الأحد, فبراير 5, 2023
الرئيسيةفي الاقتصاد السياسي السودانيبحوث ودراساتمشاكل ملكية وإستخدام الأراضي الزراعية في السودان... مشروع الجزيرة نموذجاً،
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شيوعاً

آخر التعليقات

مشاكل ملكية وإستخدام الأراضي الزراعية في السودان… مشروع الجزيرة نموذجاً،

 

مشاكل ملكية وإستخدام الأراضي الزراعية في السودان

مشروع الجزيرة نموذجاً،

صديق عبد الهادي

 مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة/

تُعتبر ملكية الأرض واحدةً من أهم القضايا التي تواجه الوطن، وذلك لما لها من إرتباطٍ وثيق بحياة الناس، وبإستقرارهم إقتصاديأ وإجتماعياً وسياسياً، بل وبمسألة وجودهم في المكان الأول. إننا نتناول، وفي هذا البحث، قضية الأرض في عموم السودان، ولكن بتركيزٍ خاص على قضية الأرض في مشروع الجزيرة، وذلك لما لها من تاريخ معروف وواضح، هذا من جانب، وأما من الجانب الآخر فلأن مشروع الجزيرة يمثل، وبكل المقاييس، ركناً اساساً للقطاع الحديث الذي إنبنى عليه الإقتصاد السوداني المعاصر، وليصبح معتمداً عليه بعد ذلك، في وجوده وفي مسيرته. والأهم أن في مسيرة المشروع وتطوره كان أن لعبت القوانين المنظمة له، ومنذ إنشائه، دوراً كبيراً في ترسيخ تلك المسيرة وفي دفع ذلك التطور.

إن تلك القوانين، وفي المحصلة النهائية، هي ليست سوى خلاصة وتعبير عن صراعٍ، لم يتوقف طيلة تاريخ المشروع، حول الأرض وملكيتها وإنتاجها. هو صراعٌ حتمت وجوده علاقاتٌ معقدة ومتشابكة. علاقاتٌ، حاولتْ وتحاول تلك القوانبن تفسيرها والتعبير عنها، وذلك ليس في بعدها الحقوقي فحسب وانما في بعدها الإقتصادي والإجتماعي بل والسياسي في  الحصائل النهائية للتحليل.

خلفية مهمة،

موضوعة أو ظاهرة الإستيلاء على الأرض/

The Land Grabbing Phenomenon

ونحن نتناول قضايا الأرض في السودان، وبتركيزٍ خاص على الأرض في مشروع الجزيرة، هناك حقيقة تاريخية أصبحت تتكشف أمام العالم وبشكل أكثر وضوحٍ، وفي كل يوم، حيث نجد أنه ليس هناك من بدٍ غير وضعها والإشارة اليها. إن تلك الحقيقة المقصودة هي بروز الظاهرة العالمية التي أضحت تُعرفُ بظاهرة “الإستيلاء على الأرض” (The Land Grabbing). وهي ظاهرةٌ لم تعد محل إهتمام الإقتصاديين لوحدهم، وانما إسترعتْ كذلك إنتباه قادة الرأي العام  في العالم والمدافعين عن حقوق الإنسان، وبشكلٍ خاص أولئك المدافعين عن حقوق المواطنين الأصليين في إمتلاك أرضهم.

يتجلى ذلك الإهتمام بدءاً من تعريف مصطلح الظاهرة، مروراً بتشكلاتها وكنه محتواها، وإنتهاءاً بالوقوف على ما يترتب من ممارستها وإندياحها من نتائج على المستوى الإقتصادي والإجتماعي والسياسي وحتى الثقافي والبيئي على مستوى العالم، وخاصةً في البلدان المتخلفة والنامية، التي أصبحت هدفاً أساساً للقوى العالمية التي تبحث وبشكل محموم لأجل الحصول على الأرض. وذلك بغرض الإستثمار الزراعي بشقيه، توفير الغذاء اولاً والتوفر على الطاقة الحيوية ثانياً. وفي هذا الصدد كانت دول أفريقيا وامريكا الجنوبية هي محط النظر، وذلك لحقيقة توفر الأرض فيها. وهي الأرض المقصودة بالبحث لاجل الإستثمار.

إنه، وفيما بين العام 1995 و1996 كان ان تمت مسوحات يالاقمار الصناعية حول العالم لمعرفة الإمكانات المتوفرة فيه فيما يخص الزراعة، فجاءت نتائج المسوحات بــــ”أن 80% من إحتياطي العالم من الأراضي الزراعية الخصبة والبكر توجد في أفريقيا وأمريكا الجنوبية. وبناءاً على تلك المسوحات جاءت التقديرات بأن مساحة الأراضي الزراعية في افريفيا تساوي 807 مليون هكتاراً، (أي 1,977 مليون فدان تقريباً) وأن ما مستغل منها هو 197 مليون هكتاراً (أي 483 مليون فدان تقريباً)”.([1])

وبعملية حسابية بسيطة، فإن ما هو مستغل يساوي أقل من 25% من الارض الزراعية في افريقيا!.

وضَّحتْ  المسوحات كذلك أن افريقيا هي القارة الأوفر حظاً في العالم فيما يخص التمتع بالأرض، إذا كان من ناحية خصوبتها، او من ناحية مساحاتها، وحيث لا تدانيها قارة أخرى. وقد وردت إشارة في غاية الأهمية وهي، أن هناك سبعة دول تمتلك، او يوجد فيها تقريباً، نصف الاراضي الزراعية المتوفرة في العالم. وتلك الدول هي “أنجولا، جمهورية الكنغو الديمقراطية، السودان، الأرجنتين، بوليفيا وكولمبيا”([2]). فما يهمنا هنا وفي هذا المقتطف هو أن السودان، وبموقعه بين هذه الدول، يكون قد أصبح في عين العاصفة، أي محط الإنقضاض أو الإستيلاء على الأرض!.

إن الإختلاف حول تسمية ومصطلح الظاهرة نفسها بين الجهات والأطراف المهتمة بها، يفصح عن حقيقة الموقف من “محتواها” ومن “نتائجها” كممارسة، وكنشاط. إن ظاهرة “الإستيلاء على الأرض” تمثل، ومما لا شك فيه، شكلاً جديداً من أشكال الإستعمار والإستغلال فيما بعد “الإستعمار الحديث”، إذا جاز القول. شكلٌ يبدو أكثر “نعومةً” في مظهره بالمقارنة مع الأشكال التي تبدو فظةً، أي تلك التي مارستها بالتحدبد الشركات العابرة للقارات وللأمم، والمؤسسات المتعددة الجنسيات، التي صعد نجمها فيما بعد أفول الإستعمار التقليدي وبزوغ حركة التحرر الوطني في افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية!.

إن القوى التي تقف من خلف إنتشار ظاهرة “الإستيلاء على الأرض”، سواءٌ في البلدان المتقدمة أو المتخلفة، تشمل فيما تشمل قوى نوعية وأطراف متعددة من حكوماتٍ مختلفة، خاصة الديكتاتورية منها وبشكل خاص في بلدان أفريقيا، وكذلك تشمل هيئات إستثمارٍ وبيوتاتٍ ماليةٍ عالمية ومحافظ إستثمارٍ سياديةٍWealth Funds (SWFs)  Sovereign  ذات ثراء طائل من بلدانٍ كالصين ودول الخليج العربي، والولايات المتحدة الأمريكية.

جاء في تقرير اليونكتاد (UNCTAD)  لعام 2018 ان حجم الإستثمارات الخارجية المباشرة Foreign Direct Investment (FDI)  يقدر بـ 1,43 تريليون دولار، حيث كان نصيب كل من أفريقيا وأمريكا اللاتينية 42 مليار و151 مليار دولار، على التوالي.

إنه، ومن أشهر محافظ الإستثمار السيادية على المستوى الإقليمي هي هيئة الإستثمار القطرية Qatar Investment Authority (QIA)  التي تدخل في شراكات ضخمة في مجال “الإستيلاء على الأرض” في كل من جنوب شرق آسيا وأفريقيا. وإلى جانب هذه المحافظ توجد مؤسسات إستثمارية أخرى تمتلكها الدول وتعرف بـ State-Owned Enterprises (SOEs)  وتلك مثل شركة “زاد” القابضة القطرية، التي يشير بعض الباحثين إلى وجودها المكثف في مجال الإستثمار في السودان. معلومٌ، أن جزء كبير من النشاط الإستثماري لهذه المؤسسات العالمية أصبح مرتبطاً بشكلٍ أساس بظاهرة “الإستيلاء على الأرض”!.

وفي تأكيدٍ للإنتشار الطاغي لهذه الظاهرة نشير إلى بعض الحقائق التي أوردها البنك الدولي، ومنها “ان هناك 464 مشروعاً لأجل الإستيلاء على الارض بدأ تنفيذها فيما بين 2008 و2009، وان 22 مليون هكتار قد تمّ الإستيلاء عليها فقط فيما بين عامي 2010 و2011، (وتلك مساحة تعادل 54 مليون فدان، اي مما يعادل 25 مرة بقدر مساحة مشروع الجزيرة تقريباً!). إن اهم سبب من وراء التكالب على الارض هو محاولة المستثمرين والسماسرة العالميين تأمين الغذاء اللازم للأقطار ذات الكثافة السكانية العالية، والتي تُوَاجَهُ بمواسم زراعية متذبذبة وغير مستقرة (مثل الصين، الهند وكوريا الجنوبية)، وكذلك من الأسباب الرئيسية أيضاً الحالة التنافسية المحمومة لأجل إنتاج الطاقة الحيوية. فهذا التكالب والاستيلاء المسعور على الأرض، وفيما ينوب أفريقيا، قد تمّ بشكل واضح في سبعة دول منها، حيث ان سعر الهكتار الواحد كان بأقل من دولار. (أي أن الفدان باقل من نصف دولار).” ([3])

 الإختلاف حول مصطلح ومحتوى الظاهرة/

إن الإختلاف الأساس الذي يجب أن يؤخذ في الإعتبار فيما يخص التشريح الباطني لأي ظاهرة، دائماً وبشكلٍ عام، لا يكون حول المصطلح او التسمية وانما حول جوهر المفهوم ومحتواه، أي محتوى الظاهرة وجوهرها، وخاصة فيما يتعلق بالظواهر في حقل الإقتصاد السياسي، لأن المسالة في هذا الحقل وفي مجملها ذات صلة بالعلاقات وبالصراع الإجتماعي الناتج من والمترتب على نشاط الإنسان الإقتصادي.

