الإثنين, مايو 25, 2026
الرئيسيةاقتصاد سياسيالقطاع المصرفي السوداني خلال سبعة عقود ...عمر سيد أحمد
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شيوعاً

آخر التعليقات

القطاع المصرفي السوداني خلال سبعة عقود …عمر سيد أحمد

 

القطاع المصرفي السوداني خلال سبعة عقود

(1956–2025)

دراسة تحليلية في التآكل المؤسسي، الريعية، واقتصاد الحرب

عمر سيد أحمد*

يناير 2026

قائمة المصطلحات والاختصارات

المصطلح / الاختصار المعنى
الوساطة المالية الدور الذي تؤديه المصارف في تحويل المدخرات إلى تمويل واستثمار
الاقتصاد الريعي اقتصاد يعتمد على عوائد الموارد الطبيعية (نفط، ذهب) لا على الإنتاج المتنوع
الاقتصاد الموازي / اقتصاد الظل الأنشطة الاقتصادية التي تتم خارج القنوات الرسمية والرقابة الحكومية
المرابحة صيغة تمويل إسلامية تقوم على البيع بثمن آجل مع هامش ربح محدد مسبقاً
المشاركة والمضاربة صيغ تمويل إسلامية تقوم على تقاسم الربح والخسارة بين الممول والمستثمر
الشمول المالي مدى وصول الأفراد والمؤسسات إلى الخدمات المالية الرسمية بتكلفة معقولة
المراسلة المصرفية علاقات بين بنوك محلية ودولية تتيح تنفيذ التحويلات والتجارة الخارجية
معايير بازل معايير دولية للرقابة المصرفية تحدد الحد الأدنى لرأس المال وإدارة المخاطر
التمويل بالعجز تمويل الحكومة لنفقاتها عن طريق الاقتراض من البنك المركزي أو طباعة النقود
سعر الصرف الموازي سعر العملة في السوق السوداء مقابل السعر الرسمي المحدد من البنك المركزي

الملخص التنفيذي

تحلل هذه الدراسة مسار التآكل المؤسسي للقطاع المصرفي السوداني منذ الاستقلال (1956) وحتى حرب أبريل 2023، مستخدمةً منهج التحليل المؤسسي التاريخي. تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الأزمة الاقتصادية الراهنة ليست نتاج الحرب وحدها، بل حصيلة تراكمية لمسار طويل من التسييس والريعية وانفصال النظام المالي عن الاقتصاد الحقيقي.

تخلص الدراسة إلى أربع نتائج رئيسية: أولاً، أن الجهاز المصرفي تحوّل عبر مراحل متعاقبة من أداة للوساطة المالية إلى قناة ضعيفة مسيّسة فاقدة للثقة. ثانياً، أن تطبيق الأسلمة المصرفية في السياق السوداني أضعف أدوات السياسة النقدية دون بناء بدائل فعّالة. ثالثاً، أن العقوبات الدولية والانفصال أنتجا عزلة مالية دفعت الموارد السيادية (الذهب والتحويلات) إلى الاقتصاد الموازي. رابعاً، أن الحرب كشفت انهياراً مؤسسياً كان قد بلغ مرحلة متقدمة، ولم تكن منشئة له.

تؤكد الدراسة أن إعادة إعمار السودان لا يمكن أن تبدأ دون إعادة تأسيس النظام المالي والمصرفي، وتقدم توصيات مفصلة على ثلاث مراحل زمنية.

الفصل الأول: مقدمة عامة

1.1 إشكالية الدراسة وسياقها

يشكّل النظام المصرفي السوداني إحدى أهم ركائز البنية الاقتصادية للدولة، فهو ليس مجرد وسيط مالي بين المدّخرين والمستثمرين، بل انعكاس مباشر لطبيعة النظام السياسي ولمسار التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي مرّ بها السودان منذ الاستقلال في عام 1956. وعلى خلاف تجارب مصرفية في دول إفريقية أخرى اتجهت تدريجيًا نحو تحديث أطرها المؤسسية وتعزيز استقلالية بنوكها المركزية، اتخذ النظام المصرفي السوداني مسارًا معقّدًا اتسم بالفجوات المؤسسية، والتقلبات التشريعية، والتسييس المفرط، والارتهان للاقتصاد الريعي.

مرّ الجهاز المصرفي السوداني بمراحل متباينة بدأت بوجود فروع البنوك الأجنبية التي أنشأتها الإدارة الاستعمارية لخدمة مصالح التصدير والاستيراد، ثم بمحاولات بناء جهاز مصرفي وطني في الستينيات، قبل أن يدخل مرحلة التأميم الشامل في السبعينيات. ومع بداية الثمانينيات، شهد السودان تجربة المصارف الإسلامية، ثم جاءت مرحلة “التمكين” بعد 1989 لتحوّل الجهاز المصرفي إلى أداة مركزية للسيطرة السياسية والاقتصادية، مع تراجع استقلال بنك السودان المركزي، وتصاعد التمويل بالعجز، واتساع الاقتصاد الموازي.

تفاقمت هذه الاختلالات بعد انفصال جنوب السودان في 2011، حيث فقدت الدولة معظم مواردها من النقد الأجنبي، وتراجعت الثقة في الجهاز المصرفي، وخرج الذهب والتحويلات من القنوات الرسمية. ورغم محاولات الإصلاح المحدودة في الفترة الانتقالية (2019–2021)، فإن انقلاب 2021 أعاد إنتاج الأزمة، قبل أن تأتي حرب أبريل 2023 لتدفع النظام المصرفي إلى مرحلة انهيار شبه كامل.

