السبت, يناير 17, 2026
الرئيسيةاقتصاد سياسينحو تفكيك خطاب ومشروع رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك.... الباحث...
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شيوعاً

نحو تفكيك خطاب ومشروع رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك…. الباحث الفاضل الهاشمي

نحو تفكيك خطاب ومشروع رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك

(فرضيات ومنطلقات الخطاب الفكرية وتجلياتها)

 (1 من 6)

 “يالها من مسافة شاسعة تلك التي تجثم بين طلاوة الخطابة من جهة وأوجاع الإقتصاد السياسي للخطاب”

(من وحي عبارة قديمة للصحفي الاسكوتلندي الاصل جيمس سكوتي في تمييزه بين الخبر والسوسيولوجيا)

(الكلب إنبح

والجمل ماشي)

الضحك فرقع

والجرح إنتح

العذاب إصرخ

والملك إفرح

الجزم بالكوم

والقدم حافي

البلد مسروق

وسارقو بالكاكي

هاشم صديق (يونيو 2021)

 

إستهلال:

نقصد بالخطاب هنا مجموعة التصورات وتنزلاتها التي تشكل الفضاء المعرفي لفرد أو مجموعة بشرية فى سياق تاريخي واجتماعي وسياسي محدد. لسنا بصدد وجود وعي زائف أو غير زائف ، كون كل وعي هو خطاب.

جوهر التناقض الرأسمالي، حسب توماس بيكيتي، هو أن معدل الربح (عائد رأس المال) ظل أعلي بكثير ، ولفترات طويلة جداً، من معدل نمو الدخل والإنتاج ، مما يعني أن الثروات التي تراكمت في الماضي لدى الراسماليين تنمو بمعدلات أعلي من الإنتاج والأجور. هذا يشكل تناقض منطقي أساسي وعقبة أمام ثوابت العملية الديموقراطية من حرية ، مساواة وإخاء جاءت بها الثورة البرجوازية. تبعاً لذلك تحول رجل الأعمال الراسمالي الي ريعي وظل يتسيّد علي من لا يملكون الا قوة عملهم. هذا التناقض مضر بمستقبل العملية الإنتاجية ومصير السيرورة الديموقراطية في الشمال الكوني الذي راهن عليه كليا د. حمدوك وتكنوقراطه في احتفائه المطلق بالإنفتاح الإقتصادي والتعويل كلياً علي الخارج حتي غشته غاشية الأزمة. الأخطر من ذلك أن حمدوك راهن علي شراكة نموذجية بين المكون العسكري/المليشي حامل الدولة العميقة المفروض أن تتم تصفيته حسب ثورة ديسمبر 2018.  أصبح المكون العسكري ومعه قلة رأسماليين تجاريين طفيليين ليسوا بصفة رجل الأعمال الذي تحوَل الي ريعي كما في الشمال الكوني، وانما أصبحوا ساسة-رجال أعمال من طينة النهب والتطفّل والمحسوبية والتهريب والمضاربات؛ وبالضرورة أن هذا الإستغلال المطلق البشع لابد لإستمراره من أيدولوجية مطلقة عنيفة دموية كما نبهنا سمير أمين ؛ وأن ورطة هذا التراكم في الشمال والجنوب الكونييْن يتمان علي نطاق عولمي كبير وفاسد ومفسد في آن. ضمن هذا المشهد يصبح رهان حمدوك علي مزدوجتين آيديولوجيتين بإمتياز هما “الإنفتاح الإقتصادي والشراكة النموذجية مع العسكر/المليشيا” أطروحةً كارثيةً مدمّرةً فاسدةً زهوقا؛ وكمن يود أن يريد القفز فوق حفرة بإجراء قفزتين معاً وهو في الهواء. وكانت ثالثة الأثافي أن حمدوك أعلن منذ بدء عهده أنه “رئيس وزراء للجميع” ناسفاً ونافياً حقيقة الشرعية الثورية التي حملته ، ومعلناً أيضاً أنه براغماتي (بوهم أنه خارج الآيديولوجيا)؛ والجميع يعلم أن البراغماتية هي الإبنة الشرعية للامبدئية. لقد حق القول ، ضمن هذل المشهد المفهومي والفكري، أن رئيس وزراء الثورة قد إنتمي إنتحارياً الي ذلك القسم من الطبقة الوسطى التي يممّت شطرها نحو التحالف مع المستثمرين الأجانب والشركات متعددة الجنسيات والمصرفيين الطفيليين الإسلاميين والمصالح العسكرية الأمنية والمليشيات التي نهبت موارد الدولة وشرائح من حركات الصراع المسلح اختارت مشروع الهبوط الناعم وأحزاب روّجت للهبوط الناعم حتي فاجأتها ثورة ديسمبر 2018 فإلتحقت سريعاً بالثورة وتسنّمت قيادتها. يُقرأ هذا الحراك كجزء من مشهد تخثّر المشروع الوطني مابعد الكولونيالي والإفساد الإمبريالي لحركة التحرر الإفريقية التي حملت السلاح عبر دعمها مرة وضغطها مرات عديدة وتهديدها إذا اقتضي الأمر. لا غرو أن مدرسة الجماهير الثورية السودانية تمترست فكرياً وعملياً حول مفهوم النضال السلمي المدني، نضال قوامه شعار حرية مقرون بسلام وعدالة اجتماعيْين ، فهنيئاً لها.

مقابل مدرسة التكنوقراط الكمبرودارية هناك تحليل نقدي للاقتصاد السياسي يراهن علي مشروع وطني ديموقراطي ملء سيادته الوطنية ، مشروع يعرّي استراتيجيات الإسلام السياسي الذي تغوّل علي القطاع العام في السودان وفى ذات اللحظة يقارع التكنوقراط الجدد الذين يهادنون تلك القوي ويخشون سطوتها دون الرهان علي سطوة الثوار الباسقة. زبدة القول أن هذه المدرسة تنام متعريةً في مخدع العولمة والإنفتاح المطلق. وحرّيٌ بالتحليل النقدي هنا توضيح الشُقّة بين التكنوقراطي والمثقف ، كون الـمـثـقـف “هـو حامل المعرفة النقدية الــمــحــِّررة” التحريرية، الـتـي لـم تكن قاصرة على “المعرفة العقلية وحدها” ، بل تتعداها  وتُسهم في تنمية “ملكات الشعور، والوجدان، وتنقيها من أدران الأنانية ضيقة الأفــق” ؛ لتصَّب في “المجرى العام للتحرر الإنساني” الذي كان ينشده كارل ماركس. ويعني غياب هذه الأبعاد التحررية من وجهة نظر المرء أن حامل المعرفة أياً كان تأهيله الفني والمعرفي يكون “تكنوقراطياً لا مثقفًا”. (راجع عبد الله بولا وأحمد ابراهيم ابو شوك).

هكذا رويداً رويداً تتعري الحقائق الاجتماعية السياسية الإقتصادية الصادمة أمام ثوار ديسمبر الذين واللواتي صمدن أمام البارود لمدة ناهزت خمسة شهور بعد ثلاثة عقود من التجويع والإبادات والدماء والدموع والفساد.

نزعم هنا أن رئيس وزراء الثورة قد تعرّي ظهراً وبطناً كتكنوقراط مهادن ورحيم بالفلول والطائفية حتي تعيينهم في أعلي المؤسسات ، أو التهاون في تطهير الخدمة العامة منهم ، وملاحقة رؤوس أموالهم الخ. والآن يحاول رئيس مجلس الوزراء إدعاء مصارحة الثوار (لجان وتجمع مهني وأحزاب) بعد عامين بعد أن تجاهلهم كثيراً وهم يتجمعون أمام مكتبه حاملين مطالب ثورية كونهم ليسوا في قائمة أولوياته. يبدو أنه تشجّع بعد أن اشتغل علي لعبة عسكر وحرامي “الشراكة النموذجية” التي مطلعها: ناس أحمد يبقوا العسكر وناس سامي يبقوا حرامي.  أقول ذلك ليس تحاملاً أو تجاسراً علي د. عبد الله حمدوك الذي عرفته شخصياً وراهنت علي ريادته، كون أطروحتي حوله هنا لاعلاقة لها بهوياته الأخري وشخصيته كونه بان افريكانيست حقيقي ، ودبلوماسي بارع ، ورجل متواضع ذو عقل لامع ومنضبط.

كان يتعيّن علي رئيس مجلس وزراء الثورة أن يعمل “بقوة علي استرداد الأموال المختلسة ومحاكمة المختلسين، وإعلان حرب شرسة علي الفساد ، واستخدام كل القوة الممكنة لإغلاق جميع الظواهر الأخري للاقتصاد المختطف (مثل التهريب) ووضع مئات الشركات العسكرية والأمنية تحت سيطرة وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي. ولكي تتحقق هذه الإجراءات كان يجب استخدام قوانين وقواعد الطوارئ التي تم إعلانها في ظل الشرعية الثورية وكان هذا ممكناً من خلال الإستفادة من الدعم الشعبي الهائل الذي كان من الممكن أن يسكت الأصوات المترددة والمعارضة” من بقايا النظام القديم داخل وخارج السلطة (راجع عباس عبد الكريم).

ضمن هذا المشهد يتخلّق تحالف جديد من عناصر الدولة العميقة الحاكمة (طبقة جنرالات المؤسسة العسكرية من أسميهم رجال الأعمال-الساسة) وفلول الإسلام السياسي داخل وخارج تلك المراكز العسكرية والأمنية والمليشيات من حزبيين رجال أعمال فى المضاربات والسمسرة والمرابحات وغسيل الأموال والتهريب والذهب والعقارات من جهة ورجالات الراسمال التجاري الجدد الذين تبنوا الثورة من قبل واجهات الهبوط الناعم السياسية لملء الفراغ التجاري الطفيلي. لقد وجد هؤلاء في سياسات د. حمدوك ضالتهم حيث مهّدت لهم المحفظة وأبقت علي الإستثمارات العسكرية والأمنية والميشيات التي نهبت موارد الدولة وخصخصتها علي مقاس الجنرال الجديد (البزنس مان) ، وكلو من دافع الضريبة غير المباشرة ، وهاك يا دولة الجبايات التي قنّنها حمدوك بما أسماه في مبادرته ب “الإنفتاح الإقتصادي” واعتبره إحدي إنجازاته كما سلام المحاصصات والمسارات. أما البقية من خطابه ومبادرته التي تلت الخطاب علي عجل كانت خطاباً إعتذارياً مسرحياً وضع فيه نفسه في برج عاجي خارج الصراع ووصف لأول مرة مشهداً لأزمة رغم أنه ذكر قبل يومين من المبادرة انه يرى ضوءاً في آخر النفق ، نفق الأزمة الشاملة.

إذن نحن علي شفا حفرة من منهج واستراتيجيات وقرارات الحكام الجدد: رئيس مجلس الوزراء وجماعة من المستشارين والمؤسسة العسكرية وبقية قوي الحرية والتغيير وأحزاب البعث والأمة والإتحاديين والمؤتمر السوداني والحركات المسلحة التي انسلخت من قوي الحرية والتغيير (أو سرقت منبرها) لتدخل بهو “الطبقة الحاكمة الجديدة المتجددة” عبر بوابة مسرحية سلام جوبا للمحاصصات والمسارات. وضعت عبارة الطبقة الحاكمة الجديدة المتجددة بين قوسين للإشارة الي ان تلك القوي التي لغت أهم بند فى الوثيقة الدستورية الذي حرّم ضمن روح الثورية الشرعية والتغيير الناجز أن يترشّح وزراء وحكام المرحلة الإنتقالية في الانتخابات القادمة، وفى ذلك تكمن طفيلية وهوان سلام جوبا كونه منح حكّام المرحلة الإنتقالية فرصة أخري لمواصلة التمكين الطبقي السايسي الجديد!! إذن نحن إزاء سيرورة تعيد إنتاج الراسمالية الطفيلية التي كانت تغطّي عري إستغلالها البشع بأيديولوجية دينية الي ساسة رجال أعمال جدد ينتمون الي عشيرة حشرة “أم جُركم” التي تريد أن تعيش خريفين، ويودون ممارسة البِغاء الطفيلي للبقاء أكثر مدة ممكنة كحكام ممتازين. كانت وثبة سَحَرة الهبوط الناعم تلك مؤشر لإحدي تجليات عمليات سرقة ثورة ديسمبر2018.

أزعم هنا أن رئيس مجلس الوزراء حمدوك جزء أصيل من هذه التوليفة الجديدة التي تتخلّق أمام ناظرينا رغم أنه أعاد أنتاج نفسه ليبدو شفيفاً وصادقاً كطفل أمام الثوار وأن هناك أزمة شاملة مركّبة لم يشارك فيها ؛ أزمة في جميع الفضاءات: مدني-مدني، مدني-عسكري، عسكري-عسكري. ظاهر المبادرة أن رئيس مجلس الوزراء حمدوك يود التخلص من رهانه الفكري والمنهجي والآيديولوجي (نعم الأيديولوجي) حول قضيتين أود تفكيكهما ونقدهما، هما “الشراكة النموذجية” مع العسكر التي راهن عليها وباعها في المحافل الدولية  والمحافل الأقليمية بما فيها دولة الأبارتايد ذات نفسها من جهة، والإنفتاح الإقتصادي (صندوق النقد والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية والإتحاد الأوروبي) كما طرحه حمدوك في مبادرته كإنجاز يخص حكومته من جهة أخري. هذان هما زعمي الرئيس في هذه الورقة وبصدد رصده وتفكيكه عبر استخدام منهج أسميه منهج الظل.

كما أن إحدي إستهدافات أطروحتي هو أن الرهان علي الإنفتاح الإقتصادي فى ظل العولمة اللئيمة دون ترتيب البيت السوداني الداخلي والإصغاء الي مطالب الثوار الحقيقية التي ثاروا من أجلها مضرة للغاية بالعملية الديموقراطية القادمة وبقيم العدالة الإجتماعية التي هي عمود النُص وعماده أو قل الأمينة والشِعْبة التي تسند العملية الديموقراطية.

نتناول هنا متلازمتي الاقتصاد ( ما أسماه بالإنفتاح الاقتصادي) في مبادرته وشراكة المؤسسات العسكرية التي راهن عليهما حمدوك. جوهر أطروحة حمدوك هي الإنفتاح ( أم فككو) نحو العالم اقتصاديا ونخضع لشروط العولمة ناسية ومتناسية شعار سلام إجتماعي وعدالة اجتماعية ، وهو ذات مشروع الدولة العميقة الذي كاد حمدوك أن يقع فريسه في شراكه قبل هنيهة من الثورة. ذكرت رويترز (17 سبتمبر 2018) أن عبد الله حمدوك ، الذي عين في البداية وزيرا للمالية ، رفض التعيين؛ وكاد أن يلتحق بالنظام المدحور لولا عناية أصدقائه الذين نصحوه أن ينأي عن ذلك كما ذكر هو نفسه. أعتقد أن د. حمدوك تسووي ورجل توازن ، رؤيوياً ووظيفياً ومهنياً وأخلاقياً وبراغماتياً ، لذلك أعلن علي رؤوس الأشهاد وبصوت مسموع وموثّق أن يكون رئيس وزراء للجميع (للثوار والقوي المعارضة للثوار) لذلك اجتمع مع الجميع وأعلن تنفيذ برامج الجميع ضد الجميع وعيّن الكيزان لوظائف قيادية في ذات اللحظة ، الآن وهنا: دعم الثائر من جهة ، والتعيس وخايب الرجا من جهة أخرى.  لقد يممت ثورة ديسمبر وجهها شطر تغيير وتثوير موازين القوي ومعادلة الهيمنة ، لكن مكمن الخسران المبين أن د. حمدوك إختار الوسط ، ولذلك فارق منهجياً ومنطقياً وبنيوياً خط الثورة ، وكما قال الشاعر حمّيد عليه الرحمة:

جرح الوطن خطالنا خط

خطالنا قول ما منو نط

الليلة يا موت يا حياة

خاتي البيختار الوسط

منهج الظل:

أقصد بمنهج الظل الذي تحكى عنه الحكمة الشعبية في محكية (دخل القش وما قال كَشْ) ، بمعني أنه يود أن يمر علي الفترة الإنتقالية دون أن يحرك ساكناً في أمهات أمور التغيير الثوري بشرعيته. وحين يطرح مبادرة  ما يتحاشي أن تضر الآخر الذي جاءت الثورة لنفيه ، لذلك تحاشي الشفافية التي ربما تحدث جلبةً وضجيجاً وعمل بصمت مع مستشاريه بعيداً عن قوي الثورة. طالمل ينتقي د. حمدوك عباراته بحذر حتي لا يمس أصل الداء الذي يتمثل في حقيقة قالها مرة ثم لم يوليها بالعلاج الكاوي وهي أن ٨٢٪ من موارد الدولة خارج وزارة المالية والنظام المصرفي ، وهي وصفة للدولة الفاشلة التي يجلس عليها. اذا كان هذا مكمن الداء فعلي الطبيب أن يضع مبضعه فيه قبل أن يطرح “الانفتاح الاقتصادي” الذي أكّد بأنه ناجح ، رغم أنه يعلم أنه عمّق ازمة الدولة الفاشلة.

منهج الظل الحذر تمخض فولد وصفه للمؤسسة العسكرية بوصفها انها قوات نظامية (وهي ليست بقوات مهنياً وبنوياً). وصف الداء هو أول العلاج من كي واستئصال. اسمها الصحيح هو القوات والجيوش والمليشيات التي لاتحصيها اصابع اليدين. هذه الجيوش هي التي تمتلك أكثر من ٨٢٪ من موارد الناس وأرزاقهم من سلع استراتيجية وتضارب فيها.

يشتمل منهج الظل أيضاً علي حكمة معروفة تقول كيف يستقيم ظل العود الأعوج وحمدوك يتلهّي بشراكة نموذجية مع بنية جيش مشوّه وانفتاح إقتصادي علي سعير العولمة عبر دولة فاشلة تم نهب مواردها وما انفك االنهب من الميزانية العامة ومن ذات المؤسسة الخربة.

سنفكك هذا الخطاب كنموذج لمنهج الظل الذي انتجه هذا العود الأعوج من دولة فاشلةٍ ناهبةٍ كاذبةٍ خاطئة ومكتوب عليها منطقياً وبنيوياً وحتمياً أن تكون كليبتوقراطية عنيفة وبوليسية تحرس آلات نهبها قوات عسكرية من جنرالات رجال أعمال ساسة ومليشيات وليست قوات نظامية. وسيكون انفتاحها الإقتصادي الإقليمي والدولي آلية ومطية لتثبيت أركان ذلك البؤس الإقتصادي السياسي الإجتماعي الواقعي القياموي. ليت تكنوقراط صندوق النقد يشترطون اولا وضع يد الدولة علي تلك الموارد الانتاجية قبل الحديث عن اسعار العملة وجانب الطلب وحده لإيقاف ذلك الاستنزاف اليومي. نزعم هنا أن منهج الظل هذا قدم لنا بضاعة مصطلحات نموذج الشراكة والقوات النظامية الذي قوامه نسبة (82:18) والانفتاح الاقتصادي. وهو ذات الداء الذي ظلت لجنته الأمنية قبل الثورة (وهي داخل المجلس السيادي) وحدها لا شريك لها تصدر القوانين لتثبيت أركان النهب القديم وتقوّض شعار حرية (عبر قوانين خنق الحريات في الشارع وتأتي بقانون نقابات ٢٠١٠) ، وسلام (سلام غير شامل ومنقوص ، كسلام ضد الحرب والموت المستمر أو سلام اجتماعي) وعدالة (اجتماعية وانتقالية معاً).

ومن عوج عود المنهج وظله أن رئيس وزراء الجميع  لم يستثنِ أحدا وفتح بابا كبيرا للريح بكسر شوكة ثورة ديسمبر التي جاءت به ليس رئيسا منتخباً وانما لتنفيذ شرعية ثورية ليست للجميع وانما بمشيئة الثوار التي تستهدف تصفية وتفكيك الدولة العميقة التي تسببت في الأزمة. هنا تكمن مسؤولية حمدوك ودوره في مجاز عدم تأثير مرور الظل علي عويش الواقع السوداني حتي لا يحدث صوتاً.

من نعيم الخطاب الي جحيم سلطة الخطاب (ملحوظة في تغيّر موقف د. حمدوك الفكري بين الأمس واليوم):

لا شك أن الإنسان تتبدل مواقفه الفكرية والعملية حسب الظروف والشروط الإجتماعية ، لكن مع ثبات وبقاء الرؤية والمواقف المبدئية والأخلاقية. في هذه الفقرة أرصد مواقف د. حمدوك الفكرية كتنفيذي وأكاديمي تكنوقراط في فضاء المنظمات الأفريقية التابعة للشمال الكوني ، وأترك تقييم الخلاصات لفطنة القارئ. الشاهد أن د. حمدوك قدّم استقالته من الأمم المتحدة متوجها نحو القطاع الخاص في 30 اكتوبر 2018 ، ولكن سبق عليه الكتاب السياسي الغميس بغيلانه الطبقية العنيفة فأصبح بنعمته ونِغمته رئيساً لمجلس وزراء الثورة. لقد إنطوت أطروحة حمدوك الفكرية قبل إستوزاره علي استنارة معقولة لدي المؤسسات التنموية المعاصرة في الشمال الكوني قوامها الإعتماد الرئيس علي الذات والموارد المحلية والموازنة بين القطاعين العام والخاص وليس الإنفتاح العائر الذي يطرحه الآن كرئيس وزراء ثوار ديسمبر الذين ينتمون بجدارة الي من هم تحت خط الفقر ومن ذوي الدخول المحدودة، ثورة أتت بعد خصخصة ونهب شبه مطلقيْن لمؤسسات القطاع العام حسب روشتة الصندوق. ودوننا عدة أمثلة من خطابه الإستناري السابق:

المثال الأول: هو أن وجهة عبد الله حمدوك الفكرية في 14 يوليو 2015 كانت دعوته الي قطيعة من/عن الماضي التنموي العالمي تتمثّل في البعد عن الدعم التنموي “المساعدة الإنمائية الرسمية” عبر المساعدات والعون الأجنبي ، وأكّد علي ضرورة تعبئة الموارد المحلية. ذكر ذلك بالحرف في محاضرة بعنوان زيادة الحيّز (الفضاء) المالي فى أفريقيا ، في المؤتمر الثالث حول التمويل التنموي في افريقيا (راجع اليوتيوب المرفق حول زيادة الحيّز المالي).

المثال الثاني: هو موقف د. عبد الله حمدوك الفكري في يناير  2017  كسكرتير تنفيذي مناوب للجنة الاقتصاديَّة للأمم المتحدة بأفريقيا والتي ألقاها أمام المجلس التنفيذي للإتحاد الأفريقي  في قمة الاتحاد الأفريقي ، وكانت وجهته الفكرية الآيديولوجية حينها ، نعم الآيديولوجية، وهو يتناول آليات ومتطلبات العائد الديموقراطي في أفريقيا هو أن زيادة إدخارات الدول الأفريقية عبر معدّل إعتماد ضعيف علي الخارج هي أحد تلك الآليات وليس الإنفتاح الإقتصادي الذي يصر عليه الآن كرئيس مجلس وزراء ثورة !! ، وذكر حينئذٍ ضرورة زيادة الطلب المحلي التي تتطلّب استثمار في الزراعة والتعليم والصحة ، ولكنه الآن يشرف علي ميزانية 2020 التي تتغلب عليها حصة المؤسسات العسكرية والأمنية أضعاف قطاعيْ التعليم والصحة (راجع الكلمة التي ألقاها أمام المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في قمة الاتحاد الأفريقي  فيديو اليوتيوب المرفق، الدقائق 8-9).

