحصاد وخدمة منزلية وغيرها، والسخرة العامة والخاصة بالمخزن مثل شق الطرقات، وبناء الجسور وتصليح القنوات وغيرها. وهذا بالإضافة إلى دفع الغرامة للتعويض عن الأضرار التي تلحق بالممتلكات العامة والخاصة.
وهكذا نلاحظ أن علاقة الفلاحين بالإقطاعيين الدينيين لم تكن علاقة حرة، بل علاقة قنانه، وتبعية شخصية وخضوع للقهر الاقتصادي والاجتماعي. والملاحظ أن التحالف بين الدولة والإقطاعيين لاستغلال الفلاحين كان من سمات بلاد المخزن، حيث أدت علاقات الإنتاج الإقطاعية وحجم الريوع المقتطعة منها إلى تخلف القطاع الزراعي، وعرقلت بالتالي تطور الفلاح وسعادته، ورمت به في مهاوي الفاقة والجوع.

ب) – الفلاحون الفقراء:
شكل الفلاحون السواد الأعظم من سكان البادية في بلاد المخزن، ويرتبطون بعضهم ببعض بعلاقات وروابط إنتاجية واجتماعية واحدة، ومراكزهم الاجتماعية والاقتصادية متقاربة. وكان مركز الفلاح في تلك الفترة يماثل مركز القن في نظام الإقطاع الأوروبي في القرون الوسطى.
وتجدر الإشارة إلى أن الأعباء الضريبية التي أرهقت كاهل هؤلاء الفلاحين قد حدت من تطورهم وارتفاع وعيهم وثقافتهم. وكان مستوى دخلهم منخفضا إلى درجة رهيبة حيث لم يكن بإمكانهم تجديد قوة عملهم إلى المستوى الضروري من أجل العمل بنشاط في الأرض وإنتاج الخيرات المادية. وكان عمل الفلاحين ينقسم إلى قسمين: عمل ضروري لازم لمعيشتهم ومعيشة أسرهم، وعمل إضافي بوصفهم رباعيين أو خماسيين عند الإقطاعيين. ومع أن الفلاحين كانوا متقاربين في مستويات معيشتهم، ومتشابهين في وسائل عملهم وفي أنماط سلوكهم وعاداتهم وقيمهم، لم يشكلوا طبقة اجتماعية متميزة بل شكلوا فئة اجتماعية وذلك لانعدام الوعي الطبقي عندهم ولتفرقهم وعزلتهم التي حالت دون تنظيمهم السياسي والإيديولوجي الذي يعتبر شرط وجودهم بوصفهم طبقة متميزة.