1.2 أسئلة الدراسة

تسعى هذه الورقة إلى تحليل هذا المسار التاريخي–المؤسسي، ليس بوصفه سردًا زمنيًا فحسب، بل باعتباره تعبيرًا عن أزمة أعمق في بنية الدولة نفسها. وتطرح الورقة سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لجهاز مصرفي ضعيف ومسيّس ومجزّأ أن يقود إعادة إعمار السودان؟ أم أن إعادة بناء الدولة تبدأ من إعادة تأسيس نظامها المالي؟

1.3 المنهجية

تتبنى هذه الدراسة منهج التحليل المؤسسي التاريخي (Historical Institutionalism) الذي يُعنى بتتبع تطور المؤسسات عبر الزمن وتحليل كيفية تشكّل المسارات المؤسسية وتصلّبها وانهيارها. ويتيح هذا المنهج فهم كيف أن القرارات المبكرة في بناء الجهاز المصرفي السوداني أنتجت مسارات مؤسسية أصبحت ذاتية التعزيز ومقاومة للتغيير.

تعتمد الدراسة على مصادر ثانوية تشمل: التقارير السنوية لبنك السودان المركزي، تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، القوانين واللوائح المصرفية السودانية، والأدبيات الأكاديمية المتخصصة في الاقتصاد السوداني والمصرفية الإسلامية. ويستند التقسيم الزمني للدراسة إلى نقاط التحول المؤسسية الكبرى: الاستقلال (1956)، التأميم (1970)، الأسلمة (1983)، انقلاب الإنقاذ (1989)، العقوبات الأمريكية (1997)، انفصال الجنوب (2011)، الثورة (2019)، والحرب (2023).

الفصل الثاني: النشأة والتطور التاريخي للنظام المصرفي (1956–1970)

2.1 الإرث الاستعماري وهيمنة البنوك الأجنبية

عند استقلال السودان عام 1956، كان الجهاز المصرفي عبارة عن شبكة من فروع البنوك الأجنبية التي أُنشئت خلال فترة الحكم الثنائي (1898–1956). وقد اقتصر دور هذه البنوك على خدمة التجارة الخارجية المرتبطة بالمستعمر، دون أي التزام بتمويل الزراعة أو الصناعة الوطنية. وكان البنك الأهلي المصري يؤدي فعليًا دور البنك المركزي حتى إنشاء بنك السودان لاحقًا، بينما سيطرت بنوك مثل Barclays وCredit Lyonnais على تمويل الصادرات والتحويلات الخارجية.

هذا الإرث الاستعماري خلق فجوة بنيوية بين الجهاز المصرفي والاقتصاد الوطني، ورسّخ نمطًا مصرفيًا تجاريًا لا تنمويًا، وهو نمط ستستمر آثاره لعقود لاحقة.

2.2 إنشاء بنك السودان المركزي وبداية السيادة النقدية

صدر قانون بنك السودان في عام 1959 (قانون بنك السودان، 1959) ليشكّل أول خطوة حقيقية نحو السيادة النقدية. مُنح البنك المركزي سلطات إصدار العملة، وتنظيم العمل المصرفي، وإدارة الاحتياطي، والإشراف على السياسة النقدية. ورغم محدودية الخبرات الوطنية في البدايات، فقد مثّل إنشاء بنك السودان تحولًا مفصليًا في بناء مؤسسات الدولة الاقتصادية.

2.3 البنوك الوطنية والبنوك المتخصصة

شهدت الستينيات إنشاء أول بنك تجاري وطني (البنك التجاري السوداني)، إلى جانب عدد من البنوك المتخصصة مثل البنك الزراعي والبنك الصناعي والبنك العقاري. ورغم محدودية الموارد وضعف القدرات الإدارية، فإن هذه المؤسسات مثّلت محاولة مبكرة لربط التمويل بالإنتاج، ضمن رؤية تنموية للدولة الوطنية الوليدة.

الفصل الثالث: التأميم والأسلمة المصرفية (1970–1990)

3.1 التأميم وتسييس القطاع المصرفي

شكّل عام 1970 نقطة تحوّل جذرية في تاريخ النظام المصرفي السوداني، مع صدور قرارات التأميم والمصادرة في عهد نظام مايو (قانون تأميم البنوك، 1970). شمل التأميم جميع فروع البنوك الأجنبية والبنوك الوطنية، لتصبح الدولة المالك الوحيد للجهاز المصرفي. وقد أدّى هذا التحول إلى تسييس القطاع، وإضعاف الكفاءة التشغيلية، وغياب الحوكمة، ومركزية القرار الائتماني.

3.2 دخول المصرفية الإسلامية

في أواخر السبعينيات، دخل السودان تجربة المصارف الإسلامية بإنشاء بنك فيصل الإسلامي (1979)، ثم توسعت التجربة خلال الثمانينيات. ومع صدور قوانين سبتمبر 1983 (قانون المعاملات المصرفية الإسلامية، 1984)، فُرضت الأسلمة الشاملة على النظام المصرفي، وأُلغيت الفائدة، وتوقفت الأدوات التقليدية للسياسة النقدية، دون بناء بدائل مؤسسية فعّالة لإدارة السيولة أو التسعير أو المخاطر.

أدّى هذا التطبيق المتعجّل وغير المكتمل إلى هيمنة المرابحة على محافظ التمويل، وتراجع الصيغ الإنتاجية كالمشاركة والمضاربة والسلم، وفقدان بنك السودان لمعظم أدواته النقدية، واتساع السوق الموازي (Elbadawi, 1992)، وضعف المراسلة الدولية. وبذلك تحوّلت الأسلمة من مشروع يفترض أن يربط التمويل بالإنتاج، إلى عامل إضافي في إضعاف الوساطة المالية وتعميق الاختلالات البنيوية (El-Gamal, 2006).

3.3 التجربة السودانية في سياق مقارن: لماذا نجحت ماليزيا وتعثّر السودان؟

يتطلب تقييم تجربة الأسلمة المصرفية في السودان تمييزاً واضحاً بين المشروع النظري للمصرفية الإسلامية وبين السياق المؤسسي والسياسي الذي طُبّق فيه. فالمصرفية الإسلامية في جوهرها تطرح نموذجاً يربط التمويل بالاقتصاد الحقيقي من خلال صيغ تقاسم المخاطر والعائد، وهو ما يتوافق نظرياً مع احتياجات اقتصاد زراعي كالسودان.