ففيما يخص ظاهرة “الإستيلاء على الأرض” نجد ان الدول والمؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، لا تستخدم مصطلح “الإستيلاء على الأرض”، وذلك لما لهذا المصطلح من حمولة مفهومية نقدية ترمي في أقل مستوياتها إلى فضح الظاهرة، او كشف الجانب السلبي لها، وللنشاط المتعلق بالأرض وبحيازتها وبإستخدامها!. فعوضاً عنه فهي تميل إلى إستخدام مصطلحات مثل “الحصول الواسع على الأرض”  “Large-Scale Land Acquisition)”,  ،  أو “تجميع الأرض” “Land Consolidation”، أو “تركيز الأرض” “Land Concentration”، “إن الحكومات والمؤسسات وحتى بعض منظمات المجتمع المدني تحبذ إستخدام هذه المصطلحات بدلاً عن “الإستيلاء على الأرض” “Land Grabbing” . إنها محاولة او تاكتيك لإخفاء الجوانب السالبة للاستيلاء على الأرض. ولكنها، مصطلحات تشير إلى نفس الموضوع او القضية”.([4])

جاء على موقع صندوق النقد الدولي أن الإستثمارات العابرة للحدود القومية او الحصول الواسع على الأرض (يسميه الناقدون له بالاستيلاء على الأرض) تقوم به الدول المتقدمة لاجل الحصول على الأرض الزراعية في البلدان النامية. فإذا ما تم تنظيمه بشكلٍ أفضل فإنه سيؤدي إلى تنمية إقتصادية طويلة المدى، وسيحدُّ من الفقر.([5])  ويكاد أن يكون التعريف الذي يتبناه بنك التنمية الافريقي مطابقاً، حذو النعل بالنعل، لما يتبناه صندوق النقد الدولي بخصوص الإستثمار في الأرض، غير انه يضيف، “ولكن يمكن أن يُستخدم لخلق علاقة ذات مكاسب متكافئة للجانبين”.([6])   يقصد الإستثمار في الأرض.

تتكشف عند النظر المتأني فيما وراء كل ما تمَّ إستعراضه ملاحظة مهمة ومركزية ترتبط بنشاط “الإستيلاء على الأرض”، أهملتها التعريفات المذكورة حتى الآن. ملاحظةٌ يمكن إجمالها في السؤال، وما هو موقع قضايا حقوق الإنسان في هذه المصطلحات أو التعريفات، او بطريقة أخرى ما هو موقف هذه المصطلحات أو التعريفات من قضايا حقوق الإنسان المرتبطة والناتجة عن ممارسة نشاط الإستثمار في الأرض، أو بالأحرى نشاط الإستيلاء عليها، بواسطة الدول المتقدمة في البلدان النامية او المتخلفة؟!.  جاءت الإجابة، بــ” أن هذه المصطلحات البديلة ضعيفة ومضللة كبدائل لمصطلح “الإستيلاء على الأرض”، وقد تم إستخدامها للتقليل من شأن التجاوزات في حقوق الإنسان ومن شأن المسئولية عنها”.([7])

وفي هذا الصدد كان بعض الباحثين أكثر تحديداً وإفصاحاٌ في الإشارة إلى الجوانب السلبية للظاهرة وإلى نتائجها الكارثية. أشار الباحث شاميوهو قاتاك قائلاً، “إن إستخدام مصطلح “الإستيلاء على الارض” في هذه الدراسة لا يعني او يشير إلى عدم القانونية، لان معظم الصفقات تمت بموافقة الحكومات. ولكنه يعني او يشير إلى الشروط المجحفة وغير العادلة التي تمت وفقها الصفقات، التي افتقرت لمشورة مجتمعات الفلاحين والسكان الأصليين”.([8]) والمثال الأوضح على ذلك قرار بيع الأراضي في مشروع الجزيرة الذي إتخذه مجلس الإدارة سراً، وأبطلته محكمة الطعون الإداربة لاحقاً، وذلك في يوم 11 يناير 2012، بمدينة ود مدني.

وقد ذهب نفس الكاتب في إشارة أوسع وأكثر تفصيل في نفس المنحى بالقول،”إن رغبة الدول الفقيرة المتزايدة في منح أرضها ليحصل عليها الآخرون كان لها تأثير عكسي على حق الغذاء وحق الاستقلالية. هذا بالاضافة لاستغلال الموارد الطبيعية والتي هي ملك للمجتمعات المحلية. ومن ضمن التأثيرات المباشرة: إخلاء الناس من الأرض التي ظلوا يستخدمونها لعقود من الزمن لأنهم لا يملكون ما يثبت ملكيتهم لها. حرمان السكان الاصليين والرعاة من الاستمتاع باستخدام الأرض، مما نتج وينتج عنه التناحر حول موارد المياه وتأمين الغذاء المتناقص. وبهذا فإنما يوصي التقرير بضرورة إشراك المجتمعات المحلية فيما يتعلق بالمفاوضات حول الأرض وذلك ضماناً للشفافية”.([9])

إن غياب الشفافية في صفقات “الإستيلاء على الأرض” تحتمه شروط وطبيعة تلك الصفقات نفسها. فالشروط في غالبها الأعظم تضع الأنظمة الحاكمة في مواجهة شعوبها، وبالرغم من إستعداد تلك الأنظمة للقيام بذلك إلا انها لا تفصح عنه. وفي هذا المقام نورد مثالاً كافياً ألا وهو مشروع إنشاء شركة تحت مسمى التعاون الزراعي بين السودان وتركيا، وذلك في أبريل 2014، والذي تم نشر إعلانه في الجريدة الرسمية التركية في 19 نوفمبر 2015، حيث تقوم شركات تركية بإستئجار اراضي زراعية في ستة مناطق في السودان تبلغ مساحتها 793 ألف هكتار (ما يعادل 1,942,850 أي ما يساوي 90% من مساحة مشروع الجزيرة، تقريباً). وسيكون الإستئجار لمدة 99 عام. ولكن ما هو أهم ومرتبط بتغييب المواطنيين عما يدور بخصوص أراضيهم، وبغياب الشفافية كذلك، هو أن السودان سيكون “مسئولاً عن حماية وحدة الأراضي المستثمرة والنظر في قضايا محتملة قد ترفعها أطراف أخرى تدعي الحق في الأراضي، إلى جانب حماية أمن المزارعين والعاملين”.([10]) بالطبع المقصودون هنا هم المزارعون والعمال التابعون للشركات الأجنبية!.

ومما هو جديرٌ بالإشارة إليه في تناول ظاهرة “الإستيلاء على الأرض”، ان القوى التي تقف ورائها لا تتشكَّل من مستثمرين أجانب وحكومات فقط، وإنما تضم أيضاً مستثمرين محليين وكذلك افراد من القطاع الخاص. فإبراز هذا الملمح مهمٌ للغاية لأنه ينطبق وبشكلٍ واسع على حالة “الاستيلاء على الأرض” التي جرت وما زالت تجري في السودان، وبل ان ما يلفت الإنتباه في الحالة السودانية الآن ان المشتثمرين المحليين والقطاع الخاص تمثلهم قوى إجتماعية جديدة أفرزتها وإرتبطت بها الدولة المركزية. وتلك القوى هي الرأسمالية الطفيلية الإسلامية (رطاس)، وطلائعها من الإسلاميين النافذين . وسنتوقف عند ظاهرة هذه الطبقة الطفيلية قبل نهاية هذا الباب، ومن ثم سنتوسع في تشريحها أكثر في باب خاص بها من الكتاب. (الباب الثالث، تحديداً).

إن التعريف الذي يتضمن هذا الملح او الجانب من ظاهرة “الإستيلاء” إلى جانب الملامح الأخرى، تقدمت به أحد المنظمات المعنية والتي عُرِفت بالدفاع عن حقوق المزارعين او الفلاحين، إذا كان على المستوى المحلي او العالمي. وتلك المنظمة هي منظمة “أيكو روراليس”، “Eco Ruralis”، ومقرها في جمهورية رومانيا. هذه المنظمة لم تقدم مساهمتها على المستوى النظري فحسب، وانما قامت وتقوم بخطوات عملية في مواجهة ظاهرة “الإستيلاء على الأرض”. جاء تعريفها  لظاهرة “الإستيلاء على الأرض” كما يلي:

“إن الإستيلاء على الأرض يمكن تعريفه على انه سيطرة (سواءٌ إذا كان ذلك من خلال التملك، الإيجار، التنازل، التعاقد، الحصحصة، أو عن سلطة عامة) على قدر من الأرض أكبر مما هو سائد ومتعارف عليه محلياً في التمليك، بواسطة أي فرد او جهة (إذا ما كانت عامة او خاصة،أجنبية او محلية)، وبأي وسيلة كانت، (قانونية او غبر قانونية)، بغرض المضاربة، الحصول على الفوائد، السيطرة على الموارد أو التعامل يإعتبار كل شيئ على انه سلعة، وذلك على حساب المزارعين ومصالحهم، والبيئة الزراعية، والإعتناء بالأرض، والغذاء والسيادة وحقوق الإنسان”.([11])

إنه لا أقل من الإتفاق مع هذا التعريف الموضوعي والشامل، والذي يمكن أن يعتبر دقيقاً ولحد كبير من زاوية الإقتصاد السياسي.

