حوارات و مناقشات حول مقترح انشاء البنك السوداني لاعادة الاعمار و التنمية 1/ 2 (*)
عبداللطيف علي ابراهيم
منذ أن قدمت في الأسابيع الماضية مقترحا بضرورة التعجيل بانشاء البنك السوداني لاعادة الاعمار و التنمية ، اتصل بي عدد من بعض الاخوة الخبراء و الزملاء و المهتمين بالشأن الاقتصادي ، بعضهم عمل بمؤسسات تمويل دولية و اخرين في منظمات دولية و اقليمية فضلا عن البعض الاخر الذين عملوا ويعملون في قيادة مؤسسات مصرفية سودانبة بالاضافة الي شخصيات عملوا علي ادارة موارد الدولة الاقتصادية و حمايتها ، كما أنني اتصلت علي البعض للتعرف علي اتجاه رأي الخبراء ومقترحاتهم الاولية حول البنك . حقيقة وجد المقترح تجاوبا عظيما و حماسا منقطع النظير و تأييدا من معظم الذين شاركتهم المقترح و أبدي البعض ، بعض الملاحظات الهامة التي تصلح في مرحلة التعرض لتفاصيل و دراسة المقترح وأود التأكيد هنا أن ما طرحته حتى الآن لا يتجاوز كونه تصوراً أولياً يحتاج إلى مزيد من الحوار والدراسة الفنية والمالية والقانونية، تمهيداً للوصول إلى نموذج مؤسسي قابل للتطبيق لكن سوف أتعرض لبعض التفاصيل الهامة لاحقا في مقالاتي القادمة .
من خلال الحوار رأيت ضرورة ابراز التجارب العالمية و الاقليمية بعد الحروب و جهودها لاعادة الاعمار و من ثم مسيرة التنمية التي حدثت لها و ربط كل هذه التجارب بموضوع البنك المقترح ، و كنت قد استعرضت عددا من المؤسسات التي ساهمت بدور مقدر في اعادة اعمار عدد من الدول مثل بنك (KfW) الألماني و البنك الأوربي لاعادة الاعمار و التنمية (EBRD) و بنك التنمية لجنوب أفريقيا (DBSA) .
أن أسوأ حرب مرت على العالم الحديث هي الحرب العالمية الثانية والتي أدت الي قتل ملايين البشر واصابة الملايين بجروح وعاهات مستديمة جسدية ونفسية هذا فضلا عن الدمار الذي أصاب البني التحتية المتمثلة في المصانع ومحطات توليد الكهرباء والجسور والطرق ومحطات المياه والمساكن والمدارس والمراكز الصحية والمستشفيات والأسواق . لكن هذه المحنة أخرجت تجارب تعتبر من التجارب الانسانية التي يجب الوقوف عندها وأخص هنا التجربة الألمانية واليابانية والايطالية، حيث تُعدّ التجارب الثلاث من أبرز قصص التعافي الاقتصادي في التاريخ الحديث ، فقد خرجت ألمانيا و اليابان وإيطاليا من الحرب العالمية الثانية وهي تواجه دماراً مادياً واسعاً ، واضطراباً سياسياً ، ونقصاً في الموارد ، وتراجعاً في الإنتاج ومستويات المعيشة. ومع ذلك ، تحولت الدول الثلاث خلال سنوات وعقود قليلة إلى اقتصادات صناعية متقدمة ، لكن يجب أن نتذكر أن هذه الدول كانت تتمتع قبل الحرب بقدر عالي من التنمية و العمران و مستوي متقدم من العلم و التقدم و قدر كبير من العقول و الكوادر المهنية و المبتكرة هذا فضلا عن شعوب واعية و وطنية قادرة علي التضحية ، هذا فضلا عن أن حروبها لم تكن حروبا داخلية ، لذلك يجب وضع كل هذه الاعتبارات عند محاولة مقارنة حالنا بحالها أو محاولة نقلنا لتجاربها في اعادة الاعمار بعد الحرب . و كذلك أرجو أن أستعرض تجارب بعض الدول الأفريقية التي حققت نجاحا في اعادة الاعمار و التنمية بعد فترة حروبها الداخلية التي يمكن مقارنتها مع حربنا الدائرة الان مع وضع اعتبار للفوارق الضرورية بينها و بيننا أيضا.