غير أن التطبيق السوداني اختلف جذرياً عن تجارب ناجحة كالتجربة الماليزية (Bank Negara Malaysia, 2022). ففي ماليزيا، اعتُمد نهج تدريجي بدأ بإنشاء مصرف إسلامي واحد عام 1983 ضمن نظام مزدوج يتعايش فيه التمويل الإسلامي والتقليدي، مع بناء بنية تحتية تشريعية ورقابية متخصصة تشمل: مجلس شرعي مركزي ملزم، وسوقاً نقدية إسلامية بأدوات سيولة متنوعة، ومعايير محاسبية خاصة، وإطاراً متكاملاً لإدارة المخاطر. في المقابل، فُرضت الأسلمة في السودان بشكل شامل ومفاجئ عام 1983 في سياق أزمة سياسية، دون إعداد مؤسسي كافٍ، ودون بناء أدوات بديلة لإدارة السيولة والسياسة النقدية.

النتيجة أن ماليزيا أصبحت مركزاً عالمياً للصيرفة الإسلامية بأصول تتجاوز 600 مليار دولار (IFSB, 2022)، بينما أنتج التطبيق السوداني جهازاً مصرفياً تهيمن عليه المرابحة التجارية قصيرة الأجل التي تمثل أكثر من 80% من إجمالي التمويل (بنك السودان المركزي، التقارير السنوية)، مع تراجع حاد في صيغ المشاركة والمضاربة التي تمثل جوهر الفلسفة الاقتصادية الإسلامية. وهذا يشير إلى أن فشل الأسلمة في السودان لم يكن فشلاً للمفهوم بذاته، بل فشلاً للسياق المؤسسي والسياسي الذي طُبّق فيه (El-Gamal, 2006).

الفصل الرابع: مرحلة الانفتاح والتمكين (1990–2011)

4.1 إعادة هيكلة القطاع المصرفي لخدمة السلطة

شهد النظام المصرفي السوداني بعد عام 1989 تحوّلًا عميقًا ارتبط بتغيّر طبيعة السلطة السياسية نفسها. فعلى الرغم من تبنّي خطاب “التحرير الاقتصادي”، إلا أن ما جرى عمليًا لم يكن تحريرًا للسوق بقدر ما كان إعادة هيكلة للجهاز المصرفي بما يخدم شبكات السلطة الجديدة. فقد جرى توظيف الخصخصة، ودمج البنوك، وتغيير هياكل الملكية، كأدوات لإعادة توزيع السيطرة داخل القطاع المالي، لا كآليات لإصلاحه أو تعزيز كفاءته.

اتسمت هذه المرحلة بتوسّع التمويل قصير الأجل، وهيمنة صيغ المرابحة، وتراجع التمويل الإنتاجي، لا سيما في الزراعة والصناعة. كما تآكلت استقلالية بنك السودان المركزي بصورة متزايدة، مع خضوع قراراته لتدخلات مباشرة من السلطة التنفيذية، خاصة فيما يتعلق بتمويل العجز وطباعة النقود وتعدد أسعار الصرف (Elbadawi, 1997؛ قانون تنظيم العمل المصرفي، 1991).

4.2 العقوبات الأمريكية وعزلة النظام المصرفي

شكّلت العقوبات الاقتصادية الأمريكية نقطة انعطاف حاسمة في مسار الجهاز المصرفي السوداني. بدأت العقوبات عام 1993 بإدراج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ثم تصاعدت بصورة حادة عام 1997 بفرض عقوبات اقتصادية شاملة بموجب أمر تنفيذي رئاسي أمريكي، شملت تجميد الأصول السودانية، وحظر التعاملات المالية مع الكيانات السودانية، ومنع البنوك الأمريكية والدولية من التعامل مع المصارف السودانية.

أدت هذه العقوبات إلى سلسلة من التداعيات التراكمية: خروج معظم البنوك الأجنبية من السودان، وانهيار علاقات المراسلة المصرفية الدولية التي تشكّل شريان الحياة للتجارة الخارجية (IMF, 2016)، وعجز المصارف السودانية عن إجراء تحويلات دولية عبر القنوات الرسمية، وارتفاع تكلفة المعاملات المالية الخارجية بشكل كبير. ومع فقدان القنوات الرسمية للتحويلات والتجارة الخارجية، توسّع الاعتماد على السوق الموازي وشبكات “حوالات التجار” غير الرسمية (Elbadawi, 1994؛ Ebaidalla & Edriess, 2012)، ما أضعف قدرة المصارف على أداء وظائفها الأساسية.

استمرت هذه العزلة المالية قرابة عقدين، حتى رُفعت العقوبات الاقتصادية جزئياً عام 2017 ثم أُزيل السودان من قائمة الإرهاب عام 2020. غير أن آثار العزلة الطويلة كانت قد ترسّخت بنيوياً: فقدت المصارف السودانية خبراتها في التعاملات الدولية، وتخلّفت أنظمتها التقنية، وأصبح إعادة بناء علاقات المراسلة عملية بطيئة ومعقدة تتطلب إصلاحات عميقة في الحوكمة والامتثال.

4.3 دور البنوك العربية والخليجية

وعلى الرغم من دخول بعض البنوك العربية والخليجية في الألفية الجديدة، فإن هذا التوسع ظل شكليًا ولم يُترجم إلى تحسن مؤسسي حقيقي. فقد تركّز نشاط هذه البنوك في تمويل التجارة والعقارات بالعاصمة، دون أن تسهم في تعميق الوساطة المالية أو توسيع الشمول المالي أو نقل التقنيات المصرفية الحديثة. وبحلول عام 2011، كان الجهاز المصرفي السوداني قد أصبح ضعيف الرقابة، محدود رأس المال، فاقدًا للحوكمة، ومعتمدًا بصورة شبه كاملة على الاقتصاد الموازي، وعاجزًا عن لعب أي دور تنموي فعّال.