المثال الثالث (حزمة من الإقتباسات):

أدناه مقتطفات من أفكار د. حمدوك النيّرة المستنيرة التي لاعلاقة لا بشروط صندوق النقد الدولي والإنفتاح الإقتصادي العائر (راجع كتاب الدولة التنموية الديموقراطية ، المؤلف د. صلاح عوض عمر، 2016):

  • “الدولة التنمويَّة الديموقراطية، يجب أن تتمتّع بأهداف اقتصاديَّة واجتماعيَّة يتم تحديدها جيداً، التي تحتاج إلى التدخل المباشر من الدولة لتحقيقها، وبذلك تكتسب القدرة على تحقيق واستدامة التنمية”.(ص 13).
  • وفي موضع آخر يؤكّد أن “التحول الاقتصادي الناجح، يتم بفعل التدخل الحاسم للدولة، الذي يعتمد على عملية تخطيط منظمة ومبرمجة، وقد تم تنفيذها بفعالية وجدارة” ( ص 17).
  • يذكر حمدوك سمات الدولة التنمويَّة الديموقراطية ومنها أنها يجب أن تمتلك “القدرة على السيطرة على الغالبية العظمى من أراضيها، ولها من القدرات الأساسيَّة ما يمكِّنها من وضع السياسات وتنفيذها”. وفي البال أن حمدوك ليس من أولوياته الآن مراجعة عقودات إستلاب الأرض في السودان.
  • ثم يؤكّد أنه “يجب أن تتمتع الدولة التنمويَّة الديموقراطية بخاصيَّة “الاستقلال المندمج” وهي الخاصية التي تجعل موظفي الخدمة المدنيَّة أكثر مهنيَّة وغير مرتبطين بالمجموعات التي تسعى إلى تحقيق الربح المادي” (ص 14). أولي مفارقة حمدوك أنه زهد من وعن هذه القناعة المستنيرة كونه أصبح يعيّن أخوان مسلمين في أعلي قمم الخدمة المدنية ، كما يقود اتفاقية جوبا ومجلس شركاء الدم ولُحمة وسدي كلاهما المحاصصة واللا مهنية.
  • وعلي ذكر تجربة كوريا ذكر أهمية ” التزام مثالي بدعم النمو المصحوب بالإنصاف” ( ص 17). أما الآن فان برنامج ووصفة صندوق النقد لاعلاقة لها بالإنصاف وانما تقطيع مفاصل القطاع العام والتقشف فى قطاعي التعليم والصحة إحدي بؤر الإنصاف.
  • ويستمر العطاء الاستناري القديم فى قوله “تبيّن الأدلة التاريخية، في الواقع، أن جميع البلدان التي حققت التحول الناجح من اقتصاد فلاحي إلى اقتصاد عصري حديث، كانت لديها حكومات اضطلعت بدور رائد في وضع السياسات الملائمة. ومن ثم، فإن الدور المركزي للدولة، لا يعتمد على مقدار مشاركتها في عملية التحول الاقتصادي، ولكن الأهم من ذلك، مدى قدرتها على إدارة التنمية من خلال توجه أيديولوجي حاسم، ومؤسسات فعالة، وسياسات يدعمها جهاز بيروقراطي وتنظيمي ملائم، ومصحوبة بإرادة سياسيَّة قوية وحاسمة.” ( ص 19-20) .

لم يكن د. حمدوك حينئذٍ هيّاباً ولا وجلاً من عبارة الأيديولوجيا كما يردد بعض مثقفينا ونخبنا الذين يعيروننا بأننا آيديولوجيين ، وكأنهم في برجٍ مكين من مغبّتها المتوهمة.

 

نحو تفكيك خطاب ومشروع رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك

(فرضيات ومنطلقات الخطاب الفكرية وتجلياتها)

( 2 من 6)

الراسمالية الطفيلية توأم الدولة اللصوصية:

من الإرث البنيوي العميق الذي لا حِجاج حوله هو أن ثورة ديسمبر ٢٠١٨ وجدت نفسها إزاء دولة ضعيفة فاشلة مقابل مؤسسات اقتصادية ومالية وفئات أكثر قوة مالية واقتصادية كونها نهبت موارد قطاع الدولة العام. لمعرفة مدى هشاشة وضعف وحجم الدولة التي تم نهبها اقتصادياً ومالياً (بحسابات الوزارات الحكومية الفدرالية وحكومات الولايات) مقارنة بأموال الطفيلية خارج مؤسسات الدولة يمكن اللجوء الي إحصائيات القوي العاملة تحت الخدمة العامة. مثلاً وفق بيانات آخر مسح للقوى العاملة فى عام 2011  و 2013 (راجع مسح منظمة العمل الدولية) يشكّل العاملون بالخدمة المدنية 6.8% فقط من مجموع العاملين بأجر و 2.8% من إجمالي العاملين. بعبارة أخرى ، والكلام لعباس عبد الكريم في سلسلة مقالاته الممتازة (راجع مواقعها في سودنايل) ، 93.2% من مجموع العاملين بأجر و 97.2% من جميع المشتغلين ، بالإضافة إلى جيش ضخم من العاطلين عن العمل ، هم خارج الخدمة المدنية ، ولم يتم اتخاذ أي تدابير لتحسين معيشتهم ضمن قرار رفع أجور الخدمة المدنية الذي قدمه د. ابراهيم بدوي كرشوة سياسية هلل لها الجميع في الوسائط الإجتماعية”. كيف يستقيم إقتصادياً وسياسياً وإجتماعياً أن تلقي بمثل هذه الدولة الضعيفة في محيطات أسواق العولمة المتوحشة وشركاتها ومؤسساتها الدولية!!. رغم ذلك فإن تلك الفئة المهنية القليلة من الطبقة الوسطي المتعلمة تحالفت مع العمال والمزارعين والطلاب وانتصرت في ثلاث ثورات سودانية على ديكتاتوريات عسكرية دموية تحالفت مع بقايا شبه الإقطاع والراسمالية الطفيلية المدنية وأحزابها.

أما الراسمالية الطفيلية فانها تعمل في مجال التداول السلعي والمصرفي بشكل مختلف عن الرأسمالية التجارية التي هي فئة ضرورية لإكتمال دورة الانتاج للتداول السلعي من المنتج حتى المستهلك وتنال نصيبها من فائض القيمة في شكل أرباح يعتمد تعاظمها على سرعة دوران السلع ودوران رأسمالها (راجع صدقي كبلو ، 25 عاما على حكم الرأسمالية الطفيلية الاسلامية). تعتمد الرأسمالية الطفيلية في تداول السلع وتحقيق الأرباح على التخزين والتهريب وخلق الندرة والاحتكار والتلاعب في المواصفات ، وفي مجال النقد والمصارف تعتمد على الصيغ المسماة إسلامية، لتعظيم عائداتها بمعدلات أعلى من سعر الفائدة في الأسواق العالمية. وبطبيعتها لا تستثمر ولا تمول العمليات الانتاجية لأنها تتفادى المخاطر وتركز على عمليات الربح المضمون. وهي متخلفة لم يكتمل تطورها وتتبع للسوق الرأسمالي العالمي. وخلافا للرأسمالية التجارية والصناعية الوطنية لا تطور الانتاج المحلي، بل تحطّمه، عن قصد أحيانا، وعن طريق طبيعتها التجارية التي تفتح الأسواق المحلية للمنتجات المستوردة دون مراعاة لمنافستها للإنتاج المحلي فتساهم في تحطيمها وإغلاق المصانع وورش الحرفيين، بل يمتد أثرها السلبي لقطاعات مثل المطاعم والفنادق والاستيراد والتصدير(راجع صدقي كبلو ، 25 عاما على حكم الرأسمالية الطفيلية الاسلامية). سعت الراسمالية الطفيلية للإغتناء عن طريق التطفّل علي ميزانية الدولة من إعفاءآت ضريبية وامتيازات والإستيلاء علي العقودات الحكومية عبر استغلال السلطة والمحسوبية السياسية و سرقة القطاع العام. ومن أهم مجالات أنشطتها السمسرة والفساد وتجارة العملة وتخزين البضائع وإفتعال السوق الأسود. إرتبطت الراسمالية الطفيلية بالمؤسسات المالية الاسلامية وبتجار مستوردين تسندهم مراكز في البنوك والسلطة. للراسمالية الطفيلية علاقات حميمة مع البنوك الإسلامية وحركة الأخوان المسلمين. تتركز الرأسمالية الإسلامية في مجال البنوك والتأمين وتجارة العملة والتجارة التي تمولها البنوك الإسلامية، خاصة تجارة الصادر والوارد وتخزين السلع التموينية وتخزين الذرة حتى أيام المجاعة والمضاربات المالية ذات العائد السريع (صدقي كبلو). تتمترس الرأسمالية الإسلامية بالقوانين الإسلامية لذلك أثارت قضية المناهج والتي رضخ لها حمدوك وتصر علي القوانين الاسلامية وقد اجتمع حمدوك مع ممثليها من الأخوان المسلمين والطرق الصوفية وأنصار السنة والإدارة الأهلية والعشائرية  ولابد أنه طمنهم علي تأمين مطالبهم كونه لم يجتمع بوزير تربيته إطلاقاً. تعتمد الراسمالية الطفيلية “فسادا عشائريا وقبليا وتوسع نفسها كفئة طبقية، فينشئ الرسميون (الوزراء) شركات لأبنائهم ونسابتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم ليحفظوا تداول الأرباح والأموال والثروات المنهوبة في داخل عائلاتهم وعشائرهم القبلية ويثبت ذلك الفساد في القطن والنفط والمقاولات وإمدادات الدولة المختلفة وتوزيع الأراضي. أن الفساد ليس فسادا فرديا فحسب فهو فساد فئة طبقية تعاني من العزلة الاجتماعية والسياسية والتي في الحقيقة تفرضها على نفسها كفئة طبقية” (راجع صدقي كبلو ، 25 عاما على حكم الرأسمالية الطفيلية الاسلامية).

ظلت المنظومة العسكرية كسلطة قائد وحامي حمي الرأسمالية الطفيلية و/أو حليفتها ، وتستخدم آليات قانونية وغير قانونية ومحسوبية ولصوصية مباشرة وغير مباشرة عديدة لإعادة إنتاج ذواتها مثل تعطيل مفوضية الفساد وسن قوانين نقابات وإستثمار وضرائب لذلك ، وتعطيل رقابة البنك المركزي علي أنشطتها وإستخدام السوق الأسود (في العملة وتزوير النقود والسلع الاستراتيجية) بما في ذلك هزيمة روشتة صندوق النقد الدولي اذا دعا الحال.

من النماذخ الطفيلية أن يمتلك مصرف (بنك فيصل الاسلامي) شركات خارج تخصصه المصرفي عقارية ومصنع أدوية ، ومصنع ألمنيوم وشركة مواد عازلة!!. كما يمتلك بنك آخر (بنك تنمية الصادرات) بنكاً آخر هو بنك الثروة الحيوانية وشركة بترول ويعمل في التكافل الإجتماعي والإتجار بالأدوية. كما تمتلك وزارة الداخلية مستشفي وجامعة !!!. كما تؤول لجهاز الأمن والمخابرات الوطني شركات تجارية ومقاولات وشركات طرق وجسور واستشارات هندسية ومجمع صناعي ومستشفي ، بالإضافة الي شركات تعمل في مجال توزيع المواد البترولية او خدمات البترول !!.

نزعم أن الأموال المنهوبة خارج السودان في قطاع الطاقة وحده ولفترة  سبع سنوات فقط (2012-2018) كبترول مصدّر كانت تعادل حسب بنك السودان (4.8 مليار دولار)، بينما قال الشركاء الدوليين للسودان ووفقاً لمعلومات إدارة الاتجاهات، أنهم اشتروا من حكومة السودان خلال تلك الفترة ما يعادل (8.9 مليار دولار). أما قيمة صادر الذهب (كانت الدولة تحتكر تصديره) وفي نفس الفترة المسجل محليا هو  8.6 مليار دولار، وحسب إدارة الاتجاهات الاحصائية للتجارة الدولية فان السودان قام بتصدير نحو 12.7 مليار دولار. (راجع صدقي كبلو ، 25 عاما على حكم الرأسمالية الطفيلية الاسلامية).

الاقتصاد السياسي للمؤسسة العسكرية والجنرالات الساسة-رجال الأعمال:

الأساس الفكري لخواء أطروحة نموذج الشراكة مع مؤسسة جنرالات المؤسسة العسكرية والأمنية والمليشيات المتفسّخة هو أن بنيتها طفيلية فاسدة ومفسدة مادياً ورمزياً وتقود نموذجها الإقتصادي التمويلي التجاري الطفيلي وهي خارج سيطرة وآليات الدولة من وزارة المالية وبنك السودان المركزي وغيرهما. تمتلك المؤسسة العسكرية شركات ملّكها لها نظام الإسلام السياسي المندحر وبعضها يعمل فى الانتاج الزراعى والصناعى والتعدينى وتحصلت على امتيازات غير مشروعة ؛ وتعمل هذه الشركات أيضاً فى قطاع التداول والتجارة ، وتشارك في عمليات المضاربة المالية والتجارية ، والوساطة التجارية غير الضرورية (ويمكن تكون مفروضة عن طريق الفساد) ، وتجارة التهريب وإنتاج وتجارة المخدرات وغسيل الاموال. وتتهرب ضريبياً (بمساعدة السلطة غالبا)؛ وتمارس التمويل المصرفى غير المستوف للشروط ؛ وتفرض الاحتكار (بتشريع او بممارسة فاسدة)  والحصول على تراخيص واراضى لنشاط إقتصادى دون حق مشروع (راجع عباس عبد الكريم).

ولا نفتئت القول حول تفسّخ هذه المؤسسة مهنياً فقط ، ولكن إقتصادياً حيث تمتلك أجهزة الامن والمخابرات السودانية لوحدها قرابة 40 شركة متعددة الاغراض من مجمل 532 شركة سودانية مسجلة في منطقة التجارة الحرة في إمارة دبي في 2021. كما أن أكثر من 157 من هذه الشركات في دبي “يملكها سماسرة ووزراء واقاربهم بهدف تحصيل العمولات لصفقات تمت بالسودان وحفظ الانصبة في حسابات خارجية وتعمل علي تهريب الاموال من الداخل بعد غسلها ، أو لتوزيع غنائم عمولات صفقات حكومية مليارية بالخارج (راجع هنا دبى : الشعب يريد ارجاع الفلوس ، عبدالرحمن الامين يكشف المستور). ذلك هو جزء من بنية الدولة العميقة التي راهن عليها د. حمدوك وتكنوقراطه وبعض أحزاب الهبوط الناعم ، و التي ساهمت من قبل في أن يحتل  السودان “المرتبة الثانية كأبرز الشركاء التجاريين للإمارات بين الدول العربية وفقاً لأرقام المركز الوطني للإحصاء” (حسب تصريح السيد خلفان سعيد الكعبي النائب الأول لرئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة أبوظبي ، صحيفة السوداني في 11 فبراير 2012).

ذكر د. حمدوك في خطابه الذي سبق مبادرته بساعات أن الشعب السوداني “فجّر ثورة ديسمبر المجيدة بأوسع مشاركة جماهيرية وباستجابة (القوات النظامية) لنداءات الشعب التواق للتغيير”. أقصد بالقوسين أن القوات ليست نظامية طبعاً بالمفهوم المهني للعبارة. هنا يبيع لنا رئيس مجلس الوزراء زعماً مفاده أن الجيش السوداني إستجاب للثورة وليت الجيش استجاب مجبراً أو بطلاً ، ولكن استجابته كانت حيلة مؤقتة لفرض سلطته وثروته واستيلائه علي المال العام. هذا الزعم يعكس منطلقات وفرضيات حمدوك في تحليل الأزمة بالتعتيم والتعميم ثم التحايل علي جوهر الأزمة. جميعنا يعلم أن تلك الشريحة من القوات المسلحة التي إستجابت لنداءآت ثوار ديسمبر هم الآن إما في السجون أو تم فصلهم من القوات النظامية، وربما منهم من تمت تصفيته أو أعدموا ، والله أعلم. لقد تجلّي خواء أطروحة حمدوك منذ أول أيامه في السلطة حين راهن مجانياً علي عبقرية “نموذج الشراكة” بين العسكر والمدنيين. أي مراقب للمؤسسة العسكرية السودانية يعلم جيداً أن بنيتها لا علاقة لها بالمؤسسية والمهنية، لذلك كان رهان حمدوك (ومعه آخرون من القوي السياسية) علي الشراكة و الاحتفاء بها عبارة عن دعوة غير مباشرة للجيش للانضمام للثورة دون تحسب لحقيقة أن قيادات القوات المسلحة منتقاة ضمن فساد التمكين فوجّهت الدعوة للجنة الأمنية فانضمت ويدها ملطخة بالدماء وهى تضمر الغدر بالثوار وبمكتسبات ثورتهم.

بعد عامين حسوما زعم د. حمدوك أنه عاد الي نقطة البداية لكن بعد أن تخلّي عن ثوار ديسمبر من لجان مقاومة وبعض التجمع النقابي والأحزاب التي كانت تشكل الحاضنة الحقيقية للثورة ، عاد علي الأقل في خطابه ومبادرته حين أقرّ بأن “قضية إصلاح القطاع الأمني والعسكري قضية وطنية شاملة لا تقتصر على العسكريين ويجب مشاركة المجتمع السياسي والمدني في رؤية الإصلاح، وهي قضية مفتاحية لكل قضايا الانتقال وبدونها لا يمكن حل قضايا الاقتصاد والعدالة الانتقالية وبناء الدولة المدنية” ؛ ولكنه يصر مرة أخري أن يربط ذلك ب “تنفيذ اتفاق الترتيبات الأمنية الوارد في اتفاق جوبا لسلام السودان” حيث يقترح حمدوك أن “جهاز المخابرات العامة والشرطة السودانية يجب أن ينفذ ما ورد في الوثيقة الدستورية بشأنهما وأن يخضعا لعملية إصلاحات عميقة وجذرية وعاجلة” وهو يعلم جيداً أن إتفاق جوبا الكارثي قد أتي بوثيقة جديدة تجبّ تلك الوثيقة وكذلك الإعلان السياسي لقوي الحرية والتغيير. كما يصر د. حمدوك أن “قوات الدعم السريع ذات طبيعة خاصة وساهمت بدور إيجابي في التغيير ودمجها في القوات المسلحة يتطلب توافق بين قيادة القوات المسلحة والدعم السريع والحكومة للوصول لخارطة طريق متفق عليها تخاطب القضية بكل أبعادها”.

وحين يجدُّ الجد يستخدم حمدوك لغة وعبارات لاعلافة لها بالثورة تتعلق بمنهج الظل، من شاكلة “مراجعة النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية وحصره في الصناعات ذات الطبيعة العسكرية ومراجعة الشركات التي انتقلت لحوزته عقب التغيير ودمج نشاطه الاقتصادي في الاقتصاد الوطني تحت ولاية المالية على المال العام”. تأمّل معي عبارة “مراجعة” المرنة ، حتي لا نقول الهينة واللينة والمرتخية!. كما نلاحظ “سين” العبور الحالم في عبارته: “قضية مستقبل القوات المسلحة وتنظيم علاقتها بالحياة السياسية الديموقراطية ستكون من قضايا المؤتمر الدستوري التي ستحسم قبل نهاية المرحلة الانتقالية.” ستكون وستحسم مثل كثير من لجان التحقيق التي كانت ولم تكن. تطير عيشةْ المؤتمر الدستوري الذي سيصبح مدققاً لغوياً وخادماً منزلياً ومربّياً لأطفال الروضة وكمان يغسل العدّة بعد أن تنفَضْ النخب التي أدمنت الفشل.

تمخّض جبل مفهوم الشراكة فولد فأراً من مواقف وممارسات وقوانين:

ينطلق خطاب حمدوك (من مواقف وممارسات وقوانين ولجان كوّنها) من موقف فكري قوامه أنه لاحاجة له بقاعدة الثورة الإجتماعية وحاضنتها (من نقابات ولجان مقاومة) التي تخلّقت ثورة ديسمبر في وميض نارها وأنوارها، فلجأ الي قوي الهبوط الناعم وجماعات تلتف حوله ويستشيرها (بالإضافة الى موقفه الفكري الإقتصادي ، ثم الرهان علي الشراكة مع مؤسسة عسكرية فاشلة بجدارة).  ومن الأمثلة علي وعود حمدوك الرومانسية المطلوقة علي عواهنها أنه أعلن في احدي لقاءات واشنطون فى ديسمبر 2019 أنه يخطط لإسترداد أموال وموارد الدولة التي لدي المؤسسات العسكرية والأمنية والمليشات (وقال بالحرف ليس تأميمها ومصادرتها) ، وكذلك موارد الدولة المنهوبة خارجياً. ولم تبرح السين الحمدوكية مكانها ازاء هذين الاستهدافين. (راجع اللقاء في الموقع أدناها علي اليوتيوب). وفي ذات اللقاء أكّد حمدوك أن سلام جوبا لن يشبه اتفاقات السلام السابقة التي قادتها النخب (وذكر منها اتفاق الدوحة) لذلك سيذهب هو شخصياً، ضمن تجهيزات اتفاق سلام جوبا ذى المسارات والمحاصصات، الي معسكرات اللاجئين لإشراك ممثليهم ليكونوا جزءاً من مفاوضات السلام (ما لم يحدث طبعاً). كما وعد بتنفيذ دمج الحركات المسلحة في المؤسسة العسكرية. وتجنّب حمدوك الإجابة علي سؤال قانون النظام العام الساري تحت ناظريه. تحدث حمدوك في ذات اللقاء بأنه يقود “إصلاح” داخل المجلس السيادي ومجلس الوزراء ، ولكنه هندس لاحقاً لمجلس الشركاء المريب الذي لإتفاقية سلام جوبا (أو مرّره خوفاً وطمعاً). كلا الأخوين مظراطٌ ، ولكن شهاب الدين الأخير أظرط من أخويه (السيادي ومجلس الوزراء). وضعت عبارة إصلاح أيضاً بين قوسين كونها تعبّر تماماً عن المفارقة الفكرية لخطاب ومصطلحات رئيس مجلس وزراء ثورة ديسمبر ، وكان الأجدي أن يستخدم عبارة “تغيير هيكلي” حتي لا أقول تغيير ثوري. وتحدّث حمدوك ملء فاهه مفتخرا بنموذج شراكة الحكم السودانية (عسكرية مدنية) الفريدة المتفرّدة وأنه لم ينتظر المؤسسات العالمية لتصوغ اتفاقية فى اوسلو او لندن للحكم ، وأن هذا النموذج سيدرّس ، حسب خياله السياسوي الرومانسي، في الجامعات والمعاهد العليا !!! أي والله (راجع لقاء اليوتيوب) . وقال حمدوك أن هذا نموذج سوداني “تسووي مرن” وأكّد أنهم يدرون كيف يجعلون هذه الشراكة نافذة وناجحة وفعّالة، “كون لا أحد يفهم قضايانا أكثر منا”. لكنه عاد الآن في خطابه ومبادرته لينعي ذلك النموذج ويشيّعه الي مثواه الأخير. وتحاشي أيضا الإجابة علي سؤال مقدّم اللقاء حول احتمالات أن يكون برهان وحميدتي ضمن المطلوبين فى المحكمة الجنائية.

