الجمعة, مايو 15, 2026
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شيوعاً

آخر التعليقات

 

السودان: تفكيك أكبر منظومة ري في العالم.. تفريط استراتيجي في السيادة المائية والأمن القومي السوداني

أسامة كنينة

تمهيد : مفهوم السيادة على الموارد والثروات الطبيعية

السيادة على الموارد والثروات الطبيعية هي الركن المادي للسيادة الوطنية. فلا تكتمل سيادة أي دولة بقوانينها وعلمها وجيشها فقط، بل بقدرتها الفعلية على امتلاك وتنمية وحماية ما في باطن أرضها وظاهرها من مياه ونفط ومعادن وأراضٍ صالحة للزراعة وتوجيهها لمصلحة مواطنيها  .

وتقوم هذه السيادة على ثلاث ركائز أساسية:

  1. الحق القانوني: الملكية والتحكم بموجب القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية.
  2. القدرة التشغيلية: توفر الإدارة والكفاءات والتقنية اللازمة لاستغلال المورد بكفاءة.
  3. الأمن الوطني: حماية المورد من الهدر، أو التهديدات الخارجية، أو التفريط الداخلي.

لذا، فإن التفريط في هذه الموارد – سواء بالبيع غير المدروس، أو الإدارة المهدرة، أو تركها عرضة للاستغلال الخارجي – ليس مجرد خطأ إداري، بل هو مساس بجوهر السيادة، لأن الجوع والعطش والتخلف التي تنتج عن سوء إدارة المورد هي التي تهزم الدول والشعوب.

يُعد قطاع الري والموارد المائية في السودان أحد أهم أعمدة الأمن القومي، الغذائي، والاقتصادي. يمتلك السودان حصة قانونية من مياه النيل تبلغ 18.5 مليار متر مكعب سنوياً وفق اتفاقية 1959 مع مصر، ويضم أكبر مشروع ري انسيابي (Gravity Irrigation) في العالم، وهو مشروع الجزيرة. لكن هذه المنظومة العريقة تعرضت منذ أواخر السبعينيات لعملية تفكيك إداري وفني متدرج، أدت إلى تدهور حاد في البنية التحتية، ارتفاع فاقد المياه، وانخفاض الاستفادة الفعالة من الحصة المائية. في المقابل، حقق الجانب المصري تقدماً ملحوظاً في الكفاءة الزراعية. هذا التباين، في ظل الوجود الفني والدبلوماسي المصري المستمر، يثير تساؤلات عميقة حول السيادة الفعلية والأمن القومي السوداني.

  1. مسيرة الري السوداني.. من النشأة إلى الذروة

بدأت التنمية الحديثة للري في السودان خلال فترة الحكم الثنائي البريطاني-المصري (1899-1956) بهدف زراعة القطن لمصانع النسيج البريطانية. أُنشئت تجارب أولية مثل زيداب (1906) وطيبة، ثم تحول الأمر إلى مشروع الجزيرة الكبير. اكتمل سد سنار عام 1925، ليصبح أساس أكبر مشروع ري انسيابي في العالم.

بعد الاستقلال (1956)، توسعت المشاريع الكبرى بفضل اتفاقية 1959:

  • مشروع الجزيرة وماناقل: يغطي حوالي 2 مليون فدان (أكثر من 880 ألف هكتار).
  • مشروع الرهد.
  • مشروع حلفا الجديدة (خشم الغربة) على نهر عطبرة.
  • مشروع السوكي.

في الستينيات والسبعينيات، بلغت هذه المشاريع ذروتها بعد بناء سد الروصيرص (1966) وسد خشم الغربة. ارتفعت الكثافة الزراعية (Cropping Intensity) في الجزيرة إلى نحو 79% عام 1990. كانت المنظومة الإدارية (مجلس الجزيرة + الإدارات الفنية في وزارة الري) قوية، والقناطر الإشرافية تعمل بكفاءة نسبية، والصيانة منتظمة.

  1. بداية التدهور المتدرج (أواخر السبعينيات – التسعينيات)

لم يكن التدهور مفاجئاً، بل بدأ متدرجاً من أواخر السبعينيات:

  • نقص حاد في التمويل بسبب الأزمة الاقتصادية.
  • تكرار تغيير الوزراء والمديرين (متوسط فترة الوزير أقل من عام واحد).
  • تراكم الطمي والحشائش في القنوات والسدود.
  • تآكل تدريجي للقناطر الإشرافية والمنشآت التحكمية.