فئـــات تحت خطـــر الضـــرر/

إنه، وبالإضافة لما تضمنته التعريفات الواردة من نتائج سالبة لممارسة نشاط “الإستيلاء على الأرض” في البلدان النامية او المتخلفة، إذا كان بواسطة قوى مستثمرة خارجية او محلية، فهناك ثلاث فئات إجتماعية تقع تحت خطر الضرر المباشر لإنتشار هذه الظاهرة، أي ظاهرة “الإستيلاء على الأرض”، وقد أشار إليها كثيرٌ من الباحثين. وتلك الفئات المتضررة هي/

اولاً، فئة صغار المزارعين، الذين يتناقض الشكل الذي تقوم عليه ملكياتهم للارض، وهو شكل الحيازات الصغرى، مع شكل الملكيات التي يتمتع بها المستثمرون، وهو شكل الحيازات والمشاريع الضخمة أو الكبرى، وفي هذا الصدد مثلاً نجد أن هناك ثمانية دول فقط، وهي الصين، الإمارات العربية، كوريا الجنوبية، مصر، السعودية، المغرب، الأردن وسوريا تمتلك مشاريع في السودان تبلغ مساحتها ما يقارب مليونين فدان، أي 1,870,000 فدان.([12])  وتلك مساحة تكاد تقارب مساحة مشروع الجزيرة.

إن هجمة المستثمرين على الأرض تهدد بخروج صغار المزارعين من النشاط الزراعي كمزارعين ليصبحوا عمالاً زراعيين في أرضهم التي كانوا يملكونها يوماً.

ثانياً، فئـــة النســــاء، إن النساء وكما هو معلومٌ وبشكل عام لا يتمتعن بحق ملكية الأرض كرصفائهن الرجال في البلدان النامية. وذلك لأنه لاحكومات الدول ولا المستثمرين يضعون إعتباراً لحقوق المرأة في الأرض، وقت تنفيذ صفقات الإستيلاء على الأرض وعند توقيع عقوداتها فيما بينهم. وفي كثير من الحالات يتم ذلك عن طريق التواطوء بين المستثمرين والأنظمة الحاكمة ممثلة في النافذين من مسئوليها، ” أما التجربة المريرة الثانية والتي كان ابطالها الصينيون، فقد كانت في دولة “قامبيا” في غرب افريقيا ايضاً، حيث جاء الصينيون في العام 1975م بدعوى تطوير زراعة الارز!. تعاضد الصينيون وحكومة قامبيا في الوقوف ضد المواطنين وبتحديدٍ أدق ضد قطاعٍ مهم في المجتمع القامبي وهو قطاع النساء، حيث تمَّ حرمانهن من التمتع بملكية الأرض في المشروع محل التطوير، وحرمانهن بالتالي من كافة المزايا المتعلقة بالقروض والمساعدات المالية، بالرغم من حقيقة أن النساء في قامبيا كان يقع عليهن العبء الأكبر في الأعمال الزراعية. ولقد كان ذلك الحرمان للنساء، في التحليل النهائي، واحداً من ضمن الاسباب التي ادت لانهيار المشروع بعد خمسة سنوات فقط من بدايته”.([13])

ثالثاً، فئــــة الرعــــاة، إنه من المعلوم بان الزراعة والرعي هما حرفتان متلازمتان عبر التاريخ البشري، وبقدر دورهما الحاسم في تطور التاريخ فقد كانت كل منهما عاملاً مهماً في تطور الأخرى. وحين الحديث عن القطاع الزراعي يكون مفهوم ضمناً  ان المشمول فيه هو شقه النباتي وشقه الحيواني، أي الرعوي، والذي أطلق عليه، محقاً، محمد إبراهيم نقد تعبيراً موحياً حين أشار إليه بــ “الوجه الآخر من علاقات الأرض”!.([14])

إن ذلك التلازم بين الحرفتبن او النشاطين مازال سارياً، وخاصةً في البلدان النامية والمتخلفة. فلذلك يمسي تأثير أي عامل أو نشاط على أي منهما تأثيراً وبالضرورة على الآخر. وبالتالي فإن التأثير السلبي للإستيلاء على الارض والذي حاق بصغار المزارعين ينطبق ويجري بنفس القدر على فئة الرعاة. وقد يكون بشكلٍ أسوأ. فإذا كان سيتم “تغريب” صغار المزارعين بإنتزاع أرضهم وإلحاقهم بها كعمال زراعيين، فإن “تغريب” الرعاة يتم بإنتزاع مراعيهم ونفيهم عنها عن طريق تهجيرهم القسري خارج تلك المراعي لأجل البحث عن مراعي أخرى!. وبالمقارنة يكون ذلك تغريباً ،بوجهيه المادي و المعنوي، مؤلماً هو الآخر، بل وأكثر مرارةً وثقلاً!.

إن الحادث الذي جرى في عام 2009 للرعاة من قبيلة الماساي في منطقة “لوليوندو” في كينيا يقف دليلاً ناصعاً على النتائج الكارثية لانتشار ظاهرة “الإستيلاء على الأرض”. إذ قامت الحكومة الكينية ببيع ومنح حق إستخدام أرض الرعاة الماساي لأحدى الأسر الحاكمة في دولة الإمارات العربية وذلك في عام 1992، كمنتجعات وحظائر لممارسة هواية الصيد. وبعد مقاومة إستمرت لأكثر من 17 عاماً تمَّ إخلاء المنطقة من سكانها الأصليين بطريقة بشعة ومزرية، صاحبتها خروقات فظة لحقوق الإنسان، “إنه، وعلى المستوى المحلي فقد أصدر معتمد الإقليم توجيهاته في اليوم الأول من يوليو 2009 لسكان القرى بإخلاء أرضهم، وعلى أن يتم ذلك في الثالث من يوليو 2009. إن التنفيذ البشع لعملية إخلاء مجتمعات الماساي قد خلق أوضاعاً من البؤس والفقر لا يمكن تصورها. تم حرق اكثر من 200 من المجمعات السكانية  الصغيرة، وإغتصابٌ للنساء، وتُرِكَ اكثر من 3000 شخص مشرد بدون طعام، بل ويفتقدون لأبسط الإحتياجات الضرورية، هذا يالإضافة الى ترك اكثر من 50,000 رأس من الماشية دون مراعي او مواردٍ للمياه”.([15])

هناك فئة رابعة، يقع عليها ضرر كبير، وقد كان أن غفلها الباحثون، وهي فئة العمال الزراعيين، الذين يقوم على إستغلال قوة عملهم النشاط الزراعي في البلدان النامية، التي تنتشر فيها ممارسة نشاط “الإستيلاء على الأرض”. وقد يقف السودان خير مثال لوجود فئة العمال الزراعيين، إذ أنهم يشكلون ثقلاً حقيقياً وسط قوة العمل المتوفرة فيه، إن كان ذلك في القطاع الزراعي المروي او المطري. إن التأثيرات السالبة التي تخضع لها بقية الفئات تنطبق أيضاً على فئة العمال الزراعيين، ولكن من جانب ومنظورٍ مختلف.

إنه، وفي سبيل تراكمٍ أسرع للرأسمال وذلك عن طريق تحقيق معدلات أعلى من الأرباح، أضحى المستثمرون في الأرض يميلون إلى نمط التوظيف العالي للرأسمال  Capital Intensive  عوضاً عن نمط التوظيف العالي للقوى العاملة Labor Intensive ، وذلك مما يعني وبالضرورة خلق جيوش جرارة من العاطلين عن العمل، حيث ينضم العمال الزراعيون إلى قطاع صغار المزارعين، الذين جردهم غول “الإستيلاء على الأرض” من ملكية أرضهم ولفظ بهم إلى حيث يجب أن يكونوا، أي إلى جانب العمال الزراعيين!. هذه صورة مرعبة ولكنها واقعية كأحد النتائج المنطقية والمتوقعة لانتشار ظاهرة “الإستيلاء على الأرض”، التي تستهدف الدول النامية والمتخلفة في عصرنا هذا.

التناقض الأساس المصاحب للظاهرة/

إن ما تسمى بحالة التناقض الأساس، وبشكل عام، تكاد ان تكون حالة ملازمة لكل ظاهرة وجودية، مثلاً أن مسالة أو حالة فقر الغالبية أو السواد الأعظم في المجتمعات غالباً ما تكون متلازمة، إذا إستثنينا الكوارث، بإستئثار أقلية طبقية بالموارد الإقتصادية التي تخص المجتمع بأكمله. وكذلك الحال في تفشي العطالة المربوط يإنهيار الإقتصاد، نتيجة سيادة مناخ الفساد وسوء الإدارة وغياب الديمقراطية ومن ثم هيمنة فئة طبقية محدودة، مُشَكِّلةً بهيمنتها تلك وبتراكم ثرواتها عاملاً أساساً لذلك الإنهيار. وبذا فإن الظاهرة تنتج نقيضها!. عليه، وقياساً على ما أوضحنا من أمثلة فإن التناقض الأساس المصاحب لظاهرة “الإستيلاء على الأرض”، هو أن غالبية البلدان التي تمَّ ويتم فيها “الإستيلاء على الأرض” تعتمد في توفيرها الغذاء لشعوبها على المعونات والهبات والإغاثات من الخارج!، وقد يكون ذلك الخارج في الغالب الأعم هو نفس الدول التي تقوم بالإستيلاء على أرض تلك البلدان!. كما وأنه قد تكون تلك “المعونات” هي نفس “الغذاء” الذي انتجه أولئك المستثمرون الأجانب “الخيرون” على ارض تلك الشعوب “الجوعى”!.

