الجيش السوداني: من رأس بلا أطراف .. إلى أطراف بلا قيادة
كيف دمر تنظيم الإخوان المسلمين الجيش السوداني.؟
أسامة كنينة *
رحلة التفكك من إرث البشير إلى استجداء الشعب في 2026
عندما اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023، لم تكن المواجهة بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع مجرد صراع على السلطة، بل كانت لحظة كشف عن هشاشة بنية عسكرية راكمت تشوهاتها لعقود. فما ظنه كثيرون “جيشاً وطنياً” تبين أنه كيان يعاني من خلل جوهري: نواة قيادية وفنية ضخمة، لكن بلا أطراف قادرة على القتال والاحتفاظ بالأرض. ومع اشتداد الحرب، لم يلبث هذا الخلل أن انقلب رأساً على عقب، إذ فقد الجيش قياداته في الميدان، فتحول من “رأس بلا أطراف” إلى “أطراف بلا قيادة”، في دوامة من التفكك أعادت إنتاج أعمق أزمات الدولة السودانية.
الجذور: كيف تم بناء جيش برأس ضخم وأطراف هشة؟
لم تكن بنية الجيش السوداني وليدة الحرب، بل هي نتاج سياسات منهجية امتدت طوال ثلاثة عقود من حكم عمر البشير. تلك السياسات قامت على مبدأ واحد: عدم الثقة في الجيش النظامي، والعمل على إحاطته ببدائل موالية تضمن الولاء السياسي والإيديولوجي.
في مقدمتها، سياسة التطهير التي طالت آلاف الضباط أصحاب الرتب العالية، ليتم استبدالهم بعناصر موالية للحركة الإسلامية. لكن الأخطر كان التحول في هيكل الجيش ذاته: فقد تعمد النظام إهمال تجنيد الأفراد والمشاة المحترفين، بينما عمل على تضخيم أعداد الضباط والفنيين بشكل هائل. كانت النتيجة جيشاً برأس قيادي وإداري ثقيل، لكن دون أذرع ميدانية قادرة على حمايته أو تنفيذ مهامه البرية.
بالتوازي، عمل النظام على استنساخ نموذج الحرس الثوري الإيراني، فأنشأ أجهزة موازية لتحل محل الجيش التقليدي تدريجياً. أبرزها قوات الدفاع الشعبي التي جندت الموظفين والعمال والطلاب من الوسط والشمال، ومليشيا الجنجويد التي تحولت لاحقاً إلى قوات الدعم السريع. هذه الأجهزة لم تكن مجرد قوات احتياط، بل أصبحت بديلاً عن الجيش في أدواره الأساسية، مما أدى إلى إفراغ سلاح المشاة النظامي من أي دور حقيقي.
أما سلاح المشاة نفسه، الذي كان يعتمد تقليدياً على أبناء الهامش (دارفور، جبال النوبة، النيل الأزرق)، فقد تعرض لإفراغ مضاعف. فمع تنامي الوعي السياسي في تلك المناطق وانضمام أبنائها إلى حركات الكفاح المسلح، فضّل النظام سد الفراغ بتجنيد الشباب من الوسط والشمال في قوات الدفاع الشعبي بدلاً من إصلاح هيكل المشاة النظامي.
وهكذا، وبحلول عام 2019، كان الجيش السوداني قد تحول إلى كيان مشوه: رأس قيادي وفني ضخم، وأطراف هشة من المشاة، تعتمد في جوهرها على معاشيين وشباب من قوات دفاع شعبي بعيدة عن التدريب المهني الحقيقي.
لحظة الانفجار: فقدان الرأس في بداية الحرب
عندما انفجر الصراع بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023، لم يكن المشهد كما توقعه كثيرون. ففي غياب الغطاء البشري الكافي، وجد الضباط والفنيون الذين تم تضخيم أعدادهم لعقود أنفسهم في الخطوط الأمامية، دون مشاة يحمونهم أو يؤمنون تحركاتهم. كانت النتيجة مأساوية: خلال الأسابيع الأولى للقتال، فقد الجيش السوداني أعداداً هائلة من قياداته الإدارية والميدانية. اختل الرأس نفسه، فلم يعد هناك من يقود.