تسارع التدهور في التسعينيات مع محاولات إصلاح فاشلة. بحلول عام 2014، انخفضت الكثافة الزراعية في الجزيرة إلى 45% فقط، بسبب تدهور نظام الري، الطمي، والإصلاحات المؤسسية.

  1. قانون 2005.. نقطة التحول الكارثية

مثّل قانون مشروع الجزيرة 2005 (وتعديلات 2014) ذروة التفكيك الممنهج:

  • فكك الإدارة المركزية القوية.
  • حول المزارعين إلى «ملاك مستقلين».
  • قسم المسؤوليات بين وزارة الري وجمعيات مستخدمي المياه (WUAs).
  • فتح الباب واسعاً أمام الخصخصة وبيع الأصول.

نتج عن ذلك:

  • تسريح وتشريد آلاف المهندسين والفنيين والعمال.
  • بيع السرايات (المنازل الإدارية)، الكمبو (المعسكرات السكنية)، المكاتب، المعدات، والمباني.
  • إهمال شبه كامل للصيانة.

أصبحت الكثير من القناطر الإشرافية «خرابات»، مما حال دون التحكم الدقيق في المياه.

  1. مشروع الجزيرة.. نموذج التفريط في السيادة الوطنية والأمن القومي

يمثل مشروع الجزيرة النموذج الأوضح والأكثر رمزية للتفريط في السيادة الوطنية والأمن القومي السوداني. فهذا المشروع لم يكن مجرد مشروع زراعي عادي، بل كان يمثل هوية الدولة السودانية وقدرتها على إدارة أكبر منظومة ري مركزية في العالم. مع عملية التفكيك الإداري والفني، تحولت مناطق واسعة من الجزيرة إلى أرض شبه مهجورة أو يباب. أدى انسداد القنوات وعدم صيانة القناطر إلى جفاف متكرر لآلاف الغيط والحواشات رغم وجود المياه في النيل الأزرق وسد سنار. انعكس ذلك مباشرة على إنسان الجزيرة، الذي فقد مصادر دخله الرئيسية، وتعرضت آلاف العائلات للفقر المدقع والهجرة القسرية إلى المدن أو خارج السودان. ارتفع معدل البطالة بين الفنيين والعمال الزراعيين، وتدهورت الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية في المنطقة التي كانت يوماً ما من أكثر مناطق السودان رخاءً واستقراراً. بهذا أصبح مشروع الجزيرة شاهداً حياً على كيفية تحول التفريط في إدارة الموارد الاستراتيجية إلى كارثة إنسانية واقتصادية مباشرة تمس حياة المواطن السوداني اليومية.

  1. النتائج الفنية والاقتصادية للتفكيك
  • ارتفع فاقد المياه إلى نحو 50-55% (فاقد نقل + تطبيق ميداني + تشغيلي).
  • انخفضت المساحات المزروعة فعلياً رغم استمرار السحب الاسمي (الذي وصل في بعض التقديرات بين 16-17.8 مليار م³ في الفترة 2011-2020).
  • انسداد القنوات → عدم انسياب المياه إلى الغيط والحواشات → بقاء جزء كبير من المياه في مجرى النيل أو فقدانها بالتبخر والتسرب.
  • تدهور الإنتاجية وارتفاع الديون على المزارعين.

فاقمت الحرب (منذ أبريل 2023) الوضع، لكنها لم تكن السبب الأساسي — بل كانت نتيجة تراكمية لعقود من الإهمال.

  1. الوجود المصري.. من الرقابة إلى التدخل المباشر

بالتوازي مع التفكيك الداخلي، استمر الوجود المصري عبر:

  • البعثة المصرية للري في الخرطوم.
  • الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل (PJTC) المنشأة بموجب اتفاقية 1959.

رغم أن الدور الأصلي كان يُفترض أنه رقابي وتنسيقي (مراقبة المناسيب، تنسيق تشغيل السدود)، إلا أنه امتد إلى دعم فني واستشاري مكثف، وتأثير غير مباشر على بعض القرارات التشغيلية. كثير من المختصين السودانيين يرون أن هذا الوجود تجاوز الحدود المفترضة، خاصة في ظل تركيزه على ضمان تدفق الحصة المصرية.

