“قوانين النهب والتمكين: المتاهة التشريعية والقانونية التي أفقرت الشعب وهدمت الدولة السودانية”
—–
أسامة كنينة*
١٣ مارس ٢٠٢٦
——
من يجهل القوانين فهو جاهل بشهادة ..والجهل ليس عذرا :
الفقر والجوع وانهيار الدولة السودانية الذي نعيشه الآن ليس مصادفة ولا نتيجة للحرب الدائرة منذ مطلع ٢٠٢٣ ولا بفعل كارثة طبيعية فحسب، بل هما النتيجة المتوقعة والطبيعية لهندسة تشريعية مدروسة امتدت عقوداً فانجبت لنا كل هذا الخراب.
شبكة مترابطة من القوانين – بدءاً من العصر الاستعماري في العشرينيات – صُممت لتدفق الثروات الطبيعية (الأرض، الذهب، المعادن، الزراعة) بأغلبيتها إلى شركات خاصة أو مرتبطة بالنخب والأجهزة، تاركةً للخزينة العامة فتاتاً رمزياً. الدليل الأشد وضوحاً: خزينة الدولة فارغة، الحكومة تعجز عن دفع رواتب منتظمة أو توفير دواء أساسي، بينما أصغر شركة تعمل في مجال التعدين أو النفط أو الاستثمار الزراعي أصبحت أغنى من الدولة نفسها (حسب تقارير البنك الدولي ومنظمة الشفافية الدولية حتى 2026).
قانون تسوية الأراضي والتسجيل لسنة 1925 (المعدل عدة مرات)
النص الجوهري: يحدد مبادئ تسوية وتسجيل الملكيات، ويُعتبر الأساس لنظام الأراضي في السودان، حيث ينص على أن جميع الأراضي غير المشغولة أو الغابات أو الأراضي الفارغة (waste, forest, unoccupied) تعتبر ملكاً للحكومة إلا إذا ثبت العكس (Section 16(c)). تم تعديله لاحقاً لتعزيز السيطرة الحكومية على الأراضي غير المسجلة..بمعني تحت تصرف السلطة التنفيذية الحاكمة .
النتيجة: هذا القانون مهد الطريق لقوانين لاحقة، مما سمح بتسجيل واسع النطاق للأراضي كملك حكومي، وتسهيل تخصيصها لاحقاً بواسطة السلطة التنفيذية دون حقوق تاريخية للمجتمعات.
هذا القانون كأساس استعماري، أصبح أداة للنزع اراضي المواطنين وتجريدها من حقوق الملكية العرفية (المتعارف عليها تاريخيا)، وتحويل الأرض إلى أصل حكومي يُدار لصالح النخب.
– قانون التخطيط العمراني والتصرف في الأراضي لسنة 1994 :
النص الجوهري: منح السلطة التنفيذية صلاحيات مطلقة في تصنيف وتخصيص الأراضي غير المسجلة، وأمم معظم الأراضي الزراعية والغابات التي لم تُسجل ملكيتها رسمياً.
النتيجة: ملايين الأفدنة في كردفان ودارفور والشرق تحولت إلى “أملاك كيزانية”، ثم مُنحت بقرارات إدارية لمستثمرين مقربين دون مناقصات علنية أو تعويض عادل للسكان الأصليين.
ليصبح هذا القانون البوابة الأولى لتجريد المجتمعات من حقوقها التاريخية، وتحويل الأرض إلى غنيمة اقتصادية في يد السلطة التنفيذية .
– قانون تشجيع الاستثمار 2021 (الذي ألغى النسخة 2013) :
النص الجوهري: يمنح الوزير أو الهيئة صلاحية منح إعفاءات جمركية وضريبية كاملة أو جزئية لسنوات طويلة (غالباً 5–10 سنوات في المشاريع الاستراتيجية)، دون معايير صارمة أو رقابة برلمانية فعالة.
النتيجة: الشركات تستورد معدات وآليات بملايين الدولارات بدون جمارك، وتدفع ضرائب أرباح منخفضة أو معفاة. الخزينة تفقد مليارات سنوياً، والمنافسة الحقيقية تُقتل.
هنا تصبح الإعفاءات أداة لتجفيف الخزينة وتضخيم رؤوس الأموال الخاصة.
– قانون تنمية الثروة المعدنية والتعدين لسنة 2015 :
النص الجوهري: حدد إتاوة رمزية (غالباً 4–7%، وفي الذهب عادة 4%)، مع سرية نسبية في العقود، ونظام امتيازات واسع.
