عندما يصبح استيراد الغذاء جريمة وتصديره غنيمة ، تصبح لقمة العيش حقل تجارب لسياسات التجويع الممنهج
—-
أسامة كنينة
——-
أصدر رئيس الوزراء السوداني البروفيسور كامل إدريس قراراً رسمياً يعفي بموجبه السلع الغذائية الاستراتيجية من الرسوم الجمركية والضريبية كافة بما فيها ضريبة القيمة المضافة، بالتزامن مع إلغاء حظر استيراد بعض السلع الأساسية. هذا القرار يمثل تراجعاً واستدراكاً لخطأ استراتيجي فادح بدأ عندما فرضت الحكومة حظراً شاملاً على استيراد الفول والأرز والعدس وعدد من السلع المعيشية، بالتزامن مع زيادة الدولار الجمركي وخفض قيمة الجنيه؛ مما خلق فجوة وندرة حادة بالداخل أدت إلى قفزات جنونية في الأسعار وتمدد المجاعة في وقت توصف فيه أوضاع السودان بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم في الوقت الراهن.
القرارات المقلوبة: خنق الداخل وتفريغ الأسواق
في أوقات الحروب والأزمات الوجودية، تقضي أولى القواعد البديهية لأي إدارة بتحصين الأمن الغذائي؛ وذلك عبر فتح منافذ الاستيراد على مصراعيها لتدفق الغذاء، وفرض حظر صارم على تصدير السلع الأساسية لمنع تسربها للخارج.
لكن المفارقة الصادمة تمثلت في لجوء وزارة المالية والطاقم الاقتصادي للحكومة إلى العكس تماماً؛ حيث حظرت استيراد السلع الاستراتيجية التي يعتمد عليها السودانيون في معاشهم اليومي وضمان بقائهم، وبالمقابل فتحت الباب على مصراعيه للتصدير دون فرض قيود تحمي السوق المحلي. هذا التزامن الكارثي أطلق رصاصة تدميرية على ما تبقى من القوة الشرائية، فقفزت الأسعار بصورة جنونية (حيث قفز جوال الفول من 300 ألف إلى 1.4 مليون جنيه) حارماً الأسر العاجزة من وجبتها الشعبية الوحيدة المتاحة.
العناد الإداري وأولوية الجباية على حياة البشر
إن افتراض “الجهل” في حق حكومة تضم خبراء اقتصاديين هو تبرير يسقط أمام الواقع. فالوزارة لا تجهل بالقطع عواقب حظر الاستيراد وتجفيف الأسواق في ظل الشلل التام الذي يضرب قطاعات الإنتاج والزراعة المحلية.
تشير قراءة الواقع الملموس إلى أن العقلية التي أدارت المشهد كانت مدفوعة بهوس جمع العملة الصعبة لتغطية نفقات الجهاز الإداري وتوفير الجبايات، متجاهلة تماماً لقمة عيش المواطن. ورغم صرخات المستوردين وتحذيرات الغرف التجارية وتمدد شبح الموت جوعاً، مضت الحكومة في تنفيذ قراراتها بعناد غريب، رافضة التراجع أو مراجعة هذه الخطوات التي عزلت الأسواق الداخلية وعمقت المأساة.
ازدواجية القرار في اقتصاد الحرب
هنا تبرز مغالطة كبرى سعت الحكومة لتسويقها تحت لافتة “حماية المنتج المحلي”، وهي ذريعة تسقط تماماً أمام الفطرة الإنسانية والواقع؛ فكيف تحمي منتجاً محلياً مشلولاً ومحاصراً أصلاً بانعدام الوقود، وخراب المشاريع وقلة الأمطار وانحسار النيل ، وتوقف التمويل بسبب الحرب، ما ادي الي فشل الموسم الزراعي ، إن حظر البديل المستورد في ظل هذه الظروف لم يكن حماية للإنتاج، بل كان عقوبة إعدام جماعية للمستهلك والمزارع معاً.
هذا التخبط يكشف عن انفصام وازدواجية خطيرة في إدارة الدولة؛ حيث يعيش الجهاز التنفيذي في وادٍ نظري يركز على أرقام الجبايات وخنق الأسواق، بينما ينمو في الجانب الآخر “اقتصاد حرب موازٍ” تتحكم فيه الكيانات النافذة التي لا تكترث لبطون جائعة بقدر ما تكترث لمصالحها الخاصة.
التدخل السيادي: تدارك الخطأ بعد فوات الأوان
لم تتوقف هذه السياسة الانتحارية برغبة ذاتية من الجهاز التنفيذي، بل استمرت حتى بلغت الأوضاع حافة الانفجار الاجتماعي الشامل. وجاءت نقطة التحول بصدور توجيهات مباشرة وحاسمة من رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، الذي تدخل لإلغاء حظر الاستيراد وإعفاء السلع الغذائية الاستراتيجية تماماً من الرسوم الجمركية والضريبية تداركاً لهذا الخلل الكارثي.
هذا التدخل السيادي جاء كاعتراف رسمي ومكتوب بالخطأ الاستراتيجي الفادح الذي ارتكبته الحكومة. ورغم أن الإعفاء الجمركي الأخير يمثل “طوق نجاة” اضطراري لإعادة ضخ الدماء في شرايين الأسواق الجافة كخطوة إسعافية، إلا أن السؤال الفاضح يظل معلقاً في أذهان السودانيين: كيف سُمح لقرارات وزارية مصيرية أن تخنق مائدة المواطن البسيط وتدفع بالملايين نحو حافة المجاعة الفعلية دون حسيب أو رقيب؟
فك الارتباط بوهم الدولار وكشف مستور الصادر
في الختام، يبرز أمر جوهري ومحوري يكشف عمق الأزمة ويفكك البروباغندا الرسمية؛ وهو أن هذه القرارات — سواء الأولى بالحظر أو الثانية بالإعفاء — لا علاقة حقيقية لها بارتفاع أو انخفاض سعر صرف الدولار. نعم، ستنجح القرارات الأخيرة في تحقيق “وفرة داخلية” لكون السوق محكوماً بآليتي العرض والطلب، ولكن عدم تأثرها بالدولار يعود إلى طبيعة المعاملات التجارية على الأرض.
فالسلع الغذائية الأساسية كالفول والعدس تأتي تاريخياً وجغرافياً من الجارتين مصر وإثيوبيا، وتتم تسويتها بالعملات المحلية عبر آليات التبادل التجاري المباشر وليس بالدولار الحر. في المقابل، تكمن المفارقة الكبرى في حركة الصادر التي تم فتحها؛ حيث تخضع في معظمها لسيطرة شركات تابعة للجيش والقوات المسلحة، وفي مقدمتها شركة “زادنا” التي تقوم بنقل إنتاجها المباشر، بل وتشتري المنتجات من الأسواق المحلية لتصدرها إلى الخارج بغرض تحصيل الدولار لصالح نفوذها وميزانياتها الخاصة.
هذا الواقع يضعنا أمام الحقيقة العارية والمصادمة للفطرة البشرية: الدولة حظرت استيراداً يُدفع بالعملة المحلية ويطعم الشعب، بينما فتحت صادراً يُنتزع من الأسواق المحلية ليُباع بالدولار لصالح كياناتها النافذة، مما يؤكد أن سياسة التجويع لم تكن مجرد نتاج خلل في النقد الأجنبي، بل انعكاس مباشر لمصالح اقتصاد الحرب على حساب بطون المواطنين.
ــــ
kaneenaosama@gmail.com



آخر التعليقات