هذه المرحلة كانت مفصلية. فالجيش الذي كان يعاني أصلاً من غياب الأطراف، وجد نفسه الآن بلا رأس قيادي ميداني. لم يعد الخلل بنيوياً فقط، بل أصبح لحظياً ومباشراً. انسحبت وحدات، انهارت خطوط دفاع، وسقطت مدن بأكملها في يد الخصم دون مقاومة تُذكر.
في خضم هذه الفوضى، لجأ الجيش إلى خيارات اضطرارية أعادت إنتاج دائرة نظام البشير بكل تناقضاتها. تم استدعاء المعاشيين والاحتياطيين، وأعيد تفعيل الكتائب الجهادية كفيلق البراء بن مالك، وتم فتح الباب للاستنفار الشعبي لتسليح وتدريب المدنيين بسرعة. كما عقدت تحالفات اضطرارية مع حركات دارفور المسلحة (مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم)، في ظل غياب الثقة المتبادلة وتراكمات مريرة من التجارب السابقة.
لكن هذه الحلول، رغم ضرورتها التكتيكية، كانت تؤكد أن الجيش لم يعد قادراً على حماية الدولة بمفرده. بل إنها أعادت إنتاج النمط ذاته الذي أضعفه لعقود: الاعتماد على قوى غير نظامية بدلاً من بناء جيش وطني مهني شامل.
2026: استمرار الاستجداء وأزمة الائتلاف
بعد ثلاث سنوات من الحرب، لم يتغير النمط كثيراً. لا يزال الجيش يعتمد على النداءات المتكررة للشعب لحمل السلاح. في نوفمبر 2025، أعلن الفريق أول عبد الفتاح البرهان التعبئة العامة في السريحة بولاية الجزيرة، داعياً جميع السودانيين القادرين على حمل السلاح للتقدم والمشاركة، مؤكداً أن الحرب لن تنتهي إلا بنهاية “التمرد”. تكررت الدعوات من مجلس الأمن والدفاع واللجنة القومية للاستنفار، تحت شعارات “معركة الوجود” و”الدفاع عن مؤسسات الدولة”.
لكن الواقع الذي تقف وراء هذه الشعارات أكثر تعقيداً. فالاعتماد على الاستنفار الشعبي لم يعد مجرد إجراء تكتيكي عابر، بل تحول إلى نمط ثابت في إدارة الحرب. إعلام النظام المركزي يبني دعايته على تصوير هذا الفشل الهيكلي كـ”التحام شعبي” و”مقاومة شعبية”، لكن الحقيقة أن المعادلة قد انقلبت: بدلاً من جيش قوي يحمي الشعب، أصبح جيش ضعيف يستجدي الشعب ليدافع عنه.
تتفاقم الأزمة بسبب هجرة ونزوح الشباب، خاصة من الوسط والشمال (الخرطوم، الجزيرة، نهر النيل)، وهم الشريحة التي كانت عماد التعبئة التقليدية. السودان اليوم يواجه أكبر أزمة نزوح في العالم، بأكثر من 13 مليون نازح داخلياً، إلى جانب هجرة خارجية كبيرة للشباب بحثاً عن الأمان والفرص. عودة حوالي 3 ملايين نازح، حسب تقارير 2026، لا تعوض النقص الهائل في القوة البشرية الشابة والمدربة.
وهكذا، وبعد أن فقد الجيش رأسه في بداية الحرب، ثم ظل يعاني من غياب أطرافه، أصبح اليوم في وضع أكثر خطورة: أطراف من المستنفرين والمعاشيين والحركات المتحالفة، لكن بلا قيادة ميدانية متماسكة. التحول من “رأس بلا أطراف” إلى “أطراف بلا قيادة” لم يكن تقدماً، بل كان انزلاقاً أعمق في مسار التفكك.