التجربة الألمانية :
تعرضت المدن وشبكات النقل والمرافق لأضرار كبيرة ، وتعطّل النشاط الإنتاجي ، وعانت البلاد من نقص السلع واختلال النظام النقدي . في أوائل عام 1948 كان الإنتاج الصناعي أقل من 60% من مستواه عام 1936 وفق دراسة لصندوق النقد الدولي. لكن ألمانيا احتفظت بقدر مهم من الخبرات الهندسية والصناعية والمهارات الفنية التي أمكن استثمارها في التعافي.
إصلاح النقد والمؤسسات وإطلاق الإنتاج :
تميزت ألمانيا الغربية بأن إعادة الإعمار لم تقتصر على إصلاح المصانع والمباني، بل بدأت إصلاح البيئة الاقتصادية التي تعمل فيها المصانع والأسواق لذلك فان أهم عناصر التجربة الألمانية تتمثل في الاتي :
- الإصلاح النقدي : في 1948 بدأت ألمانيا بانشاء المؤسسات المالية التي تتولي تمويل مشاريع اعادة الاعمار و استُحدث المارك الألماني الجديد، بالتزامن مع تخفيف واسع للقيود على الأسعار والإنتاج . ساعد ذلك على تقليص اختلالات السوق السوداء واستعادة الحوافز للإنتاج والتبادل .
- اقتصاد السوق الاجتماعي: جُمعت آليات السوق والمنافسة مع سياسات اجتماعية ومؤسسات عامة تسعى إلى حماية الاستقرار الاجتماعي وقد ساعد هذا النهج على تشجيع الإنتاج والاستثمار، مع مراعاة الاستقرار الاجتماعي، وتوفير إطار أكثر وضوحاً للعلاقات بين الدولة والقطاع الخاص كما افردت مساحة واسعة للتدريب و توظيف الكوادر المدربة .
- الصناعة والصادرات: استفادت ألمانيا من خبراتها في الآلات والمعدات والصناعات الهندسية ، ثم وسعت إنتاجها وقدرتها التنافسية في الأسواق الدولية .
- الاستثمار والمهارات: ساعدت المدخرات المحلية والاستثمار وعودة الثقة الاقتصادية، إلى جانب دمج ملايين الوافدين والمهاجرين في سوق العمل، على توسيع الطاقة الإنتاجية .
- الاندماج الأوروبي: أتاح توسيع التجارة مع الدول الأوروبية فرصة لنمو الصادرات والوصول إلى أسواق أكبر .
لكن من الخطأ الاعتقاد بأن إصلاح العملة وحده صنع المعجزة الألمانية ، فقد كان جزءاً من مجموعة إصلاحات مؤسسية وسياسات نقدية ومالية وتجارية ، ومن بيئة دولية ساعدت على التعافي.
النتيجة: أصبحت ألمانيا الغربية، بحلول نهاية الخمسينيات، من أقوى المراكز الصناعية والتصديرية في أوروبا، بعد أن تجاوز إنتاجها الصناعي ضعف مستواه السابق للحرب .
التجربة اليابانية :
قدمت اليابان تجربة تختلف عن ألمانيا ؛ فقد لعبت الدولة دوراً واضحاً في توجيه التنمية الصناعية، مع ترك مساحة واسعة للشركات الخاصة للتوسع والمنافسة و تشمل أهم عناصر التجربة ما يلي :
- الاستقرار المالي والنقدي: ساعدت إجراءات الاستقرار في أواخر الأربعينيات على تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للإنتاج مع دور مهم و رائد للمصارف والشركات اليابانية حيث لعب بنك التنمية الياباني (Development Bank of Japan) دورا محوريا في تمويل مشاريع البنية التحتية و المشاريع الصناعية الكبري ذات القوة التصديرية الهائلة .
- تأهيل الكوادر في مختلف مجالات الادارة و الهندسة و الاستفادة من فرص التدريب التي أتاحتها الولايات المتحدة و الدول الغربية و مؤسسات التنمية الدولية حيث تم ابتعاث الالاف و تم تدريبهم في مجالات الهندسة و التكنولوجيا بمختلف فروعها ، الاقتصاد و الأنظمة المصرفية و المالية ، الادارة و الأنظمة السياسية و القانونية و التعليم و تطوير المناهج . كما اعتمدت سياسة قوية تجاه التدريب المهني.
- الإصلاحات المؤسسية والاجتماعية: شملت فترة الاحتلال الأمريكي إصلاحات في الزراعة والتعليم والعمل ، إلى جانب تغييرات في بنية الاقتصاد و توجيه الاستثمار نحو الصناعة حيث سعت السلطات الاقتصادية إلى دعم القطاعات الصناعية الاستراتيجية ونقل التكنولوجيا ورفع الإنتاجية.
