النظام الاقتصادي السوداني 1985– 2026: المعادلة العكسية للفقر وهندسة التشريع لحماية الاحتكار
بقلم: أسامة كنينة*
يقدم هذا المقال تفكيكاً لهندسة الإفقار المتعمد للشعب السوداني، محاولاً فك الشيفرة التي جعلت من السودانيين أفقر شعوب العالم، بينما يعيشون على واحدة من أغنى دول العالم بالموارد والثروات الطبيعية. يقوم هذا التحليل على دمج فرضيات متلازمة أثبتتها الوقائع والأرقام، مع تعزيز جوهري حول طبيعة المشكلة القانونية.
الفرضية الأولى، ويمكن تسميتها “المعادلة العكسية”: كلما تعمقت سياسات التحرير الاقتصادي والخصخصة والإصلاحات النيوليبرالية، كرفع الدعم وتحرير الأسعار وتعويم العملة، ازداد الشعب السوداني فقراً ومعاناة. الاستثناء الوحيد كان طفرة النفط المؤقتة بين عامي 1999 و2011، والتي مثلت فخاً تنموياً لا نهضة حقيقية.
الفرضية الثانية، ويمكن تسميتها “هندسة التشريع”: فشل السياسات لم يكن مصادفة، بل كان نتيجة حتمية لوجود هندسة تشريعية بُنيت خصيصاً لتحويل المال العام إلى مال خاص. هذا الحصن القانوني، الذي يتغافل عنه الجميع جهلاً أو طمعاً، يحوّل أي إصلاح إلى أداة لتعميق الفقر وزيادة ثروة النخب.
أولاً: تشريح المنظومة القانونية – الأساس الذي يحمي الاحتكار
لفهم الأزمة، يجب أن ننظر إلى قاعدة التشريعات التي تشكل أساس النظام الاقتصادي. الاقتصاد السوداني ليس فوضى عشوائية، بل هو بناء هرمي قانوني متكامل صُمم بعناية على مدى عقود لخدمة غرض واحد: حماية القلة على حساب الكثرة.
في قاعدة الهرم تقع التشريعات التمكينية. هناك منظومة متكاملة من القوانين تشكل حجر الزاوية في هذا البناء. أولاً، قوانين تشجيع الاستثمار. منذ تسعينيات القرن الماضي، صُممت هذه القوانين ليس فقط لتشجيع الاستثمار، بل لمنح المستثمرين، وبالأخص فئات بعينها، إعفاءات جمركية وضريبية طويلة الأجل، وحمايتهم من الطعن القانوني في عقودهم وتراخيصهم، وتسهيل تخصيص الأراضي الحكومية الشاسعة لهم. هذه القوانين كانت أداة “التمكين” في عهد الإنقاذ، ثم أُعيد صياغتها في العهود اللاحقة لاستقطاب الاستثمار الأجنبي دون تفكيك الامتيازات القديمة. ثانياً، قوانين الأراضي الناظمة لحيازة الأراضي الزراعية والسكنية والاستثمارية. هذه القوانين تسمح بتوزيع ملايين الهكتارات، وهي أكبر مساحة صالحة للزراعة في أفريقيا، بطرق غير شفافة. تحويل الأراضي الجماعية والعشائرية إلى مشاريع استثمارية أتاح للنخب العسكرية والمدنية السيطرة على الموارد الزراعية الهائلة دون رقابة شعبية حقيقية. ثالثاً، قانون بنك السودان والقوانين المصرفية الناظمة للعمل النقدي والمصرفي. هذه القوانين تمنح صلاحية طباعة النقود لتمويل العجز، وتحتوي على ثغرات تسمح بمنح إعفاءات واسعة لجهات أمنية وعسكرية وشركات محددة. الرقابة على تدفقات الأموال وغسيلها كانت دائماً ضعيفة، مما خلق “اقتصاداً موازياً” ضخماً خارج نطاق الخزينة العامة والرقابة البرلمانية. رابعاً، شبكة قوانين الإعفاءات الضريبية والجمركية، وهي قرارات وتشريعات متفرقة تمنح إعفاءات شاملة لجهات وهيئات وشركات بعينها، مما يحرم الدولة من أهم مصادر إيراداتها ويخلق سوقاً غير تنافسية.
في جسم الهرم توجد شركات المحاصصة. نتيجة مباشرة لهذه المنظومة القانونية، نشأت كيانات اقتصادية عملاقة تُسمى “خاصة” أو “حكومية” لكنها في الواقع تابعة لأجهزة الدولة العميقة، مثل شركات تابعة للمؤسسة العسكرية وأخرى تابعة لقوات الدعم السريع سابقاً وشركات التمكين الحزبي. هذه الكيانات استفادت من الإعفاءات والعقود المفضلة والأراضي المجانية لتبني إمبراطوريات اقتصادية في قطاعات الذهب والزراعة والتجارة، دون أن تخضع للمحاسبة أو الشفافية.
