الأحد, أكتوبر 25, 2026
الرئيسيةاقتصاد سياسيأرونداتي روي: إنّه عصر «القيامة التقنية»...بول مخلوف
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شيوعاً

آخر التعليقات

أرونداتي روي: إنّه عصر «القيامة التقنية»…بول مخلوف

 

 

في عالم تتآكل فيه الحدود بين الحقيقي والمصطنع، تطلق الكاتبة الهندية أرونداتي روي صرخة ضد إمبراطوريات الذكاء الاصطناعي. من مصادرة اللغة والمعرفة إلى استنزاف الموارد وتسخير التكنولوجيا للحروب، تكشف وجهاً جديداً للاستعمار تقوده الشركات العملاقة، محذّرةً من مستقبل يُختزل فيه الإنسان إلى مادة للاستغلال، وتتحوّل فيه الحضارة إلى سلعة

لعلّ أكثر أسئلة عصرنا إلحاحاً هو ذاك الذي يطال طبيعة الكتابة وهوية صاحبها: من الذي كتب النص حقاً؟ ثمة كابوس معاصر يراود الكاتب مثلما يراود القارئ اليوم. يجلس الأول أمام شاشة حاسوبه، يعيد قراءة فقرة فرغ منها قبل دقائق، ثم يتسلّل إليه شكٌّ، سينتاب قارئه الأول: أهذه جمله حقاً، أم أن برنامجاً للذكاء الاصطناعي شاركه في صوغها؟
في قاعة الجامعة، يتردد أستاذ أمام طلابه ولا يدري إن كان بحث الطالب من جهده الخاص أو أنه نص مولّد آلي، فيما يقلّب محرّر في دار نشر مخطوطاً محاولاً التمييز بين تجربة أدبية حقيقية ومحاكاة بارعة لها. هذه الريبة اليومية، التي أخذت تتسرّب إلى الكتابة والتعليم والنشر، تفتح أمام آرونداتي روي سؤالاً أوسع وأشد خطراً: أيّ عالمٍ تصنعه لنا شركات التكنولوجيا، ولماذا نبدو أننا نعيش عصر «القيامة التقنية» كأن العالم دخل

مرحلة ما بعد الأبوكاليبس؟

في مقالتها «نهاية العالم الآن وبعد حين»، المنشورة في موقع «إكواتور»، تتناول الكاتبة الهندية الذكاء الاصطناعي من زاوية تتجاوز قدراته ومخاطره التقنية، لتتتبع صلته بسلطة الشركات، واستنزاف الموارد، والاستخدامات العسكرية، والاستيلاء على أعمال البشر ومعارفهم. تحتكّ روي مع الذكاء الاصطناعي باعتباره ظاهرة استعمارية حديثة، وتستعيد بذلك تاريخ الاستعمار لتقول إن ما يجري اليوم قديم في منطقه، ولو اختلفت أدواته، إذ هنالك قلّة تملك وسائل الإنتاج وتراكم الأرباح، فيما يتحمل الآخرون الكلفة.

تكتب روي بنبرة تجمع السخرية والغضب والإنذار، مستعيدةً تاريخ الاستعمار لتفكيك الوعود التي تسوّقها شركات التكنولوجيا الكبرى. وفي استعارة بليغة، تطلق على أباطرة هذه الصناعة اسم «السيكلوبس»، نسبة إلى العمالقة ذوي العين الواحدة في الأساطير اليونانية والرومانية. إنهم، في صورتها، كيان متعدد الرؤوس، ولو بدا متنازعاً إنّما تجمعه غاية واحدة: تحويل العالم إلى مورد قابل للاستخراج والتملك، وتحويل الإنسان نفسه إلى مادة أولية في صناعة لا تعرف الاكتفاء.