إن هذا التناقض المشين يفضح على المستوى العملي، وليس النظري وحده، دعاوي منظري “التنمية” وخطابهم حول إنصافية وعدل “صفقات الأرض” التي تتم في البلدان المتخلفة، والتي يعتبرونها “win-win game” أي ان الطرفين رابحان، أو كما يدعون!.

هذا التناقض يشكل، في إعتقادي، القانون العام الذي يحكم ويتحكم في وجود وفي سيادة ظاهرة “الإستيلاء على الأرض”، كشكلٍ جديد من أشكال إستغلال مقدرات وخيرات الشعوب الفقيرة في فترة “ما بعد الإستعمار الحديث”.

على ضوء هذه الحقيقة والخلفية المطولة التي بذلناها لأجل التوضيح، يأتي تناولنا لقضية “مشاكل ملكية وإستخدام الأراضي الزراعية في السودان”. وهي حقيقة كما وضح أنها مخيفة. ولكن، وبقدر ما أنها تزيد من تعقيد تلك المشاكل، إلا أنها تحفز وتعطي دافعاً حقيقياً لأجل التصدي المسئول والواعي، ومن ثم لبذل المساهمة التي لا غنى عنها لأجل حلحلتها. والمساهمة المعنية في التصدي لقضية ملكية الأرض يكمن جزءٌ كبيرٌ منها في الإجابة عن السؤال الجوهري أدناه/

ولماذا أضحى الآن إمتلاك الأرض، وتمليكها محل إهتمام العالم؟!/

يكاد أن يكون هناك إتفاق عام بين كل المدارس الفكرية، سوى كانت الإقتصادية منها او عداها، بأن أحد العوامل المزكية للحروب، تلك المنتشرة حول العالم، هو عامل إمتلاك الأرض وتملكيها، بل وقد يمثل ذلك العامل الأهم. وقد أصبح هذا الأمر محل الإهتمام والبحث والدراسة ليس من قبل البحاثة الأفراد وإنما من قبل الهيئات الدولية كذلك، وحيث توصلت جل تلك البحوث والدراسات إلى نفس النتيجة. وفي هذا المقام نود أن نشير فيما يلي إلى بعض الأمثلة التي تؤكد على ما ذهبنا اليه في شأن الصلة بين مشاكل ملكية الأرض وقضية إشتعال الحروب.

ففي أفغانستان، مثلاً، وهي أكثر الدول معاناة بسبب حروبها الأهلية الطويلة، وضح ان ازدياد التناحر على ملكية الأرض أصبح يحمل وجهين حيث يدخل كعامل في تزكية الحروب وإستمرارها، من جهة، ويمثل  كذلك نتيجةً مترتبةً على إتساعها من الجانب الآخر. وفي هذا الصدد أشار مسئول البرامج في المعهد الأمريكي للسلام، بارماك باجواك إلى أنه ،”سيكون هذا هو الصراع الكبير المقبل في أفغانستان. ويشكل هذا الأمر خطراً كبيراً، لأن الصراع سيشمل جميع أنحاء البلاد، وسيكون حقاً خارج نطاق السيطرة”.([16])

وفي الحقيقة، أن الشيئ الذي فاقم من أمر الوضع في أفغانستان هو وجود عاملين آخرين خطرين، هما، الأول تكاثر وإنتشار “مافيا الأراضي”، والثاني، هو إنتشار السلاح. فهذان العاملان يمثلان ظاهرة طاغية الوجود في كل الدول التي تعاني من عدم الإستقرار نتاج الحروب الأهلية، وهي حالة تنطبق تماماً على ما يجري الآن في السودان.

وفي هذا الإتجاه من طرح الأمثلة الحية بصدد مشاكل الأرض، تقف منطقة جبال النوبة كواحد من تلك الأمثلة الشاخصة، حيث الصراع حول الأرض بين السكان الأصليين كطرف، ومجموعة تحالف الحكومات المركزية والمستثمرين الوافدين تحت حمايتها كطرف آخر. وفي ذلك كمنتْ وتكمنُ جذور الغبن الذي لم تكن الحروب الدائرة ولعقودٍ في المنطقة إن هي إلا مظهره الجلي، “توجد حوالى200  مشروعٍ للزراعة الآلية تمت مراجعتها بمنطقة هبيلا ، والتى أنشئت بتمويل من البنك الدولى ويدعمها البنك الزراعى التابع للدولة ، ولقد منحت الحكومة عقود إيجار أربع مشاريع تعاونية محلية، وأربع مشاريع لتجار محليين .. ومنح مشروع إيجار واحد لمجموعة من تجار هبيلا ، أما البقية والتى تبلغ  191  مشروعاً لقد منحت لأفراد من غير أهل منطقة جبال النوبة، معظمهم من التجار والموظفين الحكوميين والجنرالات المتقاعدين من القوات النظامية من شمال السودان والجزيرة.”([17])

وفي ذات الإتجاه ذهبت الباحثة “منى أيوب” إلى خطوة أبعد في التحليل الإقتصادي السياسي الموضوعي الذي يربط ما بين النتيجة والسبب او يربط الظاهرة بجذرها، إذ انها أعطت تفسيراً للعلاقة العضوية بين أهل جبال النوبة ونشاط المقاومة المسلحة، وخاصةً الذي تقوده “الحركة الشعبية لتحرير السودان” ضد النظام الذي كان قائماً والذي كان يحكم الدولة السودانية، أي نظام الإسلام السياسي، “وفي جبال النوبة، فإن نزع الأرض من النوبة وحيازتها بواسطة المستثمرين الوافدين كان أحد العوامل الدافعة من وراء إنضمام النوبة لحركة وجيش تحرير السودان SPLM/A”.([18])

وعند هذا المقام لابد لنا من أن نشير إلى حقيقة أن الإنسان في جبال النوبة، وكشأن كل الشعوب الأصيلة، لا ينفصل عن الأرض، فهو ملتصق بها دون إنفصام، فلذلك أن ما يحكم العلاقة بينه وبينها إرثٌ من تقاليدٍ راسخةٍ وأعرافٍ تليدةٍ، ضاربة في التاريخ.

إن الأرض في جبال النوبة معلوم إستخدامها وملكيتها، إمتدادٌ من سفح الجبل إلى حدود المجموعات الأخرى، وذلك من جبلٍ إلى جبل. وقد يحس الباحث ثقل الغبن الذي يحط على مواطني الجبال وهم يرون أرضهم تُهدى وتُباع وتُشترى، ليست لهم وإنما لسواهم!، وإن كانوا يُحرِّمون ذلك على انفسهم، “فالشاهد أن الأرض الطينية في عرف تقلي وعموم أهل الجبال لا تُباع ولا تُشترى. فهي تُعتبر امٌ محرمٌ أكل ثمنها. بإعتقاد أن الإنسان خُلِقَ من طينة الأرض. لذلك جاء تقديسها عند مواطن الجبال. فلم يرد عبر تاريخ تقلي أن أحداً ملك أرضاً بإستثناء أبناء الملوك عند زيانة شعر أحد منهم وقت الصغر، فتُسَمَّى أرضٌ بإسمه. فالأرض الطينية ملك القبيلة، ينظم إستعمالها شيوخ محددون مأذونٌ لهم دون سواهم بالتصرف في الأرض وفق تدابير من رئاسة المملكة”.([19])

إن العلاقة المقدسة بين الإنسان النوبي والارض في السودان ترجع لعصورٍ سحيقة، وهي سمة لا تقف عند الأرض وإنما تتعداها إلى ما تنتجه هي نفسها، إذ تكاد أن تشمله تلك القدسية أيضاً، فقد أشار محمد ابو سليم إلى ذلك وهو يتناول نوبيي الشمال في قوله، “المزارع النوبي كان يجد حرجاً قي بيع محصوله لأن البيع كان يعد عيباً”.([20])  فهذه العلاقة الفريدة المتميزة التي لا يتحكم فيها أمرٌ آخر بأقل من “التحريم” و”العيب”، يصبح من الصعب بمكان فضها او التجني عليها دون ان تترتب على ذلك نتائجٌ وخيمة العاقبة!.

عليه يبقى من الضروري، وفي معالجة قضاياها، التأكيد بحقيقة أن السلام لن يمر إلا عبر الأرض، ولن يتم إلا وفق تأكيد حق ملكيتها،  كما ووفق حرية إستعمالها بواسطة أهلها الحقيقيين في الجبال. وليس الأمر بأقل منه في دارفور كذلك!.

إن الأرض في دارفور  كانت هي محور التغيرات التي إنتظمت كامل المنطقة. إتسم الوضع الجديد، وخاصة بعد إستيلاء الحركة الإسلامية على السلطة في السودان، إتسم بإستغلال النفوذ وبالقمع وبالفساد المرتبط بجشع الإستثمار، والذي كان من ضمن نتائجه المباشرة إستعار الحرب، ” إن الأراضي كانت تستخدم في السابق لغرضين الأول للسكن، والثاني للإكتفاء الذاتي من الزراعة، والمستفيد الأول هو المواطن، ولكن مع بداية نظام الانقاذ دخلت أغراض الإستثمار في الغابات والمزارع، ولحق بها التنقيب العشوائي والنفط، ولكن السلطات أدخلت الإستثمار عبر شركات أجنبية تستفيد من الأراضي وتُصدر الناتج، فتحوَّل مالك الأرض إلى مُستَخْدَم وليس مالك”. ([21])