في قمة الهرم تجلس النخب المستفيدة. نخب سياسية واقتصادية، عسكرية ومدنية، تستفيد مباشرة من هذه الهندسة القانونية. الثروات الطبيعية، ذهباً وأراضي ومعادن وموارد زراعية، تتحول إلى “كعكة” تُقسم بين هذه النخب عبر قنوات قانونية محمية.
ثانياً: رحلة الأربعين عاماً – كيف أثبتت المعادلة العكسية نفسها؟
بين عامي 1985 و1998، بدأت سياسات التحرير والخصخصة تحت ضغط صندوق النقد وبرامج التكيف الهيكلي. النتيجة كانت ركوداً اقتصادياً، مع انكماش نصيب الفرد من الدخل وفقر مزمن. في هذه الفترة، تم بناء القوانين التمكينية الأولى لصالح النخبة الصاعدة.
بين عامي 1999 و2011، حدثت طفرة النفط. شهد الاقتصاد نمواً مرتفعاً وبعض التحسن في البنية التحتية، لكنه كان استثناءً غير شامل. الغالبية العظمى من عوائد النفط ذهبت للأمن والجيش بموجب قوانين الإعفاءات، وأصاب “المرض الهولندي” قطاع الزراعة فأضعفه بشدة.
بين عامي 2011 و2019، وبعد خسارة النفط إثر انفصال الجنوب، تم تعميق سياسات التحرير ورفع الدعم التدريجي. النتيجة كانت أزمة معيشية وتضخماً مزمناً، توجت باحتجاجات 2018 و2019. في هذه الفترة، كانت القوانين تحمي الشركات الأمنية من دفع الضرائب بينما يُرفع الدعم عن المواطن.
بين عامي 2019 و2021، في عهد الحكومة المدنية الانتقالية، تم تطبيق ذروة التحرير النيوليبرالي بتعويم الجنيه ورفع الدعم الشامل. النتيجة كانت صدمة تضخمية حادة وغلاءً كارثياً وفقراً مدقعاً. حدث هنا تغافل مقصود من النخب المدنية التي لم تلمس المنظومة القانونية للعسكر خوفاً من الاصطدام.
منذ عام 2023 وحتى 2026، وفي ظل حرب الموارد الدائرة، حدث انهيار شامل مع انكماش اقتصادي كبير وفقر مدقع تجاوز ستين بالمئة، وعاد دخل الفرد لمستويات التسعينيات. في هذه المرحلة، تحولت المنظومة القانونية إلى أداة “غنيمة حرب” مباشرة بين أطراف النزاع.
ثالثاً: كيف يتم التحايل على روشتة صندوق النقد؟
النموذج النيوليبرالي للإصلاح الاقتصادي، بتحرير الأسعار ورفع الدعم وتعويم العملة، يفترض مسبقاً وجود سوق تنافسية وتكافؤ فرص وحكم رشيد. في السودان، المنظومة القانونية القائمة تمنع وجود هذه الشروط جميعاً.
المشكلة ليست في روشتة صندوق النقد الدولي نفسها، بل في أن هذه الروشتة يتم التحايل عليها داخلياً بإحكام. فعلى المستوى الشكلي، تلتزم الحكومة السودانية بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة: تعلن تعويم الجنيه، وتحرير الأسعار، ورفع الدعم. لكن على المستوى الجوهري، تقابل هذه الإجراءات الشكلية إجراءات قانونية عميقة تجعل من المستحيل تطبيق الروشتة على أرض الواقع.
لنأخذ مثالاً حياً هو سياسة تعويم الجنيه. في الظاهر، تم تحرير سعر الصرف ليكون موحداً. لكن على أرض الواقع، الجزء الأكبر من الذهب، وهو أكبر مصدر للعملة الصعبة، يتم إنتاجه وتصديره من قبل شركات أمنية وشبه أمنية معفاة ضريبياً وجمركياً بموجب القوانين القائمة. هذه الشركات لا تتأثر بتعويم الجنيه، لأنها تتعامل بالدولار خارج المنظومة المصرفية الرقابية.
النتيجة العكسية أن المواطن المسكين يشتري رغيف الخبز أو الدواء بسعر الدولار المرتفع في السوق الموازي، بينما الجهة الأمنية المستفيدة من الإعفاءات القانونية تجني أرباحاً مضاعفة، لأنها تحصل على الدولار من بيع الذهب وتحوله إلى جنيه سوداني بسعر السوق الموازي نفسه. وبذلك، تتحول روشتة صندوق النقد، التي صُممت لتحقيق الاستقرار الماكرو، إلى آلية محلية لإعادة توزيع الدخل من جيوب الفقراء إلى خزائن النخب المحمية قانوناً.