- الاستفادة من الحرب الكورية: منذ عام 1950 أصبحت اليابان قاعدة إمداد رئيسية للقوات التابعة للأمم المتحدة، ووفرت المشتريات العسكرية المرتبطة بالحرب طلباً مهماً على الإنتاج الياباني ومصدراً للنقد الأجنبي.
- التوسع في التصدير: تحولت اليابان تدريجياً إلى مركز صناعي ينتج السيارات والسفن والآلات والأجهزة الإلكترونية، مستفيداً من التحسين المستمر للجودة والإنتاجية.
نشير هنا الي أن اليابان لم تكن جزءا من خطة مارشال التي كانت مخصصة لاوربا فقط لأنها كانت تقع تحت حكم و ادارة سلطة احتلال عسكرية أمريكية مباشرة بقيادة الجنرال ماكارثر لكن اليابان حصلت علي مساعدات عبارة عن برامج اغاثة انسانية لحفظ الأمن و منع المجاعة ( بمشتريات خارجية و محلية ساعدت في زيادة الانتاج المحلي ) و لكنها استفادت من البنك الدولي في دعم تمويل طويل الأجل لمشاريعها في مجالات البنية التحتية من كهرباء و طرق و جسور و انتاج فحم و خلافه مما خلق وضعا مستقرا لاقتصادها .
وتؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أهمية الحرب الكورية في تغيير الظروف الاقتصادية والاستراتيجية لليابان، بينما تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن متوسط نمو الاقتصاد الياباني اقترب من 10% سنوياً بين 1950 و1973، في واحدة من أبرز موجات النمو في التاريخ الاقتصادي الحديث.
التجربة الايطالية :
حققت إيطاليا ما عُرف بـالمعجزة الاقتصادية الإيطالية ، خاصة خلال الفترة الممتدة من الخمسينيات إلى أوائل الستينيات . تتمثل أهم عناصر التجربة الإيطالية في الاتي :
- تثبيت الاقتصاد: ساعدت إجراءات الاستقرار النقدي والمالي في احتواء اضطرابات ما بعد الحرب وتحسين بيئة الاستثمار و قد استفادت ايطاليا بصورة أساسية من البنك الدولي في اعادة بناء البني التحتية خاصة في مناطق الجنوب التي كانت تعاني تخلفا واضحا في توفر البنيات الأساسية و الخدمات.
- خطة مارشال : استفادت إيطاليا من المساعدات الأمريكية الكبيرة لتمويل إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية وتوفير بعض الاحتياجات الإنتاجية .
- تطوير النقل والمرافق : أسهمت الاستثمارات في الطرق وشبكات الاتصال والبنية التحتية في تسهيل النشاط الاقتصادي وربط مناطق الإنتاج بالأسواق .
- التوسع الصناعي : نمت صناعات السيارات والدراجات النارية والأجهزة المنزلية والآلات، مستفيدة من العمالة المتاحة والتدريب و التحول من الزراعة إلى الصناعة والخدمات .
- الاندماج الأوروبي : ساعد تأسيس السوق الأوروبية المشتركة عام 1957 على توسيع فرص التصدير وجذب الاستثمارات وزيادة المنافسة .
وتشير دراسة منشورة في Journal of Economic History إلى أن إيطاليا حصلت على نحو 12 مليار دولار بأسعار عام 2010 من مساعدات خطة مارشال خلال 1948- 1952 ، بمتوسط يعادل نحو 2.3% من الناتج المحلي سنوياً على مدى خمس سنوات. كما وجدت الدراسة أن المناطق التي استفادت بدرجة أكبر من منح إعادة الإعمار شهدت زيادات في الإنتاج الزراعي والاستثمار في الآلات ودخول منشآت صناعية جديدة وخلال الفترة 1950-1973، نما الناتج القومي الإجمالي الإيطالي بمعدل سنوي بلغ نحو 6.8% ومع ذلك، لم يختفِ التفاوت بين الشمال الصناعي والجنوب الأقل تطوراً، كما أن بعض القيود المؤسسية والسياسية حدّت لاحقاً من استمرار النمو بالمعدلات نفسها . لذلك فان إيطاليا قد نجحت في التحول إلى اقتصاد صناعي حديث ، لكنها لم تحقق التوازن التنموي الداخلي نفسه الذي تتطلبه إعادة إعمار متكاملة على مستوى البلاد كلها.