المحور الثالث: اقتصاد الريع خلال فترة الحماية

وقعت معاهدة الحماية في 30 مارس 1912 بين السلطان عبد الحفيظ وفرنسا. كما وقعت في نونبر 1912 معاهدة فرنسية – إسبانية ألحقت بمقتضاها بإسبانيا مناطق نفوذها السابقة في شمالي المغرب وجنوبه تنفيذا لمعاهدة 1904 الأنغلوا – فرنسية. وهكذا أصبح المغرب فعليا منذ هذا التاريخ تحت السيطرتين الفرنسية والإسبانية معا. ومعلوم أن هذا الاستعمار وإن كان قد حدث نتيجة تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المغرب إلا أنه ارتبط أيضا بتسابق القوى الإمبريالية القديمة (إسبانيا، فرنسا، بريطانيا …) لاقتسام العالم وجعل المستعمرات مرتكزا لحل أزمتها الداخلية وتطوير اقتصادها الرأسمالي .
وكان الهدف من استعمار المغرب هو خلق مستعمرة استيطانية والسير قدما في توسيع الرأسماليتين الفرنسية والإسبانية. هذا الاستعمار كان يعني استبدال البنى الاجتماعية والاقتصادية الموجودة بنمط الإنتاج الرأسمالي التبعي. وهذا الاستبدال –الذي أدى إلى تفتيت علاقات الإنتاج القديمة وكل ما يترتب عليه- كان الهدف منه الحصول على القوة الإنتاجية اللازمة من أجل إقامة البنى الرأسمالية .
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر، اهتم الأوروبيون بمسألة الأرض في المغرب، وحظيت قضية امتلاكهم للأراضي فيه بالمادة 11 من معاهدة مدريد سنة 1880 وبالمادة 60 من معاهدة الجزيرة الخضراء، وذلك لاقتناعهم بأن الوجود الاستعماري مهزوز ما لم يقم على دعائم يمثلها المستوطنون الزراعيون الذين يشكلون ضمانة لرسوخ السلطة الاستعمارية أقوى من الضمانة العسكرية، لهذا حرص المقيمون العامون الذين تعاقبوا على حكم المغرب وخاصة الماريشال ليوطي وتيودور ستيغ على تشجيع الهجرة الأوروبية إلى المغرب.
وما أن تم إنهاء حالة التمرد في بلاد السيبة عام 1934، وإحكام السيطرة العسكرية على كل البلاد حتى انهال على المغرب سيل من المهاجرين الأوروبيين وخاصة الفرنسيين للتمتع بثمار الاحتلال. وقدر عدد المهاجرين الأوروبيين عام 1921 بنحو 75.000 مهاجر، ثم ما لبث أن ارتفع هذا العدد عام 1936 –أي بعد إخضاع البلاد كلها للسيطرة العسكرية الفرنسية- إلى 187.096 مهاجرا، (شكل الفرنسيون 31,4 % من مجموعهم) ليصل إلى 325.271 مهاجرا عام 1951-1952. وشكل المهاجرون الفرنسيون 35,2 % من العدد الإجمالي للأوروبيين .
وقد رافقت قوات الغزو الاستعماري، عدد من العصابات المسلحة التي شكلت قواعد خلفية للقوات الاستعمارية، وفرقا استطلاعية لها يحمون ظهرها ويحتمون بها بغية الحصول على الأرض وإزالة كل ما من شأنه أن يشعرهم بأنهم غرباء عن مجتمعهم الجديد. وفي مقدمة ذلك الفلاح المغربي . ومنذ ذلك الحين دأب الاستعمار على إعداد جداول منهجية تضم مختلف أنواع الأنظمة العقارية التي تسهل عملية مصادرة الأراضي الزراعية من الفلاحين المغاربة لكي توزع في ما بعد على المهاجرين الأوروبيين.
ومن أجل تشجيع عملية الاستيطان وجذب مزيد من المستوطنين الزراعيين فتحت إدارة الحماية مؤسسات مالية منها الصندوق الزراعي الفيدرالي الذي بلغت ديونه على المستوطنين الزراعيين 255 مليون فرنك سنة 1935 مع تسهيلات خيالية في الدفع.
وفي سنة 1921 أعلن السيد مالي المدير العام للزراعة أمام مجلس الحكومة عن برنامج يهدف إلى مساعدة المستوطنين الزراعيين يدعم تنمية الإنتاج الزراعي، وتسهيل تصريفه، وتسويق المنتجات الغذائية. ويرتكز البرنامج على توسيع المساحات المزروعة ومضاعفة تربية المواشي وتحسين نوعية الإنتاج وإدخال مزروعات جديدة، وإنشاء مؤسسات للقرض الزراعي .
وفي 22 شتنبر 1926 أعلن المقيم العام أمام مجلس الحكومة في عرضه لميزانية سنة 1927 عن تخصيص 21,8 مليون فرنك للري الزراعي وحده بزيادة 9,5 ملايين فرنك عن سنة 1926 و14,725 مليون فرنك عن سنة 1925 وزف إلى المستوطنين بشرى الشروع في بناء شبكة من السدود بلغت تكاليفها لغاية 1937 نحو 600 مليون فرنك .
وكان من نتائج هذه السياسة الزراعية التشجيعية أن ارتفع عدد المستوطنين الزراعيين من 500 سنة 1920 إلى 1.000 سنة 1925 إلى 1.500 مستوطنا سنة 1927 إلى 2.067 مستوطنا سنة 1937 ، ثم إلى ما يزيد عن 5.000 مستوطن عام 1951 – 1952 حيث شكل الفرنسيون 86 % من مجموع عدد المستوطنين، في حين شكل الإسبان 7 % والإيطاليون 2 % والمستوطنون من جنسيات أوروبية أخرى 5 %.
أما في ما يختص بالمزارع الأوروبية التي انتشرت في سائر أنحاء البلاد، فكان مصدرها الاستيطان الزراعي الرسمي والاستيطان الزراعي الخاص. فقد ركزت إدارة الحماية على الأراضي الجماعية وعلى أراضي المخزن والحبوس لجعلها الميدان الرسمي للاستيطان الزراعي الرسمي. فخلال الفترة ما بين 1918 – 1921 حصل الاستيطان الزراعي الرسمي على مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة، منها: 48.000 هكتار في الشاوية ودكالة وفاس والغرب ومراكش ومكناس والرباط. وحصل من جديد سنة 1925 على 25.000 هكتار، وفي السنة التالية على 35.000 هكتار. وتقرر توزيع ما يقارب هذه المساحة الأخيرة سنة 1927 .
وقد وقفت عمليات الاستيطان الرسمي نهائيا قبل سنة 1937، وأن 27 % من المستفيدين كانوا يتكونون من الأوروبيين الذين استقروا في المغرب قبل سنة 1919، 49 % من المستفيدين استقروا في المغرب بعد سنة 1919، و 15 % وفدوا إلى المغرب من بلدان شمالي إفريقيا المجاورة، و9 % من المستفيدين أتوا من فرنسا وغيرها من البلاد .
أما الاستيطان الزراعي الخاص فقد نتج عن عمليات شراء أراضي الفلاحين المغاربة قسرا إذ كانت قوات الغزو تسهل على المستوطنين الحصول على الأرض الزراعية بإبادة سكان القرى والاستيلاء على أملاكهم بالقوة وبيعها للمستوطنين بأبخس الأسعار مستعملة إلى جانب قواتها قوات الباشوات والإقطاعيين، منهم التهامي الكلاوي وبوشتة البغدادي.
وفي ظل هذه الشراهة التي كان يتميز بها المستوطنون الأوروبيون أصبحت جميع الأراضي الصالحة للزراعة في المغرب ملكا لهم، حيث بلغت مساحة الاستيطان الزراعي الرسمي والخاص عام 1956 نحو مليون وعشرة آلاف هكتار أي 20,2 % من مجموع الأراضي الصالحة للزراعة والتي قدرت مساحتها بخمسة ملايين هكتار، موزعة في ما يتبين من الجدول الآتي – على 5.900 مزرعة تتراوح مساحاتها بين أقل من عشرة هكتارات وأكثر من 500 هكتار. وكانت هذه المزارع منتشرة في سائر أنحاء المغرب وخاصة في المناطق الساحلية القريبة من مدينة الدار البيضاء حيث انتشرت 1.885 مزرعة غطت مساحة 375.000 هكتار، والقريبة أيضا من مدينة الرباط حيث أقيمت 2.313 مزرعة شغلت مساحة 255.000 هكتار .
وتجدر الإشارة إلى أن المستوطنين الزراعيين لم يكتفوا بما حصلوا عليه من إدارة الحماية من مساحات شاسعة، بل كانوا يزحفون على أراضي جيرانهم المغاربة فيبتلعونها تدريجيا. ولم تكن حدود مزرعة الأوروبي تعتبر حدودا نهائية إلا عندما تلتقي بحدود مزرعة أوروبي آخر. وهكذا اتسعت مزارع بعضهم من بضعة هكتارات إلى 800 هكتار . واستطاعوا خلال فترة وجيزة جني الأرباح الطائلة.
وتجدر الإشارة إلى أن سلطات الاحتلال لم تكتف بالاستيلاء على الأراضي الخصبة وطرد الفلاحين المغاربة منها حتى أثقلت كاهل الفلاحين بالضرائب الفلاحية المسماة الترتيب.
إن مصلحة الضرائب لم تكن تأخذ في الاعتبار عند تحديدها لضريبة الدخل على الإنتاج الزراعي والحيواني التغيرات السلبية في دخل الفلاحين من انخفاض الإنتاج، وهلاك الماشية والأشجار. وقد صرح كولياك المراقب المدني بدائرة صفرو أنه في سنة 1934 فرضت إدارة الحماية الترتيب على 1.361 أسرة لم تكن قد زرعت أي شيء ، وفي سنة 1937 بلغ دخل الترتيب 130 مليونا من الفرنكات، وهي سنة المجاعة والانهيار التام للزراعة المغربية، وتقابلها 105 ملايين فرنك سنة 1936، ثم قفز هذا المبلغ إلى 174 مليون فرنك سنة 1938 .
وهكذا كان الفلاح المغربي يشقى ويكدح لا من أجل تحقيق تقدم في مستواه المعيشي، بل من أجل تغذية خزينة سلطات الاحتلال، بينما وضعه الاقتصادي يسير من سيئ إلى أسوأ بسبب الانخفاض المستمر في الإنتاج الزراعي، وعدم قدرته على تحمل أطماع المتربصين بدخله الزراعي الهزيل.