الخلاصة: ليس صندوق النقد هو المشكلة، بل قدرة النظام السوداني على تحييد أي إصلاح من خلال جدار قانوني سميك يبقي الامتيازات القديمة محصنة، ويجعل التطبيق الفعلي للإصلاحات مستحيلاً.
رابعاً: جوهر المأساة – عندما تكون هندسة التشريع أداة النهب
هنا مربط الفرس، والمنطقة التي يجب أن تتوجه إليها كل الأنظار بدلاً من الانشغال بالواجهات. إن الخطأ المنهجي الذي وقع فيه المحللون والناشطون لعقود هو توجيه السخط والغضب نحو الكيانات والشركات الناتجة عن الأزمة، بدلاً من توجيه السخط نحو القالب القانوني الذي أنتجها وأعطاها الشرعية. هذه الشركات، سواء كانت تحمل شعار المؤسسة العسكرية أو شعار رجل أعمال مدني، ما كانت لتنشأ أو تستمر أو تحتكر السوق لحظة واحدة، لولا وجود جدار قانوني سميك يحمي ظهرها ويكفل لها الإعفاءات ويحصن عقودها من المراجعة.
عندما نتحدث عن “الخصخصة” في أدبيات الاقتصاد العالمي، يُفترض أنها نقل ملكية أصل عام غير مُدار بكفاءة إلى القطاع الخاص لتحسين الخدمة وزيادة الإنتاجية. أما في الحالة السودانية، فيجب أن نُسمي الأشياء بمسمياتها: الخصخصة في السودان هي عملية هندسة تشريعية مُحكمة لتحويل المال العام، الذي يُفترض أن يخدم عامة الشعب في صحة وتعليم وطرق، إلى مال خاص في يد القلة العسكرية والحزبية. القوانين التي ذكرناها لم تُكتب لتشجيع الاقتصاد الوطني، بل كُتبت لتجريم حق الشعب في السؤال عن ثرواته. هذه التشريعات هي الحصن المنيع الذي يحول بين المواطن وبين معرفة أين يذهب غبار الذهب وبرميل النفط وقمح السهول.
خامساً: الوجه الآخر للمأساة – عندما تتحول الدولة من راعٍ إلى تاجر
هنا تتجلى المأساة في أبعادها الأكثر إيلاماً. لم تكتفِ هذه المنظومة التشريعية بنهب الموارد والثروات لصالح القلة، بل امتد أثرها ليشمل طبيعة الدولة نفسها وعلاقتها بالمواطن.
أولاً، حدث التجريد المزدوج من الملكية ومن المنفعة معاً. من خلال هذه التشريعات، تم تجريد الشعب السوداني ليس فقط من ملكية موارده وثرواته، بل أيضاً من حق الانتفاع بها. المواطن السوداني يُمنع قانوناً من زراعة أرضه، أو التعدين في أرضه، أو الصيد في نهره، بينما تُمنح هذه الحقوق كاملة لمستثمرين ونخب معفيين من كل التزام مالي تجاه الدولة. إنها عملية نزع للموارد من يد الجماعة ووضعها في يد الفرد المحمي قانوناً.
ثانياً، تحولت الدولة من راعٍ إلى تاجر. هذه هي النتيجة المنطقية والحتمية للهندسة التشريعية القائمة. الدولة، بعد أن جُرّدت من مواردها الطبيعية لصالح نخب مسلحة ومدنية، لم يعد لديها ما تمول به خدماتها الأساسية. فتحولت من كيان يفترض أن يكون راعياً لمصالح الشعب وحامياً لحقوقه، إلى كيان جبائي يعمل بتفكير التاجر.
ثالثاً، فُرضت الضريبة على الفقر بإغراق المواطن بالرسوم. لم تكتفِ الدولة ببيع خدماتها للمواطن في التعليم والصحة والمياه والكهرباء كما يفعل التاجر، بل فرضت على الشرائح الضعيفة والمتوسطة وابلاً من الضرائب والرسوم الباهظة نظير كل خدمة. رسم تعليم، ورسم صحة، ورسم جواز، ورسم ترخيص، ورسم عبور، ورسم تنمية، وقائمة لا تنتهي من المطالبات المالية. هناك وجهان لعملة واحدة: الوجه الأول هو إعفاء النخب والشركات التابعة لها من كل التزام مالي تجاه الدولة من ضرائب ورسوم وجمارك. الوجه الثاني هو إغراق المواطن العادي بوابل من الرسوم والضرائب غير المباشرة والمباشرة.