  1. التباين الصارخ.. تدهور سوداني وتقدم مصري

بينما كان السودان يعاني تفكيكاً داخلياً وإهداراً للمياه، نجحت مصر في:

  • تحسين كفاءة الري (تبطين القنوات، الري بالتنقيط والرذاذ).
  • استصلاح ملايين الأفدنة في الصحراء الغربية والدلتا الجديدة.
  • إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بكميات كبيرة.

هذا التباين يعزز الفرضية بأن التفكيك السوداني أدى إلى تفريط استراتيجي في الأمن المائي والغذائي، استفاد منه الجانب المصري بشكل موضوعي.

  1. الأبعاد السيادية والأمن القومي

تصريحات المسؤولين المصريين المتكررة بأن «أمن السودان من أمن مصر القومي»، ورفضهم أي تغييرات قد تؤدي إلى تفكك الدولة السودانية، تكتسب في هذا السياق بعداً استراتيجياً أعمق. فالسيادة على الموارد لا تقاس فقط بالحصص الورقية، بل بالقدرة الفعلية على إدارتها واستغلالها بكفاءة.

التفكيك الممنهج (برضا أو صمت حكومات متعاقبة) يُعد تفريطاً واضحاً في مورد استراتيجي حيوي، يمس الأمن القومي السوداني في أبعاده الغذائية، الاقتصادية، والمائية.

النتائج الرئيسية

  1. فاقد مائي هائل: تراوح بين 50-55% بسبب انسداد القنوات وتدهور القناطر الإشرافية.
  2. تراجع حاد في الإنتاج: انخفاض الكثافة الزراعية بمشروع الجزيرة من 79% (1990) إلى 45% (2014).
  3. تفكيك الكوادر الوطنية: تسريح آلاف المهندسين والفنيين وبيع الأصول الإدارية والمعدات.
  4. فقدان السيطرة الفعلية على الحصة المائية: سحب اسمي يصل إلى 17.8 مليار م³ سنوياً دون مردود زراعي حقيقي.
  5. كارثة إنسانية واقتصادية: فقر مدقع، بطالة، وهجرة قسرية لسكان مشروع الجزيرة.
  6. تباين استراتيجي خطير: تقدم مصري ملموس في كفاءة الري واستصلاح الأراضي مقابل تدهور سوداني ممنهج.
  7. تراجع السيادة الوطنية: غياب القدرة التشغيلية الكاملة على المورد رغم بقاء الحق القانوني.

التوصيات

  1. إلغاء قانون مشروع الجزيرة 2005 وتعديلاته، والعودة إلى نظام الإدارة المركزية القوية الموحدة.
  2. برنامج طوارئ وطني شامل لإزالة الطمي وإعادة تأهيل القناطر والقنوات الرئيسية والسدود.
  3. استعادة الكوادر الفنية السابقة وإطلاق برنامج طموح لتدريب جيل جديد من المهندسين والفنيين.
  4. مراجعة شاملة للاتفاقيات مع الجانب المصري، وإعادة تعريف دور البعثة المصرية والهيئة الفنية المشتركة ليكون رقابياً وتنسيقياً فقط، دون تدخل في القرارات التشغيلية السودانية.
  5. إنشاء هيئة وطنية مستقلة للمياه بصلاحيات كاملة، تضع المصلحة السودانية العليا فوق أي اعتبار خارجي، وتضم كفاءات وطنية مستقلة.

الخاتمة:

إن ما حدث لمنظومة الري السودانية ليس فشلاً فنياً عابراً، بل عملية تراكمية ممنهجة أضعفت القدرة الوطنية على السيطرة الفعلية على حصة السودان من مياه النيل. استعادة السيادة الحقيقية تتطلب إرادة وطنية جادة لتنفيذ التوصيات أعلاه. السودان يمتلك الإمكانيات الطبيعية الهائلة ليكون سلة غذاء المنطقة، لكنه بحاجة ماسة إلى استعادة السيطرة الكاملة على موارده المائية قبل فوات الأوان.

_____________

* kaneenaosama@gmail.com

 

مواضيع متعلقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

التخطي إلى شريط الأدوات