2 – الانعكاسات الاقتصادية للاستيطان الأوروبي
أ – عواقب القمع الاقتصادي على المجتمع المغربي
أدت الهيمنة الاستعمارية، والسياسة الزراعية التي اتبعتها سلطات الاحتلال إلى إحداث تحولات اقتصادية كبيرة في الوسط القروي المغربي. فمن أجل إخضاع كل التراب الوطني، والقضاء على مقاومة السكان القرويين للسيطرة الاستعمارية لجأت قوات الاحتلال الفرنسية إلى وسائل عسكرية مهمة في حربها الاقتصادية ضد هؤلاء السكان، كإحراق المحاصيل وهدم مخازن الغلال الجماعية وقصف الأسواق والاستيلاء على قطعان الماشية وتخريب التجهيزات التي تستعمل في عملية الري … إلخ. وقد نتج عن ذلك تدهور الأوضاع المعيشية للسكان القرويين.
وقد أدى اغتصاب الأراضي الخصبة من قبل المستوطنين الأوروبيين إلى عواقب وخيمة ومأساوية على الكثير من المناطق القروية المغربية، فوسائل العيش أخذت تتضاءل بالنسبة لجماهير الفلاحين تدريجيا بسبب نقص مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، كما أخذت قطعان الماشية تتقلص أيضا في حين أن أملاك المستوطنين كانت تتعاظم وتكبر.
وبعد أن تمت السيطرة العسكرية على المغرب أرغمت قوات الاحتلال السكان القرويين المغاربة على أن يقدموا الأيدي العاملة اللازمة لإقامة الهياكل العسكرية والاقتصادية. وفي موازاة أسلوب السخرة المرتكزة على العمل المجاني، وتطبيقا لتوجيهات المقيم العام الماريشال ليوطي، أرغم السكان المغاربة من أجل كسب لقمة العيش على الاشتغال في مختلف أوراش قوات الاحتلال بأجور زهيدة .
كما نجم عن استعمار المغرب تغيرات في أشكال الملكية العقارية، إذ عمدت قوات الاحتلال إلى الاستيلاء على أراضي المخزن والأراضي الجماعية والأحباس لجعلها الميدان الرسمي للاستيطان الزراعي. وفي هذا الإطار أصدر السلطان يوسف ظهير الفاتح من يوليوز 1914 الذي ينص على تحديد أراضي المخزن، ثم ظهير 15 يوليوز من السنة نفسها الذي ينص على منع الأملاك الجماعية ووضعها تحت وصاية الدولة، ويتولى أمرها مدير الشؤون الأهلية الذي يستعين بمجلس وصاية يتكون من مدير الشؤون الأهلية (رئيسا)، ومستشار الحكومة وموظف فرنسي ينوب عنه، وأحد القضاة الفرنسيين. أما الفلاحون المغاربة المهددون في أملاكهم فيمثلهم في مجلس الوصاية اثنان من الأعيان يعينهما الوزير الأكبر. وكان الظهيران بمنزلة تقنين للطرد الجماعي للفلاحين المغاربة بحجة امتلاكهم واستغلالهم لأراض بطريقة غير قانونية وبدأت رسميا سياسة الإبعاد والحصر أي إبعاد الفلاحين المغاربة عن الأراضي الخصبة وحصرهم في المناطق القاحلة .
إن مختلف هذه الأراضي الزراعية المغتصبة والتي تحولت إلى ضيعات عصرية رأسمالية لم يتم إرجاعها إلى أصحابها بعد الاستقلال، بل تم احتلالها من طرف كبار خدام المخزن الأوفياء.

ب – الاستغلال الرأسمالي للضيعات الفلاحية
عندما دخل الاستعمار بشكله السافر إلى الأراضي المغربية وجد أمامه عدد من خدام المخزن الأوفياء وهي الفئات الحاكمة المكونة من شيوخ القبائل والقواد وكبار رجال الدين. وقد أبقى الاستعمار على معظم هذه الفئات وامتيازاتها الأدبية والاجتماعية، ومنحهم مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية عند إدخال نظم تسجيل الأراضي لكي تكون سندا قويا للمحتل، ولكنه جردها في المقابل من نفوذها السياسي الحقيقي لأنه أصبح الحاكم الفعلي للبلاد. وظلت هذه الفئات رمزا بلا مضمون يستعين بها المحتل حيثما يريد واجهة لإضفاء الشرعية على بعض سياساته الاستيطانية والعدوانية.
وهكذا ظهر نمط الملكية الفردية للأرض، وتحولت العلاقات داخل القبيلة من علاقات عشرية في مفهومها التقليدي القديم إلى علاقات اقتصادية ترتكز على امتلاك رؤساء القبائل والقواد ورؤساء الطرق الصوفية للأراضي الزراعية الواسعة، وتحول سائر أفراد القبيلة بالتدريج إلى فلاحين أجراء في أراضي زعمائهم.
وما لحق الزراعة من تغير في نمط ملكيتها لحق تدريجيا ملكية الماشية، فقد تحولت هذه الأخيرة من ملكية عشيرة مشاعية إلى ملكية أسرية أو فردية، ولكن النشاط الرعوي لم يتطور في وسائله بالدرجة أو السرعة نفسها اللتين تطورت بهما الزراعة في البادية المغربية، لذلك يظل الفائض الاقتصادي المتولد من هذا النشاط، والقابل للتوزيع والاستحواذ من خلال الآخرين محدودا للغاية.
ما أن استقرت الملكية الفردية للأرض الزراعية في المغرب حتى أقدم المستوطنون الأوروبيون على تطبيق أشكال الاستغلال الرأسمالي للأرض الزراعية باعتبار الأرض بمثابة رأس مال يدر دخلا أي ينتج فائض قيمة. وهكذا انقسمت الأراضي الزراعية إلى مزارع يستغلها الأشخاص، ويمارسون فيها حقوق الملكية الخاصة كافة، وإلى أراضي الدولة، وأراضي الحبوس والأراضي الجماعية وغيرها. لكن علاقات الإنتاج الرأسمالية لا يمكنها أن تنمو وتزدهر بلا تطور في الإنتاج الآلي الحديث.
وهكذا أدخل المستوطنون الزراعيون الآلة إلى القطاع الزراعي بصورة تدريجية بهدف تحسين الإنتاج الزراعي وتطويره في مزارعهم معتمدين على المكننة من أجل استصلاح الأراضي عبر استخدام الحفارات والمحركات لإحياء أراض جديدة وإقامة شبكة للري. وهذا من شأنه زيادة المساحات المزروعة والمروية فقط. وكذلك استعمال الأدوات الحديثة والجرارات والأسمدة المخصبة للأراضي من أجل الزيادة في الإنتاج الزراعي.