النتيجة: في 2025 بلغ الإنتاج الرسمي 70 طناً (تجاوز الهدف 13% حسب وزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية)، لكن الإيرادات الحكومية ~1.8 مليار دولار فقط، مقابل قيمة سوقية ~8–11 مليار دولار. 70–80% يُهرب أو يخرج خارج القنوات الرسمية وحتي هذه الأموال تدار خارج ولاية وزارة المالية عبر شركات حكومية أغلبها يتبع لرئاسة الجمهورية أو رئاسة مجلس الوزراء مباشرة .
ليصبح هذا القانون عبارة عن إتاوة شكلية + غياب تتبع إلكتروني فعال + سرية عقود = نهب ممنهج لأكبر مصدر عملة أجنبية في البلاد.
– قانون التحكيم لسنة 2016
النص الجوهري: سرية مطلقة لجلسات التحكيم (مستمدة من النموذج الدولي UNCITRAL واتفاقية نيويورك)، حصانة ضد الطعن في القضاء الوطني إلا في حالات محدودة، وإمكانية تنفيذ الأحكام دولياً (مصادرة أصول سودانية في الخارج).
النتيجة: أي محاولة لتصحيح عقد غير متوازن (إتاوة منخفضة، إعفاءات مفرطة) تواجه تعويضات هائلة في تحكيم سري، مما يرهن الخزينة لعقود.
هذا القانون هو “الدرع الحديدي” الذي يحمي كل العقود السابقة، ويمنع الشعب والبرلمان من المعرفة أو التصحيح.
الحلقات المكملة في الشبكة قانون الشركات 2015: غطاء لشركات واجهة وأمنية/عسكرية تعمل خارج الرقابة المالية والضريبية الكاملة.
قانون أعمال البنوك (بنك السودان، تعديلات متعددة): شرعن تعدد أسعار الصرف وتسهيلات نقدية غير مباشرة للمقربين.
غياب قانون زراعي موحد: تشتت تنظيمي متعمد (قوانين ولايات + استثمار زراعي متفرق) يتيح منح أراضٍ شاسعة دون رقابة بيئية أو اجتماعية حقيقية.
النتيجة النهائية: شبكة متكاملة لا تُفلت شيئاً
الأرض تُؤخذ → تُمنح لمستثمرين → يُمنحون إعفاءات → يستخرجون الذهب والمحاصيل → يدفعون إتاوة رمزية → يحمي التحكيم العقود → الخزينة تُفرغ من المليارات.رغم إنتاج ذهب يتجاوز 70 طناً سنوياً (2025)، ورغم أراضٍ قادرة على إطعام قارة، تبقى الخزينة شبه فارغة، والشعب يعاني أسوأ أزمة إنسانية في العالم.هذه ليست قوانين تنمية.. هي تشريعات نقل ثروة ممنهج.
الإصلاح الاقتصادي الجذري يبدأ الآن:
– إلغاء أو تعديل جذري لهذه الشبكة الرئيسية من القوانين إضافة إلي قوانين أخري كقانون الموازنة العامة وقانون بنك السودان وقانون تنمية الصادرات وقانون التجارة الخارجية وعديد القوانين ذات الصلة بموارد وثروات الشعب السوداني .
ـ تتبع إلكتروني كامل للذهب من المنجم إلى التصدير.
نشر كل العقود علناً.
إنشاء صندوق سيادي/ وطني يحمي الإيرادات للأجيال القادمة.
حتى ذلك الحين، سيظل الشعب السوداني يدفع ثمن هندسة تشريعية وقانونية صُممت تحت سمعه وبصره.. لكن ليس له، لأنه – حتى الآن – لا يعلم عنها الكثير، وليعلم الجميع ان اي جهود إصلاحية في ظل بقاء هذه القوانين تظل مجرد حرث في البحر .
كلمة أخيرة :
لا حمدوك ولا الكيزان ولا لجنة إزالة التمكين ولا البرهان جميعهم لا يريد لهذه القوانين أن تتغير ….بدليل أن الجميع يحدثك عن اعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية والصراعات السياسية دون أن يتجرأ لفتح الملف الاسهل وهو إعادة هيكلة الاقتصاد …ومن يترك السهل ليتجه نحو الاصعب فهو لا يملك إرادة التغيير ،بل ويرسخ لإبقاء الحال الاقتصادي كما هو ليزداد الغني غناً وثراء ويزداد الفقير فقراً
———-
(المصادر الرئيسية: نصوص القوانين من موقع وزارة العدل السودانية، تقارير وزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية 2025، تقارير البنك الدولي ومنظمة الشفافية الدولية، SWISSAID وChatham House حول تهريب الذهب، ووثائق تاريخية عن قانون 1925 من IGAD Land Portal ودراسات جامعية).
تفاصيل تعديلات قانون 1925
قوانين الأراضي في دارفور
___________
aosama@gmail.com*



آخر التعليقات