الفصل الخامس: تداعيات انفصال الجنوب على الجهاز المصرفي (2011–2018)

5.1 الصدمة الهيكلية وأزمة النقد الأجنبي

مثّل انفصال جنوب السودان في يوليو 2011 صدمة هيكلية غير مسبوقة للاقتصاد السوداني، انعكست بصورة مباشرة وعنيفة على الجهاز المصرفي. فقدت الدولة أكثر من 70% من إيراداتها النفطية (IMF, 2013)، ومعها الجزء الأكبر من موارد النقد الأجنبي، ما أدخل النظام المصرفي في أزمة سيولة مزمنة بالعملتين المحلية والأجنبية.

أصبح البنك المركزي عاجزًا عن تلبية الطلب على العملات الأجنبية، واتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وتراجعت الثقة في الجنيه السوداني، ما دفع الأفراد والشركات إلى الاكتناز والتحوّل الكامل نحو السوق غير الرسمي. ومع تراجع الودائع واشتداد أزمة السيولة، فقدت المصارف قدرتها على تمويل التجارة أو الحفاظ على قيمة المدخرات.

5.2 الذهب والاقتصاد الموازي

في هذا السياق، تحوّل الذهب إلى المورد الأساسي للنقد الأجنبي، لكن بدلاً من دمجه في النظام المصرفي، خرجت معظم عائداته عبر قنوات غير رسمية (Elbadawi & Suliman, 2018). وبذلك فقد بنك السودان أحد أهم أدوات إدارة ميزان المدفوعات، وتعزّزت هيمنة اقتصاد الظل على حساب الاقتصاد الرسمي.

5.3 الشمول المالي والأثر الاجتماعي

شهدت هذه المرحلة تدهورًا حاداً في الشمول المالي، حيث بقيت الغالبية العظمى من السكان خارج النظام المصرفي، خاصة في الريف والمناطق الطرفية. وبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، لم تتجاوز نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابات مصرفية 15.3% (IMF, 2020b)، وهي الأدنى في إفريقيا جنوب الصحراء. ولم يقتصر أثر انهيار الوساطة المالية على الأبعاد الاقتصادية الكلية، بل امتد إلى حياة الفئات الأكثر هشاشة بصورة مباشرة.

فقد تضرر صغار المزارعين الذين فقدوا القدرة على الحصول على تمويل موسمي عبر القنوات الرسمية، ما دفعهم إلى الاعتماد على تجار الشيل (البيع المسبق للمحصول بأسعار بخسة)، وهو ما عمّق دورة الفقر الريفي. كما تأثرت النساء بشكل خاص، إذ يمثلن النسبة الأكبر من العاملين في القطاع غير الرسمي، وبقين شبه مستبعدات من الخدمات المالية الرسمية. أما تحويلات المغتربين السودانيين، التي تشكّل شريان حياة لملايين الأسر، فقد انتقلت بالكامل تقريباً إلى قنوات غير رسمية بسبب انهيار المراسلة المصرفية والفجوة في سعر الصرف (Elbadawi, 1994؛ Ebaidalla & Edriess, 2012)، ما حرم الاقتصاد الرسمي من مليارات الدولارات سنوياً.

وتفاقمت أزمة الثقة مع أزمة السيولة الشهيرة (2017–2018)، التي عجزت فيها البنوك عن توفير النقد لعملائها، ما شكّل إعلانًا عمليًا لانهيار الوساطة المالية. وبحلول نهاية 2018، كان الجهاز المصرفي قد دخل مرحلة الانهيار البنيوي، وهو ما أسهم في تفجير الاحتجاجات الاجتماعية التي أطاحت بالنظام السياسي في أبريل 2019.

الفصل السادس: مرحلة ما بعد الثورة والحرب (2019–2025)

6.1 ما بعد الثورة (2019–2021): إصلاحات متأخرة ومسار غير مكتمل

فتحت الفترة الانتقالية بعد سقوط النظام نافذة نادرة لإصلاح الجهاز المصرفي (IMF, 2020a). شملت الإجراءات توحيد سعر الصرف، ومحاولات استعادة العلاقات المالية الدولية، وإعادة هيكلة بنك السودان، وتطوير أنظمة الدفع والشمول المالي الرقمي. وقد مثّل رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب في 2020 فرصة حقيقية لإعادة إدماج النظام المصرفي في الاقتصاد العالمي.

غير أن هذه الإصلاحات بدأت في بيئة شديدة الهشاشة، مع جهاز مصرفي ضعيف رأس المال، واقتصاد موازٍ متضخم، وموارد سيادية خارج السيطرة الرسمية. وبذلك ظل أثر الإصلاحات محدودًا وزمنيًا (IMF, 2021).

6.2 انقلاب 25 أكتوبر 2021: انهيار مسار الإصلاح

أدّى انقلاب أكتوبر 2021 إلى إيقاف مسار الإصلاح بالكامل، وتجميد التعاون الدولي، وعودة التدخل السياسي المباشر في عمل البنك المركزي. انفلت سعر الصرف مجددًا، وتوسّع تهريب الذهب، وتراجعت الثقة في المصارف، وعاد الاكتناز النقدي ليصبح السلوك السائد.

6.3 حرب أبريل 2023: الانهيار الكامل للجهاز المصرفي

شكّلت حرب أبريل 2023 أكبر ضربة يتلقاها النظام المصرفي منذ تأسيسه (ICG, 2023). دُمّرت الفروع، تعطلت المقاصة، انهارت أنظمة الدفع، وفقد المواطنون القدرة على الوصول إلى ودائعهم. تحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد نقدي شبه كامل، وسيطرت شبكات غير رسمية على عمليات الدفع والتمويل.

وللمرة الأولى، انقسمت السلطة النقدية جغرافيًا، وفقد بنك السودان السيطرة على السياسة النقدية وسوق النقد الأجنبي. وبذلك لم تعد المصارف مجرد مؤسسات ضعيفة، بل أصبحت كيانات معطّلة خارج معادلة الاقتصاد.

الفصل السابع: الإطار التشريعي والرقابي للنظام المصرفي

7.1 تطور القوانين المصرفية: أزمة عدم الاستقرار التشريعي

يكشف تتبع القوانين المصرفية في السودان عن أزمة تشريعية مزمنة. فقد تميّز الإطار القانوني بتعديلات متكررة، وتغيّر مستمر تبعًا لتغيّر الأنظمة السياسية، ما حال دون بناء مرجعية مستقرة للعمل المصرفي.