المخاطر: جيش مختلط ودولة مهددة
هذا النمط من الاعتماد على الاستنفار بدلاً من الإصلاح لا يحمل فقط تبعات عسكرية، بل يهدد مستقبل السودان برمته.
أولاً، تسليح المجتمع الذي رافق الاستنفار أدى إلى انتشار السلاح خارج أي سيطرة. هذا الواقع يهدد بفوضى قبلية ونزاعات محلية طويلة الأمد بعد أي تسوية سياسية، حيث سيكون السلاح منتشراً في أيدي مجموعات غير خاضعة لدولة مركزية.
ثانياً، الجيش المختلط الحالي، الذي يجمع بين معاشيين، مستنفرين، كتائب إسلامية، وحركات مسلحة متحالفة، يعاني من أزمات متعددة في الانضباط والكفاءة والولاء. هذه التركيبة تجعل من المستحيل بناء قوة عسكرية موحدة ومنضبطة.
ثالثاً، أي تقدم ميداني تحققه القوات المسلحة يبقى هشاً بسبب عدم وجود أطراف قوية قادرة على الاحتفاظ بالأرض وتأمينها. الغطاء الجوي والضربات الدقيقة قد تحقق مكاسب تكتيكية، لكنها لا تعوض غياب المشاة المحترفين القادرين على التثبيت والتماسك.
رابعاً، الاعتماد المستمر على قوى غير نظامية يُعمق الانقسامات الجهوية والعرقية. عندما تعتمد الدولة في دفاعها على مليشيات قبلية أو حركات إقليمية، فإنها تقوض فكرة الدولة الوطنية الموحدة وتكرس منطق المحاصصة والتفتيت.
الخلاصة: الدائرة المفرغة والحل الجذري
ما يعانيه الجيش السوداني اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو تتويج لعقود من السياسات الخاطئة: التهميش الجهوي، إفراغ المؤسسة العسكرية من مضمونها المهني، وتفضيل “الحلول السهلة” عبر المليشيات الموازية وتضخيم القيادات على حساب المشاة.
في 2026، بعد أن فقد الجيش جزءاً كبيراً من قياداته في بداية الحرب، ثم ظل يعاني من غياب أطرافه، يمكن القول إنه أصبح جيشاً برأس منكسر وأطراف مبتورة، يعوض بالقوة الجوية واللوجستية، لكنه يدفع ثمناً باهظاً في الزمن والدماء والتماسك الاجتماعي.
الخروج من هذه الدائرة المفرغة يتطلب أكثر من مجرد انتصارات ميدانية. إنه يتطلب إعادة بناء شاملة للهيكل العسكري، تبدأ من إعادة التوازن بين القيادة والمشاة، وتمر بمعالجة التهميش الجهوي، وتنتهي بتجنيد وطني عادل وشامل. كما يستدعي دمجاً مهنياً حقيقياً للحركات المسلحة في هيكل عسكري واحد، وبناء مؤسسة عسكرية محايدة تحمي الدولة، لا تطلب الحماية من الشعب.
بدون هذه الخطوات، ستظل الدائرة مفرغة: اختلال في الهيكل، ضعف بشري، استنفار اضطراري، تفتيت، ثم مزيد من الضعف. وستبقى التساؤلات قائمة: هل يمكن لجيش فقد رأسه أولاً، ثم ظل يستجدي شعبه لأطرافه، أن يصبح حامياً حقيقياً للدولة؟ أم أن الاستمرار في هذا النمط سيؤدي إلى مزيد من التفكك، وربما إلى انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة؟
الإجابة ليست في الخطابات الحماسية أو الدعوات المتكررة للاستنفار، بل في قدرة القيادة السياسية والعسكرية على كسر هذا الإرث، والانخراط في مشروع إصلاح هيكلي شامل يعيد تعريف العلاقة بين الجيش والشعب، ويبني مؤسسة عسكرية قادرة على حماية الدولة دون أن تطلب الحماية منها.
—
kaneenaosama@gmail.com*



آخر التعليقات