اللغة والكتابة: حين يشكّ الإنسان في كلماته

تبدأ روي من تفصيل كتابي صغير: الشرطة الاعتراضية الطويلة (—) التي تستخدمها في افتتاح مقالتها. حالما تلاحظ أنها استخدمتها مرتين حتى تتساءل ساخرةً إن كان النص من إنتاج الذكاء الاصطناعي أو أنها من كتبته حقاً. ربما بات عليها أن تستعين بتطبيق للتحقق من هويّة كاتبة النص، أو حتى لكي تعرف إن كانت هي نفسها قد كتبته حقاً. هكذا أصبح الكاتب مطالباً بإثبات أصالة لغته بعدما غدت الآلة قادرة على محاكاة أسلوبه، وربما على جعل كتابته موضع اشتباه. تستحضر روي الآية الإنجيلية «في البدء كانت الكلمة»، لتعبّر عن إيمانها بأن العلاقة بين الإنسان واللغة تشكّل أساساً من أسس الاجتماع البشري.

ليست اللغة أداة محايدة لنقل المعلومات. إنها المجال الذي تتكوّن فيه الأفكار، وتتراكم الخبرات، وتنتقل الذاكرة من جيل إلى آخر. وعندما تتعرض هذه العلاقة للتشويش، يتجاوز الضرر مصير الكاتب أو الكتاب إلى تماسك المجتمع.

في الجامعات، بات الأستاذ مرتاباً من الفروض التي يقدمها طلابه، وصار يضطر الناشر إلى فحص مخطوطات الكتّاب الجدد كما لو أنه يحقق في مسرح جريمة. تراجعت متعة القراءة والتعلّم أمام الشك في مصدر النصوص. تشبّه روي هذا العالم بفردوس للمحنّطين، حيث تُجرّد الأشياء التي كانت حيّة من جلدها، ثم تُحشى وتُعرض بأعين زجاجية توحي بالحياة بينما غابت الحياة عن الأشياء بالفعل.
تتجاوز المسألة، إذاً، حدود الغش الأكاديمي أو منافسة الآلة للكاتب. إنها تتصل بإمكان أن يفقد الإنسان ثقته بحدسه وحواسه وحتى متعته، فلا يعود قادراً على التمييز بين الحقيقي والمزيّف، وبين تجربته الخاصة وما صيغ آلياً في صورة تجربة. على هذا النحو، تخشى الناقدة الهندية أن تنتهي هذه العملية إلى تآكل القدرة على التفكير المستقل، وإلى جيل يُحرم متعة المحاولة والخطأ والفشل، تلك الخبرات التي تتكوّن عبرها المعرفة ويكتسب العمل الإبداعي قيمته الإنسانية.

الذكاء الاصطناعي والسلطة: من الخطر إلى الهيمنة

تتوقف روي عند مفارقةٍ لافتة، بيد أنها بديهية. نجد أنّ كبار العاملين في صناعة الذكاء الاصطناعي يحذّرون من احتمال أن تقود التكنولوجيا التي يطوّرونها إلى انقراض البشرية، ثم يطالبون الحكومات بالتدخل لتنظيمها. غير أنّ الكاتبة تشكك في براءة هذه المناشدة. فإثارة الخوف من كارثة وشيكة قد تؤدي وظيفة سياسية واقتصادية، إذ تجعل الشركات تبدو أكثر أهمية، وتقدّم توسعها بوصفه ضرورة لا يمكن التراجع عنها.

تضع روي تحذيرات بعض العاملين في هذا القطاع في مقابل شهادات باحثات وموظفات كشفن أضراراً ملموسة. لقد استقالت ميريديث ويتاكر من «غوغل» احتجاجاً على مشروع لتطوير تقنيات الرؤية الآلية للطائرات المسيّرة الأميركية، فيما فُصلت الباحثة تيمنيت غيبرو بعد خلاف بشأن دراسة تناولت الكلفة البيئية للنماذج اللغوية الكبيرة، وما تعيد إنتاجه من تحيزات عنصرية وجندرية. بالنسبة إلى روي، تكشف هذه الحالات تفاوتاً في استعداد الشركات للاستماع إلى منتقديها، فالتحذير من فناء البشرية قد يزيد من هالة التكنولوجيا، بينما يهدد كشف أضرارها القائمة شرعية الشركات ومصالحها.