والمفجع حقاً، أنه لم يتوقف الأمر عند حد أن يبقى الملاك الحقيقيين أجراء في أرضهم، وإنما تمت عملية إحلال أو بمعنى اكثر دقة تمتْ عملية إستيطان لمجموعات إثنية أخرى، وليزج على إثرها بالسكان الأصليين في معسكراتٍ للجوء داخل أرضهم!. وهنا نقف جميعاً لنشهد تكراراً مأساوياً لفصولٍ بائسةٍ من التاريخ الإنساني، بشكلٍ عام، وبشكلٍ خاص في تاريخنا الوطني الحديث. وذلك خاصة حينما نعلم المعنى الحقيقي للارض، “فإن القيمة المرتبطة بالأرض لا ترجع فقط لدورها في توفير أسباب الرزق، وإنما أيضاً لقيمتها الرمزية في تعريف المجموعة”.([22])  وفي مكانٍ آخر يضيف الكاتب محقاً، بشأن العروة الوثقى بين الناس والأرض، “أي انها أصبحت رمزاً لهوية المجموعة”.([23])

إنه، وبخصوص الصراع حول ملكية الأرض بشكلٍ عام، وفي دار فور التي وصل فيها الصراع إلى ما هو دموي بشكلٍ خاص،  يرى الكثير من الباحثين والمهتمين بان البنية القانونية التي تمَّ تأسيسها بواسطة الأنظمة الحاكمة، وعبر فترات حكمها المختلفة في السودان، وخاصةً فيما بعد الإستقلال، قد لعبت دوراً كبيراً في دفع الصراع إلى ما هو أسوأ. إن قانون “الأراضي غير المسجلة” لعام 1970، الذي يعتبر كل الأراضي غير المسجلة في السودان هي أراضٍ حكومية ، و كذلك قانون “الإجراءات المدنية” لعام 1984، والذي يعطي حق الإنتفاع بتلك الأراضي المعتبرة حكومية، يُجمع الباحثون على أنهما وبتكاملهما يقفان وراء حقيقة نقل الصراع حول الأرض في دارفور ليأخذ هذا المسار الدموي، والذي كاد أن ينسف الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي والسياسي لعموم السودان.

لا شك في أنه سيتم التوصل إلى حلٍ بخصوصه، طالما أصبح أهل دارفور جزءاً من الحل، وذلك بالرغم من الحقيقة الماثلة في أن آثاره ستظل باقية ومحسوسة لأجيال عديدة قادمة.

نشر البنك الدولي في عام 2010 واحدةً من أوسع دراساته حول حقوق ملكية الأرض. وقد جاءت هناك إشارة بالغة الأهمية في العرض لتلك الدراسة تقول بــــــ “أنه مع ارتفاع أسعار الأغذية والوقود الذي يخلق حوافز لشراء الأراضي على نطاق واسع في شتى أنحاء العالم، أصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن تعمل الحكومات والمجتمع الدولي على حماية حقوق ملكية الأراضي للسكان المحليين”.([24]) هذا يؤكد بعضاً مما ذكرناه حول أهم الأسباب التي تكمن وراء إندياح ظاهرة “الإستيلاء على الارض” وتفشيها، للحد الذي كاد فيه ذلك الإندياح ان يغطي كل أطراف المعمورة.  كما وأنه في نفس الوقت يشير إلى مسئولية الدول فيما يتعلق بضرورة حماية حق ملكية الأرض بالنسبة للمواطنين. وقد وردت في الدراسة نفسها إشارة اخرى ذات مغزى تخص أمر ملكية الأراضي في السودان، وهو موضوع بحثنا هذا، حيث قالتْ،” وفي الواقع، فإن بعض المستثمرين في أفريقيا يبدون أكثر إهتماما بالمضاربة على رفع أسعار الأراضي من إهتمامهم بزراعة المحاصيل، وهم لا يزرعون بشكل كامل الأراضي التي تَملَكُوها. فعلى سبيل المثال، في السودان، حيث يشكو كثير من المزارعين المحليين من فقدان حقوق ملكية أراضيهم”.([25])

جديرٌ بالقول أن أمر المضاربة في الأرض لم يكن قِصراً على المستثمرين الأقحاح الذين خرجوا من بين ثنايا التنافس الطاحن للرأسمال،  وإنما من بين رواد هذه المضاربة المبغوضة مؤسسات تنتمي إلى حقولٍ إنسانية على قدر ٍ من الرفعة، قد لا يتوقع الناس خوضها في وحل “الإستيلاء على الأرض”، ولكنه قد حدث، وسيظل يحدث!، “إن القول بأن “الإستيلاء على الأرض” لا ينطبق إلا في حالة الإستيلاء عليها لاجل الزراعة، هو محاولة لإستبعاد صفقات الأرض التي تقوم بها المؤسسات المالية التي نادراً ما تستخدمها لأجل الزراعة. إن معظم محافظ الإستثمار أو المؤسسات المالية تحبذ عمل نفس الشيئ، وذلك مثل فرع الإستثمار لجامعة هارفارد الذي قام بشراء 3300 هكتاراً من الغابات في رومانيا فقط لأجل بيعها بعد وقتٍ قصير لمؤسسة آيكييا  Ikea بمبلغٍ قارب 50,7 مليون يورو”.([26])

فهذه هي جامعة هارفارد، المؤسسة التعليمية والتربوية العتيدة، المعروفة على مستوى العالم، ها هي تجعل من نفسها “مضاربةً” أو “سمساراً” إلى جانب المسثمرين في الأرض عن طريق “الإستيلاء” عليها!. لا شيئ يعقد اللسان بالدهشة، إنه الرأسمال وجنوحه الذي لا يعرف الوقار!.

عوداً على بدء موضوع السكان الأصليين والأرض، لا أكثر وضوحٍ حول قضية ملكية أرضهم ووجوب حمايتها، بإعتبار أنها تقع ضمن مسئوليات الدول، مما ورد في إعلان الامم المتحدة حول ذلك، أي “حقوق السكان الأصليين”

(Declaration on the Rights of Indigenous People),(DRIP)، والمجاز في 13 سبتمبر 2007، حيث جاء في المادة (8)(2) منه ما يلي/

“على الدول ان تقوم بتوفير الآليات الكفيلة بالحماية، وبتدارك:

ب/ أي فعل يكون الهدف منه او الغرض تجريدهم من ملكية اراضيهم، ومناطقهم او مواردهم”.([27])

ان هذا الإعلان الذي توافقت عليه الامم أملته ضرورة التصدي لظاهرة الهجوم الفالت على حقوق ملكية الأراضي. وهي ظاهرةٌ أصبحت تعاني منها، وبشكل أساس، مجتمعات الشعوب الأصيلة في كل انحاء العالم. وذلك أمرٌ إرتبط ولحدٍ كبيرٍ بضعف تطور تلك المجتمعات مترافقاً مع تركيز الهيمنة والقرار الذي هو في أيدي قوى إجتماعية غاشمة، إذا كان ذلك على المستوى المحلي في الدول نفسها أو على المستوى العالمي. إنه ومما لا شك فيه أن ما سلف سرده يؤكد، وللأسف الشديد، على الحقيقة المرعبة بأنه، وفي ظل العولمة الجارفة، قد تمّ إلحاق “الأرض” بالسوق الرأسمالي العالمي!. عليه، وكموردٍ نادرٍ يكون بذلك قد تم تحويلها عملياً إلى سلعة تستلزم المنافسة، وتغري بالحصول عليها!.

إنه، وعلى ضوء هذه الخلفية نحاول معالجة قضية الأرض في السودان وفي مشروع الجزيرة على وجه التحديد.

الأرض وملكيتها في السودان/

كانت ملكية الأرض في السودان، قبل ظهور الملكية الفردية والخاصة، ملكية عامة ومشاعية بين السكان الأصليين، إذا كان ذلك في دارفور او بين المجموعات النوبية في شمال السودان او في الوسط في مناطق الجبال او المناطق الأخرى، وكذلك كان الإستحواذ على خيراتها وريعها يأخذ شكلاً جماعياً هو الآخر، وربما كان ذلك مختلفاً عما هو معروفٌ من التشكيلات الإقتصادية الأخرى، “وإنما لغياب الملكية الفردية على الأرض، حيث الظروف الطبيعية، الجغرافية، والمناخية وإتساع مساحة الأرض والتركيبة القبلية، وسبل كسب العيش بالزراعة المطرية والرعي…ففي غياب الملكية الفردية على الأرض، يتخذ الإستحواذ على الفائض – أو على الريع – أشكالاً مغايرة للشكل المألوف في الإقطاع الكلاسيكي”.([28])  ولكن كل ذلك بالطبع كان قبل ظهور الدولة كنظام إقتصادي إجتماعي، ولو بشكلها البدائي، كتطور طبيعي في تاريخ السودان، وكتعبير عن التمايز الإجتماعي والطبقي الناتج عنه، والمصاحب له في آنٍ معاً.

إن أشكال الدولة في السودان، فيما قبل الحديثة، مثلتها الممالك والسلطنات التي شهدها تاريخه، مثل الممالك المسيحية كعلوة والمقرة وسوبا، والسلطنات الإسلامية مثل السلطنة الزرقاء او سلطنة الفونج، ثم مملكة وداي وسلطنة المسبعات وسلطنة الفور، وهي كلها شكل من  أشكال الدولة التي وسمها التمايز الطبقي، وقد تجلى ذلك واضحاً، بل وكشفه بشكلٍ أوضح التطور الذي شهدته “ملكية الأرض” في إنتقالها من الشكل المشاعي إلى ظهور شكل الملكية الفردية، “ومن الملاحظ أن قيام السلطنات قد أدى إلى المزيد من الإتجاه إلى الملكية الفردية، وهو أمرٌ نابعٌ من تأمين طرق التجارة، وبالتالي الإنتفاع تجارياً من الزراعة الواسعة وظهور طبقات من رجال الدين إتجهت لإمتلاك مساحات واسعة من الأرض. ومن هنا عرف السودانيون نظام الحواكير والإقطاعيات التي يتقاسم فيها المالك والمزارع المحصول. وقد لوحظ أيضاً أن إقطاع الأرض لرجال الدين من قبل السلاطين وحكام المقاطعات قد أصبح أمراً شائعاً في النصف الثاني من عصر الفونج، ومع أن الدوافع المعلنة في وثائق التمليك والتصدق دائماً هي الرغبة في ثواب الآخرة، إلا أن المضمون الحقيقي لمثل هذا التصرف واضح، وهو ظهور رجال الدين في المجتمع السوداني كقوة إجتماعية وسياسية يدين لها العامة بالولاء، وبالتالي فإن إسترضاء هذه الطبقة من قِبل الحكام قد أصبح إجراء لابد منه، إنه لعكس القوة السياسية  المستمدة من الدين”.([29])

إن خاتمة الإقتطاف، حول رجال الدين وموقعهم، تمثل ملاحظة عميقة وفي غاية الأهمية ، بالرغم من حقيقة أن رجال الدين ليسوا طبقة وإنما هم شريحة من طبقة ملاك الأرض. إن عمق الملاحظة وأهميتها يكمنان في حقيقة إستمرار دور رجال الدين ليس كقوى إجتماعية وسياسية فحسب وإنما كقوة إقتصادية ومهيمنة حتى يومنا هذا!. ففي ظل نظام الدولة الثيوقراطية التي أقامتها قوى الإسلام السياسي في السودان، مثلاً، أصبح رجال الدين هم قوام طبقة الرأسمالية الطفيلية المسيطرة اليوم، إقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً.