يمكن رصد خمس محطات تشريعية رئيسية شكّلت الإطار القانوني للعمل المصرفي: قانون بنك السودان 1959 الذي أسس البنية المؤسسية الأولى على النمط البريطاني ومنح البنك المركزي صلاحيات كلاسيكية في إدارة السياسة النقدية (قانون بنك السودان، 1959). ثم قوانين التأميم 1970 التي نقلت ملكية القطاع للدولة وأعادت تعريف العلاقة بين المصارف والحكومة (قانون تأميم البنوك، 1970). تلاها قانون المعاملات المصرفية الإسلامية 1984 الذي فرض الأسلمة الشاملة وألغى أسعار الفائدة دون إطار بديل متكامل (قانون المعاملات المصرفية الإسلامية، 1984). ثم جاء قانون تنظيم العمل المصرفي 1991 الذي أعاد هيكلة القطاع بما يتوافق مع توجهات نظام الإنقاذ (قانون تنظيم العمل المصرفي، 1991). وأخيراً قانون بنك السودان المركزي 2002 وتعديلاته في 2012 الذي حاول تحديث الإطار الرقابي لكنه أبقى على التبعية الفعلية للسلطة التنفيذية (قانون بنك السودان المركزي، 2002/2012).

المشكلة الجوهرية ليست في تعدد القوانين بذاته، بل في أن كل تغيير تشريعي كان مدفوعاً بتحولات سياسية لا بمتطلبات فنية أو تطور مؤسسي طبيعي. وقد أدى ذلك إلى غياب الاستمرارية المؤسسية وفقدان القدرة على التراكم التنظيمي.

7.2 الإطار الرقابي وفجوة الامتثال الدولي

ظل الإطار الرقابي ضعيف التطبيق ومحدود الأدوات. فلم يلتزم السودان بمعايير بازل في تحديد كفاية رأس المال وإدارة المخاطر إلا بشكل جزئي وشكلي (IMF, 2016). كما بقي الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب دون المستوى المطلوب دولياً، وهو ما أسهم في إضعاف علاقات المراسلة الدولية حتى بعد رفع العقوبات (IMF, 2021).

كما أُفرغت استقلالية بنك السودان من مضمونها عبر قوانين منحت السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في التعيين والعزل والتوجيه. وعملياً، كان تعيين محافظ البنك المركزي قراراً سياسياً بامتياز، وكانت السياسة النقدية في كثير من الأحيان انعكاساً لأولويات الحكومة المالية قصيرة الأجل لا لاعتبارات الاستقرار النقدي.

7.3 الفجوة بين التشريع والتطبيق

من أبرز سمات الإطار التشريعي السوداني الفجوة الواسعة بين النصوص والممارسة. فكثير من القوانين تضمنت نصوصاً متقدمة حول استقلالية البنك المركزي والرقابة الاحترازية وحماية المودعين، لكنها ظلت حبراً على ورق في غياب إرادة سياسية حقيقية وقدرات مؤسسية كافية للتطبيق. وقد أنتج هذا التناقض بيئة قانونية هشة أسهمت في تراجع ثقة المستثمرين والمودعين والمراسلين الدوليين على حد سواء.

الفصل الثامن: بنك السودان المركزي – الاستقلال، الصراعات، وتآكل السلطة النقدية

8.1 من السيادة النقدية إلى التبعية السياسية

منذ تأسيسه عام 1959، تراجع دور بنك السودان تدريجياً من مؤسسة نقدية سيادية إلى أداة لتمويل العجز الحكومي وإدارة الأزمات قصيرة الأجل (بنك السودان المركزي، التقارير السنوية). وتكشف وتيرة تعاقب المحافظين عن عمق التسييس: فقد شهد البنك المركزي تغيير محافظه أكثر من 20 مرة منذ التأسيس، أي بمتوسط أقل من ثلاث سنوات لكل محافظ، وهو معدل يحول دون أي استمرارية في السياسة النقدية أو بناء مؤسسي حقيقي. وفي أغلب الحالات، ارتبط تغيير المحافظ بتحولات سياسية أو انقلابات لا بأداء مهني.

8.2 أزمة أدوات السياسة النقدية

فقد بنك السودان تدريجياً معظم أدواته الفعّالة في إدارة السياسة النقدية. فمع الأسلمة الشاملة، لم يعد بإمكانه استخدام سعر الفائدة كأداة أساسية، ولم تُبنَ أدوات بديلة فعّالة في سوق النقد الإسلامية. كما أدى تعدد أسعار الصرف الرسمية إلى تشوهات حادة في تخصيص الموارد (Elbadawi, 1997؛ Suliman, 2004)، وتحوّل البنك المركزي من منظّم للسوق إلى مشارك فيه عبر توزيع حصص النقد الأجنبي وفق معايير سياسية لا اقتصادية.

وتضاربت السياسات بشكل واضح: ففي الوقت الذي كان فيه البنك المركزي يُعلن سياسات تقشفية لمحاربة التضخم، كان يموّل عجز الموازنة عبر طباعة النقود بضغط من الحكومة. هذا التناقض المزمن بين الأهداف المعلنة والممارسة الفعلية أفقد السياسة النقدية مصداقيتها وأضعف قدرة البنك على التأثير في توقعات السوق.

8.3 فقدان السيطرة على الموارد السيادية

خرج الذهب، الذي أصبح المورد الأهم للنقد الأجنبي بعد الانفصال، عن سيطرة البنك المركزي بشكل شبه كامل (Elbadawi & Suliman, 2018). فقد عجز البنك عن فرض قنوات رسمية لتسويق الذهب بسبب الفجوة في سعر الصرف التي جعلت التصدير غير الرسمي أكثر ربحية (Ebaidalla, 2017)، وبسبب سيطرة شبكات نافذة على قطاع التعدين الأهلي. وبذلك فقد بنك السودان أحد أهم أدوات إدارة ميزان المدفوعات.