إنتبذ نموذج الشراكة مكاناً إماراتياً سعودياً فولد ثعابين سنّت قوانيناً لتلائم مشروع الطبقة العسكرية الجديدة (طبقة الجنرالات الساسة رجال الأعمال) ولقد اعتبر حمدوك هذه القوانين كإصلاحات وشملها بذكره  “الإصلاحات القانونية والسياسية والانفتاح الاقتصادي”. دعنا نسمي بعض هذه القوانين والتي ساهمت في الأزمة السياسية، ومنها:

  1. تكوين لجنة التمكين برئاسة الفريق ياسر العطا.
  2. تكوين لجنة إقتصادية برئاسة حميدتي ، أما د. حمدوك الإقتصادي نائباً له!! عطفاً علي مفهوم الشراكة النموذجية.
  3. تكوين مجلس للسلام برئاسة حميدتي !.
  4. طرح قانون الإدارة الأهلية واقتراح قانون غير ديموقراطي للحكم المحلي لاختراق القطاع التقليدي عبر الوجوه المتكررة للإدارات الأهلية، ومحاولة شرعنتها. ومحمد حمدان دقلو كان رأس الرمح فى ذلك بحثاً عن قاعدة اجتماعية تبارك السلطة الجديدة.
  5. قانون الجرائم الإلكترونية.
  6. مسودة قانون الأمن العام و الأمن الوطني.
  7. في يونيو ٢٠٢١ أُصدر قرارا قضي بتكوين قوي مشتركة من الجيش والأمن والدعم السريع في تجاوز للشرطة بذريعة فرض هيمنة الدولة وهذا بالطبع خرق واضح للوثيقة الدستورية ، وهذا تكتيك ينظم خيوط بقية المؤامرة لمصادرة الحريات واعادة انتاج برنامج الرأسمالية الطفيلية التي تقودها الآن المؤسسة العسكرية التي يراهن عليها رئيس مجلس الوزراء.
  8. سن القوانين التي تتيح تنفيذ سياسات السوق الحر كاملة وإعمال شروط مؤسسات التمويل الدولية مثل قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص والذي ما هو إلا غطاء للخصخصة وإضعاف للقطاع العام وإلغائه تدريجيا الأمر الذي يؤدي إلى إفراغ مبدأ المواطنة أساس الحقوق والواجبات من محتواه بانتفاء المساواة وإحداث تفاوت واسع في الدخول ، والقدرة على شراء الخدمات العامة بما فيها فرص التعليم والعلاج وحتى مياه الشرب النقية وفقدان فقراء المزارعين والرعاة أراضيهم وسبل كسب العيش وهجران الأرض تحت تغول واستيلاء الشركات ورؤوس الأموال الأجنبية.
  9. إعادة بعث قانون ٢٠١٠ (قانون نقابة المنشأة)
  10. إعادة قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005.
  11. قرار حميدتي بتشكيل قوة عسكرية لضبط الإنفلات الأمني داخل العاصمة في تجاوز وتطاول صريح ومباشر كالعادة علي رئيس الوزراء (صاحب منهج الظل) وعلي وزير الداخلية وجهاز الشرطة.
  12. مرسوم دستوري أصدره برهان يقضي منح الحكم الذاتي لولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان.
  13. ضلوع حمدوك في قرار وزارة الخارجية في رفض التوقيع علي ميثاق تجريم فعل الابادة الجماعية وتجريم ارتكاب الجرائم غير الإنسانية.
  14. تعيين أربعة ولاة فاشلين ، ضمنهم والي القضارف عضو المؤتمر الوطني ، مما يدل علي إصرار حمدوك علي المصالحة مع الإسلاميين.
  15. في ختام هذا الفضاء الاول دعنا نؤكد أن حمدوك ومنذ ضربة البداية وبجرة قلم رصاص في مبادرته وفي حالة أقرب إلي فقدان الذاكرة ينعي رهانه السابق ، دون وعي منه، رهان نموذج الشراكة مع المؤسسة العسكرية وحسب مبادرته بأن وطأة “الماضي الثقيلة تركت انقسامات متعددة الأوجه (مدني مدني – مدني عسكري– عسكري عسكري) وقد تفاقمت هذه الاختلافات في الآونة الأخيرة وأصبحت تعبر عن الأزمة السياسية العميقة التي تعاني منها البلاد حالياً.”. هنا يقر حمدوك علي الاقل بأن انقسام (مدني عسكري وعسكري عسكري) قد تفاقم وعبّر عن الأزمة السياسية العميقة. أزعم هنا مرة أخري أن حمدوك لم يعجز عن قراءة ذلك الواقع لمدة عامين كونه كان أراد بالعسكر والفلول خيراً ، ولكن نبحث عن العجز في ذات خطابه ومنطلقاته الفكرية والبراغماتية التي دفعته دفعاً عجولاً نحو الرهان علي شراكة العسكر والإنفتاح الإقتصادي وتجاهل قوي الثورة الحقيقيين وشهدائها.

صيرورة نشوء وتطوّر غول المؤسسة العسكرية الاقتصادية المالية وعنف طبقة لذاتها اسمها جنرالات الساسة- رجال الاعمال:

دعنا نرصد هذه الصيرورة تاريخياً في شكل نقاط:

  1. أنشأ نميري المؤسسة الاقتصادية العسكرية في عام 1982 لخدمة ضباط الجيش السوداني وتقديم المواد الاستهلاكية وإرضاء الضباط المتقاعدين لإبعادهم عن السياسة، حينئذ لم تمتلك المؤسسة العسكرية مصالح تجارية واقتصادية. ورويداً ومع ملابسات هيمنة المؤسسة العسكرية تحول توسّع نفوذ المؤسسة العسكرية الاستخبارتية الأمنية البيروقراطية. (راجع شريف مراد ، الجزيرة)
  2. وبمجيئ عهد الاسلام السياسي تخلّقت النطفة علقة وتخلّقت العلقة مضغة ثم أصبحت بجبروتهم الجمعي عظاما ، فكسوا العظام لحماً ثم خلقاً آخر سمي غول المؤسسة العسكرية الإقتصادية التجارية المالية. حيث تم إنشاء قرابة 600 شركة تجارية عامة تابعة لوزارات اتحادية وللأجهزة الأمنية والجيش، لا تخضع لمراقبة المُراجع العام، وتتمتّع بحرية الصرف خارج الميزانية الرسمية للدولة. كانت هذه الشركات تمثل غطاء للنشاط التجاري لكبار الولاة والضباط في الجيش والأمن، وكانت تعمل في كل القطاعات الاقتصادية. وبدأت تتشكل طبقة رجال أعمال-ساسة في ذاتها ولذاتها ، بمعني آخر لنظرية المعرفة التي تشير الي الشغيلة حيث كوّن هؤلاء طبقات من جنرالات ومليشيات ولوردات حرب حكموا بالسيف والنار وبالإبادات وتدفع لهم الراسمالية المعولمة في الاتحاد الأوروبي المتأمرك عبر مباركة خادمهم الإتحاد الأفريقي أموالا طائلة ليحاربوا نيابة عنهم في اليمن وليبيا وافغانستان و”كردف-دارفوران” . تحوّلت هذه الطبقات الحاكمات الحكّامات المتطفلات الي فئات لا تستطيع أن تترسمل بإحسان دون العنف الدموي البشع حتي الإبادات. رغم ذلك تحلم أن تعمل كطبقة لذاتها في مأمن من ويلات المجتمع الديموقراطي الواعي في الوسائط الإجتماعية والسياسية والنقابية ولجان المقاومات في شقيْ الكوكب المعولم.
  • علي المستوي العالمي سعت برامج التحرير الاقتصادي اللبرالي الجديد الي فرض روشتات اقتصادية ينفذها الصندوق والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية منذ نهاية الثمانينات حتى الآن، بداية من برنامج الإصلاح الهيكلي ، ومرورا ببرامج واستراتيجية الحد من الفقر، وإنتهاءً بما بات يُعرف بمشاورات المادة الرابعة. في كل هذه البرامج والسياسات نصّ الصندوق والبنك الدوليان على أن الشرط الأساسي لنجاح البرنامج هو أن تتم عمليات الخصخصة وبيع المؤسسات العامة وفتح الأسواق في ظل شفافية تامة، طمعاً في أسواق الجنوب الكوني ومواردها الخام وخوفاً من شره راسماليتها التابعة وعسكرياتها المنفلتة “الإرهابية” التي رعتها العولمة لتحارب بالنيابة عنها عدوها التاريخي القديم المتجدّد (راجع شريف مراد) ؛ وكلها صناعة آيديولوجية مخترعة.
  1. هكذا بدأت المؤسسة العسكرية “في التغول والدخول بشكل مباشر في القطاعات الاقتصادية مع غياب الشفافية وصعوبة توافر المعلومات والتقارير حول حجم المصالح الاقتصادية للجيش وحجم إسهامه في الناتج المحلي السوداني، حيث بات الجيش السوداني والأمن والدعم السريع يمتلك اليوم شركات ومصانع تصل إلى كل المجالات الاقتصادية، بداية من التصنيع الثقيل والخفيف، مرورا بمجالات التأمين المالي والمصارف، وحتى مجال إنتاج الأغذية، فضلا عن شركات المقاولات والإنشاءات العقارية، وصولا إلى مجال صناعة الأدوية، وحتى شركات الدعاية والإعلان. ورغم عدم توفر دراسات وبيانات دقيقة يمكن الاعتماد عليها لدراسة حجم الاقتصاد السياسي للجيش السوداني، فإن الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري الانتقالي أعطى إشارة بالغة الدلالة عن حجم اقتصاد الجيش نسبة إلى مُجمَل الاقتصاد السوداني حين صرّح قائلا: “الجيش والدعم السريع يُدِيرون اقتصاد البلاد بأموالهم الخاصة” (شريف مراد). تلك هزيمة أساسية للثورة ظل حمدوك يتجنبها باستمرار ، مرة بتثمين دور المؤسسة العسكرية في الثورة والشراكة مع هذا الجسد السرطاني، ومرة بتجاهلها، ومرة بتثبيت حقيقة ان هذا الجسد خارج الدولة.
  2. نحن اذن إزاء مفاهيم وممارسات تخص البنية الاقتصادية السياسية الطبقية السودانية لاعلاقة لها باللبرالية الجديدة والقديمة والاقتصاد الرأسمالي المعولم حيث يتم تغييب حكم القانون والمؤسسات والشفافية وحرية وعدالة المنافسة السياسية والاقتصادية الي آخر ما وثّقه الإقتصاد النيوكلاسيكي في نقد الراسمالية المعاصرة بقيادة راس المال المالي في قاعات الدرس الجامعية وفوق الجامعية ومراكز البحوث وعرّاه حَمَلة جوائز نوبل من جوزف ستغليز لغاية توماس بيكيتي. أقصد هنا وحسب شريف مراد أن “سيادة الاقتصاد العسكري والامني هو نهاية الدولة وهو الاخطر علي الاطلاق” … ومن هذا المنطلق الفكري والبراغماتي والأيديولوجي الرصين الرحيم العادل نطرح مقترحاً الي ثوار ديسمبر وجماهير الاحزاب التي تعاني المر رغم غيبوبة بعض قادتها. المقترح هو أن تطرح قوي ثورة ديسمبر من لجان مقاومة وتجمع مهني وأحزاب الآن وهنا شعار اسقاط المنظومة العسكرية الاقتصادية المالية وضمنها راس المال الاسلامي المصرفي ، وليس إعادة هيكلتها او إصلاحها. هذا هو المشروع الثوري القاطع الآن.
  3. لقد أصبح التحرير الإقتصادي الذي تسوّقه مؤسسات العولمة مطية لإعادة انتاج المؤسسة العسكرية والمليشيات، وأنتجت وضعاً لاعقلانياً بمنطق اللبرالية الجديدة ذات نفسه حيث “لم تستطع مؤسسات القطاع الخاص تكوين درجة من الاستقلالية مع وجود المؤسسة العسكرية التي فرضت مناخا شبه احتكاري على القطاعات الاقتصادية الكبرى في السودان” كما وضّح شريف مراد.
  • ورث رئيس وزراء الثورة واقع لئيم ولكنه استخدم منهج الظل (الدخل القش وما قال كَشْ) ؛ ومن الواقع أن الدولة العميقة تم فيها إحتضان واستثمار رجال الأعمال العسكريين لقوات الدعم السريع (الجنجويد) لتحارب نيابة عنهم كون مؤسستهم ما فاضية من البزنس ولها دنيا تصيبها خارج وظيفة المؤسسة العسكرية التقليدية المعروفة. لذلك كوّن حميدتي “إمبراطوريته إقتصادية عبر ميزانية مباشرة من عمر البشير خارج رقابة الدولة، ما منح قائد الدعم السريع امتيازات غير مسبوقة بعلم الدولة السودانية وعلى سمع النظام وبصره”. (شريف مراد). وباتفاقية جوبا كرّرت الحكومة الإنتقالية ذات المنهج والفلسفة لضم الحركات المسلحة الي ذلك الإرث السقيم.
  • “لقد تحصّل حميدتي على تمويل ضخم من السعودية والإمارات مقابل مشاركة جزء من قواته ضمن التحالف العربي في اليمن… كما ثبت حصول مقربين منه على أموال من الدولتين الخليجيتين من خارج الموازنة. ومع مرور الوقت اتجه حميدتي نحو تعظيم موارده المالية واستغل الضوء الأخضر الذي منحه له النظام القديم علي جبل من ذهب أخذه “إيدية” من ضريب دمّه موسي هلال زعيم المحاميد. هكذا استمرت آليات تهريب المعدن اللامع وتحويل الأموال لحسابه الخاص وحسابات المقربين منه وقواد الميليشيات الموالين له”.ومن خلال صناعة حميدتي تتم إعادة إنتاج قاعدة إجتماعية وحاضنة قوامها الأبوية/العشائرية والطائفية وجماعات الاسلام السياسي.
  1. تري كيف ينجح “الإنفتاح الاقتصادي” الذى تغنّي به حمدوك ومشروع المؤسسات العالمية (سياسات التحرير الاقتصادي والسوق الحر) التي تطلب الشفافية والحوكمة ازاء هذه البنية؟ لكن د. حمدوك “غطي دي بطينة ودي بعجينة” وتناسي ضرورة أن تفرض الشفافية حول تفاصيل شركات المؤسسات العسكرية المالية والإقتصادية التي أصبحت دولة داخل الدولة.
  2. منهج الظل ومنهج رزق اليوم باليوم كمشاريع المحفظة ومشروع ثمرات الإحساني الإغاثي تنطلق من تهرّب واضح من الإعتماد علي منهج تنموي إقتصادي يعتمد علي الموارد الذاتية علي المدي القصير والمتوسط. من الواضح أن هذه المشاريع قد تم طرحها “فقط لتمرير خطة إلغاء الدعم دون التفكير مطلقًا فيما إذا كان قابلا للتنفيذ أم لا” ( عباس عبد الكريم). كما أن مقترح تحويل خمسة دولارات شهريا للفرد يشكل 8.5% فقط من الحد العالمى لخط الفقر!!. لاحظ د. عباس عبد الكريم أن من سمات الحكومة الانتقالية ، منذ البدء ، هو اتخاذ التضليل كنهج فى العمل السياسى والادارى. الشفافية – كمقابل للتضليل – تتطلب القدرة على المواجهة ، وذلك ما ينقص الحكومة سياسيا وفكريا. فحينما يصرح رئيس الوزراء بان “السودان سوف يعتمد على كوادره الوطنية وموارده الذاتيه” ، كان المعنى عكس ذلك تماما. وحينما يتم التحضير للمؤتمر الاقتصادى ويخرج بتوصيات” يكون  د. حمدوك سلفاً قد وقّع قبل ذلك بايام مع صندوق النقد الدولى” (د. عباس عبد الكريم).

هذا النموذج الاقتصادي الجديد ، نموذج الساسة- رجال الأعمال ، يعد بذاته دليلا على فشل الدولة بعد ثورة ديسمبر التي كان عليها أن تبدأ في نسج خيط ناظم لعملية ديموقراطية حديثة تخرجنا من العبث والفهلوة والطفيلية حيث أصبح قادة المليشيات فوق الجميع. وفقا لتقرير مجلس الأمن، الأمم المتحدة ، 22 سبتمبر 2016 أن موسي هلال يتحصل علي مبلغ 54 مليون دولار سنوياً جراء سيطرتهم علي مناجم الذهب (راجع الفاضل الهاشمي ، التدخلات السياسية في تعدين الذهب ، 2017)، فآلت تلك الثروة الي الدعم السريع الذي ناب عن الدولة في “منع الهجرة غير الشرعية من وإلى السودان، إذ حصلت الميليشيا على مئات ملايين الدولارات من الإتحاد الأوروبي على مرأى البشير ومسمعه مقابل حراسة الحدود ومنع الهجرة إلى القارة العجوز. كانت نسبة كبيرة من أموال أوروبا تذهب مباشرة لحسابات خاصة يشرف عليها حميدتي ولا تقع تحت رقابة الأجهزة الحكومية في السودان ولا تدخل في الموازنة العامة للبلاد. وللمفارقة، فإن هذا التراجع الملحوظ للدولة السودانية بدأ منذ بدء إستراتيجية التمكين التي عصفت بمفهوم الدولة البرجوازي بوصفها بنية عقلانية مؤسسية محايدة لها استقلال نسبي عن التيارات السياسية، وعصفت بالقدر نفسه بمفهوم السوق الحر حين أدارته بطريقة استحواذية من أعلى و”منعت قيام قطاع خاص فعال ومجتمع مدني قوي، هذا الفشل قوّض الدولة وتسبب في صعود الميليشيا العشائرية ونموذج سوق الأعمال السياسي الذي تسبب في تحول الوظائف العامة للدولة إلى سلع تُباع وتُشترى في الأسواق مثلها مثل أي سلعة” ( شريف مراد). ليس هناك صوت عالي من الشق المدني للحكومة للتنبيه والحد من نموذج اقتصاد المليشيات وظاهرة الساسة- رجال الأعمال. منهج الظل الذي تبناه رئيس مجلس وزراء الثورة أنتج “تغابي العِرْفة” في تجميع قوي الثورة الحقيقيين مثل عشرات النماذج التي ذكرناها في هذا التفكيك ، فأختار أن يشير في مبادرته الي إعوجاج الظل دون عوده كون هناك أزمة انشقاق مدني-مدني ، ومدني عسكري ، وعسكري-عسكري وظلّ طوال أغلي عامين بعد ثورة يُضاير العيوب ويبارك أو يصمت عن الهفوات. جاء في أثر الطرفة/الحكمة الشعبية  ، أن فلان  يملك نعجة واحدة لا شريك لها وان ابن عمه يمتلك عشرات من النعاج ، فرأي أن يتركها معه ترعي ضمن قطيعه. بعد إنقضاء اسبوع من ذلك التاريخ إتّصل به ابن عمه قائلاً ان الذئاب قد أكلت نعجتك. رد عليه صاحبها “لعل الذئاب لم تجد عنتاً ومشقة وهي تبحث عنها وسط نعاجك”. والمجاز المراد من الحكمة أن هناك تحالف بين ابن العم حامي (حمي الثروة والثورة) إفتراضياً وبين الذئاب كونهم تكنوقراط وراسمالية طفيلية (مدنية وعسكرية). يبدو في حديث النعاج هنا أن الذئب بريئ من دم النعجة ودم بن يعقوب ذات نفسه ، ولكن العظة والحذر واجب من تحالف الذئاب الجدد.

 

نحو تفكيك خطاب ومشروع رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك

(فرضيات ومنطلقات الخطاب الفكرية وتجلياتها)

(3 من 6)

الزهد في الرهان علي الطاقة الكامنة في ثورة ديسمبر/

حسمت ثورات النيل المعادية للإستعمار والثورات (الإنتفاضات) الحديثة في السودان مفهوم وموضوعة “التحول الديموقراطي البطيئ الذي يتم من خلال مفهوم الإصلاح ، وأثبت أن الثورة وليس غيرها هي التي يمكن أن تنقل الشعوب من الديكتاتورية إلى الديمقراطية”. هذا هو “نص” ثورة ديسمبر ومنطقها الداخلي كسقف أعلي ثوري استمر حوالي نصف عام من الإختمار الثوري ، أما “السياق” التاريخي الأقليمي والدولي فكان غير مواتٍ ، لذلك تجاهله الثوار ولم يلووا علي شيئ (بتصرف من السيد يسين ، ثورة 25 يناير المصرية).

كان مطلب ثوار ديسمبر الذي عبرت عنه الوثيقة الدستورية أن يقوم المجلس العسكري الانتقالي الذي سيطر علي السلطة بانقلاب عسكري بنقل السلطة للقوي المدنية بصورة كاملة غير منقوصة بقيادة تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت) كشرط أساسي لبداية تصفية النظام الشمولي وتحقيق السلام وبدء الإصلاح الإقتصادي وترسيخ الديموقراطية. وحين إانقسمت قحت والتجمع المهني إنحاز حمدوك الى مواقع وخطاب وايدولوجيا تخصه وتخص مستشاريه وجماعة الهبوط الناعم داخل قحت، وكان جوهر رؤية ذلك الخطاب هو عدم الرهان علي الحركة الجماهيرية المتصاعدة لحماية الثورة ومنجزاتها وذلك بتفكيك معاقل  المؤسسات الأمنية الاستثمارية وشركاتها وشركات الدعم السريع التي طغت وتجبّرت في الاستثمار في الإتجار بالسلع الاستراتيجية من دقيق وصمغ ولحوم والمضاربة والسمسرة والمرابحة والتهريب وخارج وزارة المالية والبنك المركزي لغاية الجمارك والضرائب وأصبحت مؤسسات تبيع وتشتري في كل الأسواق المحلية والأقليمية.

لم يشمل خطاب حمدوك أو رؤيته تصفية شركات الجيش والأمن والمليشيات وانما مراجعتها وإصلاحها. تجاهل خطاب حمدوك ورؤيته بداهة لا تخفي عن عين الإنسان العادي أن تلك الفئات من القوات المسلحة التي وقفت مع ثوار ديسمبر المعتصمين/ات في القيادة العامة حين دارت معركة بين القوات المسلحة وقوات جهاز الأمن وسقط فيها جرحي وقتلي من الجانبين، تجاهل أن تلك الفئات الثورية داخل القوات المسلحة قد تم الزج بهم في السجون ، ومنهم من تم فصله وإبعاده من الخدمة .!!

انطلق حمدوك من فكر وخطاب التسوية وورثة الدولة العميقة لذلك إنحاز الي برنامج الرأسمالية الطفيلية التجارية الجديدة والقديمة الماثلة ، كون رؤية حمدوك وخطابه ( وبالطبع استراتيجياته وتكتيكاته) لاعلاقة لها بتفكيك النظام وتصفيته ومحاسبته. لا غرو أن يرفع عقيرته باكراً أنه “رئيس وزراء للجميع” وكأنه رئيس وزراء منتخب وليس رئيس وزراء أتت به ثورة. كان ذلك مفهوما وسقفاً واطئاً وخفيضاً ومرتبكاً تجلي منذ البدء.

مشاهد تعكس زهد حمدوك في الرهان علي مطالب ثوار ديسمبر:

أولاً: 

ترك المؤسسة العسكرية الإشراف علي ملف السلام ، وهم تاريخياً جزء لا يتجزأ من الحرب الأهلية ، ثم التلكؤ في إكمال مفاوضات السلام مع أهم حركتين مسلحتين هما الحركة الشعبية شمال (جناح الحلو) وحركة تحرير السودان (جناح عبد الواحد).

ثانياً:

التردد في تشكيل المحكمة الدستورية ومجلس القضاء والمفوضيات (ومنها مفوضية الفساد) ، فتعطّلت محاكمة رموز النظام البائد ؛ كما لاذ حمدوك ولجنة نبيل أديب للتحقيق في مجزرة فض الإعتصام بالصمت المطلق. والموثّق أن الكباشي ذكر بعضمة لسانه في مؤتمره الصحفي بعد مذبحة 3 يونيو 2019 “ومن ثم وجهنا القيادات العسكرية والأمنية بفض هذا الإعتصام”. وكذلك اعتراف عائشة موشي عن وجود 1400 جثة ، الأمس نحنا حفرنا ليهم المقابر ، شفتوها انتو في التلفزيون، ديل ألف واربعمية جثة غير التانين الفي المشارح التانية”. (راجع عشاري أحمد محمود خليل، قضايا المخفيين قسرياً ، منشورات البداية). تري كيف يتثنّي أخلاقياً ونفسياً أن تكون رئيس مجلس وزراء وانت تري بأم عينيك جثث شهداء تعفّت في المشارح دون إجراء تحقيق عاجل وهناك حركة مقاومة قوية وثابتة وأسر شهداء ومنظمات وأحزاب إعتصمت أمام تلك المشارح.

ثالثاً:

في ذكري ٣٠ يونيو ٢٠٢٠ ذكر حمدوك في خطابه “إنني أعيد التأكيد على التزامات الحكومة المبدئية بتحقيق العدالة والقصاص الذي يضمن عدم تكرار الجرائم التي تم ارتكابها خلال الثلاثين عاما الماضية في حق أبناء شعبنا، ومحاربة سياسات الإفقار المنظم لصالح سياسات اقتصادية متوازنة تضمن التنمية وعدالة توزيع الموارد وتوفير الخدمات الأساسية للجميع، وتحقيق السلام الشامل والعادل والدائم في السودان والسعي لإسكات صوت الرصاص في الساحة السياسية السودانية إلى الأبد، وضمان سيادة حكم القانون والعدالة في ربوع البلاد بشكل جذري لا مساومة ولا تهاون فيه (راجع مصدر سكاي نيوز ارابيا). ”

هذا في ظاهر الخطاب علي سبيل المداهنة وحلو الكلام. أقول ذلك لأن باطن الخطاب تمثّل في رفضه لتوصيات المؤتمر الإقتصادي ، واللجوء الي فتات برنامجي ثمرات وسلعتي ، وتبني موازنة 2020 التي لاعلاقة لها ب ” محاربة سياسات الإفقار المنظم لصالح سياسات اقتصادية متوازنة تضمن التنمية وعدالة توزيع الموارد وتوفير الخدمات الأساسية للجميع” ، لأن نصيب المؤسسات العسكرية والأمنية (التي استولت وسيطرت علي موارد الدولة ولا تود إرجاعها ، ثم فى ذات اللحظة تأخذ من الخزينة العامة مرتباتها ومخصصاتها وامتيازاتها الضخمة) من جهة ونصيب الصحة والتعليم في الموازنة كانا مخيّبين للآمال الثورية الديسمبرية. . وأمام إصلاحات صندوق النقد والبنك والمجتمع الدولي ال “مؤلمة وشاقة” طرح حمدوك أن حكومته شرعت في تنفيذ “برامج لدعم الأسر وتقديم المعونات المالية للأكثر عوزا وللفئات الزراعية والعمالية المنتجة في الأرياف والمدن.” يتضح من رؤية حمدوك أنه قرّر قبول وصفة “مجموعة أصدقاء السودان” التي أسستها عدة دول بمبادرة ألمانيا لإعادة دمج السودان ضمن المنظومة الدولية بعد العزلة” ، قرر قبولها دون شروط. (راجع موقع الامم المتحدة).