تتطرق روي إلى الموضوع الذي غالباً ما يُعتَّم عليه. ثمة علاقة تربط بين الذكاء الاصطناعي والسلطة المنتشية بسيادتها، إذ إنّ الذكاء الاصطناعي قد غدا عملاق الحروب بعدما سُخِّر للاستخدامات العسكرية. تستحضر أنظمة تُستخدم في تحديد الأهداف وتتبعها، وتربطها بحملات الاغتيال الإسرائيلية في غزة، حيث أشارت تقارير حقوقية إلى اعتماد منازل العائلات وحداتٍ أساسية للاستهداف. هكذا، لم تعد الآلة مجرد وسيلة لتسريع القرار. الحال أنها جزء من منظومة تتيح توزيع المسؤولية وإخفاء الفاعل، حتى يبدو القتل نتيجة عملية تقنية وليس قراراً بشرياً يستوجب المساءلة.

الاستعمار الجديد: استخراج العالم وإعادة إخضاعه

تجد روي في تاريخ الاستعمار مفتاحاً لفهم الطريقة التي يُفرض بها الذكاء الاصطناعي على العالم. التكنولوجيا الجديدة، مهما اختلفت أدواتها، تعمل على إعادة إنتاج منطق قديم، وهذا يعني السيطرة على الموارد، وتسخير العمل، وتكديس الثروة لدى قلة، وترك المجتمعات المحلية تتحمل الكلفة. تستعيد الكاتبة تجربة الهند مع شركة الهند الشرقية، حين مارست شركة تجارية سلطة استعمارية انتهت إلى إخضاع البلاد للتاج البريطاني. وترى في التداخل الراهن بين الشركات العملاقة والدول صدى معاصراً لذلك التاريخ.

غير أنّ الاستعمار الذي تصفه روي لا يقتصر على الأرض والمواد الخام. فمراكز البيانات تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء والمياه، وتلتهم مساحات واسعة من الأراضي، بينما تعتمد الصناعة أيضاً على عمّال منخفضي الأجور في البلدان الفقيرة، يتولون تصنيف البيانات وتجهيزها وتدريب الأنظمة. تستشهد الكاتبة بمشروعات مراكز بيانات ضخمة في الهند، تُمنح الموافقات اللازمة من دون رقابة بيئية كافية، فيما يخشى السكان المحيطون بها تلوث المياه والهواء.

ولإظهار ما تخفيه الوعود بالوظائف والتنمية، تستعيد روي حكاية مصنع للحرير الصناعي أُنشئ في ولاية كيرالا أواخر خمسينيات القرن الماضي بدعم من حكومة شيوعية منتخبة. وعد المصنع بتوفير ثلاثة آلاف وظيفة، لكنه استنزف مياه النهر، ولوّثها بمخلّفاته، وأسهم في تدمير مصادر رزق الصيادين وسكان الغابات. وحين أصابت الأمراض العمّال أنفسهم، أضربوا مطالبين بالتعويض، قبل أن يُغلق المصنع نهائياً. بقيت الوظائف التي وُعد بها المجتمع مؤقتة، فيما امتدت الأضرار إلى البيئة وسبل العيش.
تستخلص روي من هذه الحكاية معضلةً تواجه عمّال البيانات اليوم: إنهم يشاركون في تدريب أنظمة قد تستبدل بهم لاحقاً، لكنهم لا يستطيعون رفض العمل في ظل وفرة من ينتظرون مكانهم. ومع اتساع الأتمتة، يبرز سؤال مصير ملايين البشر الذين قد تصنّفهم الأنظمة الاقتصادية فائضاً لا حاجة إليه. على هذا النحو، ترى الكاتبة أن الذكاء الاصطناعي يعيد طرح السؤال الاستعماري القديم: من المنتفع من هذا «التقدم»، وثم، من الذي يدفع ثمنه؟

خصخصة المعرفة: مَن يملك حصيلة الحضارة؟

إذا كانت الأرض مورداً للصناعة، فإن المعرفة موردها الأكثر قيمة. لكي تُدرَّب النماذج اللغوية الكبيرة، عليك تغذيتها بملايين الكتب والأعمال الفنية والأبحاث التي أنتجتها البشرية عبر قرون. ترى روي أن الشركات تسعى بذلك إلى نقل حصيلة العمل الإنساني المتراكم إلى ملكيتها، ثم التحكم في شروط الوصول إليها واستخدامها وتسعيرها. إنها خصخصة لتاريخ الحضارة.