8.4 الانهيار في زمن الحرب

ومع حرب أبريل 2023، فقد البنك المركزي حتى الحد الأدنى من وظائفه (ICG, 2024؛ ACLED, 2024). انقسمت السلطة النقدية جغرافياً بين بورتسودان والخرطوم، وتعطلت أنظمة المقاصة والتسويات، وفُقدت البيانات والسجلات، وأصبح البنك يعمل في بيئة منقسمة بلا أدوات وبلا سيطرة فعلية على النقد أو السيولة. وبات إعادة بناء البنك المركزي كمؤسسة سيادية مستقلة شرطاً أساسياً لأي مسار إصلاحي مستقبلي.

الفصل التاسع: المسار السوداني في سياق مقارن

9.1 لماذا المقارنة؟

يتطلب تقييم المسار السوداني وضعه في سياق إقليمي أوسع. فكثير من الدول الإفريقية ورثت عند الاستقلال أجهزة مصرفية استعمارية مشابهة، لكنها اتخذت مسارات متباينة في تطويرها. تُبرز المقارنة مع كينيا وإثيوبيا خصوصية المسار السوداني وتكشف عن البدائل التي كانت ممكنة.

9.2 كينيا: نموذج الإصلاح التدريجي

ورثت كينيا عند الاستقلال (1963) جهازاً مصرفياً استعمارياً مشابهاً للسوداني. لكنها اتخذت مساراً مختلفاً جذرياً: إصلاح تدريجي بدلاً من التأميم الشامل، والحفاظ على الانفتاح على البنوك الأجنبية مع بناء مؤسسات وطنية بالتوازي، وتعزيز استقلالية البنك المركزي الكيني تدريجياً. والأهم أن كينيا نجحت في الابتكار المالي من خلال تجربة M-Pesa للمدفوعات عبر الهاتف المحمول (2007)، التي حققت شمولاً مالياً واسعاً تجاوز 80% من السكان البالغين (World Bank, 2022). في المقابل، ظل الشمول المالي في السودان دون 15% (IMF, 2020b).

9.3 إثيوبيا: نموذج الدولة التنموية

اتخذت إثيوبيا نهجاً مختلفاً يقوم على توظيف الجهاز المصرفي كأداة للسياسة التنموية مع الحفاظ على ملكية الدولة لبنك التنمية الإثيوبي والبنك التجاري الإثيوبي. ورغم بقاء القطاع مغلقاً نسبياً أمام المنافسة الأجنبية، فقد نجحت إثيوبيا في توجيه الائتمان المصرفي نحو مشاريع البنية التحتية والتصنيع ضمن رؤية تنموية واضحة. والفارق الجوهري أن التدخل الحكومي في إثيوبيا كان مرتبطاً بأجندة تنموية، بينما كان في السودان مرتبطاً بأجندة سياسية وريعية.

9.4 دلالات المقارنة

تكشف هذه المقارنة أن المسار السوداني لم يكن حتمياً. فالتأميم لم يكن الخيار الوحيد (كينيا)، والتدخل الحكومي لم يكن بالضرورة مدمراً (إثيوبيا)، والأسلمة المصرفية لم تكن محكومة بالفشل (ماليزيا). ما ميّز الحالة السودانية هو الجمع بين التسييس المفرط، والعزلة الدولية، وغياب الرؤية التنموية، وتآكل المؤسسات الرقابية، وهو ما أنتج مساراً تراكمياً من التدهور يصعب عكسه دون إصلاح جذري.

9.5 المقارنة بالأرقام: الفجوة الإقليمية

تكشف المؤشرات الكمية عن حجم التراجع الذي بلغه القطاع المصرفي السوداني مقارنة بدول الجوار الإفريقي:

جملة الأصول المصرفية: بلغت أصول القطاع المصرفي السوداني نحو 10.8 مليار دولار عام 2022 (بانخفاض حاد من 35.5 مليار دولار عام 2017 بسبب انهيار سعر الصرف)، مقارنة بـ 57.1 مليار دولار لكينيا و44.3 مليار دولار لإثيوبيا في العام نفسه. أي أن أصول الجهاز المصرفي السوداني بأكمله (37 بنكاً) أصبحت أقل من أصول بنك واحد — البنك التجاري الإثيوبي الذي بلغت أصوله وحده 23 مليار دولار.

رأس المال (Tier 1): لا يظهر أي بنك سوداني في قائمة أكبر 100 بنك إفريقي لعام 2025 التي تصدرها مجلة African Business، بينما تضم كينيا 10 بنوك وإثيوبيا 6 بنوك ضمن القائمة. ويبلغ إجمالي رأس المال الأساسي لبنوك شرق إفريقيا المدرجة 12.7 مليار دولار، دون أي مساهمة سودانية، علماً بأن أكبر بنك كيني (Equity Bank) وحده يملك رأس مال أساسياً يتجاوز ما يملكه القطاع المصرفي السوداني بأكمله.

الشمول المالي: لا تتجاوز نسبة البالغين الذين يملكون حسابات مالية في السودان 15% (وهي من الأدنى في إفريقيا جنوب الصحراء حيث يبلغ المتوسط 55%)، مقارنة بـ 79% في كينيا و46% في إثيوبيا و6% فقط في جنوب السودان. ويُعزى التفوق الكيني بشكل رئيسي إلى ثورة المدفوعات الرقمية عبر M-Pesa التي بلغت معاملاتها 109.9 مليار دولار عام 2022.

الائتمان للقطاع الخاص (كنسبة من الناتج المحلي): لا تتجاوز هذه النسبة في السودان 8% (وتراجعت أكثر بعد الحرب)، مقارنة بمتوسط 21% لمنطقة شرق إفريقيا، وهو ما يعكس عجز الجهاز المصرفي عن أداء وظيفته الأساسية في تمويل الاقتصاد الحقيقي.

كفاية رأس المال والصحة المصرفية: وصف تقرير الخزانة الفرنسية لمنطقة شرق إفريقيا (2023) القطاعين المصرفيين السوداني وجنوب السوداني بأنهما “يعانيان من نقص مزمن في رأس المال” (chronically undercapitalised)، بينما حققت بقية دول المنطقة معدلات كفاية رأس مال تتجاوز 16%.