رابعاً:

رغم ذرائع خطاب الشفافية التي تدرّب عليها حمدوك في تجربته مع المنظمات العالمية أصرّ علي أن يقضي أمور الإنتقال بالكتمان الشديد طيلة عامين ، ولم يرمش له جفن أمام جثامين الشهداء المتعفّنة ، ولم يكلّف نفسه مقابلة جموع المتظاهرين في ٣٠ يونيو ٢٠٢٠ ، أو مزاهرات المفصولين من الشرطة وأسر الشهداء. الشاهد أن تلك التجمعات والتظاهرات المطلبية السلمية صحبتها أعمال عنف من الشرطة وإغتيالات وكوّن حمدوك لجان تحقيق تموت يوم تكوينها ولا نسمع عنها كثير شيئ. حينئذ كان حمدوك مشغولاً بمقابلة السلفيين وبإعفاء وزير الصحة أكرم علي التوم وأجبر ستة وزراء علي الإستقالة منهم ابراهيم البدوي، ثم تمت استقالاتهم بدون شفافية يبين فيها تقييم أعمالهم.

قال الخبير الأمني، اللواء المتقاعد عابدين الطاهر، لموقع الحرة، إن مسيرة 30 يونيو 2020 هي “مسيرة شبابية نيرة لتصحيح مسار الثورة، وما جرى شيء مؤسف رغم أن الشرطة في عهد الحكومة الانتقالية شهدت نقلة نوعية في تعاملها مع التجمعات والحشود”. وتخلل التظاهرات مقتل أحد المحتجين في مدينة أم درمان شمال شرق الخرطوم، وأعمال عنف بمناطق أخرى، منها ولاية شمال دارفور. وقال الناشط السوداني عثمان الجندي لموقع الحرة إن المتظاهر قتل في أم درمان برصاصة مجهولة في الصدر. وأفادت تقارير أيضا بدهس عربة للشرطة أحد المتظاهرين قرب مبنى البرلمان في أم درمان. ولم تقتصر أعمال العنف على العاصمة السودانية، بل طالت مناطق أخرى منها كبكابية بولاية شمال دارفور.

ويسألونك عن نتائج التحقيق في في مقتل متظاهرَين شاركا في تجمع الثوار وأسر الشهداء في 11 مايو 2021 بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لفض الاعتصام ، وفي ذات اليوم  صدر تويت من مكتب رئيس الوزراء يقول أن “رئيس الوزراء بعد الاجتماع الطارئ الذي عقده مساء اليوم عقب جريمة استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين السلميين بمحيط القيادة العامة يوجِّه بتسريع تسليم المطلوبين للعدالة بصورة فورية ودون إبطاء”.

خامساً:

في خطابه خلال المناقشة العامة للدورة الخامسة والسبعين للجمعية العامة للامم المتحدة في سبتمير 2020 ذكر حمدوك أن حوار سلام جوبا “ليس للسلام ووقف الحرب فحسب، بل لوضع المعالجات الشافية لكل مسببات النزاعات ومعالجة جذورها” !!!!. وفيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان ذكر إن الوثيقة الدستورية أولت عناية بقضايا حقوق الإنسان وتم “تخصيص فصل كامل للحريات والحقوق، وإنفاذا للوثيقة، قامت الحكومة الانتقالية باتخاذ عدد من الخطوات الإيجابية لمعالجة التشوهات التي لحقت بهذا الملف طيلة فترة الحكم الشمولي السابق. وفي مقدمتها: إلغاء عدد من القوانين المقيّدة للحريات، وتعزيز دور المرأة في المجتمع، وحماية حقوقها، وإتاحة حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي ومحاربة ظاهرة الإفلات من العقاب”… واكتفي حمدوك بالصمت حول تلك الوعود ولماذا تعثّرت ، بينما حين إختار مخاطبة الشعب بدأ متفائلاً بوجود ضوء فى آخر النفق ، وبعد أقل من يومين تغيّر التفاؤل وتلك القناعة 180 درجة الي أن هناك أزمة شاملة.

سادساً:

ومن المآخذ علي حمدوك :  التلكؤ والتسويف والتردد في عدم إتخاذ القرارات الثورية. أسلوب “الغتغتة ” وعدم الشفافية.علي سبيل المثال لا الحصر : فرط في ملفات السلام و السياسة الخارجية والاقتصاد وتركها جميعا للمكون العسكري ؟ لم يخرج حمدوك للثوار ومخاطبتهم حول مجمل سياساته أو القرارات التي انفرد بها برهان، وحول هروبه من الرد علي السؤال الملح من الجماهير ومن العالم الجليل بروف محمد الأمين التوم حول إبعاده من وزارة التربية والتعليم. أما إزاء إعترافه الأخير بأن هناك انقسامات عسكرية-عسكرية ، ومدنية-مدنية ، وعسكرية-مدنية ، كان عليه أن يقف مع المعسكر الثوري والصحيح ، فليس كلا المعسكرات علي خطأ. قرر حمدوك أن هناك “كيانات تاريخية” ، و “وكتلة تاريخية” وتارة كتلة التغيير، وهؤلاء عينهم مستشارين دون أن يوضّح أين موقفهم من الإنقسامات.

الإصرار علي تبني نسخة اللبرالية الجديدة المفروضة علي السودان:

لا البنك المركزي ولا وزارة المالية والتخطيط والبنوك تستطيع تلبية طلب الراسمالية الطفيلية (داخل السلطة وخارجها) علي النقد الأجنبي لأن الطفيلية تعمل علي ” تصدير (او تهريب) الاموال للخارج ، ورأس المال الطفيلى ، وعلى راسه الشركات العسكرية ، يسعى لتهريب الاموال للخارج. وايضا اخرون لا يرون اماناً لاموالهم فى السودان ولا ضمان لحفظ قيمتها”. لذلك لن تستطيع الحكومة التحكم في سعر الصرف ما لم تتحكم في وتسيطر علي منافذ دخول وخروج النقد وهو السيطرة علي الصادر والوارد ، التي تتحكم فيها الراسمالية الطفيلية عسكرية ومدنية (د. عباس عبد الكريم). ينطلق منهج د. حمدوك من “تقليص دور الدولة والقطاع العام فى الاقتصاد” ولا علاقة له ب”وجود قوى لدولة تنموية قادره على السيطرة على تجارة السلع الرئيسية وعلى القضاء على الفساد والتهريب وعلى توجيه الاقتصاد لمصلحة أغلبية السكان” . وبالمناسبة هذا الوضع الطفيلي والإقتصادي وغياب البني التحتية من (مفوضيات قانونية ، ومصرفية وتهريب وطرق وكباري ومطارات) لن يشجع ذلك تدفق الاستثمارات الاجنبية المباشرة ، اللهم الا من الطفيليين والسماسرة الأجانب (د. عباس عبد الكريم).

لن نمل من استصحاب رأي عتاة اللبراليين الجدد حملة جائزة نوبل والآن فى معيّة جوزيف ستغليتز حامل جائزة نوبل واكبر موظفي البنك الدولي الذي زعم أن الحِجاج وسط الاقتصاديين النيوكلاسيكيين (تقرأ النيولبراليين) حول سرعة الإصلاح الاقتصادي يدور بين تيارين هما دعاة العلاج بالصدمة ودعاة التدرج. وحسب ستغليتز أن الأمر الأهم ليس هو سرعة الإصلاح وانما “ديناميات الإصلاح وترتيبها الزمني ، ثم سرعة عمليات الإصلاح. وأن النظرية الاقتصادية التي تركّز علي حالة التوازن والنمذجة المثالية ليس لديها ماتفتي فيه حول هذه الديناميات. مع ان تكنوقراط صندوق النقد يصرون علي اقناع الدول التي يتعاملون معها بعيد عن هذا الفهم الاقتصادي” (ستغليتز ، 162، العولمة والسخط منها). أصر هنا بشدة علي إستنطاق ستغليتز كون من يديرون دفة التطبيق الأعمي لروشتة الصندوق في الحكومة الإنتقالية هم تكنوقراط لايرون غير نماذج وشروط صندوق النقد التي ينتقدها بوضوح ستغليتز. إذن الإصلاح الاقتصادي الذي يصر علية تكنوقراط الحكومة الانتقالية يتمحور حول سرعة التطبيق والتسرع المهلك لإرضاء الصندوق وشروط الراسمالية الطفيلية التي يقودها الجنرالات من جهة وتجويع الشعب من جهة اخري. الجدل وسط الليبراليين الجدد هو حول منهج ورؤية وطريقة الاصلاح من حيث من يدفع ثمنه الباهظ ؟ الثوار الغلابة المسحوقين وذوي الدخل المحدود أم الراسمالية الطفيلية .. ان طريقة تكنوقراط الحكومة الانتقالية لإرضاء الراسمالية العسكرية الطفيلية لن ينجز نمو ولا تنمية حتي بمنطق الليبراليين الجدد. أنهم كمثل يطلب المستحيل ويريد عبور حفرة قفزاً بتنفيذ قفزتين في الهواء لتجاوز الحفرة. يذكرنا استغليتز أن “سياسات الصندوق نادراً ما تتحدث عن الفقر الناجم من الروشتة كما أنها تتجاهل الآراء التي تنتقدها حين كتب أن الصندوق “لا يتيح نقاشاً مفتوحاً شفافاً. تصدر سياسات الروشتة من منطلقات ايديولوجية ، وما علي الدول الا اتباع موجهات الصندوق دون نقاش. هذه الطريقة تقض مضجعي، ليس لان تلك السياسات تقود الي نتائج سيئة ، ولكن لأن تلك الطريقة غير ديموقراطية” (ستغليتز ، ص 14 ، مقدمة الكتاب) .. لاحظ اننا هنا ننطلق من ارادة ثورية وليس ديموقراطية فقط كما قال ستغليتز. وبين تخوّف وعجلة تكنوقراط السودان في تطبيق الروشتة يتم بيع مطالب الثوار ، وستعود الشوارع التي تم تجويعها الي هيجانها مرة اخري عاجلاً أم آجلاً.

فاتورة تعجّل د. حمدوك وتكنوقراطه في تطبيق روشتة صندوق النقد سيدفعها أكثر من 90% من السودانيين الكادحين الرازحين تحت خط الفقر. كتب جوزف ستغليتز “الآن حتي صندوق النقد اعترف انه قد روّج بتطرف لليبرالية ، كون لبرة (تحرير) الاسواق المالية والمصرفية ساهم في الازمة المالية العالمية في نهاية التسعينات ١٩٩٠ ومثل هذه السياسات يمكن أن تدمر تماما الدول الصغيرة” (ستغليتز ، ص 59). يذكرنا استغلتز ان تلك السياسات جعلت ثروات دول غنية في مواردها مثل الكنغو (زائير سابقا) ونيجيريا وسيراليون تستخدم لتفجير الفساد وعملت نخبها الممتازة في سباق محموم للسيطرة علي ثرواتها، وكان ذلك تحت قيادة الصندوق.

الحمد لله الذي حلّ عقدة من لسان حَمَلةْ جائزة نوبل أن يذكروا مصطلح “الراسمالية” بعد زوال الحرب الباردة دون أن تتلعثم ألسنتهم. لقد كتب ستغليتز عن “راسمالية المحسوبية” والكليبتوقراطية كمنظومة متكاملة من النهب الفوضوي (ص 161) ، نهب من الممتازين المتسلطين للجميع ، وهذا ما يتم عندنا حتي بعد ثورة ديسمبر 2018 من عصبة الحزب الحاكم الدموي السابق خارج السلطة الإنتقالية وداخلها معاً.

يذكرنا ستغليتز بأن اهتمام “صندوق النقد بالإقتصاد الكلي، وبالتحديد التضخم جعلها تتجاهل قضايا الفقر والظلم (اللامساواة) وراس المال الإجتماعي” (ص 161) والصندوق يعلم جيداً أن أثر التضخم علي الفقراء هو قاصمة الظهر.

وحول تجربة البنك الدولي فى روسيا يقول ستغليتز أن البنك يصر علي روشتته المعهودة حول “الإستقرار، والخصخصة وسياسات التحرير” ، وحين إتضح أن روسيا تحتاج الي مؤسسات قوية لم تكن في جعبة البنك أي اقتراحات بهذا الصدد. ولم تكن للبنك الدولي حسب ستغليتز استراتيجية لمحاربة الفقر أو لتعزيز النمو ، خاصة أن جل الفقر فى روسيا كان في الريف. تكنوقراطنا الآن يتبارون علي تنفيذ أوامر المؤسستين لأن في إعتقادهم أن الحل بيد الخارج وحده لا شريك له لمزيد من النهب والخصخصة وليس فى موارد الدولة الداخلية التي يجب إعادتها للدولة. لقد اقترح البنك الدولي مثلا في روسيا أن يتم إرجاع رؤوس الأموال التي هاجرت من روسيا دون تصفية وتفكيك بنية الدولة العميقة المهيمنة علي الاقتصاد الروسي من أوليغارشية ولصوصية طفيلية (كليبتوقراطية) ورأسمالية المحسوبية/ المافيا. أما في حالة السودان فان حمدوك يصر بعد ضياع عامين من السلحفائية إرجاع رؤوس الأموال المنهوبة في الخارج دون أن يفكك بنية الفساد الداخلي من لصوصية طفيلية ومافيا التهريب وسرقة موارد الدولة داخل المؤسسة العسكرية ومليشيا الدعم السريع والراسمالية الطفيلية والذي لن يتحقّق إلا باستثمار كامن سطوة منظمات ولجان وأحزاب ثورة ديسمبر. اذا كان هناك إنقسام مدني-مدني أين تقف أنت من منطلقاتهما مقارنة بمنطلقات مطالب ثورة ديسمبر؟. لماذا تراهن علي العمل مع قسم واحد من الحاضنة (وهم التسوويين القدامي/الجدد) وأنت تعلم جيداً أنهم يتحالفون مع جنرالات الجيش والمليشيا؟. أنت إذن جزء لا يتجزأ من الأزمة. يذكرنا ستعليتز من التجربة الروسية وعلاقتها مع البنك وصندوق النقد “أنها إنتقلت من دين وأيديولوجيا ماركس الي دين الأسواق الحرة وقد حلّت البراغماتية الجديدة محل بريق ولمعان الآيديولوجية القديمة” (استعليتز ، ص 189) ، أما د. حمدوك فأنه وبتعجّل قياموي يعيد إنتاج ذات آيديولوجيا السوق وبراغماتيتها التي طبقها النظام القديم البائد نظرياً ورفضتها ثورة ديسمبر. “لقد فشلت سياسات العولمة في تخفيف حدة الفقر وكذلك في تحقيق الاستقرار الاقتصادي” (ستغليتز ، ص٦) . مارست الدول الغربية النفاق في افضل حالاته (والكلام لستغليتز وليس كارل ماركس) حين فرضت علي الدول النامية ازالة السياسات الحمائية والجمارك ولكنها احتفظت لنفسها بفرض سياسات حمائية علي الزراعة وسلبت الدول النامية من المنافسة وزيادة صادراتها الزراعية ؛ وكذلك تصر علي عدم دعم تلك الدول النامية لمنتجاتها الصناعية (ص ٧) . وحين تفشل السياسات الزراعية وسياسات البني التحتية التي توصي بها مؤسسات البنك والصندوق او الدول الغربية ومستشاروها ، ويتم تمويلها من البنك الدولي يكون لزاماً علي الدول الفقيرة أن تدفع ذلك الدين ، الا في حالة إعفاء الديون (ص ٨) التي نهلل لها ولا ندري أين ذهبت ولا تود الحكومة الانتقالية فتح ملف يسمي المسؤولون الذين نهبوا تلك المليارات.

أزمة حمدوك الفكرية والأخلاقية انه يتبني مفهوم للعولمة والانفتاح الاقتصادي مطابق لمفهوم وزراء المالية واصحاب المصلحة الخاصة وصندوق النقد والبنك والشركات عابرة القارات التي ترعي مصالح التجارة العالمية وحركة راس المال والبضائع والتقنية. اقول أخلاقية لأنه رئيس مجلس وزراء الثورة ومتوقع منه ان يتبني مقررات وتوصيات اللجنة الاقتصادية وليس تسفيهها. ان المصالح الاقتصادية الضيقة التي تدفع مؤسسات العولمة الي صياغة وفرض قوانين مثل تحرير الاسواق المالية والمصرفية ، ذات القوانين التي تلغي سيطرة النظام المصرفي المحلي علي حركة تدفق رؤوس الاموال من والي دولنا. هناك النموذج الأسيوي مثلا الذي يفتح براحاً للحكومة التي تعتمد علي السوق أن تتخذ دوراً نشطاً في تخلّق وتكوين الاسواق مثلا ترويج تقنيات تكنولوجية جديدة وأن تقنن للشركات احترام رفاهية شعوبنا وعمالنا. تلك رؤية أسيوية (بنك التنمية الأسيوي مثلا) مغايرة لنموذج توافق واشنطن حول النمو والتنمية (ستغليتز ، ص ١٠).

يقود حمدوك شخصياً مشروع التحالف الاقتصادي السياسي الذي يطرحه وينفذه تكنوقراط الفترة الانتقالية ضمن تحالف عسكري مدني وراسمالية طفيلية تخطط لوراثة ذات البنية الإقتصادية أو مايسمى بالهبوط الناعم أو/و الدولة العميقة، وهو مشروع آيديولوجي اقتصادي سياسي بجدارة. قوام هذا المشروع ولحمته وسداه استغلال بشع للغالبية المسحوقة تحت خط الفقر ولن تغني من جوع خمسة دولار شهريا لا تكفي وجبة الفول. وصدقت عبارة الشاعر القدال رحمه الله :

مراحك يعشى ويفشى

خضارك مرطب يندّى الضهارى

ترابك يقوّم دخن لو زرعت الحجارة

تسفر سعيتك تقنّب تباري الجداد العقالي

تجوع يا البشدّر خريفك سوافي البطانة؟

 

نحو تفكيك خطاب ومشروع رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك

(فرضيات ومنطلقات الخطاب الفكرية وتجلياتها)

(4 من 6)

محنة وسمات المشروع الذي يتخلّق بمعرفة رئيس الوزراء وإدراكه وتنفيذه ودعمه/

يظل السياق الفكري الذي يقود الحكومة الانتقالية هو السير في طريق الآلام (طريق الفقر والتبعية) وهو العمل علي إنسحاب الدولة من مجال الإنتاج والخصخصة وسيطرة السوق وتقليص برامج الرعاية الإجتماعية والسير بخطي حثيثة نحو إعادة إنتاج قوي جديدة من الطفيلية تتخلق وتلحق بالقوي القديمة مع استمرار ظاهرة الساسة رجال الأعمال. متي نعي حقيقة أن العالم الحر “الذي يدوعل فوقنا كما قال الشاعر القدّال” يفرض علينا لبرالية خصخصة جديدة في حين أن الحكومة الفدرالية الأمريكية هي أكبر مخدّم اليوم فى أمريكا !  فرّخ هذ السياق الفكري المحفظة وقانون الاستثمار والتعدين و قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص الذي وضع بإشراف البنك الدولي ليخدم ذات أهداف قانون التصرف في مرافق قطاع الدولة منذ 1990 م مع تبديل المصطلحات فاللجنة الفنية للتصرف في مرافق القطاع العام أصبحت هي المجلس الأعلى للشراكة وبه الوحدة المركزية للشراكة. وضمنه أيضا استمرار بيع وتمليك أراضي السودان للأجانب أو تأجيرها لما يقارب القرن من الزمن ، وسيطرة العسكر والقوى المتنفذة التي تملك السلاح وتعمل للحفاظ على مكتسباتها الاقتصادية بما فيها الدعم السريع ويستمر نهب الخزينة العامة عبر التسهيلات والإعفاءات والامتيازات ويدفع الشعب الجائع امتيازات الجنرالات. لا يمكن أن نرسّخ لديموقراطية بذبح مشروع العدالة الاجتماعية ضمن برنامج إصلاحي لا علاقة له بثورة تقوده نخبة سياسية حاكمة صغيرة بعيد عن الالتفات إلى مطالب الثوار والاستماع الي توصيات ومقررات المؤتمر الاقتصادي، نخبة مغلقة على أيديولوجيا قاصرة ضيقة الأفق لا تريد قراءة أبجدية وبداهة مطالب الثوار. كانت بعض النخب السودانية قبل ثورة ديسمبر تطرح فرية نهاية الثورات، والآن تطرح مغبة ووهم حتمية الإصلاح المراوِغ والتبعية الاقتصادية وقبول الاستبداد العسكري والملشياوي والشراكة مع دولة بوليسية داخل الدولة واستغلال قانون جرائم المعلوماتية لتكميم الأفواه والمصالحة مع الدولة العميقة ومغازلة رموزها كأمر واقع.

يكمن الحل في التمسك بميثاق الثورة “إقامة نظام اقتصادي مختلط، قطاع عام وقطاع خاص وقطاع تعاوني يقوم على تخطيط اقتصادي واجتماعي يتولى فيه القطاع العام قيادة وإدارة القطاعات الاستراتيجية ويؤمن فيه التوزيع العادل للثروة”، وإيقاف فتح البلاد لقوى رأس المال الخارجي الاستنزافي الذي يأخذ ولا يعطي ولا يجدد القوى الاجتماعية للمجتمع ويعمل للإنتاج من أجل الصادر لتلبية احتياجات السوق العالمي ونقل الفائض الاقتصادي للمنتج للخارج تحت الشروط المجحفة للمؤسسات الرأسمالية العالمية مع إهمال تلبية احتياجات الشعب بالداخل وعدم الاهتمام برغبته في الاعتماد على الذات وتحرير إرادة الدولة من الارتهان لدوائر رأس المال الإقليمي والعالمي، كما جاء فى الوثيقة التي قدمها الحزب الشيوعي السوداني. نرى هنا ونراهن علي حتمية انفجار اجتماعي قادم لاستكمال ثورة ديسمبر، كون الوعي الثوري ينطلق من حقيقة ديموغرافية وهي أن الشباب عمرياً يشكلون أغلبية المجتمع السوداني وهم من يقع عليهم عبء العطالة والخصخصة والفقر والاستقطاب الطبقي الحاد والفقر.

وحول الأزمة وتحديات الانتقال ، ذكر حمدوك “تعدد مراكز القرار وتضاربها والوضع الأمني والتوترات الاجتماعية والفساد وتعثر إزالة التمكين وبناء المؤسسات. يأتي كل ذلك على خلفية الانقسامات داخل الكتلة الانتقالية وعدم وجود مركز موحد للقرار وغياب الأولويات والتصور المشترك للانتقال.” وهكذا تنسل السبيبة من العجين نظيفة بيضاء فاقع لونها، كون جزء من هذه التحديات صنعها حمدوك بتركه الثوار ولجان المقاومة وبعض الأحزاب التي وقفت مع الثورة وتبعت أهواءه كتلة أخري. ما هو دور رئيس الوزراء في تعدد مراكز القرار وهو الذي حين سمع ضجيج أئمة المساجد ورجالات الهوس الديني حول المناهج ، لم يجتمع بوزير التربية والتعليم أو القراي للتوحد حول قرار يقوده وينفذه هو، ولكنه اختار أن يجتمع مع رجالات الدين ومنهم الإخوان المسلمين وأكّد أنه سيتبني وجهة نظرهم مقابل خبراء التربية والتعليم. ثم لاحقا أبعد بروف محمد الامين التوم نفسه بعد أن كان مرشحا من قبل مسار الشمال.