تمنح الكاتبة هذا الاعتراض بعداً شخصياً حين تروي أن شركة «أنثروبيك» استخدمت كتبها، من دون إذنها، في تدريب نماذجها اللغوية. وبعد دعوى جماعية، تلقت عرضاً للتعويض عن كل كتاب، مع أن الشركة نفت ارتكاب مخالفة. لا تختزل روي المسألة في القيمة المالية للتسوية؛ فالكتب ثمرة سنوات من الكتابة وعمر من التجربة. ما يقلقها حقاً هو أن تستولي الآلة على أسلوبها، ثم يصبح عليها أن تثبت أنّ كتابتها الجديدة ليست من صنع الآلة. كأن المؤلف يُنتزع منه عمله، ثم يُدفع إلى الارتياب في اللغة التي أفنى سنوات في صوغها. في هذا السياق، تستحضر روي فكرة تحويل الذكاء إلى خدمة تُباع، مثل الكهرباء والمياه، وفق مقدار الاستهلاك. لكن السؤال الذي تطرحه يسبق التسعير: هل يحق للشركات أن تبيع معرفة لم تنتجها وحدها، بل راكمتها أجيال من البشر؟ ومن يضمن ألّا تتحول هذه المعرفة، بعد احتكارها، إلى أداة للفرز والإقصاء والتحكم؟

لا تجد الكاتبة في مقترحات الدخل الأساسي الشامل أو منح الجمهور حصصاً في شركات الذكاء الاصطناعي حلاً كافياً. فقد تخفف هذه التدابير بعض آثار التفاوت، لكنها لا تجيب عن سؤال السيطرة على البيانات، ولا عن استمرار استخراجها من بلدان الجنوب فيما تتكدس الأرباح في الشمال. ولهذا تنتهي إلى اعتراض يتجاوز المطالبة بتعويض المؤلفين أو تنظيم الشركات، متسائلة: ماذا لو كانت المشكلة في النظام الذي يحوّل كل شيء، من الأرض إلى اللغة، ومن العمل إلى المعرفة، إلى ملكية قابلة للبيع؟

في مقالتها الطويلة، تتوجه روي إلى الجيل الذي يوشك أن يبلغ سن الرشد، متسائلةً إن كان سيحتفظ بلغته وأفكاره وحقه في الفشل والإبداع. إنّ المعركة، في نظرها، لا تدور حول ما تستطيع الآلة إنجازه فحسب، وإنما حول ما تفعله بالإنسان حين تعيد تشكيل شروط حياته وعمله ومعرفته. هكذا، تنقلب دعوتها الساخرة إلى «تنظيم الذكاء الاصطناعي بأقصى درجات الحزم» إلى صيحة أشد جذرية: «اقضوا على هذه الشركات بأقصى درجات الحزم». إنها خاتمة تصدر عن غضب سياسي واضح، وتكشف أن روي لا ترى في الذكاء الاصطناعي خطراً تقنياً معزولاً، وإنما ذروة منطق رأسمالي يريد إخضاع العالم ويريد الإجهاز على تاريخ الإنسان قبل حاضره.

//////////////////////////////////////////////////////////

(*) المصدر: موقع صحيفة الأخبار

https://www.al-akhbar.com/NewspaperArticles/culture/908197/%D8%A3%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%AF%D8%A7%D8%AA%D9%8A-%D8%B1%D9%88%D9%8A-%D8%A5%D9%86%D9%87-%D8%B9%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%86%D9%8A%D8%A9

 

مواضيع متعلقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

التخطي إلى شريط الأدوات