ج – نتائج الاستعمار الفرنسي على العالم القوي
وتجدر الإشارة إلى أن اعتماد هذه الآلات في المزارع الأوروبية أدى إلى توظيف رساميل باهظة، وجعل العمل الزراعي التقني مجالا جديدا للقوى البشرية التي رأت في الوسائل الجديدة أملا في تأمين احتياجاتها كافة من غير أن تمارس أعمالا جسدية مرهقة، بل انحصر نشاطها في توجيه الآلة التي وضعت لخدمة العاملين في الحقل الزراعي وراحتهم. وكان من نتيجة هذه التقنيات الحديثة الأثر البالغ في التطور الذي بلغته الزراعة بعد استعمال الآلات الحديثة، خاصة وأن طبيعة الأراضي في البادية المغربية تفرض تنوع الزراعات فيه.
وكان من الطبيعي، نتيجة هذا التنوع، أن نلاحظ أشكالا مختلفة من الأدوات – تلائم كل نوع من الزراعات- متوفرة بأعداد كافية. فقد ساعد الاستعمار على تحول الإنتاج الفلاحي التقليدي إلى إنتاج سلعي لأغراض التبادل وليس لأغراض الاكتفاء الذاتي وما يصطحب ذلك من عمليات تحول للاقتصاد الفلاحي التقليدي من اقتصاد طبيعي معيشي إلى اقتصاد نقدي تبادلي سوقي. كما أدى هذا الجانب إلى بروز ازدواجية في البنيات الفلاحية. فقد أصبح يتعايش قطاع اقتصادي زراعي عصري على درجة عالية من الحداثة يملكه المستعمرون الأوروبيون، وقطاع اقتصادي زراعي فقير يملكه السكان المحليين، ويشار إليه غالبا بأنه تقليدي.
لقد أدى الاختراق الغربي للمغرب أن حوله إلى مجتمع كلونيالي من حيث نمط الإنتاج. وهو نمط إنتاج يكون في خدمة الرأسمالية من دون أن يتحول بالفعل إلى مجتمع رأسمالي ناجز على غرار المجتمعات الأوروبية، وهي مجتمعات ظهرت في سياق ولادة الرأسمالية وصعودها وتوسعها وتحولها إلى إمبريالية بوصفها محصلة للصراع بين الرأسمال الوافد من الغرب، والمقاومة التي أبدتها في تاريخ الشعوب التي شكلت ما يسمى اليوم بالعالم الثالث.
إن هذا الطابع الأخير هو الذي يجعل المغرب اليوم لا يزال أسيرا للحركة الرأسمالية العالمية، فإنتاجه قائم على أساس الاستجابة لمصالح السوق الرأسمالية العالمية. ويشتهر اقتصاده بتخصصه في إنتاج المواد الأولية، أو في زراعات معينة أو صناعات تحويلية تدخل في سياق الصناعات المتطورة الرأسمالية.
وهكذا فإن هذه السيطرة الاستعمارية تنظم النهب، وتعادي التقدم الاقتصادي والاجتماعي للبلاد المستعمرة. فقد أدى الاستعمار الفرنسي للمغرب إلى دمجه تدريجيا في النظام الرأسمالي العالمي. وكان أحد تداعيات ذلك بالطبع هو تغلغل العلاقات الرأسمالية في الأنشطة الاقتصادية بالقدر الذي يجعله مصدرا للمواد الخام من زراعية ومعدنية، وسوقا لتصريف سلعه ولاستثمار رأس ماله.
وقد أدى غياب أي اهتمام بمصالح الفلاحين المغاربة ومصيرهم في السياسة الزراعية الفرنسية بالمغرب. القائمة على خدمة مصالح المستوطن الزراعية الأوروبي وحده –لتداخل مصالحه مع مصالح فرنسا- قد أدى إلى إفقار الفلاحين المغاربة.

المحور الرابع: اشكالية اقتصاد الريع منذ انتهاء فترة الحماية
أولا: وضع القطاع الزراعي وملكية الأرض الزراعية في المغرب بعد الاستقلال:
لم تعمل الهيمنة الرأسمالية الاستعمارية الفرنسية على تحويل المجتمع المغربي من مجتمع متخلف ما قبل رأسمالي إلى مجتمع رأسمالي حديث، بل حاول الإبقاء على نفس البنيات المتخلفة للمجتمع التقليدي، لأن هذه البنيات تمكنه بشكل أحسن من انصياع الشعب المغربي لرغبات المتربول الاستعماري. فإعادة إنتاج التخلف أصبح شرطا ضروريا لاستمرار هذه السيطرة. من هنا يمكن القول بأن العائق أمام التقدم الاقتصادي والاجتماعي في المغرب لم يعد يتمثل فقط في البنيات التقليدية السابقة على الرأسمالية، بل يتمثل أيضا في الرأسمالية الاستعمارية التي تضيف قوتها الجبارة إلى قوى أساليب الإنتاج القديمة، وعلاقاتها الإنتاجية، وفئاتها الرجعية المسيطرة. لذلك كان التحدي الذي واجهته القوى الوطنية هو التخلص في نفس الوقت من بنيات التخلف التقليدية والسيطرة الرأسمالية المتنامية.
لكن الصراع السياسي الذي نشب غداة الاستقلال بين القوى الرجعية المحافظة على البنيات الموروثة عن عهد الحماية والقوى التقدمية التي تتطلع إلى تأسيس دينامية تطورية تقوم على مشروع مجتمعي تنعدم فيه الفوارق الطبقية وتتجند فيه جميع القوى من اجل مغرب ديموقراطي اشتراكي مستقل، حسم منذ البداية لصالح القوى الأولى نظرا لعدم تكافئ القوتين، ولتدخل القوى الإمبريالية لمساندة القوى الرجعية في صراعها ضد القوى التقدمية. وبطبيعة الحال كان الصراع دمويا دام عدة عقود ووصفه أغلب المراقبين بسنوات الرصاص.
لقد ظل الطابع العام للمغرب غداة الاستقلال هو غلبة الطابع الزراعي على سكانه، فقد شكل سكان البادية سنوات 1971 و1982 و1994 على التوالي 64,8 % 57,3 % 48,6 % ويمكن ارجاع هذا التراجع التدريجي لساكنة البادية الى كثافة الهجرة القروية نحو المدن أوفي اتجاه الخارج. ولا يزال المغرب يعتبر أكثر بلدان المغرب العربي زراعة سواء كان ذلك بالنسبة إلى مساحة الأراضي الزراعية أم بالنسبة إلى العاملين في القطاع الزراعي. وقد بلغت مساحة الأراضي القابلة للزراعة سنة 1998 ما قدره 9.238.000 هكتار ، كما أن عدد السكان الذين يمارسون نشاطا زراعيا بلغ سنة 1998 52 % مقابل 48,1 % من اليد العاملة في المدن .
بيد أن النصيب الذي يمثله هذا القطاع الاقتصادي في تركيب مجمل الناتج الداخلي ضل متواضعا بل متراجعا بحسب الجدول التالي الذي يقدم لمحة عن تطور الإنتاج الفلاحي في المغرب مقارنة بالناتج الداخلي الإجمالي.