لقد ذكر عضو مجلس السيادة الفريق الكباشي في رد لاستفسار أحد الذين حضروا الاجتماع الذي تم فيه استبعاد وزير التربية من الوزارة قال: “أن المرشح فشل في تجاوز عتبة الفحص الأمني” (الراكوبة ، فحص أمني ، ابريل ٢٠٢١). وحين سُئل حمدوك عن تلك الطبيعة الأمنية التي استبعدت وزير التربية تناسي الأمر وقال أن مجلس شركاء الفترة الانتقالية قرر إخضاع الأمر لمزيد من التشاور. السؤال الموجه إلى د. حمدوك لماذا لم يرد علي رسالة محمد الأمين التوم التي طلب فيها منك توضيح طبيعة الاتهام الموجه إليه ومستفسراً عن مغزى استبعاده من قائمة المرشحين لوزارة التربية والتعليم بذريعة “الفحص الأمني”؟

لقد تجاوز حمدوك الوثيقة الدستورية التي تنص على أن “التعيين في المناصب العامة من اختصاص رئيس الوزراء، ويعتمدهم مجلس السيادة” والتي تنص أيضا علي تمليك ثوار ديسمبر الحقائق حتي ولو شهريا، ولكنه اختار عدم الشفافية كونه تجاهل ببرود مقابلة ثوار ديسمبر وهم يدقون بابه متظاهرين، وحين هاجمهم الاحتياطي المركزي وقتلة كتائب الظل كوّن لجنة لم نسمع بنتائج تحقيقاتها حتي اللحظة ، مثل جميع لجان التحقيق التي كوّنها.

كان الأحرى أن يستبعد حمدوك وزارة التربية مثلا من المحاصصات التي شارك في الإتيان بها ضمن مشروع السلام المنقوص، وله دور في الإتيان بمجلس شركاء الفترة الانتقالية ليقرر دون مجلسي السيادة ومجلس الوزراء. لقد ساهم حمدوك في تعدد مراكز القرار وقيام مجلس شركاء يتجاوز حمدوك نفسه. نزعم أنه ساهم في صناعة أزمة تعدد القرارات مثلما هندسته للانفتاح الاقتصادي وتجاهل توصيات المؤتمر الاقتصادي وحين اشتدت الأزمة الاقتصادية طفق يبحث عن حاضنة أخري. حمدوك جزء أصيل من صناعة الأزمة الاقتصادية باختيار الانفتاح الاقتصادي وشروطه وتناسي عدم حسم حقيقة أن ٨٢٪ من موارد الدولة نهبتها المؤسسة العسكرية والأمنية ومليشيا الجنجويد. لقد أسقط الثوار اللجنة الأمنية بسبب تلك الاستثمارات وسيهزمونها مرة أخري لتعود تلك المؤسسات لوزارة المالية. ليت ذلك كان ضمن شروط صندوق النقد الدولي والبنك.

ذكر حمدوك أن تصاعد الخلاف بين شركاء الفترة الانتقالية لن يحل “إلا في إطار تسوية سياسية شاملة تشمل توحيد الجبهة المدنية والعسكريين وإيجاد رؤية مشتركة بينهما.” وهذا من قبيل التعميم والتعويم كون أي تسوية سياسية شاملة لن تكون علي حساب مطالب ثورة ديسمبر وفقراء السودان وأن الانفتاح الاقتصادي الذي يتغني به حمدوك هو جوهر فلسفته ومنهجه في المشروع التسووي الذي يلعب بالبيضة والحجر والذئب والحمل كأساس للتسوية. الحل هو إرجاع مؤسسات الدولة ووقف النهب والتهريب للتأسيس لدولة مدنية كاملة.

أسس التسوية التي يطرحها حمدوك بلا مصداقية فى مبادرته

من أسس التسوية الشاملة التي طرحها حمدوك في مبادرته هي “توحيد مراكز القرار داخل الدولة وعملها وفق رؤية مشتركة.” وكان حريا به أن يرفض تصريحات وقرارات صدرت من حميدتي وبرهان بوضوح منهجي ولكنه تغاضي عن ذلك. كان عليه أن يجتمع بحاضنة الشارع وهي لجان المقاومة وتجمع المهنيين الذي انحاز الي الشارع وبعض الأحزاب السياسية التي طرحت برنامجها الاقتصادي في المؤتمر الاقتصادي لكنه ركل ذلك الخيار. الآن يحاول التقوّي بحاضنة جديدة تسووية علي منهج باركوها. نقول لرئيس مجلس الوزراء المثل: يداك أوْكَتا وفوك نفخَ ، وهو يصر علي عدم توجيه نقد لنواحي تخصّه في تخليقه الأزمة.

من الأسس طرح حمدوك ضرورة “الاتفاق على آلية موحدة للسياسة الخارجية وإنهاء التضارب الذي شهدته الفترة الماضية.” وهذا من صميم مسؤوليته ويخص وزارة الخارجية التي تقع تحت سلطاته، تماما مثل ما حدث في وزارة التربية والتعليم. مازالت سفاراتنا في الخارج مكتظة بالعاطلين يسيطر عليها الفلول والعقلية الأمنية وكان يمكنه أن يضع خطة عمل ينظف تلك الوزارة بجرة قلم مع وزير الخارجية. وحمدوك جزء من سياسة المحاور الخارجية التي عاثت فيها فسادا اللجنة الأمنية (حميدتي وبرهان وسفريات الحج الي الإمارات والسعودية ومصر) وجماعات الهبوط الناعم وعلمه بلقاء برهان بنتنياهو وغزله للعلاقة مع نظام الاباراتايد الاسرائيلي. لو افترضنا أنه لم يعلم بها، كان عليه مقابلة المتظاهرين والحديث بشفافية عما حدث. يبدو أنه رفضها بادئ ذى بدء عبر إعفاء المتحدث باسم الخارجية السودانية، د. حيدر بدوي صادق، من منصبه بذريعة أن العلاقات مع إسرائيل من شأن المجلس التشريعي، ولكنه انحني لاحقاً لعاصفة وأزمة ” تعدد مراكز القرار” حتي تحكمت الأزمة.

وحول أسس التسوية اقترح حمدوك الاهتمام بالموارد الداخلية “تقوية توجه الحكومة والدولة الذي يقوم على الإنتاج المحلي وحماية الفقراء والمستضعفين والتعاون مع المؤسسات الدولية.” ولكنه عمل كل ما من شأنه تقويض ذلك من رفع الدعم وتعويم العملة ضمن أطروحة “الانفتاح الاقتصادي” غير المشروط كمرشد فكري نقيض هذا الطرح؛ وبيع برنامج ثمرات للفقراء ومقداره خمسة دولارات في الشهر انت تعلم جيدا أنها لن تكفي لوجبة فول في اليوم  للأسرة!!!

ومن ضبابية التعميم في أسس التسوية التي يطرحها حمدوك “الالتزام بتفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن وبناء دولة مؤسسات وطنية مستقلة.” كان من الأسلم والمصداقية (تقرأ الدغرية) والمباشرة أن يسمي الجهات التي لم تلتزم بتفكيك دولة الحزب العميقة من جنرالات ومليشيا وهبوط ناعم حتي يبعدها من توسيخ مشروع التسوية الذي يطرحه الآن حتي نكون علي بينة من مشروعه التسووي الجديد الذي انتبه له بعد عامين حسومين رماديين حتي نؤمّن المشروع الجديد ونطهره من أوساخ غسيل أموالها وتهريبها ومضارباتها الطفيلية.

تمثل حكومة الفترة الانتقالية ذات القوى الرأسمالية الطفيلية بقيادات جديدة ساعدت على تمكينها فى السلطة قوى إقليمية ودولية و أوكلت لها مهمة إفراغ أهداف الثورة من محتواها والالتفاف على شعاراتها والسير على نهج لبرالية جديدة قاسية. ساهمت سياسات تلك القوي بإفقار معظم الشعب السوداني كما ساهمت من الجانب الآخر فى إثراء القلة، لذلك نحن إزاء سلطة ذات طبيعة اجتماعية وطبقية لا علاقة لها بثورة ديسمبر.

نحو تفكيك خطاب ومشروع رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك

(فرضيات ومنطلقات الخطاب الفكرية وتجلياتها)

(5 من 6)

أبجديات الاقتصاد السياسي حول التبعية المطلقة للمؤسسات العالمية

أو

فخ العولمة والديون وبؤسها كما يفكّكه منظّر اللبرالية الجديدة/

مرة أخري استصحب معي التكنوقراط ستغليتز حامل جائزة نوبل لتذكير تكنوقراطنا الهاربين من فضاء المثقف العضوي بجريرة سِدة البصر والبصيرة وجريمة التبعية العمياء لمنظومة العولمة البائسة التي أقعدها فشل الأسواق ومصالح القلة الحاكمة وجشعهم، لكون الأسواق ذات سلطة ولكن ليست لها أخلاق متأصّلة وعلينا إدارتها بوعي حسب ستغليتز . سأتناول ذلك عبر محوريْن:

أولاً: محاكاة منهج ريعي أمريكي ظالم للشغيلة

الحكومات الريعية هي تلك الحكومات التي تتحصل ،عبر أنشطة النظام الريعي، علي أكبر قدر من الدخل ليس من انتاج الثروات وانما جراء التحصّل علي أكبر قدر من الدخول بدون جهد انتاجي يذكر. تماماً كما قال جان بابتيست كولبيرت مستشار الملك لويس الرابع عشر الفرنسي “ينطوي جوهر فن العمليات الضريبية على إتقان نزع ريش الإوزة بحيث تتحصل علي أكبر قدر من الريش بإحداث أقل صوت ممكن في تلك العملية”. مغبّة السلوك الريعي لحكومة السودان ، بشقيها، هي أنها ترفع الدعم عن المعوزين وتناله مؤسساتها عبر أنشطة ريعية وضمنها تجنب الضرائب المباشرة التصاعدية ورفع الدعم عن مواطنيها محدودي الدخل ، ثم فرض ضرائب غير مباشرة عليهم. تواصل الحكومة الانتقالية تطبيق ممارسات ريعية ناهبة تعمل علي تحويل الثروات وليس إنتاجها وخلقها وبنائها. هناك طرق أخرى ، خارج إطار هذا المبحث، قد تلجأ إليها الدولة الريعية مثل التمييز الإثني والجهوي والذكوري ما استطاعت إليها سبيلا.

ذكر ستغليتز فى كتابه الموسوم “ثمن اللامساواة” أنه حين زار المتظاهرين في ميدان التحرير في مصر “تأكّد أن هناك قناعة عالمية مشتركة حول فشل النظام الاقتصادي والسياسي العالمي.. وأن الإحساس بالظلم لدي الإنسان المعاصر أصبح بطعم المرارة” لكون منهج وسياسة النظام الانتخابي فشلت في أمريكا حيث لم يستطع أوباما أن ينجز تغييراً يذكرمع أن شعار التغيير كان فى قلب حملته وخطابه الإنتخابي. زعم ستغليتز أن شباب مصر والجزائر المتظاهرين ليسوا بثوار أو فوضيين، وانما طلبوا تغيير النظام الفاشل ؛ وأن حركة “احتلال وول ستريت” تغيّر وتطوّر شعارها لاحقا إلى “حركة نحن ال ٩٩٪” ، إشارة للأغلبية المضطهدة في أمريكا. قال أنه كتب مقالاً مهماً بعنوان “سياسات صاغها ١٪ من أجل ال ١٪” . وذهب ستغليتز إلى أن فشل الأسواق هو كلمة السر حيث “راهن المصرفيون أن النظام الاقتصادي الأمريكي سينهار بدون دعم ومساندة الحكومة لهم” إبان الأزمة المالية العالمية فى ٢٠٠٨. حسب ستغليتز أن “نظام الإقتصاد الأمريكي مدهش وجبّار ، لكنه يخدم فقط من هم في أعلي الهرم ،  وأن أمريكا لم تعد بلد الأحلام والفرص لأن نظام العدالة والقواعد القانونية يتم اختراقها عبر الحلول التسووية” (مقدمة الكتاب ، ص ١٠-١٣).

أقرّ ستغليتز حقيقة أن هناك “زيادة مدهشة في الإنتاجية ومستوي المعيشة في المئتين سنة الأخيرة مقارنة بالالفيتين التي سبقتهما. ويرجع ذلك للدور المحوري للحكومات (كلمة السر هى الدعم)”. أتعجّب حنقاً كيف توصّل هذا اللبرالي الجديد والإقتصادي النيوكلاسيكي إلي بداهة وأبجدية أقعد الموقف الطبقي دعاة الاقتصاد الحر والتحرير التكنوقراط الحمدوكيين عن إستيعابها. ما تفعله الأسواق هو أنها تعمل دينامياً علي تركيز الثروة ، وتنقل تكاليف الإنتاج الباهظة للمجتمع الأغلبية وتتعسّف وتؤذي وتظلم العمال والمستهلكين” (مقدمة الكتاب ، ص ١٠-١٣).

أخيراً ، يستخدم ستغليتز خطاب تقدمي ماركسي لينبّه الجميع أن “طالما يتوارى الامريكان خجلاً من التحليل الطبقي. ما يجعل الأمريكان متمسكين بقوميتهم أن هناك حلم وقناعة قومية أساسها أنهم دولة طبقة وسطي عادلة. لكن يجب ألا تكون هناك فجوات بين الطبقات العليا والسفلي، بين البرجوازية والعمال، كما يلعننا الماركسيون ايام الحرب الباردة. لكن إذا كنا نقصد بمجتمع طبقي أن آفاق وحظوظ التحرك الإجتماعي من قاع السلم الي أعلي ضعيفة ، فإن أمريكا الآن قد أصبحت مجتمع مبني علي الطبقة أكثر مما يحدث في أوروبا القديمة. بالمناسبة علينا الإنتباه الي مقولة علماء الاجتماع أن مفهوم ومحتوي الطبقة أكثر من ويتجاوز مفهوم الدخل” (مقدمة الكتاب ، ص ١٦). أزعم أن هذا الفهم الموضوعي توصل اليه بعد دراسات عميقة توماس بيكيتي (حامل جائزة نوبل) فأدخل متغير الثروات والميراث الي مفهوم الطبقة وإستخدم عبارة الإنصاف محل المساواة.

يزعم ستغليتز أن اللامساواة في أمريكا لم تحدث فجأة ولقد تمّ إنتاجها وإختراعها لأن الحكومة تمتلك سلطات (استراتيجيات وآليات) يمكن عبرها تحويل وتحريك ونقل الأموال والموارد من أسفل الهرم الاجتماعي والطبقات الوسطي الي أعلي الهرم (ال ١٪) ، وبالعكس. ما حدث في ركود ٢٠٠٨ ومابعده (وفي وباء الكرونا/ الكوفيد أيضا) فإن حصة الأجور في الدخل القومي قد انخفضت ، وأن كثير من الشركات قد حققت أرباحاً ممتازة . أن الأداء الجيد لسوق البورصة لا يعتبر مؤشراً جيداً لصحة الاقتصاد (ص ٢٩) لأن ربحية الأوراق المالية ترتبط بالأجور المتدنية وكذلك بتحكّم البنك المركزي الفدرالي في سعر الفائدة في حدود صفرية. يزعم ستغليتز أن تركيز (تمركُز) السلطة الاقتصادية والسياسية أكثر تطرفاً وشذوذاً في الدول قبل الراسمالية من الغرب (الاستبداد الشرقي عند ماركس) لذلك تم استخدام الدين والحق الإلهي لتبرير الفروقات والظلم ، وكانت السلطة في قلب ذلك الظلم ، وكان مركز العسكرية بجبروتها وسطوتها هو الاقتصاد: حيث يأخذ المنتصر من المهزوم تقريبا كل شيء” ( ص ٢٩).

مصدر الريع كمفهوم إقتصادي هو أن الحكومات تعمل علي إعادة توزيع الدخل عبر الميزانية السنوية (الدخل والمنصرفات) التي تعتبر معركة طبقية ضارية. وهنا تلعب السياسات الضريبية دور توزيعي لما أنتجته الأسواق والتقنية و محصلات المشهد السياسي.  تعمل الحكومات على تغيير ديناميات الثروة عبر التحكّم في ضرائب الميراث وإتاحة تعليم عام مجاني (ص ٣٠) وبرامج تغذية الأطفال الفقراء في المدارس وتقديم مستشفيات مجانية للفقراء ، كما تعتمد عدم المساواة على توزيع الهبات وعلي رأس المال البشري والمالي (ص ٣١).

ثانياً: إستيراد سياسات اقتصاد كلي وسياسات مالية فاشلة في عقر دارها

يذكرنا ستغليتز طويل العمر ،كما يقول الأعراب، بأن الأجور (وليس سعر الفائدة والعقارات والثروات الاخري الخ) هي أهم مورد للسواد الأعظم من المجتمع الأمريكي. لذلك فشلت سياسات الاقتصاد الكلي والسياسات النقدية حين تسبّبت في معدل عالي للعطالة في عقر دار الرأسمالية اللبرالية الجديدة الأمريكية وأجور منخفضة لهم ، وهي مصدر اللامساواة والظلم. لا غرو أنْ عجزت تلك السياسات عن تحقيق إستقرار ونمو مستدام تستفيد منه تلك الشغيلة. من الطبيعي إذن البحث عن إطار وهيكل سياسات اقتصاد كلي وسياسات نقدية بديلة ، لكن أصرت البنوك الأمريكية الخطّاءة غير التوّابة (التي صادف أن تحملت عبء فيضانات واحدة عبر قرن من الزمان) ، أصرت كالعادة علي رفض إعادة الرقابة وعدم تغيير سياسات الاقتصاد الكلي بسبب ركود ٢٠٠٨. تلك سياسات مسؤولة عن أزمة التوزيع وتخفيف اللامساواة”. ليس هناك وصفة واحدة تصلح لكل حالة كقميص عامر ؛ لكل سياسة آثار مقايضة تتنازع وتتناقض حول محصلات توزيع الدخل بحيث يتم التنازل عن ميزة من أجل الحصول على أخرى: بين مصالح حملة السندات أم المدينين ، بين الصغار أم الكبار، بين القطاعات المالية والقطاعات الأخري (ص ٢٦٤). زبدة القول إن ذلك هو المنهج الاقتصادي الذي يسود في أمريكا وأوروبا وتسيطر عليه الرأسمالية المالية والمصرفية. تلك نيولبرالية المركز الاوروأمريكية والتي تتعامل مع نيولبرالية الأطراف في الجنوب الكوني بمنهج ومعيار مختلف وقسمة ضيزى؛ حيث أصبحت الحكومة الفدرالية الامريكية اكبر مخدّم فيها وتصرف علي التعليم والصحة بينما تفرض علي دولنا الخصخصة عبر مؤسساتها المالية والتجارية. لقّد ساهم ستغليتز وتوماس بيكتي (حملة جوائز نوبل) فى التوثيق لمناهج ومعلومات عرّت وفضحت الآثار المدمّرة الظالمة الدرامية لسياسات الاقتصاد الكلي والسياسات المالية عندهم ، أما تكنوقراط المرحلة الانتقالية بقيادة حمدوك ما انفكوا يهرولون نحوها حفاةً عماةً خاضعين غير آبهين أنها ستقضي علي ما تبقي من جثث ٩٠ ٪ من الثوار تحت خط الفقر.

سياسات صندوق النقد الدولي العَضِيرة تقع فى قلب إنفتاح حمدوك الإقتصادي:

أزعم أن صندوق النقد أكثر رحمة من سياسات ومواقف حمدوك وتكنوقراطه لأنه حين يتم تجويع الجماهير ويؤثر ذلك سلبياً علي إستقرار الوضع السياسي ويحدث مد جماهيري عالي يقدّم الصندوق حالات تمويل ضمن برنامج الصندوق الائتماني للنمو والحد من الفقر ويتم منح هذا النوع من التمويل بشروط ميسرة (حقيقة إعفاء ديون السودان عبر بوابة الهبك الهادي هبّاني، يوليو ٢٠٢١).

دعنا نستنير بدقة نصوص الإقتصادي الهادي هبّاني ونقرأ تقرير صندوق النقد الأخير ونفكك شروط الصندوق القاسية التي نفذها حمدوك وتكنوقراطه (تعويم سعر الصرف، رفع الدعم عن الوقود، زيادة الضرائب، إلغاء الحواجز الجمركية والدولار الجمركي، رفع أسعار الكهرباء والمياه، تقليص الصرف علي التعليم والصحة) ونتأمل تقرير البنك حول مالم تنجزه حكومة حمدوك وهو مربط الفرس الذي قوامه سيطرة جنرالات النظام البائد علي جميع الموارد والقرارات والتلذّذ الشبقي بإعفاءآت ضريبية مطلقة ومن ثم يدفع لهم الشعب من عرقه ودمه مرتباتهم الفلكية وامتيازاتهم الفاجرة وكذلك عبر الضرائب غير المباشرة التي يدفعها الشعب الفقير الذي يتم تجويعه. من أهم قرارات الصندوق التي يتزاوغ  منها ويراوِغ حمدوك وتكنوقراطه حولها هي “تحقيق شرط الارتقاء بإدارة المالية العامة ومكافحة الفساد والشفافية ومكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وهو ملف كبير ومعقد ولم تخطُ فيه الحكومة الانتقالية خطوات تذكر حتى الآن برغم أن السودان لا يزال من أكبر البلدان التي تنشط فيه عمليات تمويل الإرهاب وغسيل الأموال بأشكاله المختلفة وعلى رأسها تزوير العملة.”

أدناه كثير من الحلول التي كان من الممكن أن يتبناها د. حمدوك علي المستوي الإقتصادي منها (هنا نقتبس من جواهر ولآلئ أستاذ هباني بكثافة):

  • تنويع مصادر الضرائب وليس فقط الضرائب التي تجوّع الشعب (الإصلاح الضريبي) وقانون ضرائب جديد يحد من سطوة الرأسمالية المالية الإسلامية وشركات الجيش والأمن والمليشيا.
  • جرد وهيكلة جميع الشركات المملوكة للدولة بما فيها شركات المنظومة العسكرية وإخضاعها لرقابة وزارة المالية وخصخصتها بالاستعانة بالبنك الدولي فنياً ووفقاً لتصوراته لكيفية تنفيذ ذلك.
  • إصلاح الخدمة المدنية الذي بدأت فيه الحكومة بتعيين شركة برايس ووتر هاوس كوبرز لإنجازه وهو موضوع معقّد فشلت الحكومة منذ تسلمها لمهامها عام 2019 بتكوين المفوضية الخاصة به ، بالإضافة إلى استمرار هيمنة الدولة العميقة على جميع قطاعات الخدمة المدنية بما فيها القطاع المالي والمصرفي.
  • إصلاح القطاع المصرفي واستقلالية البنك المركزي الذي تقف الحكومة عاجزة عن اتخاذ أي خطوات عملية إزاءه.

اذا كان صندوق النقد يربط خدمة الدين بنسبة الصادرات التي تستولي عليها الشركات العسكرية المنهوبة وان أكثرمن ٨٠٪ منها خارج وزارة المالية ، لا بدّ أن يكون الخلاص الوحيد هو ارجاع تلك الشركات جميعها الآن (أى ، إسقاط نظام الشراكة النموذجية) عبر مرحلة ثورية عاجلة أساسها ، حسب هباني ، “سياسة حشد الموارد الذاتية بالهيمنة علي الذهب وإعادة تأهيل وهيكلة شركات الامتياز ممثلة في شركة الصمغ العربي، الحبوب الزيتية، المواشي واللحوم، ومؤسسة الأقطان وإشراف الدولة عليها ومنحها امتياز صادرات الصمغ العربي، الحبوب الزيتية، المواشي، والأقطان” هل سنتعظ من تجارب الدول التي تم إعفائها ضمن مبادرة الهبك والتي لم تكسب الغالبية العظمي منها غير المزيد من الديون أضعاف ما كانت عليه عند وصولها لنقطة اتخاذ القرار.” بذلك يمكننا إخراس زغاريد عرس الجن المرائية التي تلعلع عبر إعلام سلطة الهبوط الناعم الانتقالية.

من تقرير برنامج مراقبة صندوق النقد 28 يونيو 2021 حول سياسات التنمية الإقتصادية ما يؤكد زعمي أن د. حمدوك ينفّذ شروط الصندوق القاسية التي تطحن الغلابة المسحوقين ومحدودي الدخل ويتجنّب تطبيق القوانين التي تمس مصالح تحالف الطبقة الحاكمة (الراسمالية الإسلامية المالية والمصرفية، الراسمالية الطفيلية القديمة –الفلول- والجديدة ، زمرة جنرالات المؤسسة العسكرية والأمنية ومليشيا الدعم السريع التي استولت علي شركات القطاع العام وماانفكّت تعيش خارج سيطرة وزارة المالية والبنك المركزي وبعض الحركات المسلحة وجماعات أحزاب الهبوط الناعم) .