إن ظهور الدولة الحديثة في السودان جاء مع بدايات القرن التاسع عشر، وهو مرتبط لحدٍ كبير بظهور الدولة التي أسسها الإستعمار التركي- المصري فيما بين 1821- 1885. وفيما يخص الأرض، فإن حداثة الدولة ظهرت بشكل واضحٍ في مجالي إدارة الدولة والنشاط الزراعي على وجهٍ أخص، حيث تمَّ إستقدام المحاصيل النقدية، الذي تبعه ظهور السوق القائم على التبادل والتوزيع على اسس جديدة وحديثة، ومن ثم ربط السودان بالسوق الرأسمالي العالمي. إن الذي كان سائداً حول ملكية الأرض إبان هذه الحقبة من الحكم هو إعتبار أن “كل الارضي التي لا تزرع عن طريق الري بالساقية او الجرف  ارضاً حكومية (ميري)”.([30]) ولكن، صدور ما عرف بــــ”اللائحة السعيدية للأطيان” في عام 1857 شكَّلَ  ودشَّنَ أول تقنين للأرض في ظل نظام ذلك الحكم، ولربما في تاريخ السودان الحديث، ومن ضمن ما نصت عليه تلك اللائحة هو، “أن المزارع الذي يترك أرضه بدون زراعة ثلاث سنوات يسقط حقه فيها حسب الشريعة، ويمكن مدها لسنتين إضافيتين حسب ما يجيزه العرف. وعليه كل منْ يضع يده على أرض لمدة خمس سنوات وأكثر ويدفع ضريبتها للحكومة فلا تنزع ولا تسمع فيها اي دعوى. وتهدف هذه اللائحة وما تبعها من مراسم، إلى تشجيع زراعة الأراضي التي هرب أصحابها من جراء عسف النظام الضريبي”.([31])

وعلى نهايات الحكم التركي- المصري أصبح هناك نظامان لملكية الأرض، “الأول الملكية الفردية وكانت غالباً في الأراضي الزراعية على ضفاف النيل، والتي بدأت تشهد في أخريات الحكم التركي- المصري تحركاً نحوها، هو أحد بشائر الرخاء، وأحد المؤشرات لتحلل العلاقات القبلية. والثاني الملكية الجماعية في مناطق الرعي. وهذا النظام بقى قائماً منذ الهجرات الجماعية للعرب، وهو يشكل العمود الفقري لنظام ملكية الأرض في السودان، وظل قائماً لعدة قرون لا يتأثر بتحركات القبائل”.([32]) هذا المقتطف يؤكد ما ذهبنا اليه من قبل بأن الملكية الجماعية كانت، تاريخياً، هى الطابع الغالب على شكل ملكية الأرض في السودان فيما قبل ظهور الدولة الحديثة.

لم تحمل الدولة المهدية فيما بين 1885-1898 فكرة ومسالة حداثة الدولة وتدفع بها في نفس المسارات التي كانت عليها تحت ظل الحكم التركي – المصري، إلا أن ما تقدم به الإمام المهدي من رؤية حول الأرض، يرقى إلى ان يكون، ومما لا شك فيه، ركناً أساساً في أي إصلاحٍ زراعي بالفهم المعاصر!. نحا المهدي في قضية ملكية الأرض منحاً كاد أن يكون إشتراكياً!، حيث جاء قوله في هذا الشأن، “وحيث أن الأمر كذلك وأنا أحب لكم ما يدوم لكم نفعه فمنْ كان له طين فليزرع فيه ما إستطاع زرعه، وإذا عجز أو لا إحتاج إليه لا ياخذ فيه دقندي لأن المؤمنين كالجسد الواحد وما يساوي به أخاه المؤمن يكن له في ميزانه دائماً بدرجاتٍ علا عند الله وليس المسابقة من المؤمنين إلا فيما يبقى. وأن كل مؤمن ملكه من الطين له. ولكن من باب إحراز نصيب الآخرة فما لا يحتاج إليه يعطيه لأخيه المؤمن المحتاج. وما عجز عنه وأراد به الآخرة خيرٌ له من نفع دقندي يفنى عن قريب ويتحسر عليه إذا لم بصرفه لآخرته”.([33]) وفي أمر موقف المهدي من قضية ملكية الأرض، وخاصة دعوته الناس الا يأخذوا إيجاراً عن أرضهم، فلا مراء من الإتفاق مع القول بان المهدي “لم يفرض الأمر بقانون، بل توسل اليه بالوعظ والموقف الأخلاقي العام”.([34])

إن موقف موقف خليفة المهدي، الخليفة عبد الله التعايشي، فيما يتعلق بقضية ملكية الأرض جاء متفقاً في خطه العام مع موقف الإمام المهدي، إلا أن خطه تأثر لحدٍ كبير بالتطورات السياسية للدولة، وخاصةً بسياسة تهجير الأنصار من مناطقهم إلى أمدرمان، والذي تمَّ بناءاً على طلبٍ من الخليفة نفسه، وذلك لاجل نصرته في الصراع الداخلي في الدولة مع الأشراف. دخلت سياسة التهجير في تناقض بيِّنٍ مع سياسة دفع الناس لإنتاج الغذاء اللازم. آثر بعض الناس البقاء في مناطقهم لاجل الانتاج عوضاً عن الهجرة إلى “البقعة”، أي أمدرمان، وخاصةً أهل منطقة الجزيرة، مما دعا الخليفة ليقول قولته المشهورة فيهم، في أنهم “يميلون إلى حب الأطيان والإقامة بالأوطان”، بل وخشي أن يؤدي إختلاط عماله بهم، إلى دخول “بهجة الدنيا عليهم فلا يستنفرونهم للجهاد” و”يتعطل الدين” بسبب ذلك.([35])

شهدت فترة الحكم الإنجليزي – المصري ما بين 1898-1956 وضع الأسس الحقوقية والقانونية المعاصرة لملكية الأرض في السودان، بشكلٍ منظم وبواسطة الدولة. إن التطور العاصف في جوانب الحياة المختلفة، الاقتصادية والإجتماعية منها والسياسية هو الذي حتّمَ إنتاج تلك القوانين، والتي أصبح وجودها ضرورة لمعالجة وتنظيم المتغيرات التي طرأت على الحياة نتيجة ذلك التطور. بدأ صدور القوانيين المتعلقة بملكية الأرض في 1899 ولتصل ذروتها في فترة وجيزة بصدور قانون أ راضي الجزيرة في سنة 1927 (راجع الملاحق، الملحق الأول). وهو قانونٌ خاص بتنظيم ملكية الأراضي في مشروع الجزيرة. وفي إشارة صائبة إلى وضع ملكية الأرض في ظل الحكم الثنائي يقول دكتور القدال، أنه من أهم “إنجازات الإدارة البريطانية” أن “أصبح نظام ملكية الأرض يقوم على قانون وعلم”.([36])

يتضح من تتبعنا الخاطف لقضية ملكية الأرض، في الفترات التاريخية المختلفة للدولة في تاريخنا المعاصر، أن نقطة التحول المهمة في تاريخ ملكية الأرض في السودان، هو أن نحا شكل الملكية منحاً حاسماً مع ظهور الدولة الحديثة، أي بعد أن إنتظمته القوانين التي أنتجتها تلك الدولة الحديثة، والتي إستعانت في إستكمال دورها بالتقاليد والأعراف التي صاغتها مجتمعات بلاد السودان لتنظيم حياتها، ولتنظيم علاقتها بإرضها عبر مراحل تاريخية ضاربة في القدم.

إننا ولأجل الإقتراب من موضوعنا نرى أن ننظر إلى قضية الأرض في السودان من أكثر جوانبها أهمية من الناحية الإقتصادية، أي من ناحية توظيفها كموضوع للإنتاج الزراعي. وذلك بالقطع من منطلق أن القطاع الزراعي ظلَّ وما زال يمثل الركيزة الأساس لإقتصاد البلاد عبر كل تاريخها وخاصة الحديث والمعاصر. وفي هذا الصدد، جاءت إفادة في مقام آخر بأنه ” كان القصد من هذه الإضاءة التاريخية المطولة هو تأكيد ما كان محوري ومشترك بين تلك الاقتصاديات الثلاث، والتي تنتمي إلى ثلاثة مراحل تاريخية مختلفة في السودان، التركي- المصري، المهدية، والحكم الثنائي. فما كان متقاسماً بينها هو اعتمادها الزراعة قاعدةً أساس يقوم عليها اقتصاد البلاد”.([37])

درجتْ الزراعة على القيام بدورها المعقود بها فيما بعد قيام الدولة الوطنية في عام 1956، وإلى يومنا هذا، حيث ظلتْ تساهم بأكثر من 45% من الناتج القومي الإجمالي، وتساهم بأكثر من 90% من الصادرات.([38]) وذلك إلى وقتٍ قريب قبل ان يصبح معدل نموها سالباً، حيث تدهور نصيب القطاع الزراعي في الناتج المحلي ليصل إلى 32% فقط.([39]) وذلك بالقطع يرجع لأسباب كثيرة والتي من ضمنها، كما هو معلوم، المعضلات والتعقيدات المتعلقة بقضايا الأرض وملكيتها والنزاعات والحروب المترتبة عليها!.