إن حصيلة القطاع الزراعي ضلت متواضعة على الرغم من الأهمية التي أولتها له مختلف المخططات الاقتصادية منذ بداية الاستقلال فقد بلغت تكاليف التجهيز خلال الفترة بين سنة 1957 وسنة 1966 ما لا يقل عن ثلاثة مليارات درهم إضافة إلى مبلغ 1,1 مليار درهم لمواجهة التكاليف الإدارية للتنمية الزراعية. كما تم تخصيص مزيد من نفقات التجهيز الزراعي في المخططات الاقتصادية المتعاقبة:

1.549.702.000 درهم خلال الخطة الخماسية 1968 – 1972 ،
و2.251.901.000 درهم خلال الخطة الخماسية 1973-1977
و5.511.961.000 درهم خلال الخطة الثلاثية 1978-1980 ،
ورغم كل ذلك لم يتمكن المغرب من تحقيق معدل نمو يزيد عن 1,5 % سنويا خلال السنوات الأخيرة، وهو يساوي ما يقارب نصف محصول الزيادة في السكان سنويا. ويفسر عدم التكافؤ بين المجهود المبذول والنتائج المتحققة في هذا المجال بأن القطاع الزراعي في حاجة إلى إصلاح عميق الجذور يضمن إعادة توزيع الملكية الزراعية.
ونشير إلى أن الملكية الفردية للأرض لم تكن السبب الرئيسي لسوء استغلال الأرض أو فقر المشتغلين في الزراعة، فالملكية الخاصة للأرض قد لا تكون معيبة في ذاتها، وإنما العيب في أنظمة المجتمع التي تسمح لأفراد معدودين أن يمتلكوا المساحات الكبيرة منها وتدع الكثرة الساحقة من الأفراد محرومة من التمتع بها. وهذا ما جرى في المغرب خلال القرون الطوال الماضية وخاصة خلال النصف الثاني من القرن العشرين حيث استحوذت على معظم أراضيه الزراعية فئة قليلة العدد من الحائزين أو المالكين، ومعظمهم من الإقطاعيين والرأسماليين وكبار رجال الدين.

ورغم ما حضي به القطاع الفلاحي في المغرب من أولوية والتي فرضت عليه فرضا في إطار التقسيم الدولي للعمل انطلاقا من مؤتمر الجزيرة الخضراء ودخول الاحتلال الفرنسي إلى البلاد في بداية القرن العشرين، إلا أنه ظل عاجزا عن المساهمة في تحقيق حد أدنى من الأهداف التنموية المخصصة له، والمتمثلة على الخصوص في تحقيق الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية للسكان، وتوفير المواد الخام للصناعة، وتوجيه فوائض من المنتجات الفلاحية نحو التصدير إضافة إلى ما يمكن أن يولده هذا القطاع من مداخيل للمشتغلين فيه.
وفي غياب إصلاح زراعي جذري ظل عدد من المعوقات الاقتصادية والاجتماعية المعروفة تقف أمام تطور الإنتاج الفلاحي بالمغرب. وتتمثل أهم هذه المعوقات في تفتت مساحات الأراضي وبعثرة وسائل الإنتاج إضافة إلى تخلفها التكنولوجي . وتكرس هذه المعوقات عدد من البنيات المنحرفة ، كازدواجية القطاع الفلاحي، وتعدد الأنظمة العقارية وتفتت ملكية الأراضي الفلاحية.

ثانيا: الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للسلطات العمومية
تؤكد الشواهد التاريخية التي أتينا على ذكرها في المحور الثاني كيف تغلغلت ثقافة الريع وأصبحت هي السائدة في بلادنا وذلك بالموازاة مع الهيمنة السياسية والاجتماعية، ثم كيف اندمجت السلطة بالريع فأصبح الواحد يغذي الآخر في علاقة جدلية، ويغذيان معا تخلف السلطة والمجتمع.

كما رأينا في المحور الثالث كيف دخل على هذه العلاقة الجدلية بين السلطة الريع الاستعمار الفرنسي والذي لم يتجاوزها بل أدخل عليها نمط الانتاج الرأسمالي، وهو ما أعطانا نموذج مغربي فريد في مجال تدبير الاقتصاد الرأسمالي، عقب خروج الاستعمار المباشر سنة 1956 وتأسيس رأسمالية الدولة التبعية. فالدولة الموروثة عن عهد الحماية ستظل تخضع في تدبيرها الاقتصادي والسياسي لنفوذ الرأسمال الدولي والدوائر السياسية الامبريالية، ونلمس هذه الجوانب من حيث خضوع الأداء الاقتصادي لتعليمات المؤسسات المالية الدولية وبناء اقتصاد موجه كلية نحو الخارج، أما على المستوى السياسي فنلمس هذه التبعية من خلال المواقف المنحازة كلية لما تمليه الامبريالية على بلادنا.