زبدة النقاط التالية هو أن حكومة حمدوك ظلّت تطبق من روشتة الصندوق ما هو مضر بالغلابة كرفع الدعم ويغضَّ الطَّرْف عن تطبيق جانب الروشتة الذي يمس جوهر الأزمة وهو الحوكمة والشفافية تجاه المؤسسات العسكرية الإقتصادية ومؤسسات المليشيات التي تشتغل خارج النظام المصرفي الحكومي. النقاط التالية توضّح زعمنا:

  1. ذكر تقرير الصندوق ( يونيو 2021) أن الحكومة الإنتقالية “فشلت في إنشاء مفوضية مكافحة الفساد وتأخرت في تمرير قانون مكافحة الفساد” التي لن يمررها الشق العسكري الحاكم ولن تباركها مليشيا الدعم السريع ؛ كما عجزت عن تنفيذ عمليات مراقبة البنوك لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب” ، وتجاوزت الحد الأقصى لصافي الأصول المحلية ويرجع ذلك أساسًا إلى الزيادة في الائتمان للقطاع المصرفي. كما لم ينجح السودان فى مؤشر الأموال الاحتياطية بسبب تراكم الاحتياطي غير المعقم وزيادة إئتمان البنوك. كما يذكّر تقرير الصندوق تكنوقراط الحكومة الانتقالية آيديولوجيي “الإنفتاح الإقتصادي” في صفحة 3 أنه “كان من المقرر أصلاً إنشاء هيئة (مفوضية) مكافحة الفساد في نهاية مارس 2021 ولكن يمكن مدها الي نهاية سبتمبر 2021 لإتاحة مزيد من الوقت لتعيين المفوضين”.
  2. ما انفك الصندوق يطالب الحكومة الإنتقالية “بتطبيق آلية أتوماتيكية لسعر الوقود، كما يمكن تمديد الفترة حتي ديسمبر 2021 لإزالة كافة الضوابط المفروضة على أسعار التجزئة (القطاعي) للبنزين والديزل”. وهذا ما ستفلح في إنجازه حكومة حمدوك كونه ضد الفقراء. لكن ما لن ينجزه د. حمدوك هو ما ذكره الصندوق “وفي هذه الأثناء تم اعتماد “خارطة طريق للإدارة المالية العامة ، وإصدار اللوائح التنفيذية لقانون الاستثمار، وإلغاء الإعفاءات من ضريبة القيمة المضافة وضريبة الدخل الشخصي، وتبني استراتيجية الشركة المملوكة للدولة” لأن هذه الإجراءات والشروط المطلوبة من الصندوق لن يوافق عليها الشق العسكري.
  3. ماذا حدث بشأن التلكؤ في تنفيذ قرار الحكومة الإنتقالية بشقيها بتسليم المتهمين بإرتكاب جرائم دارفور الي المحكمة الجانئية الدولية؟
  4. لماذا تصر حكومة حمدوك علي مشروع قانون نقابات العمال 2021 الصادر من وزارة العمل والإصلاح الإداري وهو قانون نقابة المنشأة الذي أصدره النظام البائد؟.
  5. في صفحة 9 من التقرير يرى الصندوق أن هناك حاجة إلى عمل إضافي لتعزيز استقلالية البنك المركزي وتعزيز قدرته الإشرافية. ضمن هذا التحدي أصدر مجلس إدارة بنك السودان فى مايو 2021 مشروع قانون البنك المركزي المعدل والمفترض أن يؤدي الي تعزيز استقلالية بنك السودان ؛ وتم إرساله إلى وزارة العدل للمراجعة النهائية. أزعم أن هذا القانون لن تمرره شرزمة جنرالات المجلس العسكري الرابضين في المجلس السيادي لأنه سيمس احدي بنوكهم علي الأقل (بنك أم درمان). ويؤكد الصندوق علي أهمية هذا الإجراء كونه يتعلق بالنظام المصرفي المزدوج (الاسلامي وغير الاسلامي) وذكر التقرير مجلس إدارة “الاستقرار المالي الإسلامي” وهنا يجلس ود ام بعلو الذي سماه حمدوك في مبادرته بالأزمة التي ظل يراها عبر بؤبؤ عينيه يومياً ، وبدل أن يواجهها وجهاً لوجه مع حواضن الثورة الحقيقيين وغيرهم، فضّل الاجتماع مع جماعات الأخوان المسلمين (وأقصد الإجتماع معهم إبان أزمة المناهج والإجتماع الأخير مع رقيب الأخوان المسلمين ، وهم ذات المؤتمر الوطني المحلول يتسلقون من نافذة مفهوم حمدوك أنه رئيس وزراء الجميع بما فيهم “الإسلاميين” وليس المسلمين ، لكون الأولي تعني مؤدلجي الإسلام السياسي المنظمين).
  6. أزعم أن جقليب حمدوك الذى تجلّى في الإعتراف بأن هناك أزمة في مبادرته الفردية يصدر من إصلاحات الصندوق المطلوبة من حكومته التي لها علاقة بشركات ومصارف المكون العسكري لأنه تأكد من فشل منهج رهانه علي الشراكة النموذجية مع العسكر (وأضيف الفلول). أقول قولي هذا وأمامي تقرير الصندوق الذي يطرح بوضوح في صفحة 9 و10 ضرورة أن “تسن السلطات قانونًا معدلاً للوائح المصرفية في هذا العام يتضمن نظام شفاف شامل للقطاع المصرفي بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية مما يساعد في وعلى تمهيد الطريق لإعادة هيكلة القطاع المصرفي”.
  7. وفي صفحة 10 من التقرير ينبه ويحذر الصندوق دون ذكر ما هي تلك البنوك “يجب أن تظل معالجة أوجه القصور في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب أولوية …. بالنظر إلى أن السودان سيخضع قريباً الي تقييم متبادل لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب” .
  8. كان نصيب القطاع الزراعي في ميزانية 2021 مبلغ 11 مليار جنيه في حين احتاز الأمن والدفاع والسيادي والشرطة مبلغ 245 مليار جنيه ؛ ضف الي ذلك أن رفع الدعم أثّر علي زيادة مدخلات الإنتاج بنسبة 300%!!. يقف حمدوك مبتسماً ازاء هذه الحقيقة بطعم العَلقم ، وأمرّ منها مشهد جثامين الشهداء المبذولة لقطع الكهرباء وعطَن الخريف.
  9. أشرف د.جمدوك أو ستتم تحت قيادته خصخصة قطاع الطاقة الكهربائية الذي بشرنا به تقرير صندوق النقد الأخير أن قانونا جديدا أسمه “قانون الكهرباء المعدل” سيخلق “إطارًا تنظيميًا أكثر فعالية لتطوير قطاع الطاقة حتي يسهّل دخول القطاع الخاص فى توليد الطاقة” (ص. 10، الفقرة16) .
  10. أمّا حول برنامج ثمرات فان صندق النقد يبشرنا بأن 2 مليون أسرة سيصلها فتات الخمسة دولار في الشهر حتي تأكل الأسرة وجبة فول في الشهر. (ص. 10). والواقع يقول أن برنامج فتات ثمرات يغطي 160 ألف أسرة سودانية فقط حسب تقرير يونيو 2021 صفحة 6. وا فضيحتاه !!!
  11. وفي نبرة إعتذارية حذرة يذكر التقرير أن “تمويل مشاركة صندوق النقد الدولي في مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (هيبك) يتطلّب التعهدات الرسمية من قبل الدول الأعضاء.” بالنظر إلى الوقت اللازم للحصول على تعهدات تمويل رسمية ، وأن هناك احتمال أن تكون نقطة إتخاذ القرار في مبادرة هيبيك بعد انتهاء صلاحية برنامجنا معكم” ياسادة يا كرام !! وهو فخ الديون الذي كتب عنه جميع الإقتصاديين منذ الأزل الاستعماري ومابعد الاستعماري الي يوم الدين هذا. ويستمر التقرير ذاكراً “ونتمني أن يستمر برنامج الصندوق معكم حتى نهاية ديسمبر 2021 نسبة الى الحاجة المستمرة الي سجل متابعة دائمة …. علي كل حال ربما يتم إلغاء برنامج مراقبة الصندوق حين يصل أعضاء دول الهبك الي مرحلة نقطة إتخاذ القرار” .
  12. يذكر تقرير الصندوق من قولة تيت أنه “يعمل علي “وضع الأساس للنمو (وليس التنمية لأن هناك فرق كبير بنهما) الشامل ، وإنشاء سجل للسياسات السليمة المطلوبة لتخفيف ديون البلدان الفقيرة المثقلة بالديون في نهاية المطاف” (القوسين الداخليين من عندي). كلما تعطي الصندوق مقدار بوصة ينتزع ياردة ، أو قدما فيأخذ ميلاً ، لذلك يذكر التقرير أن “الإصلاحات تمضي قُدُما ، ولكن لا يزال وضع الاقتصاد الكلي يمثل تحديًا والموقف الخارجي ضعيف” (تقرير البنك ص 13) … والعبارة الأخيرة تمد لسانها سخريةً من تمجيد حمدوك في مبادرته لل “إنفتاح الإقتصادي”.
  13. يتخوّف التقرير من التضخم الذي أصبح مرتفعا للغاية بنسبة (342٪ في مارس 2021). وبعد اعتماد “التعويم المُدار” علي سعر الصرف يتوقع الصندوق مزيداً من تعويم الجنيه. والتقرير يحذّر من دعم الوقود.
  14. يذكر تقرير الصندوق فى صفحة 8 أن الانتقال إلى تعويم الجنيه (عبر السوق) في فبراير 2021 قد عمل علي تسوية الملعب أمام “التجار المتداولين الأجانب” , وهو بيت القصيد في وجود صندوق النقد بيننا.
  15. أثني تقرير الصندوق فى صفحة 8 علي الإقرار الأخير لقانون الاستثمار الجديد وقانون الشراكة الذي مرره د. حمدوك.
  16. يراهن صندوق النقد علي “إطلاق إمكانات القطاع الخاص في السودان عبر الحوكمة، وتقليل دور الدولة في الاقتصاد وتعبئة الاستثمار الخاص” (ص 14 من التقرير). أما تقليل دور الدولة في الإقتصاد فهو شأن يخصنا ولا يخص حكومات الشمال الكوني ، وفي البال أن الحكومة الفدرالية الأمريكية أكبر مخدّم في أمريكا !.
  17. وحين يتعلّق الأمر بمحاربة الفساد يذكر تقرير الصندوق بوضوح استهدافه الجوهري وهو أن “تقليص دور الدولة في الاقتصاد هو المفتاح لخلق بيئة أكثر تمكينا للقطاع الخاص” (ص.11) . نلاحظ أن تقرير البنك المنشور لم يشير الي شركات المؤسسات العسكرية المنهوبة ضمن ذكره أن “الإشراف على الأصول غير المشروعة من النظام السابق سيتم نقلها الي شركة قابضة حكومية لتحسين رقابتها” دون أن يشير الي شركات واستثمارات المؤسسات العسكرية. وينبه التقرير الحكومة الإنتقالية ب “أن تحدد ماهي الشركات المملوكة للدولة التي يجب أن تظل عامة ، وماهي التي يجب تصفيتها أو خصخصتها.” (ص. 12).
  18. وحول قانون تشجيع الإستثمار 2021 يورد د. عباس “أن الفوضى فى توزيع الصلاحيات والاشارات المبهمة لمصادر ومرجعيات غير موجودة فى الحقيقة ووضع صلاحيات أجهزة وجهات حكومية فى يد افراد ، الغرض منها خلق بيئة يرعى فيها الفساد وتتمكن من خلاله الحكومة وداعميها السياسيين فى خلق فئة رأسمالية كمبرادورية جديدة ، واستبدال فئات الراسمالية الطفيلية التى نشأت فى النظام اللصوصى القديم بفئات جديدة تتبع للاحزاب والحركات المسلحة فى الحكم تؤسس لنظام لصوصى جديد” ( د. عباس عبد الكريم ، في الاقتصاد السياسي للثورة (5) دعوة الاستثمار الاجنبي) ؛ نحن اذن إزاء استثمار بدون استراتيجية تنمية وطنية ، والكلام لعباس عبدالكريم، حيث “الاستثمار الاجنبى لديهم (يقصد حكومة حمدوك الإنتقالية) أصبح هو غاية وليس وسيلة. وهذا النهج ليس مبنيا على غشاوة فكرية اقتصادية ، انما يمثل مصالح اقتصادية فئوية ترى الاقتصاد من منظار مصلحتها الضيقة فقط”.
  19. لن يكون هناك نهوض إقتصادي بدون قطاع عام منتج وفعّال وفي حالة العطالة والتوظيف لابد أن تكون الدولة التنموية هي المحرك الرئيسي وليس الشركات .. ينبهنا د. عباس أذا أردنا تخفيض العطالة لا بد من “ضرورة التركيز على المشاريع التي تتطلب عمالة كثيفة فى الزراعة والتصنيع أو الخدمات” مثل بناء الطرق والمدارس والمستشفيات خاصة في الأرياف عبر قطاع عام منتج استراتيجي وليس عبر سياسة الإنفتاح الاقتصادي التي تعني “فتح البلاد للتجارة الخارجية بلا شروط والاعتماد على القروض والمنح ، واضعاف القطاع العام (حسب روشتة الصندوق وإملاءآته) فى ظل اوضاع اقتصادية ضعيفة (تضخم غير مسبوق ، سوق داخلي منكمش ، ازمة ميزان مدفوعات ، عدم استقرار سياسي وامنى ، بنية تحتية ضعيفة ، بل منهارة)”. تلك وصفة تعني التبعية المطلقة “للرأسمالية الامبريالية (راس المال العالمي الكبير جدا و المسيطر) ومنظماتها الدولية” (د. عباس عبد الكريم ، هل بمقدور الحكومة الحالية التدخل لتوسيع الفرص والخيارات للتوظيف؟ الإجابة: لا. 14-15).
  20. الثورة ستستمر ما دام معدّل العطالة وسط أهم شرائح ثوار ديسمبر وهم الشباب والنساء كالآتي: 37% من مجموع النساء ، 44% من مجموع نساء الحضر ، 34% من مجموع الشباب ، 50% من جميع شباب الحضر، 58% من جميع الشابات. (آخر مسح للقوى العاملة في السودان). إذن يمكن القول ببساطة أن الثورة متقدّة الشرارة ، إلا بعد أن تتم مصارحة ومكاشفة هؤلاء عبر مايسمي بالشفافية معهم/ن. بلغت نسبة العطالة بين خريجي مؤسسات التعليم العالي 23٪ ، 71٪ منهم في المناطق الحضرية و 74٪ من النساء (د. عباس عبد الكريم ، هل بمقدور الحكومة الحالية التدخل لتوسيع الفرص والخيارات للتوظيف؟ الإجابة: لا 14-15).
  21. وحول قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص يذكرنا د, عباس أنها ” ليست شراكة بل دعم فى الاساس للقطاع الخاص الاجنبى” ، وأن “القانون يمهد ايضا للخصخصة والتي هي أحد سياسات الاقتصاد الليبرالي الجديد. إستهداف الحكومة الإنتقالية، كما هو واضح ، طرح مشاريع القطاع العام الكبيرة للخصخصة وذلك بدعوة راس المال الاجنبى (حكومى وخاص). ويكون دور الحكومة هو فقط دعم وتسهيل” (د. عباس عبد الكريم ، في الاقتصاد السياسي للثورة (5) دعوة الاستثمار الاجنبي) .
  22. يذكرنا الدكتور النبيه عباس ع الكريم مرة أخري إستحالة جذب إستثمار أجنبي مباشر نوعي ومنتج ومفيد للسودان يعمل علي خلق وظائف لائقة ويُحسن المهارات ويُسهم فى نقل المعرفة والتقنية الخ. وأن الغرض (المقصود أو غير المقصود) هو “خلق فئة رأسمالية كمبرادورية جديدة” (د. عباس عبد الكريم ، في الاقتصاد السياسي  للثورة 6-15) ، كون وضع السودان الإقتصادي مثبّط للاستثمار وطارد له فى عدة مؤشرات عالمية معروفة للشركات العالمية. لذلك يعتبر السودان من ضمن أسوأ 10% من الدول من ناحية البيئة المناسبة لتأدية الاعمال وفرص جذب الاستثمار الأجنبي (د. عباس عبد الكريم ، في الاقتصاد السياسي  للثورة 6-15) ، لذلك كان علي حمدوك ألّا يشطب قرارات اللجنة الإقتصادية لسان حال الثورة لحل تلك المعضلات أولا وليس فتح السودان لفخ إنفتاح إقتصادي معولم “أم فككو” وعائر غير مشروط. المحصّلة المتوقعة من منهج حمدوك هو جذب رؤوس أموال مغامرة. و”المجالات التى يمكن ان يعمل فيها الاستثمار المغامر قد تشمل تصدير المحاصيل الرئيسية ، وبالذات الصمغ العربى ، تصدير المواشى واللحوم ، تصدير وتجارة الذهب والمعادن الاخرى…. وستكون محصّلته الفساد والرشاوي” (د. عباس عبد الكريم ، في الاقتصاد السياسي  للثورة 6-15). تطرح أحزاب وجماعات الهبوط الناعم المدنية والعسكرية داخل السلطة منهج اللبرالية الجديدة وقوامه تشجيع الاستثمار الأجنبى المباشر وبذلك يستهدفون “بناء قاعدة اقتصادية – اجتماعية- سياسية جديدة” تحل محل الفراغ، وهو ذات منهج واستراتيجية وبرنامج الراسمالية الطفيلية القديمة المتجددة. ضمن هذا السياق يتم إختراع وصناعة قوانين ومؤسسات ولجان تشبع طموحات الفئة الجديدة.

نحو تفكيك خطاب ومشروع رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك

(فرضيات ومنطلقات الخطاب الفكرية وتجلياتها)

(6 من 6)

 

يا سارية: الجبل الطبقي

ثورة ديسمبر وتحديات المشهد الطبقي الذي تناساه التكنوقراط/

 

كم سرنا في حرب الطبقات الحرّى

غيرنا البلدان كثيرا

(اكثر من تغيير حذاء بحذاء)

وحزِنا ، ارّقنا الهمُّ

إن شاهدنا ظلماً مرتاح البال

أو قهراً مستعراً دون نضال

كم كنا ندرك !

كم كنا نعلم !

أن الحقدَ علي الإجرام

وأن السخط على المجرم

سيشوه حتماً قسمات الوجه

وأن الغضب تجاه الظلم

يبح الصوت

آهٍ .. آه

ونحن نصوغ أساس الود لكل الناس

قد أجبرنا زمنٌ قاسٍ

أن لا نلقى هذا الود

لكن أنتم

حين يجئ ذاك العهد

عهدُ الود

والانسان أخ الانسان

عهد الصدق

رودوا ذكرانا فى تحنان

وخذوها فى رفق

بيرتولد بريخت (إلى الأجيال القادمة)

مشهد طبقي محوري أول:

ينطرح تعقيد المشهد الطبقي بضراوة يومية ويتجلي فى مشاهد عديدة منها ظاهرة رجال الأعمال-الساسة والتي تخص فساد الطفيلية عندنا أكثر من تجليها في دول الإستبداد الشرقي وكذلك طفيلية التراكم العالمي في عقر داره. لهذه الظاهرة تجايات عديدة منها أن البنية الطبقية الطفيلية التي كانت عبارة عن تجار شيل وسماسرة محاصيل قبل نصف قرن خل محلها سماسرة وتجار عملة ومهربين وأثرياء جدد أعضاء مجالس الإدارات عبر صيغ تخزين البضائع والمحاصيل وتجهيزها لهندسة وصناعة وخلق الأسواق السوداء ، والمشاركة والمضاربة فى المصارف الاسلامية تحت قيادة الأخوان المسلمين (راجع الهادي هباني ، حول قرار السماح بالتمويل العقاري ، سبتمبر 2021) ؛ ورجال أعمال ساسة جزارين وخضرجيّة وبائعى صمغ وبلح ولساتك وعربات وسكر وغسّالين (أقصد للأموال) وتشّاشة عقارات يستولون علي الأرض السودانية مقاسمة مع “عِريب الزيوت أبّان عقالات” الى آخر مشهد اللامعقول حيث تتبخّر مليارات الدولارات من العقود والقروض والمعونات والمنح ويتم بيع الصفقات قبل أن تصل الميناء ، ثم تتحول الأرباح مغسولة ومكوية الى دبى ومليزيا ومصر الخ. هذه الظاهرة عقبة كؤود أمام مرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية المدنية ومطالب ثورة ديسمبر من حرية ، سلام شامل وعدالة إنتقالية وإجتماعية. لا بد للحراك الثوري أن يحدث إختراق لإسئصال هذه الظاهرة و القضاء عليها بإسترداد أموال الدولة التي إنتزعتها المؤسسات العسكرية ومليشيا الدعم السريع وأصبحوا بنعمتها رجال أعمال-ساسة جاهزين لتصفية الثورة وسرقتها علي عينك يا تاجر كما أبنت في موضع آخر من هذه المقالات. عبثاً يود هؤلاء إقناع الثوار أن هذا أمر دونه خَرْطُ القتاد. دعنا نتأمّل ونفكّك ما قاله حرفياً رئيس مجلس السيادة البرهان قبل أيام وعلي رؤوس الأشهاد فى خطابه أمام جنود المدرعات عقب المحاولة الإنقلابية الأخيرة لنتعرّف علي ذهنية وخطاب ممثل رجال-الأعمال الساسة: “القوات دي هي البتحمي التغيير دا و بتسوقو سواقة محل ما دايرة توديهو , مافي زول بسوقوا تاني, نحن دايرين نوديهو … نحن دايرين نودي البلد دي لإنتقال”. ويفترض ويفرُض في ذات اللحظة ممثل الساسة-رجال الأعمال أن “القوات المسلحة هي من يقود التغيير!! ومن منحها التفويض لتقوده ( محل ما دايرة  توديهو ) … القوات المسلحة وفقا للأعراف و القوانين هي حامية لنفس الإتفاق الذي يتحدث البرهان عن سواقته من أي سواقة  أخرى حتى  منها هي , وهذا ما أقسموا عليه ، و البرهان الذي يحاول أن يرسّخ في رؤوس قواته بأنهم يمكنهم أن يجهضوا الثورة لو أرادوا و يدعوهم للتشاور في حال لم تُعجبهم الأمور ليقولوا بصوت عالي للحكومة أنهم غير مرغوب بهم ، ما هي إلا محاولة  للتحريش (أضيف التحرّش) و حشد الدعم من داخل المؤسسة العسكرية ضد الحكومة ، و إعلان صريح للحرب أو التخطيط لإنقلاب آخر قادم بلا شك, في بحثه المتواصل عن تفويض” ( راجع مجاهد بشري، من كان بيته من زجاج ، 21 سبتمبر 2021). خطاب البرهان المجوبك المتناقض عكس تخوف كبار الجنرالات المنعّمين فى بحبوحة شركات المؤسسات العسكرية والأمنية من ضيق وتبرّم الرتب الدنيا في الجيش كونه اعترف بأنهم يعانون مثلهم مثل بقية الشعب السوداني. من هذا الباب ستأتي ريح عاصفة مكبوتة وإنفجار لا محالة قادم ضد كبار الجنرالات المتخمين.

نهب وسيطرة المؤسسات العسكرية (كدولة عميقة) علي موارد الدولة هو الأساس المادي لظاهرة رجال الأعمال-الساسة التي تهدّد بتقويض عملية التغيير الثوري الديموقراطي الآن وهنا ، وعلي الثوار أن يهبوا سريعاً لتكوين حاضنة قاعدية سياسية علي مقاس الدم والثورة ، حاضنة تعي بأولوية هذه المهمة الآنية الجليلة.

مشهد طبقي طفيلي ثاني:

يتحالف رجال الأعمال الساسة مع راسمالية طفيلية أهم استراتيجياتها الظفر بإمتيازات الدولة ودعمها ، وحين نقول طفيلية نقصد الطفيلي الذى ينمو عالة علي غيره كما القُرادة في الحكمة السودانية التي قالت : أنا وأخوي الجمل مشينا جبنا العيش (الذُرة) من القضارف ، ومعروف أن وردية القُرادة كانت إمتصاص دم الجمل طيلة الرحلة. تأمّل معي نموذخ مشهد القُرادة المحلية الطبقي فى تحالفها مع بقية القُراد الإقليمي:

نموذج أول:

مبادرة رجال الأعمال أسامة داؤوود وحجار :

من بين المبادرات بين المجلس العسكري والإنتقالي كانت مبادرتي حجار والنفيدي. لاحظ البعض “أن عدد المبادرات نابعة من رجال أعمال ومن الواضح ان رجال الأعمال تحديدا يحاولون ان يبيضوا وجوههم مع الحرية والتغيير بالاضافة الى ان يكون لديهم حضور في حلحلة المشكلة” (راجع محمد جمال قندول ، الوساطات الوطنية.. (زامر) الحي هل يطرب؟؟ )

نموذج ثاني:

مشهد أسامة داؤود رئيس مجموعة شركات “دال” وهو يجتهد فى إخفاء وجهه خلف محمد بن زايد في لقاء البرهان في مايو ٢٠٢١ .