فبالإضافة إلي ما ذكرناه، يعمل بالقطاع الزراعي أكثر من 75,7% من القوى العاملة. كما وأنه، أي القطاع الزراعي، يمثل القاسم المشترك بين كل القطاعات الإقتصادية الأخرى، من صناعة وتجارة وبنوك ونقل…الخ.

لابد من إعطاء صورة اكثر دقة عن القطاع الزراعي في السودان بشقيه النباتي والحيواني، أي الرعوي، وكلاهما متأثران بقضية ملكية الأرض ومشاكلها. تشير التقديرات إلى أن المساحة الصالحة للزراعة في السودان بعد الانفصال، في عام 2011، حوالي 60 مليون هكتار اي ما يعادل 144 مليون فدان، والمساحة المستغلة منها حوالي 28 مليون فدان، أي ما يعادل 19,44% من  مساحة الأرض الصالحة للزراعة. وتاريخياً تنتظم الأراضي الزراعية ثلاثة نظم للزراعة، وهي، أولاً/ الري المنتظم ويغطي حوالي 3,3 مليون فدان تقريباً، أي ما يعادل 11,80% من مساحة الأراضي المستغلة، و 2,30% من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، وثانياً/ النظام المطري الآلي ومساحته تقدر بحوالي 9,9 مليون فدان تقريباً، أي ما يعادل 35,40% من مساحة الأراضي المستغلة،  و6,90% من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، ثالثاً وأخيراً/ النظام المطري التقليدي ويغطي مساحة وقدرها 14,8 مليون فداناً، أي أنها تعادل 52,80% من مساحة الأراضي المستغلة وحوالي 10,24% من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، بالتقريب.([40])

وعلى ضوء هذا الواقع نأتي لننظر لأراضي مشروع الجزيرة والمناقل، بحسبه مشروعٌ يقوم على الري المنتظم. يحتوي المشروع على مساحة قدرها 2,2 مليون فداناً. وقد أخذ المشروع 98 عاماً بالتمام والكمال، ليصل إلى هذه المساحة، وهي سنوات إمتدت منذ السنة التجريبية الأولى للمشروع بمنطقة طيبة الشيخ عبد الباقي في العام 1910، حيث بدأ المشروع بــــ250 فداناً فقط، وليصل إلى مساحته الحالية 2,2 مليون فدان في العام 2008.

التدرج في توسع مساحة أراضي المشروع منذ فترته التجريبية في منطقة طيبة الشيخ عبد الباقي/

السنة المساحة بالفدان الزيادة بالفدان النسبة المئوية للزيادة
1910 250 0 0
1911 600 350 140%
1912 1200 600 100%
1913 5,000 3,800 317%
1925 220,000 215,000 4300% (*)
1929 400,000 180,000 82%
1931 525,000 125,000 31%
1953 1,000,000 475,000 90%
1965 1,800,000 800,000 80%
1983 2,000,000 200,000 11%
2008 2,200,000 200,000 10%

(*) 1925 هي سنة إفتتاح خزان سنار والبداية الرسمية لقيام مشروع الجزيرة، وهو الأمر الذي تظهره النسبة الضخمة في زيادة الأراضي التي اصبح يضمها المشروع.([41])

عليه، فإن النسبة المئوية لمساحة المشروع (2,2 مليون فدان) إلى مساحة قطاع الري المنتظم (3,3 مليون فدان)، تساوي 66,67%، اي ثلثيه. فهذه النسبة أو السمة، إذا صح لنا القول، هي العامل الأساس في تفاقم مشاكل مشروع الجزيرة، إذ انها وبشكل واضح وكمساحة مغرية، ظلتْ تمثل الدافع الأول من وراء المحاولات المتكررة لإعادة صياغة الملكية بالنسبة لأراضيه!. وهي محاولات بدأ التفكير فيها بعد فترة وجيزة من إنتهاء عقد الشركة الزراعية (1950)، والتي حلَّ محلها “مجلس إدارة مشروع الجزيرة”. وبالتحديد نجد أن محاولات التمهيد للخصخصة بدأت في العام 1960 من قبل البنك الدولي، وبواسطة لجنته التي عُرِفتْ في تاريخ الإقتصاد السياسي لمشروع الجزيرة بـ”لجنة ريتس”.

وهنا يتبادر السؤال، ولماذا السعي لإعادة صياغة ملكية الأرض في المشروع، ولماذا المحاولة لمصادرة حق ملكيتها من أصحابها، إذا كان إغراءاً او قهراً، وتحت غطاء القانون في الحالتين؟!.

إن واحدة من الإجابات عن هذا السؤال، والمرتبطة بالحقيقة التي ذكرناها أعلاه حول حجم المشروع المغري، حين مقارنته بالنسبة للقطاع المروي عموماً، كان أن اوردناها في مقام آخر، حيث تقول، “فهذا مشروع جاهز وبنياته التحتية الأساسية لا تحتاج سوى بضع ملايين من الدولارات لتعود لفعاليتها وسابق كفاءتها، فإذا كان الأمر كذلك فلِمَ المخاطرة بالإستثمار في مناطق زراعية اخرى؟!”.([42])  هذه هي الحقيقة الأولى، والثانية هي توفر طريقة الري الإنسيابي غير المكلفة في مشروع الجزيرة، وذلك مما يساعد على تخفيض تكلفة الإنتاج، وكما كان حادثاً بالفعل منذ قيام المشروع. والحقيقة الثالثة هي توفر القوى العاملة الرخيصة، التي سيكون عرضها أكبر من طلبها، وذلك عندما يتم إخراج صغار وفقراء المزارعين من دائرة الملاك ومن ربوبية العمل نتيجة لسياسات “الإقتلاع من الجذور” التي تتبناها الرأسمالية الطفيلية الإسلامية (رطاس)، ومن ثمّ إنضمامهم إلى جيش العمال الزراعيين، وليصبحوا جزءاً منه. وأما الحقيقة الرابعة والأخيرة فتتمثل في الموقع الذي يتمتع به المشروع من حيث أفضلية القرب من وسائل النقل البرية، مثل السكك الحديدية والطرق السريعة وموانئ النقل البحري مثل بورتسودان وسواكن. إن موقع مشروع الجزيرة المثالي والنموذجي، لا تتوفر عليه غير مشاريع قليلة حول العالم!.

فلأجل توظيف كل هذه الميزات في توسيع هامش الربح، وبالنتيجة في توسيع وتسريع عملية تراكم رأس المال، ذلكم الهدف الأسمى، كان السعي الدؤوب الذي لم ينقطع، لأجل إعادة صياغة ملكية الأرض في مشروع الجزيرة!.

عليه، فمن جانبٍ آخر تكون هذه هي الإجابة المباشرة، ودونما مواراة، عن سؤالنا الأساس الذي أوردناه حول المحاولات  المستميتة والمتكررة لأجل مصادرة حق ملكية أراضي المشروع.

ملكية الأرض في مشروع الجزيرة والمناقل، وتركيبتها العضوية/

إن قضية ملكية الأرض في مشروع الجزيرة والمناقل تمثل واحدة من الحالات النادرة، ليس بالنسبة لقضايا الأرض في السودان وإنما على مستوى العالم. فهي حالة نادرة، حيث تتوزع ملكية الأرض في المشروع بين أرضٍ مملوكة ملكاً حراً للأهالي، وقدرها 900,000 (تسعمائة الف فداناً)، وتمثل 41% من أرض المشروع، وأرض مملوكة ملكية عامة، أي تملكها الدولة، وقدرها 1,300,000 (مليون وثلاثمائة الف فدان)، وهي تمثل 59% من أرض المشروع. هذا من حيث ملكية الأرض.

وأما من حيث أن الأرض وسيلةٌ للإنتاج، أي حواشات، فهناك مزارعون يملكون ملكاً حراً، ومزارعون يملكون ملك منفعة، وكلاهما يعتبر، وفقاً لقوانين المشروع، مستأجر  (Tenant)، ثم هناك الدولة المالكة للمشروع بحكم ما تملكه من أراضيٍ فيه، وبحكم ما قامت بإيجاره إيجاراً قسرياً من أصحاب الملك الحر، وأعطته للذين لا يملكون أرضاً، أي أعطته لهم كملك منفعة.

وحتى أصحاب الملك الحر ينقسمون إلى فئتين، فئة تقيم بالمشروع ويسكنون فيه، وفئة اخرى يملكون أرضاً بالمشروع ولكن لا يقيمون في منطقة الجزيرة، ومن أمثال ذلك “عدد من الاقباط السودانيين”.([43])

وقد يكون من المفيد أن نشير أيضاً إلى أن مساحة أرض الملك الحر، ومن حيث توزعيها الجغرافي في المشروع، نجد أنه يقع منها 410 الف فدان في منطقة الجزيرة الأم، أي 45,6%، و490 الف فدان منها في منطقة إمتداد المناقل، اي ما نسبته 54,4%.([44])

هذا هو التركيب العضوي لأرض مشروع الجزيرة من حيث ملكيتها وجغرافيتها ومن جانب الإنتفاع بها. ولكن، لنأتي ولننظر في ملكيتها، وهذا هو الأهم.