ما دور المساعدات الخارجية في التجارب الثلاث ؟
من المفيد تصحيح فكرة شائعة: لم تكن خطة مارشال العامل الوحيد في النهضة الأوروبية ، ولم تكن اليابان مستفيدة من البرنامج الأوروبي نفسه حيث بلغت المساعدات المخصصة لألمانيا الغربية في إطار خطة مارشال نحو 1.4 مليار دولار، ولإيطاليا نحو 1.5 مليار دولار خلال فترة البرنامج، وفق الأرقام التاريخية الاسمية المنشورة عن البرنامج. أما اليابان ، فكان تعافيها مرتبطاً بالمساعدات الأمريكية في فترة الاحتلال ، ثم استفاد اقتصادها من المشتريات المرتبطة بالحرب الكورية ، فالتمويل الخارجي كان مهماً ، لكنه لم يكن كافياً بمفرده. فقد اختلفت النتائج بحسب كيفية استخدام الموارد ، وقدرة المؤسسات على تنفيذ المشروعات ، وسياسات النقد والاستثمار والتجارة ، وقدرة الوصول إلى الأسواق .
وتبرز أهمية هذه النماذج التي قدمتها في أن تمويل اعادة الاعمار و التنمية لا يمكن أن يعتمد على الائتمان التجاري قصير الأجل وحده ، إذ تحتاج مشروعات البنية التحتية والصناعات الثقيلة إلى آجال أطول، ودراسات فنية ومالية متخصصة، وتقييم دقيق للعائد والمخاطر .
إذا اضطررنا إلى اختيار تجربة واحدة بوصفها الأكثر قوة في تحقيق نمو صناعي طويل الأمد ، فسوف تكون اليابان هي الخيار الأفضل، أما إذا كان المقصود بناء اقتصاد سوق صناعي متين و أسرع مع مؤسسات مستقرة وتكامل إقليمي ، فإن ألمانيا الغربية تقدم نموذجاً مؤسسياً بالغ الأهمية أما إيطاليا فتوفر دروساً إضافية حول دور البنية التحتية والمساعدات الخارجية والسوق المشتركة ، مع ضرورة الانتباه إلى مشكلة التفاوت في مستويات التنمية بين أجزاء الدولة.
ما الدروس التي يمكن الاستفادة منها في إعادة إعمار السودان؟
من خلال استعراضنا للتجارب الثلاث نجد أن الركن الأساسي في مراحل اعادة الاعمار هو بناء المؤسسات و السياسات المالية القوية التي تستوعب و توجه الموارد الخارجية والداخلية لبناء الاقتصاد وفق استراتيجية منهجية و مهنية و تكامل مع الأهداف الكلية. عندنا في السودان، أعتبر ان وقف الحرب وبسط السلام هو القاعدة الأساسية التي يمكن أن تبني عليها عملية اعمار ناجحة هذا فضلا عن رفع كل القيود التي تكبل الدولة من ديون و عقوبات و منهج حكم و هذه هي الأساسيات التي تمهد لنجاح مؤسسات التنمية في البلاد و أرى أن السودان لا ينبغي أن ينسخ تجربة واحدة بالكامل ، بل أن يجمع بين العناصر الأكثر ملاءمة لظروفه ، فالاقتصاد السوداني يختلف عن الاقتصادات الصناعية الثلاثة من حيث بنية الإنتاج ، وضعف البنية التحتية ، والظروف الأمنية ، وحجم الاحتياجات التمويلية و ثقافة العمل ، فالحالة الوحيد الذي يتساوي فيه مع تلك الدول هو أنه خارج من حرب مدمرة . هنا يمكن أن نقدم أبرز الدروس العملية التي ينبغي أن توجه استرتيجيتنا لاعادة الاعمار و التنمية:
1- البدء بالاستقرار المؤسسي والنقدي: لا يمكن أن تنجح إعادة الإعمار في ظل اضطراب العملة، وتضارب المؤسسات و انعدام الثقة في المصارف ، وعدم وضوح القواعد القانونية. لكن الاستقرار النقدي يجب أن يسير جنبا الي جنب مع استعادة الإنتاج ، لا أن يتحول إلى سياسة انكماش تعطل الاقتصاد ، لذلك يجب اعادة فتح الاقتصاد لا تقييده باجراءات بيروقراطية عقيمة .
2- ترتيب أولويات البنية التحتية : الكهرباء والمياه والطرق والاتصالات والمخازن والنقل ليست مشروعات خدمية ثانوية ؛ بل هي الأساس الذي يمكّن المشاريع الزراعية والصناعية والتجارية من العمل هذا مع الالتفات الي رفع مستوي الخدمات في مجالات التعليم و الصحة و التدريب إذ يمكن تطوير جانب من هذه الخدمات من خلال المنح والتمويل الميسر طويل الأجل والشراكات مع المؤسسات المتخصصة .