في مواجهة متطلبات اكراهات الاقتصاد الرأسمالي التبعي الجديدة، وفي ظل غياب طبقة رأسمالية تمتلك ما يكفي من رؤوس الأموال وما يكفي من الخبرة في مجال التذبير الرأسمالي، ومن أجل مواجهة الاختيارات السياسية الاشتراكية أواخر عقد الخمسينات حيث كانت على رأس قائمة جدول أعمال السياسيين في مختلف بلدان العالم الثالث، اختار التحالف الطبقي الحاكم الالتفاف في بداية عقد الستينات على التوجهات الاجتماعية الديموقراطية ممثلة في حكومة عبد الله ابراهيم واقرار توجه ليبرالي رأسمالي تحت رعاية الدولة وتدخلها الواسع. من هنا يمكن تقسيم الفترة الممتدة من بداية عقد الستينات الى الآن الى مرحلتين تتعلق المرحلة الأولى بالفترة السابقة لعقد الثمانينات بينما تنطلق المرحلة الثانية من بداية عقد الثمانينات.

1) – طبيعة اقتصاد الريع قبل عقد الثمانينات
ان رصد تطور اقتصاد الريع ابتداء من عقد الستينات الى أواخر عقد السبعينات ينطلق من الريع المرتبط بحجم تدخل الدولة، ففي ظل غياب طبقة برجوازية تمتلك المعرفة ورؤوس الأموال تم الاستعاضة عن ذلك بتدخل واسع للدولة عبر قطاعها العمومي في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية. وانطلاقا من الهيمنة البيروقراطية والتقنوقراطية الواسعة لموظفي الدولية على الوحدات الانتاجية تطور الشكل الجديد لاقتصاد الريع والمندمج بالأداء الاقتصادي الرأسمالي. ويمكن اعطاء بعض الأمثلة عن أشكال الريع الجديدة:

أ – الريع المرتبط بالمنصب:
العديد من موظفي الدولة الكبار وجدوا أنفسهم يحتلون مواقع اقتصادية استراتيجية تدر عليهم الملايير ويصبحون بين عشية وضحاها من كبار أثرياء المغرب. فتحمل المسؤولية مثلا في وزارة التجارة والصناعة مثلا واشراف هذه الوزارة على منح أذونات الاستيراد والتصدير وأذونات تجار الجملة وصفقات توريد وتوزيع المواد الأساسية جعل الكثير من المسؤولين يستفيدون من موقعهم في مراكمة رؤوس الأموال بطرق شتى عبر شبكة من علاقات الزبونية. فمثل هذه الموال المتراكمة هي عبارة عن ريع مرتبط بالمنصب.
والأمثلة كثيرة ومتعددة تكتسح مختلف القطاعات، الوزارية والمؤسسات العمومية، فكل موقع للمسؤولية ينتج انواعا متعددة من الريوع المرتبطة بالمنصب.

ب – الريع المرتبط بالمشاريع العمومية للدولة:
جميع المشاريع العمومية الكبرى المنجزة خلال عقدي الستينات والسبعينات لم تكن تستند على دراسات مفصلة للجدوى الاقتصادية، لذلك كانت هناك مبالغة في تقدير كلفة المشاريع العمومية، وفي ضبابية مكونات هذه المشاريع. وبطبيعة الحال فإن المشرفين على هذه المشاريع كانوا يستخلصون منها فوائض مالية هائلة، تتحول الى رؤوس أموال خاصة والى استثمارات رأسمالية خصوصية.

ج – الريع المرتبط بالاقتراض الخارجي:
جميع المشاريع العمومية الكبرى كانت تمول مبدئيا بواسطة الاقتراضات الخارجية والتي تصبح مديونية طويلة المدى تسددها الطبقات الشعبية لمدى سنوات. فهذه الاقتراضات الخارجية كانت تولد ريوعا متعددة الأشكال، سواء لدى المشرفين على المشروع أو لدى الأبناك التي تشرف على تحويل عملة تلك الاقتراضات بالاضافة الى الريع الطويل المدى الذي تتمتع به المؤسسات الاقراضية الأجنبية، علما أن تسديد هذه الاقتراضات يتم من خلال اقتطاعات الضريبة من عرق جبين الطبقة العاملة.

د – الريع المرتبط بالمضاربة العقارية:
المعلومات التي قد تتسرب من أجهزة الدولة الى الملاكين الكبار والمضاربين حول مشاريع التهيئة أو استصلاح الأراضي أو توسيع المدار الحضري تدفع هؤلاء الى الاسراع بتملك مواقع عقارية استراتيجية باثمنة بخسة وسرعان ما تصبح مواقع تدر الملايير على أصحابها.

هـ – رخص النقل والصيد في أعالي البحار ومقالع الرمال والمناجم وبيع الخمور …
بطبيعة الحال لا يمكن لأي كان أن يحصل على مثل هذه الرخص، لذلك من المرجح أن يتوفر الحائزين عليها على ميزات خاصة، فهذه الرخص تدر على أصحابها الملايير بدون القيام بأي جهد. ولا يمكن تفسير ذلك سوى بالقرب من السلطة والتعاون معها في الكثير من المجالات، ولا أحد منا قد ينسى ما جاء في اعترافات عميل المخابرات السابق البخاري كيف كانت رخص بيع الخمور والحانات والمواخير تمنح للمتعاملين مع هذه المخابرات كقتلة المهدي بنبركة مثلا وكيف كانت هذه المواخير نفسها تمول عمليات المخابرات. لقد كانت اعترافات عابرة لكنها ستضل شاهدة على الاستعمالات المختلفة للريع الناجم عن تسليم الرخص.
وان البحث في طبيعة الشخصيات التي تحصل على هذه الرخص وانتماءاتها الاجتماعية ومواقع نفوذها، فانها تكشف مكونات التحالف الطبقي الحاكم، وعلاقات النفوذ والسلطة التي تجمع بينهم وحقيقة البرجوازية المحلية.

2) – تطور اقتصاد الريع بعد عقد الثمانينات

لقد أدى الاستنزاف الهائل والمكثف للريوع من مختلف الأنواع عبر تدخل الدولة واتساع القطاع العام الى ظاهرتين اثنتين في نهاية عقد السبعينات،

فمن جهة، راكم العديد من الأشخاص الذين كانوا متواجدين في مراكز القرار أو في مواقع قريبة من السلطة ثروات هائلة مكنتهم من تأسيس مقاولات تجارية وصناعية استفادت من الصفقات التي تعقدها الدولة لإنجاز مشاريعها العمومية، والتي مكنتهم من ريوع اضافية.

من جهة أخرى، أدى الاستنزاف الهائل للريوع المستخلصة من الدور التدخلي للدولة والحجم الهائل للقطاع العمومي الى ارهاق كاهل الدولة بالمديونية الخارجية الى درجة عجزت عن الوفاء بهذه الديون ابتداء من أواخر السبعينات، فبدأت المؤسسات المالية الدولية تبعث بخبرائها الى المغرب للتعرف على أسباب العجز عن سداد استحقاقات المديونية، وصياغة برامج اصلاحية للاقتصاد المغربي.