محصلة هذه المعادلة المرة أن النخب تأخذ كل شيء ولا تدفع شيئاً، والمواطن يُؤخذ منه كل شيء ولا يجد شيئاً. المواطن يدفع ضريبة الفقر والجوع مرتين: مرة لأنه لا يملك المال، ومرة لأنه لا يملك قانوناً يحمي قوت يومه. ومرة ثالثة لأنه يدفع من جيبه ثمن خدمات يُفترض أن تكون حقاً أصيلاً له من ثروات بلاده.
سادساً: تغافل النخب – جهل أم طمع في الكعكة؟
يبقى السؤال: لماذا لم يتم تفكيك هذه المنظومة القانونية رغم كل الحكومات والثورات والانتفاضات؟
في عهد الإنقاذ، كان الجهل منهجياً. النظام لم يكن يريد تفكيك المحسوبية، بل كان يبنيها ويشرعنها.
في عهد ما بعد الثورة بين عامي 2019 و2021، حدث تغافل متعمد وبراغماتي. من جهة، كان هناك جهل استراتيجي، باعتقاد خاطئ بأن تفكيك الاحتكارات مسألة سياسية بحتة، كما فعلت لجنة إزالة التمكين، بينما هو في جوهره مسألة قانونية هيكلية بحتة تتطلب تعديل قوانين الاستثمار والأراضي والبنك المركزي. من جهة أخرى، كان هناك طمع في التوازن. النخب المدنية كانت تعرف أنها لا تستطيع إغضاب العسكر، فكانت الصفقة الضمنية: نطبق الليبرالية القاسية على المواطن برفع الدعم عن الخبز والوقود، ونبقي المنظومة القانونية للعسكر كما هي برأسمالية المحاسيب والإعفاءات.
سابعاً: الطريق إلى التعافي – تفكيك التشريع أولاً
أي حديث عن إعادة الإعمار أو جذب الاستثمار أو تخفيف الديون بعد الحرب هو وهم وخطر إذا لم يُسبقه تفكيك جذري للمنظومة التشريعية الحامية للاحتكار. الطريق ليس عبر مهاجمة المحتكر، بل عبر محاصرة التشريع الحامي للمحتكر. التعافي الحقيقي يبدأ بمعركة قانونية وتشريعية من الدرجة الأولى، تهدف إلى ما يلي:
أولاً، مراجعة شاملة وإلغاء فوري لجميع القوانين واللوائح التي تمنح إعفاءات ضريبية وجمركية لجهات وكيانات بعينها. ثانياً، إخضاع جميع الشركات بلا استثناء للخزينة العامة للدولة ولرقابة ديوان المراجعة العام، بما في ذلك جميع الشركات التابعة للأجهزة الأمنية والعسكرية. ثالثاً، إعادة هيكلة القوانين المنظمة للأراضي والاستثمار لضمان الشفافية الكاملة في تخصيص الأراضي ومنح التراخيص، وربط أي امتيازات استثمارية بتحقيق منفعة عامة حقيقية قابلة للقياس. رابعاً، إعادة هيكلة قانون بنك السودان لمنع طباعة النقود لتمويل العجز غير المعلن وإخضاع تجارة الذهب والمعادن لرقابة البنك المركزي الكاملة. خامساً، تأسيس صندوق سيادي شفاف لإدارة عوائد الموارد الطبيعية، تكون جميع إيراداته ومصروفاته معلنة للجمهور وتخضع للمراجعة الدورية. سادساً، إعادة تعريف دور الدولة من تاجر جبائي إلى راعٍ للخدمات، بحيث تُمول الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والمياه من عوائد الموارد الطبيعية، لا من جيوب المواطنين المنهكة.
الخلاصة النهائية: من المعادلة العكسية إلى ساعة الصفر القانوني
السودان لا يعاني من فقر الموارد، بل يعاني من فقر التشريع العادل. طالما بقي الحصن القانوني يحمي المحتكر ويُضفي الشرعية على النهب المنظم، سيبقى أي تحرير اقتصادي أو إصلاح مالي مجرد نقل دم من جسد الشعب المنهك إلى جيوب النخب المسلحة. التاريخ الحديث للسودان يثبت أن روشتة المؤسسات المالية الدولية لا تصلح لأرض محروقة بقوانين الإعفاءات والتمكين.
الثورة على الفقر والجوع والمرض تبدأ من مكاتب وزارة العدل وقاعات التشريع، وليس فقط من حقول النفط والذهب. التغيير الحقيقي يبدأ بساعة الصفر القانوني. ساعة الصفر ليست في ساحة القتال فقط، بل في لحظة إلغاء وإبطال تلك النصوص القانونية التي تجعل من السرقة “استثماراً”، ومن الفقر “قدراً”، ومن الدولة “غنيمة”، ومن المواطن مجرد ممول لخزينة فارغة.
—
*kaneenaosama@gmail.com
يسمح بالنسخ والنشر <This message was edited>



آخر التعليقات