نموذج ثالث:

إجتماع يضم السفير الإماراتي ودكتورة مريم الصادق والمهندس  الدقير والأستاذ علي السنهوري والأستاذ بابكر فيصل والسيد ياسر عرمان. المكان :ملعب القولف ، بتشريف صاحب الضيافة أسامه داؤود.

تلك النماذج تعبّر عن حقيقة علاقة الرأسمالية الطفيلية الخاصة مع السلطة السياسية للحصول علي إمتيازات عقود الدولة المجانية المدعومة ثم تدويرها بالتعاقد من الباطن ( شراكة تحت التربيزة فاسدة طبعاً مع رجال الأعمال الساسة). هذا يؤكد أن معظم أرباح “القطاع الخاص” هي في واقع الأمر تتم مراكمتها عبر ريع سياسي حقيقي تحتلبه الراسمالية الطفيلية عبر إمتيازات السلطة. هذا جزء مهم حين نتحدث عن الرأسمالية الطفيلية في الجنوب الكوني ؛ ومن الجانب الآخر تخلّق المؤسسة العسكرية ككيان تجاري ذو علاقة حميمة مع وب الخطاب الاسلامي (السودان، مصر، اندونيسيا الخ ) . هكذا تتجلي العولمة وتعبر عن نفسها إقليمياً ومحلياً. هذا نموذج غير منتج للرأسمالية الطفيلية والتخلف عندنا ، وعبرها يتم تحديث الفقر وبيعه عبر عطايا وفتات برامج صندوق النقد ومنظمات التجارة العالمية و”أصدقاء السودان” ، تقرأ أصدقاء الساسة.

يتم إعادة ضخ الفائض الإقتصادي لإعادة إنتاج الراسمالية الطفيلية في أنشطة الإستثمار ذات العائد السريع (المصارف ، التأمينات، استيراد وتصدير السلع الأساسية ، تخزين السلع ، السوق الأسود ، المضاربة، غسيل الأموال ، التهريب الخ).

ومثلما “شنت الراسمالية الطفيلية حرباً اقتصادية على حكومة الصادق المهدي الأولى مستعملة السوق الأسود والتأثير على سعر النقد الأجنبي حتي إعترف رئيس الوزراء حينها الصادق المهدى بهزيمة السوق الأسود للحكومة (صدقي كبلو ، حول النخبة والطبقة والجهوية والإثنية) ، يتم الآن سيناريو مشابه باستعمال التضييق الإقتصادي من وقود تحت سيطرة شركات النفط الرمادية الكيزانية ، والسوق الأسود والتهريب والمضاربات في النقد الأجنبي بالإضافة الي قلقلة الأمن فى المدن و9 طويلة وإستخدام فلول الإدارة الأهلية (ترك فى شرق السودان) لإختراع أزمة سياسية تخوّل الجيش لإستلام السلطة مباشرة أو غير مباشرة عبر إنتخابات أشبه بإنتخابات 2020. وللأسف تشن الراسمالية الطفيلية الجديدة حملة بمعرفة وقيادة وزراء المرحلة الإنتقالية (بشقيهم المدني الغافل والعسكري) لتمرير قوانين الضرائب والإستثمار وقانون النقابات 2021 وإعادة قانون مشروع الجزيرة 2005 وقانون تنظيم التعليم العالي والبحث العلمي 2021 ؛ جميع هذه القوانين تم إصدارها دون مشورة العاملين بتلك المؤسسات. مشروع التراكم الراسمالي المعاصر وقوامه الإستغلال المطلق لابد له من آيديولوجيا مطلقة دموية ، لذلك لا ولن يقبل بنظام إنتقالي شبه عادل. الشاهد أن تحالف رجال الأعمال الساسة والراسمالية الطفيلية المقدّس يتبرّم ويهفو لفرض عنفه الدموي القديم لإستمرار تراكمه الطفيلي ، كما يخططون لإختطاف الثورة التي تطالب بمحاكمات إنقلابيي يونيو، وتسليم عمر البشير للجنائية، ومستحقات العدالة الإنتقالية والسلام، والقصاص من مهندسي مجزرة فض الإعتصام. تيقّن الشق العسكري الآن أنه لن يستطيع فرض سيطرته وهيمنته الإقتصادية والسياسية المطلقة في ظل المد والنهوض الجماهيري الثوري رغم ضعف وبطء الشق المدني الذى أجاز بضع قوانين أحرجت وأثارت حنق جنرالات الجيش والميلشيا رجال الإعمال شديدي الجشع وسريعي الغضب في مجلس السيادة الذين يودون إدارة الإقتصاد الوطني على عواهن إستغلاله العنيف البشع والدموي.

سقف أشواق الشريحة العليا من الطبقة الوسطي: لا عين رأت ولا أذن سمعت

هناك مشهد طبقي ذو علاقة بطموحات الشريحة العليا من الطبقة الوسطي التي تهفو للصعود الطبقي بإستثمار فضاء المناهج والثقافات الطفيلية الفاسدة وبالتأكيد غير السوية أخلاقياً التي ترعرعت تحت رعاية نواميس حركة راس المال الإحتكاري المعولم وعمولاته وغسيل أمواله ، تهفو هذه المرة للإستوزار الذى تتيحه المراحل الإنتقالية الهاملة.  يمكن متابعة ذلك عبر مشاريع المحاصصات والمحفظة و”ثمرات” حيث شطب معها الساسة والناشطين رجالات الهبوط الناعم وعدهم الأول وإلتزامهم بأن لا ولن يستوزروا وسيظلون اوفياء متفانين لمتابعة ومراقبة الفترة الإنتقالية لإنجاحها. و”قبل ما تمر لحظة واحدة بحرارة الحب” غمرهم وسبق عليهم الكتاب فتورطوا أخلاقياً شر ورطة في الفضاء التنفيذي وناموا عرايا “أم فككو” بدون سلوك (من خالد سلك) فى سريره الوثير. وبذكر برنامج ثمرات ربما يطل علينا وزراء الإدارة الأهلية والأوقاف الجدد لترويج برنامج ثمرات الكئيب بآيٍ من الذكر الحكيم حيث يقرأون علينا “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ كما فى البقرة ، أو ” وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا”.

هناك طبعاً الوجه الآخر من العملة المتمثلة فى الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطي التي يعاني العمال فيها مسغبةً وضنكاً معيشياً. يتضح من إحصائيات الفقر والتجويع والجغرافيا السياسية في شمال افريقيا أن وطء الأزمة اعمق بكثير منذ نصف قرن أو يزيد. المهم هنا وانا اقتطف سمير أمين أن “متوسط الدخول الحقيقية” في المنطقة ربما ارتفعت قليلا ، وهذا مؤشر يؤول عليه الاقتصاديون التكنوقراط، ولا يفرح به حقل الاقتصاد السياسي لسبب واحد هو ضعف القيمة العملية لمؤشر المتوسط الحسابي التقليدي والبحث عن مؤشرات أخرى مثل العدالة الإجتماعية ومؤشر السعادة. يزعم جلال أمين أن الشريحة العليا من الطبقة الوسطي المصرية ، مثلا، قد زادت شريحتها العليا من ٥٪ الي ١٥٪ ، أما شرائح الطبقة الوسطي الدنيا ومن تحتها من شرائح فقد تمددت كثيراً ، من ١٠-٣٠٪ ( راجع جلال أمين ، ٢٠٠١) . فيما يخص السودان فإن وضع الشرائح العليا من الطبقة الوسطي كان احسن حالا فى الماضى حين بدأ جنرالات المؤسسة العسكرية والأمنية والنخب السياسية في الاتحاد الاشتراكي في الإثراء باستخدام المؤسسات العسكرية رويدا رويدا. كان ذلك علي حساب ذوى الدخل المحدود من عمال ومهنيين (من أطباء وقانونيين ومعلمين ومحاسبين وأساتذة جامعات) داخل وخارج القطاع الحكومي، لذلك كان المهنيون رأس الرمح في المشاركة الثورية في انتفاضة ٨٥، مقابل غلبة نفوذ العمال في ثورة اكتوبر. بإنقلاب الاسلام السياسي الكيزاني استمر صعود جميع الشرائح من جنرالات الطبقة الوسطي والإنتهازيين من بطانة حزب الأخوان المسلمين دون مؤهلات إنتاجية (مادية أو رمزية) سوى إسلام الأخوان المسلمين و/أو الفهلوة الإنتهازية بما سمي فى أدب المجتمع المدني بالمحسوبية واللصوصية الخ.

ضمن هذا الفضاء والخطاب تم إفقار العمال والمهنيين وإضعافهم ماديا وسياسيا ومعنويا وقانونيا إلا أنهم قد اخترعوا حيلة ذكية أثبتت نجاحها في قيادة الشارع السوداني إبان ثورة ديسمبر وهي بناء مؤسسات نقابية ثورية موازية للنقابات الرسمية.

تلك الشريحة العليا من الطبقة الوسطى فى كل فضاء ووادٍ يهيمون والآن طلاب الرزق والسلطة والجاه ما استطاعوا اليه سبيلا في قطاعات العقارات وراس المال المالي والمصرفي الإسلامي ، أو سماسرة في كل قطاع تتيحه مؤسسات الراسمالية الطفيلية ، تشاشة في السوق فى الشارع فى المسرح. وضمن هؤلاء: جنرالات المؤسسات العسكرية والأمنية والجنجويد والرأسمالية الطفيلية والتجارية التي تتخلّق وتنمو الآن بشكل كروناوى ( من وباء الكرونا ، كوفيد) سرطاني.

موقف وزمكان وتطلعات شرائح الفقر:

أدي التخلف التنموي الزراعي والصناعي الراسمالي التابع غير المتوازن في السودان منذ الإستقلال وخصخصة القطاع العام ونهبه (بدعم صندوق النقد) منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي الي كساد الأرياف وتضخم الحضر والقطاع غير الرسمي (باعة متجولون، وتشاشة، وفريشة، وسماسرة الخ) بفعل نزوح جماعي من الريف الي المدن. لا صندوق النقد ولا مشاريع المؤسسات العسكرية والأمنية ومليشيا الجنجويد المنهوبة راغبة أو قادرة علي حل هذه الأزمة ولكنها عملت علي استثمارها كسوق رابح ورخيص للتجنيد وبيع الذمم. تخلّقت فى رحم هذا الوضع الاقتصادي الاجتماعي السياسي ،المزري والمذري معاً، فئات وطبقات غفيرة من الشباب والنساء لفظهم الواقع الطفيلي الي التحرك نحو فضاء الرفض الثوري والشوارع والإنفجار. نعم هناك تحالفات فوقية سياسية ومجموعات نقابية منظمة تقود عملية سياسية ونقابية وتعبّر عن هذه الازمات ، وربما لا تكون تلك القوي علي قلب واحد في زمكان ما. إنه لمن باب أضغاث الأحلام والأوهام ومن قصر وبؤس الفلسفة والمنطق والحكمة الرهان علي أن الكتل الجديدة من التكنوقراط وبقايا الحركات التي حملت السلاح وأحزاب الهبوط الناعم ستغل يد جنرالات المؤسسات العسكرية والأمنية والمليشيات التي تجلس علي استثمارات وشركات ومصالح ضخمة ؛ ذلك كون مصالح بعض محسوبي احزاب الهبوط الناعم والطائفية ورجالات الإدارة الأهلية تتقاطع مع مصالح المؤسسات العسكرية وينظرون ملء أعينهم وأبصارهم وقلوبهم نحو التربّح السريع من إعادة إنتاج ووراثة بنيات النظام البائد والدولة العميقة وخطابها ومشاريعها. أعتقد أن المخرج الوحيد للأزمة هو التمسّك بخطاب ومشروع تحالف بنيات ومؤسسات ثورة ديسمبر السياسية والإجتماعية (حزبية وغير حزبية) التي لم تتورّط في بيع سراويلها للعسكر.

يبيع خطاب التحالف السوداني الإنتقالي الحاكم (التي يطلق قادتها أنها الكتلة الثورية أو كتلة التغيير) الذي يتخلّق ويتدفّق عبر الوسائط الاجتماعية أنه نواة مشروع تسووي إصلاحي ضروري وأنه بداية تنمية ديموقراطية والإدعاء أنه حطاب العصر والحداثة وكمشروع مفتوح ومعروض للبيع والشراء في أسواق الله أكبر التي تسمي العولمة والتي باع لنا من قبل النظام العسكري الدكتاتوري المتأسلم ضمنها جُل أراضي السودان تحت مسمي “الاستيلاء علي الأرض” … ذات المشروع يبيعه لنا د. حمدوك مجدداً تحت مسمي ” الإنفتاح الاقتصادي”، وليس في نيته نبش وإبطال تلك القوانين والعقودات التي ثار ضدها الثوار ودفعوا ثمنها الباهظ شباباً تتكدّس جثامينهم الآن في العراء دماءً قانية فوق النهر وتحته وفي المشارح.

لقد موضع د. حمدوك ظهره بعيداً عن جماهير الثورة منذ أن رفس نعمة الشرعية الثورية والتفويض الثوري و تربّع فوق عرشٍ رؤيوي استراتيجي وتكتيكي نيولبرالي قوامه ثلاث: أنه رئيس وزراء للجميع ، وراهن علي “الإنفتاح الاقتصادي” في خطابه ومبادراته في يوليو ، وعلي “الشراكة النموذجية” بين المؤسسة العسكرية والمكون المدني. حين أدي د. حمدوك اليمين الدستورية كرئيس للوزراء في أغسطس ٢٠١٩ قال إن “مكافحة الفساد وتحقيق الإصلاح من أولويات الحكومة السودانية” . الآن في يوليو ٢٠٢١ استجداه صندوق النقد في تقريره الأخير (تجده ضمن المراجع) أن يكوّن مفوضية للفساد وقانون الفساد!!! ذلك أن جوهر روشتة الصندوق البائسة يتعلق بالنظام المصرفي والنقدي الفوقي (بإقتصاد الطلب وليس العرض والإنتاج). ثم التزم د. حمدوك حينئذ تحت اليمين الدستورية بأن “القطاع المصرفي في السودان على وشك الانهيار، ونحتاج إلى خطة محكمة لإنقاذه”. ثم ذكر “نجحنا في خلق شراكة وتناغم كامل يعكس المعنى الحقيقي للديموقراطية” !!.

تأمّلت مليّاً ملابسات بدايات حمدوك ومنها أدائه اليمين الدستورية وقوله “أنا رئيس وزراء لجميع السودانيين” ؛ ومنذئذ إحتار الثوار إزاء هذا الخطاب الأيديولوجي المهذّب وماذا يفعلون مع هذا الإبتلاء الواضح المحدد المعالم. وفي ذات المنطلق الفكري نبحث عن ربكة خطاب ومشروع حمدوك ومواقفه الرؤيوية والاستراتيجية ، وهو خطاب لا علاقة له بمفهوم الثورة التي لم تحدث إرضاء للجميع وضمنهم قاتلي الشهداء الثائرين ، وإنما أتت لتصفية مؤسسة ومنظومة محددة المعالم. ولو افترضنا أن هناك قوي ثورية ستأتي لإكمال التغيير الثوري لابد أن تعي جيداً ومهما “توفرت لها مقومات الذكاء ووضوح الرؤية والقدرات القيادية الفذة” أن تنجز مطالب الثورة من أعلي بمعزل عن النشاط الثوري المستقل لجماهير المنتجين والمزارعين في المدن والأرياف والمهنيين والعمال وفقراء المدن والريف ومنظمات المجتمع المدني ولجان المقاومة كما علمتنا تجارب الماضي القريب في الفضاء العربي الأفريقي. ان تطبيق شعار ثوار ديمسبر (يا عسكري ومغرور ، كل البلد دارفور) لن يتأتّي بسلام محاصصات جوبا الذى لن يقر عيون النازحين شبه المفقأة ويحقق عدالة إجتماعية وانتقالية في ظل موروثات التنمية غير المتوازنة وهجرة الأرياف الي المدن.

 

خطاب د. حمدوك حَشَفاً وسوء كِيْلَة:

توهان وإرتباك بين خواء الإنفتاح والتوجّه المحلي/

بتمجيد د. حمدوك للإنفتاح الإقتصادي المطلق وتبني سياسات الصندوق من جهة، ثم طرحه لاحقاً عبر مبادرته الإعتماد على الموارد المحلية ، ساهم فى إحداث ربكة مفهومية. كان حَريٌ به منذ بدء مسؤولياته وأعبائه الوزارية  تقديم أطروحة فكرية جدلية متماسكة توضّح القنوات المالية والتقنية والبشرية مثلاً التي يمكن أن تتدفّق عبرها موارد الإنفتاح والموارد المحلية وتتكاملان تنموياً. أزعم أن مصدر ربكة وقلة حيلة ولا مبالاة خطاب حمدوك حين إختار برنامج إنفتاحه الإقتصادي وركل توصيات اللجنة الإقتصادية للثورة، بل قال أنه لم يستلم برنامجها الإسعافي، ، أزعم أنه يتحرّي ويباصر ويرعي رؤاه وفلسفته وأجندته الخاصة التي تتعلق بعلاقته وتدريبه مع تلك المنظمات وشبكاتها، وبذلك إنفصمت عُرى الإرتباط الثوري الأخلاقي بين إستهدافاته الشخصية وإستهداف مؤتمر ثورة ديسمبر الإقتصادي.

لم ينشد د. حمدوك العدالة الإجتماعية التي كانت محور إستهداف إقتصاديي المؤتمر الإقتصادي وعلى رأسهم د. عبد المحسن صالح والذى يتناغم مع مشروع ثورة ديسمبر ، لكنه للأسف اختار منهج نمو (وليس تنمية) قصير النظر لاعلاقة له بالموارد المحلية من حيث كامنها أو طلبها وعرضها المحليين.

نعلم جميعاً أن ثورة ديسمبر إنطلقت لأسباب منها أن الثروات التي تراكمت من النفط مثلا “لم تذهب وبشكل غير مشروع لصالح حلفاء النظام فحسب ، بل تم نقلها عبر وسائل مختلفة إلى خارج البلاد… مما أدى إلى تقلص الاستثمار المحلي ” ( د.عباس عبد الكريم). وأنخفضت الدخول والطلب المحلي والإنتاج المحلي ، فالعطالة.

لا غرو أن د. حمدوك يعلم جيداً أن ثورة ديسمبر قد ورثت منظومة إقتصادية ارتبطت عضوياً وبنيوياً بعنف وفساد السلطة السياسية ، وكان عليه أن يسعي لإسترداد “الاقتصاد المختطف ، ولكن جاءت الحكومة وحلفائها بتوجه لتقويض الثورة والعمل على ارتهان السودان للمحاور الخارجية سياسيا وللإمبريالية العالمية اقتصاديا” ( د.عباس عبد الكريم). لم يهتم حمدوك بإنشاء مرتكزات دولة تنموية تسيطر علي عوائد الصادر وتنهي العجز فى الميزان التجاري وميزان المدفوعات ، وأن “السيطرة على مسار التجارة الخارجية ستعنى السيطرة على سعر صرف الجنيه السوداني” ( د.عباس عبد الكريم). من تلك المنطلقات قرّر حمدوك باكراً التغاضي عن الأوراق التي اعدتها اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير حول قضايا الاصلاح الإقتصادي المؤسسي وقدمتها للحكومة التنفيذية في اكتوبر 2019.

لم تكن فى قدرة ومقدرة أو رغبة د. حمدوك أن يتجنّب طريقاً يؤدي الي نفق ديموقراطية مكبلة بسلاسل إدارة الإقتصاد نيولبرالياً مع إنفتاح نعلم سلفاً أن الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين وامريكا يستثمرون فيه التناقضات بين الحلف الحاكم (مدني-عسكري، عسكرى-عسكري) لخدمة مصالحها في المنطقة محلياً وإقليمياً ودولياً. زبدة القول أن عضم ضهر سياسات تكنوقراط المرحلة الانتقالية هو إنتاج ديموقراطية ذليلة تابعة تهيئ اقتصاد تابع يعمل لتحديث مشاهد الفقر والإذلال. زبدة القول أن عضم ضهر سياسات تكنوقراط المرحلة الانتقالية هو إنتاج ديموقراطية ذليلة تابعة تهيئ اقتصاد تابع لتحديث مشهد الفقر والإذلال.

إن مساعي وسياسات تحالف حمدوك وتكنوقراطه مع أحزاب الهبوط الناعم فى الشق المدني ورجالات الإدارة الأهلية وبعض أقسام من المؤسسة العسكرية والفلول خارج السلطة ، و/أو داخلها بشكل غير مباشر ، هذه المساعي لا علاقة لها بمطالب ثورة ديسمبر. لم تكن ضمن رؤية حمدوك إستهداف إستراتيجية ثورية سياسية وإقتصادية لحمتها وسداها التمترس مع مصالح الجماهير من مهنيين وعمال ولجان مقاومة والأغلبية المسحوقة وهي العمل لإنجاز مهام وقضايا الديموقراطية القاعدية والسيادة الوطنية التي لا يمكن تجزئتها.

يصدر حمدوك وتكنوقراطه من ذات منطلقات ومصالح راسمالية الإحتكارات المعولمة والساسة رجال الأعمال فى الجنوب الكوني وهم في قلب أنشطة الراسمالية التداولية (التجارية والمصرفية) الطفيلية التي يمكنها ، بقليل من التدبّر، الإستفادة من روشتة صندوق النقد الدولي. الشاهد أن روشتة الصندوق التي إستجاب لها د. حمدوك تلائم شهوة شركات المؤسسات العسكرية من رفع الدعم عن السلع (الوقود الخ) وتعويم سعر الصرف وزيادة تحصيل الضريبة غير المباشرة . فرض منهج الإنفتاح على رئيس مجلس الوزراء تبنّي ثلاثة برامج تسويقية كرشوة موظفي الخدمة المدنية بزيادة أجورهم/ن (الهيكل الراتبي الجديد) التي إبتلعها التضخم ، ثم رشوة الأسر الفقيرة العاطلة عبر الدعم المباشر للأسر (ثمرات) الذى تدفعه منظمات العولمة وستأخذ أضعافه لاحقاً، وتوفير السلع الضرورية بأسعار مُخفّضة عن طريق التعاونيات برنامج (سلعتي) (راجع حسام عثمان محجوب ، خطاب ما أريكم إلا ما أرى).

لقد أصبح التحرير الإقتصادي الذي تسوّقه مؤسسات العولمة مطية لإعادة انتاج المؤسسة العسكرية والمليشيات، وأنتجت وضعاً لاعقلانياً بمنطق اللبرالية الجديدة ذات نفسه حيث “لم تستطع مؤسسات القطاع الخاص تكوين درجة من الاستقلالية مع وجود المؤسسة العسكرية التي فرضت مناخا شبه احتكاري على القطاعات الاقتصادية الكبرى في السودان” كما وضّح شريف مراد. المحصلة النهائية التي أمامنا هي “تراجع وضعف المجتمع المدني السوداني” وحين جاء رئيس وزراء ثورة تأبّط فكرياً وبراغماتياً مشروع الهبوط الناعم ستقع البلاد فريسة فشل في الأسواق يؤدي إلى أزمات إقتصادية طاحنة تنذر بمرحلة أخري من ثورة ديسمبر. لن أُمل تكرار قناعتي بأن الثورات الكبري  تأتي كصيرورات وليست ضربة لازب واحدة كما تعلمنا من الثورة الفرنسية التي استمرت عشر سنوات وستة شهور وخمس أيام تقريباً؛ أي  من 5 مايو 1789 الي 9 نوفمبر 1799.