هذه الأرقام تؤكد أن السودان لم يتخلف فحسب عن مسار التطور المصرفي الإفريقي، بل تراجع فعلياً إلى مستويات أدنى مما كان عليه قبل عقدين، وأن الحرب حوّلت هذا التخلف إلى انهيار كامل.

الفصل العاشر: التوصيات – نحو إعادة تأسيس النظام المالي

بناءً على التحليل الوارد في هذه الدراسة، تُقدَّم التوصيات التالية وفق ثلاث مراحل زمنية، مع إدراك أن تنفيذها مرهون بتحقيق حد أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي.

10.1 المرحلة الأولى: الاستقرار الطارئ (0–2 سنة بعد وقف الحرب)

  • إعادة توحيد السلطة النقدية: إنهاء الانقسام الجغرافي لبنك السودان المركزي وتوحيد السياسة النقدية وأنظمة المقاصة تحت إدارة واحدة.
  • استعادة أنظمة الدفع: إعادة تشغيل البنية التحتية لأنظمة الدفع الإلكترونية والمقاصة بين البنوك كأولوية قصوى، مع الاستفادة من حلول الدفع عبر الهاتف المحمول لتجاوز الدمار المادي للفروع.
  • حماية الودائع: وضع إطار واضح وشفاف لمعالجة أوضاع ودائع المواطنين المحتجزة، بما يعيد الحد الأدنى من الثقة في الجهاز المصرفي.
  • تقييم شامل للأضرار: إجراء مسح ميداني لحجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية المصرفية (فروع، أنظمة، سجلات) كأساس لخطة إعادة البناء.

10.2 المرحلة الثانية: إعادة البناء المؤسسي (2–5 سنوات)

  • استقلالية حقيقية للبنك المركزي: إصدار قانون جديد لبنك السودان يكفل الاستقلالية الفعلية في التعيين وصنع السياسة النقدية، مع آليات مساءلة شفافة أمام البرلمان لا الحكومة.
  • إعادة هيكلة الجهاز المصرفي: تقييم ملاءة جميع البنوك العاملة، ودمج أو تصفية البنوك المتعثرة، ورفع الحد الأدنى لرأس المال بما يتناسب مع معايير بازل.
  • بناء إطار رقابي حديث: تبني معايير بازل III تدريجياً، وتعزيز القدرات الرقابية للبنك المركزي، وبناء نظام إنذار مبكر للمخاطر المصرفية.
  • إصلاح إطار الامتثال: تطبيق معايير مجموعة العمل المالي (FATF) لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب كشرط أساسي لإعادة بناء علاقات المراسلة الدولية.
  • دمج الموارد السيادية: إنشاء آلية مؤسسية شفافة لإدارة عائدات الذهب والتعدين ضمن القنوات الرسمية، بما في ذلك بورصة ذهب منظمة.

10.3 المرحلة الثالثة: التحول التنموي (5–10 سنوات)

  • ربط التمويل بالإنتاج: تطوير صيغ تمويل إسلامية طويلة الأجل تتناسب مع دورات الإنتاج الزراعي والصناعي، مع الاستفادة من التجربة الماليزية في بناء سوق صكوك متنوعة.
  • الشمول المالي الرقمي: وضع استراتيجية وطنية للشمول المالي تستهدف رفع نسبة البالغين المشمولين مالياً إلى 50% خلال عشر سنوات، مع التركيز على المدفوعات الرقمية والتمويل الأصغر.
  • إعادة الاندماج الدولي: برنامج منظم لإعادة بناء علاقات المراسلة المصرفية الدولية، بالتنسيق مع المؤسسات المالية الدولية والبنوك المراسلة الإقليمية.
  • تطوير سوق مالية: إنشاء سوق نقد إسلامية فعّالة وتطوير سوق الأوراق المالية كقنوات بديلة للتمويل طويل الأجل.

الخاتمة

كشف التحليل المؤسسي التاريخي الذي قدمته هذه الدراسة أن انهيار النظام المصرفي السوداني لم يكن حدثاً مفاجئاً ولا نتيجة عامل واحد، بل محصلة تراكمية لسلسلة من القرارات والسياسات والصدمات التي تفاعلت عبر سبعة عقود. من التأميم المتعجل في السبعينيات، إلى الأسلمة غير المكتملة في الثمانينيات، إلى التمكين والتسييس في التسعينيات، إلى العزلة الدولية والانفصال في العقد الأول من الألفية، أنتج كل منعطف مساراً مؤسسياً ضيّق الخيارات المتاحة في المنعطف التالي.

والدرس المركزي الذي تطرحه هذه الدراسة هو أن فقدان السيادة الاقتصادية يسبق فقدان السيطرة الأمنية ويمهّد له. فحين فقد النظام المصرفي قدرته على أداء وظائفه الأساسية في الوساطة المالية وتعبئة المدخرات وتنظيم المدفوعات، انتقلت هذه الوظائف إلى فاعلين غير رسميين، وتآكلت قدرة الدولة على التنظيم والضبط، وهو ما مهّد لانهيار أوسع كشفته الحرب بأوضح صورة.

وقد أظهرت المقارنة مع تجارب كينيا وإثيوبيا وماليزيا أن المسار السوداني لم يكن حتمياً، وأن بدائل كانت ممكنة في كل منعطف. وهذا يعني أن إعادة البناء ممكنة أيضاً، لكنها تتطلب إرادة سياسية حقيقية ورؤية مؤسسية واضحة ومساراً إصلاحياً متدرجاً يبدأ من استعادة الوظائف الأساسية للنظام المالي ويتدرج نحو التحول التنموي.

إن إصلاح القطاع المالي ليس مسألة قطاعية أو تقنية، بل مدخل أساسي لإعادة تأسيس الدولة السودانية نفسها. فلا سلام مستدام بلا اقتصاد فاعل، ولا اقتصاد فاعل بلا نظام مالي يُدار بكفاءة واستقلالية وشفافية.