ونظرا لانغراس ثقافة اقتصاد الريع في في وجدان التحالف الطبقي الحاكم، فإن وصفات الاصلاح المفروضة من طرف صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ، سيتم معالجتها في ظل برامج التقويم الهيكلي لكي تصبح متطابقة مع مصالح البرجوازية المغربية الصاعدة وحاجتها الى استمرار اقتصاد الريع الذي يمكنها من التعويض عن الخسارة التي تنجم عن المنافسة الرأسمالية وتعمق الأزمة الرأسمالية.

فعمليات الخوصصة تم انجازها لصالح نفس اللوبيات التي تسببت في افلاس القطاع العمومي المعروض للبيع، ولعل فضيحة كومناف الأخيرة تشكل مثالا صارخا عن كيفية التفاف أصحاب النفوذ على المقاولات العمومية الناجحة لكي تدفعها نحو الخسارة وبالتالي تعمل على شرائها بثمن بخس. فاقتصاد الريع هنا متداخل أشد التداخل مع الفساد المستشري داخل مربع السلطة.

إن تسارع عمليات الخوصصة سارت بشكل متوازي مع تعمق ظاهرة الفساد ونهب المال العام، فمختلف المؤسسات العمومية ظهرت بها عمليات نهب هائلة لم يكشف لحد الآن عن هول فضائحها، فيكفي الحديث عن المبالغ الهائلة المنهوبة من صندوق الضمان الاجتماعي والقرض الفلاحي ووكالة المغرب العربي للأنباء والقرض العقاري والفندقي … للتأكد أن اقتصاد الريع ظل لصيقا بممارسة الحكم في المغرب قديما وحديثا.

كما أن العمليات البنكية ومنح القروض ظلت ترتبط بالريوع من مختلف الأنواع. ثم ان سندات الخزينة وما تنتجه من ريوع طويلة المدى يتم الاستحواذ عليها من طرف عدد محدود من المقاولات القريبة من مربع السلطة.

3) – الاعتراف باقتصاد الريع وأطروحات المواجهة
لقد أطلت علينا حكومة بنكيران نصف الملتحية مؤخرا بإعلانها عن لائحة الحائزين على رخص النقل عبر الحافلات والتي اكتشفنا من خلالها عن عدد من المحظوظين واللوبيات المتخفية التي تخدم أجندة التحالف الطبقي الحاكم السياسية. كما تم الكشف عن عدد رخص مقالع الرمال الموزعة لكن العملية توقفت واستبدلت بلغة أخرى تتمثل في اعادة تقنين منح الرخص من اجل شفافية اكبر وبناء على دفتر تحملات واضح. لكن كل ما تم لحد الآن هو مجرد اعلان نوايا ولم تقترن بأفعال ملموسة.

بدلا من الخاتمة
يؤكد تتبع تطور اقتصاد الريع في بلادنا عن علاقته العضوية بممارسة السلطة والتي قامت منذ الفتح الاسلامي على القهر والاستغلال ونهب الريوع غير المستحقة جعلت المغرب ينقسم لمدى خمسة قرون الى ما يسمى ببلاد المخزن حيث السلطة المركزية بيد السلطان وما يسمى ببلاد السيبة حيث استوطنت القبائل الامازيغية الثائرة على الاستبداد والنهب الاقتصادي عبر الضرائب الفاحشة.

منذ دخول الاستعمار الفرنسي الى المغرب سنة 1912، حاول التوفيق بين جدلية السلطة والريع من خلال ادخال نمط الانتاج الرأسمالي، فكان ذلك بمثابة لقاح جديد لقحت به الممارسة السياسية والاقتصادية ببلادنا. حيث بدأ عهد جديد من اقتصاد الريع قائم على هذه المقومات الثلاثة وعلى النهب والتبذير الهائلين وتكوين رؤوس اموال هائلة في زمن قياسي انطلاقا من التواجد في مربع السلطة أو القرب منها، وحيث لا زالت الطبقة العاملة هي التي تدفع فاتورتها الباهظة.
وإذا كانت التنظيمات السياسية الاصلاحية تبرر محاربتها لاقتصاد الريع بعدد من الحجج من بينها أن هذه الظاهرة غير اقتصادية، ولا تنسجم مع الاقتصاد الرأسمالي وتعمل على تشويه الديمقراطية البرجوازية. فإن التنظيمات السياسية الجذرية تعتبر أن اقتصاد الريع يشكل جزءا من الاقتصاد البرجوازي المهيمن والذي لا زال في مرحلة تراكمه البدائي حيث يختلط بالنهب والفساد والقمع، وان هذا الاقتصاد يتطور مع تطور النظام الرأسمالي نفسه في بلادنا ويعتمد في كل مرحلة على وسائل جديدة مبتكرة وقد شاهدنا ذلك منذ اعتماد سياسة التقويم الهيكلي سنة 1983، لذلك فإن القضاء على هذا الاقتصاد لا يمكن أن يتم بمعزل عن القضاء على النظام الرأسمالي نفسه.
ان القضاء على اقتصاد الريع لن يكون الا مؤلما، لأنه لن يقتلع الا بالقوة نظرا لجدوره الاجتماعية الثقافية العميقة، والامثلة التي شاهدناها في بلدان ما يعرف بالربيع العربي تؤكد أن فطام التحالف الطبقي الحاكم عن الثروات التي يذرها اقتصاد الريع لن يتم بسلاسة.
ـــــــــــــــــــــــــــ