3- توجيه التمويل نحو الإنتاج والصادرات: ينبغي أن يركز التمويل على الزراعة والري ، الثروة الحيوانية، التعدين، الصناعات الغذائية والدوائية والصناعات التحويلية ، وفق دراسات الجدوى وتوفر الموارد والأسواق، فالغاية هي توليد دخول وفرص عمل ونقد أجنبي، لا مجرد زيادة الائتمان .
4- إنشاء إطار متكامل لتمويل التنمية: تتطلب إعادة الإعمار تنسيق الحكومة والبنك المركزي والمصارف والقطاع الخاص والمستثمرين الخارجيين . ويمكن لبنك إعادة الإعمار و التنمية المقترح بصفته جهة متخصصة أن يساهم في التمويل طويل الأجل والضمانات وتجهيز المشروعات ، بشرط وجود حوكمة صارمة وفصل واضح بين التمويل التنموي والتوجيه السياسي للائتمان .
5- ربط التمويل بالتنفيذ والمساءلة : يجب أن تُصرف الأموال وفق مراحل إنجاز واضحة ، وتقييم فني مستقل، ومراجعة دورية للتكلفة والعائد والمخاطر، مع شفافية في العقود والمشتريات حتي لا يفتح أي منفذ للفساد .
6- . تحقيق التوازن الجغرافي : الدرس الإيطالي مهم هنا تحديدا ، فإعادة إعمار العاصمة أو المدن الرئيسية وحدها لا تكفي. يجب أن تشمل الاستثمارات الولايات والمناطق الريفية ومناطق الإنتاج ، وأن تربطها بشبكات النقل والأسواق والخدمات.
7- اعتبار التمويل الخارجي محفزاً لا بديلاً عن الموارد الوطنية : تكمن قيمة المساعدات والقروض والاستثمار الأجنبي في قدرتها على تعبئة موارد إضافية ونقل التكنولوجيا وفتح الأسواق. أما الاستدامة فتحتاج إلى ادخار محلي ، ومؤسسات فعالة ، واستثمار منتج ، وقدرة على صيانة الأصول بعد إعادة بنائها مع وضع كل اعتبار للموارد و المدخرات المحلية التي تدهورت كثيرا في حجمها بسبب الحرب و تأثيراتها و انخفاض قيمتها بسبب معدلات التضخم العالية و سعر صرف الجنيه السوداني المتدهور لذلك يجب اجتذاب مدخرات السودانيين المغتربين لحفز المدخرات الوطنية .
ان الاستثمار في الإنسان يعد عنصراً مكملاً للاستثمار المادي ، فالمصانع و الزراعة والآلات لا تحقق العائد المتوقع ما لم تتوفر الكوادر القادرة على تشغيلها وصيانتها وتطوير أساليب الإنتاج فيها . وهذا درس مهم للسودان، حيث ينبغي أن تترافق مشروعات إعادة الإعمار مع برامج تدريب وتأهيل في الهندسة والإدارة والتمويل والتكنولوجيا والصيانة الفنية .
ختاما : أن إعادة الإعمار الناجحة ليست عملية بناء مبانٍ و مطاعم و صالات ترفيه ومنشآت فقط ، بل إعادة بناء قدرة اقتصاد مستدام قائم على الإنتاج والتمويل والتصدير وتوليد الوظائف و الخدمات و بناء الثقة ، وهذا هو المفهوم و المعيار الأهم عند تقييم أي استراتيجية مستقبلية لإعادة إعمار السودان . أن إنشاء البنك السوداني لإعادة الإعمار والتنمية ينبغي أن يكون جزءاً من هذا الإطار المتكامل ، لا بديلاً عن إصلاح المؤسسات والسياسات التي تضمن نجاح عملية إعادة الإعمار.
في الجزء الثاني من المقال سوف أستعرض باذن الله تجارب الدول الأفريقية الخارجة من الحروب في مجالات التمويل و اعادة الأعمار و ربطها بمقترحنا لتأسيس البنك السوداني لاعادة الاعمارو التنمية .
/////////////////////////////////////////////////////////////////
(*) المصدر: صحيفة إيلاف السودانية
https://www.facebook.com/photo?fbid=122132025891259796&set=pcb.122132026263259796



آخر التعليقات