المراجع والمصادر

أولاً: تقارير المؤسسات الدولية

  1. International Monetary Fund (IMF). (2013). Sudan: 2013 Article IV Consultation—Staff Report. IMF Country Report No. 13/317. Washington, DC: International Monetary Fund.
  2. International Monetary Fund (IMF). (2016). Sudan: 2016 Article IV Consultation—Staff Report. IMF Country Report No. 16/324. Washington, DC: International Monetary Fund.
  3. International Monetary Fund (IMF). (2020a). Sudan: 2019 Article IV Consultation—Staff Report. IMF Country Report No. 20/73. Washington, DC: International Monetary Fund.
  4. International Monetary Fund (IMF). (2020b). Sudan: Selected Issues—Financial Reforms in Sudan: Streamlining Bank Intermediation. IMF Country Report No. 20/73. Washington, DC: International Monetary Fund.
  5. International Monetary Fund (IMF). (2021). Sudan: Staff Report for the 2021 Article IV Consultation and Request for a 39-Month Arrangement Under the Extended Credit Facility. IMF Country Report No. 21/142. Washington, DC: International Monetary Fund.
  6. World Bank. (2020). Sudan Economic Update: Weathering the Storm. Washington, DC: The World Bank Group.
  7. World Bank. (2022). Sudan: Country Economic Memorandum—Realizing the Potential for Diversified Development. Washington, DC: The World Bank Group.
  8. World Bank. (2025). Sudan Economic Update, May 2025. Washington, DC: The World Bank Group.

ثانياً: تقارير بنك السودان المركزي

  1. بنك السودان المركزي. التقارير السنوية (أعداد متفرقة: 2010–2022). الخرطوم: بنك السودان المركزي.
  2. بنك السودان المركزي. (2019). تقرير الاستقرار المالي. الخرطوم: بنك السودان المركزي.
  3. بنك السودان المركزي. النشرات الإحصائية الفصلية (أعداد متفرقة). الخرطوم: بنك السودان المركزي.

ثالثاً: الأبحاث الأكاديمية

  1. Elbadawi, Ibrahim A. (1992). Macroeconomic Management and the Black Market for Foreign Exchange in Sudan. Policy Research Working Paper Series No. 859. Washington, DC: The World Bank.
  2. Elbadawi, Ibrahim A. (1994). The Expatriate Workers’ Remittances, Parallel Foreign Exchange Market and Macroeconomic Performance in Sudan. Journal of African Economies, 3(3), 481–512.
  3. Elbadawi, Ibrahim A. (1997). The Parallel Market Premium for Foreign Exchange and Macroeconomic Policy in Sudan. In M. Kiguel, J. S. Lizondo & S. A. O’Connell (Eds.), Parallel Exchange Rates in Developing Countries (pp. 221–246). London: Palgrave Macmillan.
  4. Elbadawi, Ibrahim & Suliman, Kabbashi. (2018). The Macroeconomics of the Gold Economy in Sudan. Working Paper No. 1203. Cairo: Economic Research Forum.
  5. Suliman, Kabbashi M. (2004). The Determinants of Inflation in Sudan. AERC Research Paper No. 243. Nairobi: African Economic Research Consortium.
  6. Ebaidalla, Mahjoub. (2017). Determinants and Macroeconomic Impact of Parallel Market for Foreign Exchange in Sudan. Working Paper No. 1155. Cairo: Economic Research Forum.
  7. Ebaidalla, Mahjoub & Edriess, Abdalla Ali. (2012). Flow of Migrants’ Remittances into Sudan: The Role of Macroeconomic Environment. Working Paper No. 741. Cairo: Economic Research Forum.
  8. Babiker, Mustafa & Siddig, Khalid. (2022). Sudan’s Economy Under the Current Conflict. IFPRI Discussion Paper No. 02192. Washington, DC: International Food Policy Research Institute.

رابعاً: مصادر حول المصرفية الإسلامية المقارنة

  1. Islamic Financial Services Board (IFSB). (2022). Islamic Financial Services Industry Stability Report. Kuala Lumpur: IFSB.
  2. Bank Negara Malaysia. (2022). Financial Stability Review. Kuala Lumpur: Bank Negara Malaysia.
  3. El-Gamal, Mahmoud A. (2006). Islamic Finance: Law, Economics, and Practice. Cambridge: Cambridge University Press.

خامساً: تقارير حول الحرب والأزمة الراهنة

  1. International Crisis Group (ICG). (2023). Stopping Sudan’s Descent into Full-Blown Civil War. Africa Briefing No. 189. Brussels: International Crisis Group.
  2. International Crisis Group (ICG). (2024). Sudan’s Calamitous Civil War: A Primer. Africa Report No. 332. Brussels: International Crisis Group.
  3. ACLED (Armed Conflict Location & Event Data Project). (2024). Sudan Conflict Observatory Data. Washington, DC: ACLED.

MFW4A (Making Finance Work for Africa). (2023). Sudan Country Profile. Tunis: African Development Bank.

∙           African Business Magazine. (2025). Africa’s Top 100 Banks 2025. London: African Business.

∙           World Bank. (2022). Global Findex Database 2021–2022. Washington, DC: The World Bank Group.

∙           EIB (European Investment Bank). (2024). Finance in Africa: Unlocking Investment. Luxembourg: EIB.

∙           Trésor, Direction Générale. (2024). Banking Sectors in the East Africa and Indian Ocean Region. Paris: French Treasury.

سادساً: القوانين واللوائح

  1. قانون بنك السودان لسنة 1959.
  2. قانون تأميم البنوك والمؤسسات المالية لسنة 1970.
  3. قانون المعاملات المصرفية الإسلامية لسنة 1984.
  4. قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 1991.
  5. قانون بنك السودان المركزي لسنة 2002 وتعديلاته لسنة 2012.

 

*O.sidahmed09@gmail.com

*خبير مصرفي ومالي وتمويل مستقل

 

مواضيع متعلقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

التخطي إلى شريط الأدوات