نشرت هذه الدراسة في مجلة وجهة نظر، العدد 54 خريف 2012
الاقتصاد السياسي الحديث، الدكتور توفيق سعيد بيضون، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1988، بيروث، ص 218،
Principes d’économie politique, Alfred Marshall (1890), Livre VI, Traduit en français par F. Sauvaire-Jourdan et F. Savinien-Bouyssy 1906, publiée à Paris en 1906 chez V. Giard et Brière. Paris : Gordon & Breach, 1971, p :8 et suivant
مقدمة ابن خلدون 2/ 877
Des principes de l’économie politique et de l’impôt, David Ricardo (1817), Traduit de l’Anglais par Francisco Solano Constancio et Alcide Fonteyraud., 1847 à partir de la 3e édition anglaise de 1821 , Collection des principaux économistes, Tome 13 ; Œuvre complète de David Ricardo, Volume 1, Paris : Osnabrück ; O. Zeller, 1966, p : 35 et suivant
Le capital, Karl Marx, Livres II et III, Edition Etabli et Annotée par Maximilien Rubel, Galimard, 1963 et 1968, page 1952 et suivant
Ibid, page 1960 et suivant
Ibid, page 1855 et suivant
Ibid, page 1921
Ibid, page 1872
Des principes de l’économie politique et de l’impôt, David Ricardo (1817), op cité, page 39 et suivant
Ibid, page 49 et suivant
Jean Brignon, Abdel Aziz Amine et les autres, Histoire du Maroc, Paris, 1967, Pag 57.
حسن إبراهيم حسن وعلى إبراهيم حسن، النظم الإسلامية، المرجع السابق، ص: 231-229.
J.J. Touchard (J), et autres, Histoire des idées politiques, Edit. PUF, paris, 1963, p : 327 et suivant
روم لاندو، تاريخ المغرب في القرن العشرين، ترجمة نقولا زيادة، نشر بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، بيروت – نيويورك، 1962. ص: 40-41.
جلال يحي، المغرب الكبير، الجزء الثالث، العصور الحديثة وهجوم الاستعمار، دار النهضة العربية، بيروت، 1981، ص: 466-467.
Etienne (B), Introduction, définitions et concepts généraux utiles à l’analyse sociologique et politiques du monde rural, Annuaire de l’Afrique du Nord, 1975, Centre de recherche sur l’Afrique Méditerranéenne, Aix En Provence, publié par le C.N.R.S Paris, page 11.
Driss Ben Ali, Le Maroc précapitaliste, Rabat, 1983, page 60.
ألبرت خوري، الأراضي وأنظمة حيازتها، دراسة جاءت في كتاب: النظام الاقتصادي في سوريا ولبنان، جامعة بيروت الأمريكية، منشورات كلية العلوم والآداب، سلسلة العلوم الاجتماعية، الحلقة العاشرة، بيروت، 1936، صفحة 59.
الريع العقاري هنا هو ذلك القسم أو الحصة الذي يبتزه صاحب الأرض من الفلاح المحاصص أو من مستأجر الأرض لقاء الحق في استثمار الأرض. فصاحب الأرض يحصل على هذا القسم أو الحصة دون أن يسهم هو نفسه في الإنتاج. وقد اختلف معدل الريع العقاري تبعا لخصوبة الأرض، وهل هي مروية أو بعلية وقربها من الأسواق، وكذلك نسبة القوى الطبقية بين الفلاحين والإقطاعيين. راجع في هذا الصدد، عبد القدر القصير، الطبقية، دار النهضة العربية، بيروت، 1997، ص: 251.
رحمة بورقية، مرجع سبق ذكره، ص: 40 و46.
علال الفاسي، المغرب العربي منذ الحرب العالمية الأولى، طنجة، لم يذكر سنة الطبع، ص: 18.
تقوم الفئة الاجتماعية على خاصية أساسية واحدة أو مجموعة من الخصائص. فهي تقوم مثلا على الحرفة وحدها حين تتكلم عن فئة البنائيين وفئة المستخدمين، أو على وسيلة الحصول على الدخل أو على المال اللازم للمعيشة كما هو الحال عندما نفصل بين فئة الملاك وفئة الأجراء.
عبد الله البارودي، المغرب الإمبريالية والهجرة، نقله إلى العربية المركز العربي للوثائق والدراسات، بيروت، 1979. ص: 41.
عبد القدر القصير، مرجع سبق ذكره، ص: 269.
Le commandant Le clère, Les terres collectives de tribus au Maroc, Renseignements Coloniaux, Février 1922, p : 40
تافاسكا أحمد، تطور الحركة العمالية في المغرب، بيروت، 1980، ص: 18- 19 راجع أيضا، عبد القادر القصير، الطبقية، دار النهضة العربية، 1997.
تافسكا أحمد، المرجع السابق، ص: 23.
Goulven (J), Remarque sur le budget ordinaire du Maroc en 1926, Renseignements Coloniaux, Maes 1926, page 160 et Simiot (B), Colons Français au Maroc, revue de Deux Mondes 15/12/1956, page 704
Ladislave Cerych, Européens et Marocains 1930 – 1956, sociologie d’une décolonisation, Bruges (Belgique), 1964, p : 336
J.L. De Lacharrière ? Ibid, p : 96
Jacques Gadille, L’agriculture européenne au Maroc, Annales de géographie, n° 354, Mars-Avril 1957, p : 144-158
Les structures foncières du Sebou, Inventaires fonciers, Institutions rurales, série I, Méthodologie, fascicule n° 2, projet Sebou, Mars 1968, programme des Nations Unies pour le développement, organisation des Nations Unies pour le développement, organisation des Nations Unies pour l’alimentation et l’agriculture, p : 35
أحمد تافسكا، مرجع سبق ذكره، ص: 21.
Coliac, Intervention des sociétés indigènes de prévoyance dans la lutte contre la formation d’un prolétariat indigène, Bulletin économique du Maroc, Juillet 1939, page 249
تفاسكا أحمد، مرجع سبق ذكره، ص: 51.
عبد الله البارودي، مرجع سبق ذكره، ص: 42.
Michaux Bellaire, Les terres collectives au Maroc et tradition, Renseignements coloniaux, Mars 1924, p: 97
راجع في هذا الصدد:
Annuaire Statistique du Maroc, Direction de la Statistique, Ministère de la Prevision Economique et du Plan, 1999, p : 4
Ministère des Affaires Economiques, du Plan, de la Formation de Cadres, Plan quinquennal 1968-1972, volume 1, Rabat, p : 172
Plan de développement économique et social 1973-1977, Premier Ministre, Secrétariat d’Etat au Plan, Au Développement Régional, et a la Formation des Cadres, Direction du Plan et du Développement Régional, p : 178-179.
Secrétariat d’Etat au Plan, Au Développement Régional, Plan de développement économique et social 1978-1980, volume 1, les orientation et les perspectives générales régionales de développement, Royaume du Maroc, Premier Ministre, Rabat, p : 233
راجع في هذا الصدد، عبد السلام أديب، السياسة الضريبية واستراتيجية التنمية، افريقيا الشرق، 1998 ، ص. 95-96.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.

(*) نقلاً عن موقع/  | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي 

مواضيع متعلقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

التخطي إلى شريط الأدوات