زعمي هنا أن د. حمدوك ساهم في تنسيق وترسيخ مشروع اللبرالية الجديدة رغم أنف ثورة ديسمبر. لقد ظلت الأحزاب السودانية تمارس معارضتها لنظام الاسلام السياسي (الإخوان المسلمين) من عدة منابر ، منها ما ظل يفضّل وراثة الدولة العميقة بأسلوب المساومة وتقسيم الكيكة مع النظام القائم لغاية شهر ديسمبر ٢٠١٨ الذي تفجرت فيه الثورة ؛ وحملت تلك الجهات صفة الهبوط الناعم حتي يومنا هذا ، لا أستثني الحركات المسلحة في الهوامش السودانية. كما أن هناك منظومات وجماعات وأحزاب نافحت وما انفكّت ترفض هذه الهرولة ضيقة الأفق. هذا علي المستوي السياسي الفوقي، دعونا نحلل ماديا وموضوعيا ما حدث علي أرض الواقع من حراكات يومية متماسكة في مقاوماتها. أهم هذه القوي هم الطبقات الدنيا في مجتمعات المدن السودانية، وخاصة الشباب المهمشين من خريجين (من النوعين) الذين واللواتي فقدن الامل في حياة متواضعة كريمة واستمرت شروطهم الاقتصادية والاجتماعية في التدهور المريع من جراء سياسات وشروط اللبرالية الجديدة التي طبقتها حكومة الاخوان المسلمين بقيادة المخلوع عمر البشير والتي قوامها خصخصة وبيع مؤسسات اكبر مخدّم (وهو الدولة و/أو الحكومة، علي سبيل تقاربهما معاً بعد هوان ثلاثة عقود من الدولة الفاشلة). هذه الشرائح التي تضررت ورأت أن لا مناص من تقديم ما تبقي من أجسادهم المنهكة كشهداء ، فتقدمت نحو المقاصل والرصاص البربري من المؤسسات العسكرية الكوزانية والجيش الرسمي والجنجويد التي تمتلك أو تتحالف مع مؤسسات تجارية ومصرفية طفيلية عاثت فسادا معلنا موثقاً. هذه الفئات من الشباب التي فجرت الثورة لم تكن من الطبقة العاملة التقليدية والمزارعين التي قادت ثورة أكتوبر ١٩٦٤ وهم خارج طلائع تجمع الطبقة الوسطي (تجمع المهنيين من أطباء ومهندسين وقانونيين ومعلمين الخ) التي تضررت من سياسات اللبرالية الجديدة التي افقرتهم ماديا وليس روحياً. لقد انضم مهنيو الطبقة الوسطي الي انفجار الثوار في ديسمبر وقادت نقاباتهم التي ابتكرت جسداً سياسياً موازياً لنقابات السلطة الدموية الفاشية ، واستثمروا خبراتهم النضالية في مقاومة سلطة الاسلام السياسي وقادوا بجدارة وفعالية جموع الثوار في معظم المدن السودانية. إذن هناك قسم من ضحايا سياسات اللبرالية الجديدة من الشباب انفجرت ، ويقيني أنها تتعلم يومياً من تجاربها الدموية وراكمت تقاليد تنظيمية وثقافات مقاومة وخطاب ثوري ولها لغتها الرندوكية الباذخة وحفظت أشعار المقاومة الحديثة من محجوب شريف وحميد والقدال وأغاني ثورية حاضرة ، وتسلّحت فكريا وثوريا وصنعت ثورة في طريقها للإكتمال.

إزاء هذا المشهد المادي والرمزي والموضوعي تسللت بعض قيادات تكنوقراط الكتلة التاريخية وتصدت لقيادة حكومة انتقالية وحنثت بوعدها للثوار بأنها لن تشارك تنفيذياً واستوزارياً في الحكومة الإنتقالية وستظل تراقب وتنتقد وتستعدل مواقف الحكومة الإنتقالية حين تفارق جوهر الثورة وشعاراتها ومواثيقها. لكن الوعي الثوري قال لجماعة الهبوط الناعم بوضوح: لقد جئتم شيئا إدّاً  وأمراً فظيعاً منكراً. هؤلاء هم الجماعة التي استخدمها حمدوك لدعم مشروعه الفكري الآيديولوجي الجديد ، ولعله سيختار غيرها متى ما وجد نفسه معزولاً.

لم يتحرى حمدوك تبني مشروع وطني اقتصادي اجتماعي سياسي بديل قوامه العدالة الاجتماعية والعدالة الانتقالية ، وسعي مهرولاً نحو انفتاح اقتصادي خصخص من قبل القطاع العام و قبل برنامج التقشف وتجاهل موارد الدولة لدي شركات المؤسسات العسكرية ووافق علي ميزانية تتجاهل قطاعي التعليم والصحة لكنها تدعم الصرف علي المؤسسات العسكرية والأمنية وامتيازاتها. هذا هو جوهر مشروع حمدوك وتكنوقراطه الذي لا يختلف عن مشروع الاسلام السياسي التابع الخاضع للعولمة وأجندتها، ذات المشروع الذي هزمته ثورة ديسمبر.

خلافاً لذلك فإن نسحة اللبرالية الجديدة في الشمال الكوني تدعم الشركات والقطاع العام معاً ولا تود خصخصته علي غرار مدرسة شيكاغو التي تدعو لاقتصاد قطاع عام رشيق ؛ أما حين يختص الأمر بالجنوب الكوني فإن مؤسسات العولمة تفرض خصخصة القطاع العام ورفع الدعم علي حكومات الجنوب الكوني. الحكومة الفدرالية الأمريكية أكبر مخدٌم ولكن لا يودون أن تكون الحكومة الفدرالية السودانية اكبر مخدّم. في الشمال الكوني اهم شبكات النقل في المدن (مترو الأنفاق والقطارات تحت الأرض وفوقها)، والطرق المرصوفة والتعليم قبل الجامعي ودعم بحوث الشركات وكثير من الجامعات ، والمستشفيات مملوكة للقطاع العام (البلديات أو المحافظات أو الحكومة الفدرالية). دوح القطاع العام حلال علي بلابل الشمال الكوني ، لكنها حرام لطير الجنوب الكوني حسب روشتة صندوق النقد والبنك الدولي التي في قلب مشروع حمدوك وأفنديته. مشروع حمدوك مرتبك وملتبس وتحاصره قناعة أن الحل يقع خارج الحدود. التقنية والتنمية في الشمال الكوني مملوكة للشركات الاحتكارية التي يعمل حمدوك علي التعاون معها خارج ملكية ومشاركة القطاع العام السوداني بذريعة منطلق فكري قوامه الفيروس اللبرالي الجديد. هذا المشروع سيقوّض العمليه الانتقالية والتحول الديموقراطي الجذري ، ويهدف لنسف وتصفية الثورة ، بوعي أو بدونه.

مواقف وقرارات تكنوقراط الحكومة الانتقالية لا تخدم ثوار ديسمبر وفقرائها وانما تخدم مصالح الشريحة العليا من الطبقة الوسطي ومصالح الرأسمالية الطفيلية وشركات جنرالات المؤسسة العسكرية والجنجويد. تتطلّع جماعات الهبوط الناعم الي تسوية سياسية اقتصادية مع الإسلاميين لاقتسام الكيكة معهم كدولة عميقة علي المستوي العسكري وقطاعات المضاربات في السلع الاستراتيجية والطاقة وغسيل الأموال وتبييضها والسوق الأسود في العملات والتهريب. جوهر خطاب وممارسات تحالف العسكر والمليشيا وجماعات الهبوط الناعم والإسلاميين هو إستمالة الشرائح النقابية من الطبقة الوسطي في مجموعة تجمع المهنيين التي خانت مطالب ثوار ديسمبر وسال لعابها نحو بريق دهاليز الإغراء التي تبدو من نموذج نموء (مقابل التنمية) الليبرالية الجديدة  (التحرير الاقتصادي والإنفتاح الاقتصادي). لقد أسفر مشروع حمدوك وتكنوقراط المرحلة الإنتقالية عن وجه كالح وعمل على:

  • احتضان رجال الأعمال الجدد/القدامي في الرأسمالية التجارية والطفيلية والغرف التجارية والمستوردين والمصدرين الي آخر القائمة ، كونهم المستفيدين من النموذج الليبرالي الجديد. وهؤلاء يتطلعون للإنتفاع بما تجود به محاصصات وعمولات سلام جوبا والي ملء الفراغ الاقتصادي التجاري السياسي كساسة/رجال أعمال. تحلم الشريحة العليا من الطبقة الوسطي بالإنضمام الي تجار المضاربات وغسيل الأموال والسوق الأسود مستصحبة إرث ثلاثة عقود من الأخلاق الطفيلية.
  • شق صف مؤسسات الطبقة الوسطي السودانية في تجمع المهنيين (محامين ، أطباء، صحفيين، مهندسين، صيادلة، قضاة، معلمين جامعيين وغير جامعيين الخ).
  • إضعاف الطبقة الوسطي بسن ذات القوانين النقابية القديمة التي تبناها نظام الاسلام السياسي الكيزاني.

كلمة ختامية:

كتبت هذه المقالات كباحث أكثر من حزبي ، ولكن هيهات أن أدّعي المقدرة على فصلهما. كباحث حاولت هنا أن أخرج من القمقم الإقتصادي الأكاديمي الحار الجاف مع استصحاب السياسي، كون كل شيئ سياسي على كل حال ؛ الجغرافيا سياسية فى فضاء الجيوبوليتيكس وكذلك تتحالف السوشيولوجيا مع الثقافة فى الحقول العابرة للتخصصات. حاولت أيضا هنا أن أخرج من ضيق الأفق التكتيكي إلى رحابة النظر إلى حراك العولمة كسياق لئيم نتحرك ضمنه. أعتقد من الأصوب لثورتنا، نعم ثورة باعتبار أن الثورة عملية صيرورة قادمة، أن  تضيء ظلمات الفجوة بين إرادة الثوار (الكنداكات) ووعيهم وصبرهم المؤدّب من جهة وبين وإرادة ووعي النخب المترددة التي تقاصرت رؤآها عن طلب العُلا فاختارت مناهج الإحسان والفتات الحسيرة من عولمة معاصرة في حالة أزمة إنفجار داخلي كما أطلق عليها سمير  أمين. لذلك لا يجوز أن نبيع للعولمة حجابنا وسراويلنا وأصالتنا.

الشاهد أن جوهر نظام الانفتاح الليبرالي الجديد الذي يندفع د. حمدوك نحو كتنفيذي مخلص (بوعي منه أو بدون وعي) هو ظلم وإستغلال أغلبية الشعب بعنيف وقسوة. لذلك تقاطع استهدافه مع النظام الحاكم السابق، وتيقّن أن عليه أن يتصالح مع الإسلاميين براغماتياً (كونه رئيس وزراء للجميع) ، وربما يحتاج لاحقاً لخلق فضاء سياسي يستثمر برنامجهم الديني الايديولوجي المطلق لتبرير الاستغلال المطلق. ذلك هو “عضم ضهر وطايوق” رؤية ومشروع وبرنامج الجمع بين الأختين: الدين والسياسة ، أو قل الدين وبقايا الطائفية من جهة والدولة من جهة أخري.

لقد إختار حمدوك بكامل قواه العقلية وبصيرته أن يقول للشرعية الثورية انت عليّ كظهر امي ، فنأي عن قوة الشرعية وراهن جزافاً علي شرعية القوة (قوة الجنرالات الزائفة المتحالفة مع مليشيا الجنجويد) وتوازن الضعف.  جوهر خطاب ومشروع حمدوك هو ان تحافظ المنظومة القديمة علي امتيازاتها وصلاحياتها ولكن عليها أن تتفضّل علي ثوار ديسمبر بشيء من فتات شركات القطاع العام المسلوبة وشيء من فتات مشروع الإحسان المنعوت بثمرات.!

وفي أحسن الأحوال نفاجأ بالمراوغة وعد الشفافية تجاه مؤسسات ومنظمات ثوار ديسمبر. والأسوأ علي الإطلاق هو أن تتم إهانة الثوار عبر البرود تجاه جثامين الشهداء الموزعة بين الأزقة العطِنة والمشارح والمقابر الجماعية لشهداء فض الإعتصام و في النهر الذي يطفح بالضحايا أو مكبلين في قاعه بالصخور والحجارة. كذلك يهين ذوي الشهداء وأصحابهم ومعظم الأسر السودانية بالبطء لكون الجميع قد ابتلي بفقد أو إستشهاد الثوار. قال نيلسون مانديلا حول تحمّلك إهانة الناس أمامك : ليس حراً من يهان أمامه إنسان ولا يشعر بالإهانة.

الإقتباسات والمراجع أعلاه تثبت عدم مصداقية إنتمائه لمطالب الثورة الإقتصادية المعيشية والسياسية والعدلية والتشريعية وحول السلام الشامل والعدالة الإنتقالية لشفاء ذوي الإبادات والقصاص لهم والنازحين، كما تثبت ضبابية مواقفه وسياساته ، وحين تكون سياساته واضحة تؤسس للتبعية وخصخصة موارد القطاع العام ، أو “عدم الجدية في إرجاع ما تم نهبه فى الداخل والخارج في الإمارات وتركيا وماليزيا ومصر وهولندا وأروبا. لماذا لا ندرس تجربة الفلبينيين الذين أعادوا بعد انتفاضتهم أموالهم التي نهبها ماركوس وزوجته.

إذا قدرنا ما استرجع داخلياً من أراضٍ وأموال فإنها لا تزيد عن 2 مليار دولار، بينما المنهوب بالخارج حوالي 165 مليار، فهو لا شيء بنسبة المنهوبات جملة. لا ينبغي أن نأتي في اللجان المطلوبة لاسترجاع الأموال بأشخاص لمجرد أنهم اقتصاديين، بل تكون من فرق استقصائيين ومتخصصين في القانون الدولي للأعمال، ولدينا متخصصون وخبراء في الخارجية السودانية وغيرها في هذه المجالات لكن القدر رمانا بتكالب الناس على لجنة لأن اسمها براق (راجع عبد الرحمن الأمين ، حديث الأرقام واللا معقول ، صحيفة الديموقراطي ، من ندوة بعنوان استعادة الأموال المنهوبة بين تباطؤ الحكومة والتعقيدات الخارجية).

عملت هنا علي تفكيك خطاب د. حمدوك كوني ذكرت الجزء وأردت الكل وهو تحليل بنيات التحالف الباطن والظاهر الذي يتخلّق بصمت حمدوك وتكنوقراطه أو مباركته عبر المواقف أو التغاضي عنها. وكوني عرفت د. حمدوك من قبل كثيراً ما أستدعي تعاطفاً ما تجاه ما وضع نفسه فيه ، تعاطفاً أقرب لتخوم الشفقة و الإستقامة. كتابتي هنا تعني جميع لاعبي الحكومة الإنتقالية في شقي المعادلة السياسية الذين يتحركون في فضاء يتغابون و/أو يغضون الطرف فيه عن تسمية الفيل في الحوش ويطعنون ظله. المحنة الأخلاقية الفضائحية والأمانة التي تنوء عن حملها الجبال هي أن الشق المدني يقنن ويبرر لقتلة حقيقيين قالوا بألسنتهم أنهم فضّوا الإعتصام و “يقوم ويقع” معهم، بل يبارك سوءتهم ضمن شراكة مريرة كما فعل حمدوك حين تم إستدعاؤه (وليس دعوته) لإحتفالية لمباركة وتمجيد وإعلاء شأن الدعم السريع!. لا يود حمدوك طبعاً أن يعكّر مزاج أو يغضب زبائنه الجنجويد والعسكر والفلول والراسمالية الجدد والقدامي الفاتحين أفواههم وقلوبهم لعطايا الخصخصة القادمة طيّ مشروع الإنفتاح وروشتة الصندوق وفتات الدول العربية المجاورة وغير المجاورة. قرّر د. حمدوك تجاهل ثوار ديسمبر وكنداكاتها وحواضنهم الحقيقية. لو فعل ذلك لخاطبه العسكر والجنجويد والمليشيات الجدد الذين تخلوا تماماً عن مشاريع حركات التحرر الأفريقية قائلين: فليدعُ ناديه ، سندعو الزبانية.

المراجع:

  1. احمد ابراهيم أبو شوك ، المثقف والسلطة وإشكالية المواقف الأخلاقية في السودان ، مجلة إضـافـة، العدد الاول اغسطس 2021.
  2. د. عباس عبد الكريم ، مقدمة فى  الاقتصاد السياسى للثورة والثورة المضادة في السودان ، 2019-2021.

https://sudanile.com/archives/142731

  1. د. عباس عبد الكريم، في الاقتصاد السياسى للثورة(2): الاختطاف الاقتصادى والتفوق على متطلبات صندوق النقد الدولى فى رفع الدعم السلع

https://sudanile.com/archives/143008

  1. جانب من “محاضرة بعنوان “زيادة الحيّز المالي الأفريقي” ، المؤتمر الثالث حول التمويل التنموي في افريقيا 14 يوليو 2015:

https://youtu.be/JRbdoAkbwvk

  1. الكلمة التي ألقاها حمدوك أمام المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في قمة الاتحاد الأفريقي:

Address by Dr. Abdalla Hamdok Executive Secretary (acting) , United Nations Economic Commission for Africa (UNECA) to the AU African Union  Executive Council African Union Summit, January 26, 2017

https://youtu.be/WCHLKxASy-0

  1. عبد الله حمدوك ، نائب الأمين التنفيذي – اللجنة الاقتصاديَّة للأمم المتحدة بأفريقيا أديس أبابا – يناير 2016 ، في كتاب الدولة التنموية الديموقراطية ، المؤلف د. صلاح عوض عمر، الناشر: مشروع الفكر الديمقراطي ، ابريل 2016. تقديم حمدوك ص (13-22).
  2. تقرير وزارة تنمية الموارد البشرية والعمل ومنظمة العمل الدولية (2013) ، الخرطوم؛ أشار اليه د. عباس عبد الكريم.
  3. د. عباس عبد الكريم، مقدمة فى الاقتصاد السياسى للثورة والثورة المضادة في السودان، سبتمبر 2019 – مايو 2021         https://sudanile.com/archives/142731
  4. صدقي كبلو ، 25 عاما على حكم الرأسمالية الطفيلية الاسلامية ، 2014 ، المقال متاح على شبكة الإنترنت.
  5. هنا دبى : الشعب يريد ارجاع الفلوس ، عبدالرحمن الامين يكشف المستور
  6. عبدالرحمن الأمين “هنا دبى : الشعب يريد ارجاع الفلوس عبدالرحمن الامين يكشف المستور”. https://www.sudanakhbar.com/647761

تصريح السيد خلفان سعيد الكعبي النائب الأول لرئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة أبوظبي ، صحيفة السوداني في 11 فبراير 2012.

  1. كلمة حمدوك في لقاء واشنطون ديسمبر 2019 علي اليوتيوب:
  2. Navigating Sudan’s Transition. A conversation with Prime Minister Abdalla Hamdok, December 5, 2019:

https://youtu.be/46BHYKp2AyE

  1. شريف مراد ، 6 يوليو 2021 ، “من التمكين إلى سطوة المليشيات.. من يرث تركة الإنقاذ في السودان؟” الجزيرة نت. https://www.aljazeera.net/midan/reality/politics/2021/7/6/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%83%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B3%D9%8A%D8%B7%D8%B1%D8%A9
  2. د. عباس عبد الكريم ، في الاقتصاد السياسى للثورة (3) إجراءات تخفيف الاثار السلبية من رفع الدعم السير في التضليل الممنهج:

https://sudanile.com/archives/143167

  1. الفاضل الهاشمي ، التدخلات السياسية في تعدين وتجارة الذهب في السودان ، تحديات الفساد وإنعدام الشفافية، المجموعة السودانية للديموقراطية أولا، 2017.
  2. السيد يسين ، ثورة 25 يناير بين التحول الديموقراطي والثورة الشاملة، أغسطس 2011.
  3. عشاري أحمد محمود خليل، قضايا المخفيين قسرياً بواسطة الدولة والجنجويد في المقابر الجماعية والمشارح والمعتقلات السرية، في سياق مذبحة الشباب الثوار 3 يونيو 2019، 22 مايو 2021، منشورات البداية

www.albidaaya.org

  1. وزير التربية السابق (بروف محمد الأمين التوم): استفسرت حمدوك عن سبب استبعادي ولم أتلقّ رد، أخبار السودان 30 مارس 2021:

https://www.alrakoba.net/31545931/%d9%88%d8%b2%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d9%82-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%81%d8%b3%d8%b1%d8%aa-%d8%ad%d9%85%d8%af%d9%88%d9%83-%d8%b9%d9%86-%d8%b3/

  1. جوزف استغلتز ، العولمة والسخط منها ، 2002:

Globalization and its Discontents

  1. د. عباس عبد الكريم ، في الاقتصاد السياسي للثورة (4) سياسة التوجه نحو الخارج: سياسة الفشل وفشل السياسة:

https://sudanile.com/archives/143322

  1. فحص أمني ، الراكوبة 1 ابريل 2021:

https://www.alrakoba.net/31546639/%D9%81%D8%AD%D8%B5-%D8%A3%D9%85%D9%86%D9%8A/

  1. نص مبادرة حمدوك ، 22 يونيو 2021:

https://www.tagpress.net/65305/

  1. ستغليتز ، ثمن اللامساواة ، ٢٠١٢

Stiglitz, the Price of Inequality, 2012.

  1. Stiglitz, top one percent , 2012

http://www.vanityfair.com/society/ features/2011/05/top-one-percent-201105, accessed February 28, 2012.

  1. د. عباس عبد الكريم ، هل بمقدور الحكومة الحالية التدخل لتوسيع الفرص والخيارات للتوظيف؟ الإجابة: لا (14/15) :

https://sudanile.com/archives/144810

  1. د. عباس عبد الكريم ، في الاقتصاد السياسي للثورة (5) دعوة الاستثمار الاجنبي- دعوة بدون استراتيجية تنمية وطنية وبفوضى تشريعية:

https://sudanile.com/archives/143486

  1. د. عباس عبد الكريم ، في الاقتصاد السياسي للثورة (6-15): هل يمكن جذب استثمار أجنبي نوعي؟ لا! الغرض خلق فئة رأسمالية كمبرادورية جديدة :

https://sudanile.com/archives/143603

  1. الهادي هبّاني، حقيقة إعفاء ديون السودان عبر بوابة الهبك ، الراكوبة ، 6 يوليو 2021:

https://www.alrakoba.net/31585100/%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%A5%D8%B9%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D8%A8%D8%B1-%D8%A8%D9%88%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87/

  1. يا سارية الجبل: جاء فى أثر الميثولوجيا أن سارية بن زنيم الدؤلي صحابي مخضرم شهد الجاهلية والإسلام واشتهر بحادثة نداء عمر بن الخطاب لهُ من المدينة (عبر الأثير الروحي طبعا) قائلا: يا سارية الجبل بينما كان سارية يقود جيشا للمسلمين في بلاد فارس فوصل لهُ صوت الخليفة عمر بن الخطاب من المدينة وهو ببلاد فارس فانحاز إلى جبل فكان لهم الانتصار على الجيش الفارسي.

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9_%D8%A8%D9%86_%D8%B2%D9%86%D9%8A%D9%85

  1. مجاهد بشري، من كان بيته من زجاج: قراءة في خطاب البرهان أمام جنود المدرعات ، 21 سبتمبر 2021:

https://www.facebook.com/1042114841/posts/10223007088419295/

  1. صدقي كبلو ، حول النخبة والطبقة والجهوية والإثنية ، سلسلة قضايا سودانية 2008.
  2. جلال أمين ، ماذا حدث لمصر، ٢٠٠١، القاهرة، دار الشروق.
  3. Samir Amin, The Reawakening of the Arab World, Challenge and Change in the aftermath of the Arab Spring, Monthly Review Press, 2016, 2016.
  4. في الاقتصاد السياسي للثورة:15-10 نحو تنمية قائمة على التوجه الداخلي: الطلب المحلى والدولة التنموية بقلم: د. عباس عبد الكريم

https://sudanile.com/archives/144262

  1. حسام عثمان محجوب، خطاب “ما أريكم إلا ما أرى” الاقتصادي للحكومة الانتقالية ، سودانايل، 7 مارس 2021:

https://sudanile.com/archives/130957

  1. لن نعود للوراء.. حمدوك يخاطب السودانيين في ذكرى 30 يونيو ، سكاي نيوز عربية – أبوظبي ، 29 يونيو 2020:

https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1356911-%D9%84%D9%86-%D9%86%D8%B9%D9%88%D8%AF-%D9%84%D9%84%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%AD%D9%85%D8%AF%D9%88%D9%83-%D9%8A%D8%AE%D8%A7%D8%B7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-30-%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88

  1. موقع الأمم المتحدة:

https://news.un.org/ar/story/2020/09/1062452

  1. محمد جمال قندول ، الوساطات الوطنية.. (زامر) الحي هل يطرب؟؟ ، 3 يوليو 2019:

https://alintibaha.net/online/11208/

 

 

مواضيع متعلقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

التخطي إلى شريط الأدوات