سننظر لقضية ملكية ارض مشروع الجزيرة من ثلاث منطلقات. اولاً/ من منطلق قوانين الأرض في السودان، وثانياً/ من منطلق تقارير اللجان التي حاولت أن تعالج مشكلة ملكية الأرض في مشروع الجزيرة بشكلٍ خاص، ثم ثالثاً وأخيراً/ ننظر إليها من خلال القوانين الخاصة بمشروع الجزيرة، أي القوانين الخاصة بتنظيم العمل وبعلاقات الإنتاج والشراكة فيه.

بخصوص قوانين الأرض، إن أول قانون خاص بالأراضي في السودان صدر في العام 1899، هذا بالطبع إذا إستثنينا “لائحة الأطيان السعيدية” في 1857. إنه، ووفقاً لقانون 1899، تمَّ ولأول مرة تسجيل الأراضي للأفراد، “بعد ذلك صدرت عدة قوانين بلغت ثلاثة عشر قانونا للأراضي أهمها: قانون ملكية الأراضي لسنة 1905 وقانون تسجيل الحجج لسنة 1907 ثم قانون تحديد الأراضي غير المشغولة ومساحتها لسنة 1922، ثم أخيرا قانون تسوية وتسجيل الأراضي لسنة 1925 والذي يعتبر أهم القوانين المتعلقة بتسجيل الأراضي والتعامل فيها. عملت جملة هذه القوانين على مسح الأراضي، وتسجيلها، ووضع الضوابط الخاصة بالتصرف في الأراضي سواء بالبيع أو الهبة أو الميراث أو غيرها، حيث أُشتُرِطَ التسجيل كشرط للتصرف في الأرض”.([45])

في العام 1927 صدر القانون المعروف بـــــــ”قانون أراضي الجزيرة للعام 1927″، ومن أهم ما جاء في هذا القانون هو موضوع الإيجار القسري للأرض من الملاك، حيث نصت المادة (8) منه على:

” (1) يجب أن تستأجر الأرض التي تنزع بموجب أحكام هذا القانون في أول الأمر لفترة لا تزيد على أربعين سنة تحسب من اليوم الذي حصل فيه الإعلان الوارد في المادة 5، ومع ذلك يكون للحكومة الحق في أن تستأجر الأرض بصفة مؤقتة لأغراض تتعلق بالمشروع لأي مدة من السنوات تقل عن الأربعين سنة يقررها المحافظ.

(2)  يكون للحكومة الحق في أي وقت خلال المدة التي تكون الأرض فيها أو خلال أي امتداد لتلك المدة بمقتضى أحكام المادة 15 أن تشتري أية أرض مضمنة في أي إعلان صدر بموجب أحكام المادة (5) إذا كانت الأرض مطلوبة أو قد تطلب لعمل أية تشييدات أو مبانٍ دائمة أو لتأسيس حقل تقاوي أو حقل أبحاث أو لغرض عام آخر يتعلق بالمشروع.

(3)  يجوز للحكومة عند إنقضاء مدة استئجار الأرض أو عند إنقضاء أي امتداد لتلك المدة أن تخصص أية أرض تقع داخل المنطقة المروية ولم يتم شراؤها وفقاً لأحكام البند (2) لخدمة المشروع والصالح العام، لمالكي الأراضي التي تقع داخل المساحة المروية إذا كانت تلك الأرض مما لا يراد ريها بل هي مطلوبة أو قد تطلب لعمل التشييدات أو مباني دائمة أو لأي غرض آخر لازم للمشروع ويجوز للحكومة أن تعلن أن ملكية تلك الأراضي ستؤول للحكومة تبعاً لذلك ويتحمل التعويض عن تلك الأراضي جميع ملاك الأراضي الواقعة في المنطقة المذكورة بنسبة مساحة الأرض التي يملكها كل منهم”.([46])

ففي مقارنة ذلك بماورد في قانون مشروع الجزيرة لعام 2005، والذي أدى عملياً لتعقيد مشاكل ملكية الأرض، نجد، أي في قانون 2005 تهديداً غير مسبوق لمبدأ الملكية الخاصة!. وهو ما يتناقض ومبدأ “الخصخصة” الذي كان يقول به نظام الإنقاذ، والذي قصد به، وفي الأساس، ان تؤول ملكية الأرض لمؤسسات الرأسمال الطفيلية المحلية والعالمية. وحيث ورد في المادة 16-1 منه:

16ـ (1) تعتبر جميع الحواشات المخصصة للمزارعين بالمشـروع قبل صدور هذا القانون كما لو تم تمليكها بموجب أحكام هذا القانون”.([47])

ويتم ذلك تمهيداً لتضمين النص الذي بموجبه سيتم الإستيلاء على أرض المشروع من باب منح حق التصرف في الملكية، حيث جاء النص في المادة 17-1:

التصرف في الحواشة:

17ـ (1) مع مراعاة أحكام البند (5) (ج) من المادة 16 يجوز للمزارع المالك التصرف فى الحواشة بالبيع أو الرهن أو التنازل وفق الموجهات التي يضعها المجلس”.([48])

وبالطبع، يجيئ كل ذلك مقروناً بشروط التمويل المجحفة والظالمة من البنوك والمصارف الإسلامية، التي لا تترك خياراً آخر للمالك غير أن يتنازل عن ملكيته للأرض تحت شروط الرهن!، “فلقد كان أن وصل سعر الفائدة التي طبقتها البنوك على قروض المزارعين في مشروع الجزيرة إلى 54%”!.([49]) وبالمقارنة كذلك نصل إلى حقيقة أنه قد كان على العكس تماماً مما تضمنه قانون 1927، وهو قانون المستعمر، حيث ورد في المادة 13 منه:

بطلان بعض المعاملات:

13- (1) كل بيع أو نقل أو تحويل أو أي تصرف آخر في المحصول المزروع أو الذي قصدت زراعته على الأرض المضمنة في إجارة زراعية أو في إيراد ذلك المحصول وكل رهن أو حق ينشئه المزارع و المستأجر باعتبار أنه مضمون أو يراد ضمانه بالمحصول المذكور أو بإيراده يكون باطلاً بطلاناً مطلقاُ ولا أثر له إذا حصل أو أُنشئ بدون موافقة الحكومة كتابة.

(2)  كل تعاقد يكون المزارع المستأجر طرفاً فيه ويكون بمقتضاه ملزماً أو يمكن أن يكون ملزماً بدفع أي مبلغ من المال يحسب بالإسناد الصريح أو الضمني إلى قيمة أي محصول مزروع أو يراد زرعه على الأرض المضمنة في إجارة زراعية يكون باطلاً بطلاناً مطلقاً ولا أثر له إذا أبرم ذلك العقد بدون موافقة الحكومة كتابة”.([50])

ويتضح من هذا النص أن في ذلك ليس منع للمرابين من السطو على جهد المزارعين وحسب، وإنما فيه صيانة وحفاظ على ملكية الأرض ضمناً. بل والأكثر من ذلك ان قانون 1927 وضع الضمانات لبقاء ملكية الأرض، أي الحواشة، داخل الأسرة الواحدة، وهو ما نصت عليه المادة (16) منه.

ومن جهة ثانية ولخصوصية حالة ملكية الأرض في مشروع الجزيرة، جاء استثناءٌ خاصٌ في “قانون نزع ملكية الأراضي لسنة 1930″، حيث نصت المادة (32) على الآتي:

“لا يفسر هذا القانون على أنه يغير أو يعدل أحكام قانون أرض الجزيرة لسنة 1927 فيما يتعلق بنزع ملكية الأرض بموجب أحكام هذا القانون”.([51])

هذا هو الإرث القانوني المتعلق بملكية الأرض في مشروع الجزيرة، والذي نرى أنه ليس من العقل ولا من العدل بمكان إسقاطه جملة وتفصيلاً، مثلما ما تمَّ في تبني قانون المشروع لسنة 2005!.

إنه، وخاتمة لهذا التناول والإستقصاء حول مآلات تطبيق قانون سنة 2005، نورد هذا المقتطف المطوَّل لأجل إلقاء المزيد من الضوء ومن ثم التحفيز على المفاكرة:

“أخذت الأوضاع والصراع في منطقة مشروع الجزيرة منحاً مختلفاً بعد ان قامت سلطة الإنقاذ بتطبيق قانون المشروع المعروف بـ”قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005”. وهو قانون إنطوت مادته ونصوصه، ومن ثم الأفكار التي كمنت وتكمن من ورائها على أسبابٍ من الكفاية بمكان لإشعال فتنةٍ قد تحوِّل مسار التاريخ وبكل جوانبه، الإقتصادية والإجتماعية والسياسية ليس بالنسبة لمنطقة الجزيرة وحسب واإنما لبلادنا كلها.

إن من بين أكثر ما ميز هذا القانون عما سبقه هو سؤال الأرض، وملكيتها في المشروع. هذا القانون لم يكن القانون الاول الذي يتناول مسألة “نزع الأراضي”، إلا انه الأول من حيث الجمع بين “نزع الأراضي” وتمليكها كـ”حواشات”، ومن ثم النص على حرية التصرف فيها بـ”البيع او الرهن أو التنازل”!. وهذه الأرضية ذات الثلاث أعمدة، النزع والتمليك وحرية التصرف، تضمَّنها الفصل الرابع من القانون ، والذي إستحق ان يطلق عليه إسم “الفصل الذهبي”، لأنه لخص روح وهدف ذلك القانون!.

فمبدأ نزع الأراضي من مالكيها ومبدأ تمليكها للآخرين بمنْ فيهم المستثمرون الأجانب، ومن ثمّ  مبدأ التصرف فيها، كلها مبادئ تعمل في إتساقٍ وثيق، حيث أنه لابد من ملاحظة حقيقة انه ومنذ صدور “قانون أرض الجزيرة لسنة 1927م”، والذي صدر في يوم  15 يوليو 1927م، لم تجرُ أي سلطة، وبما فيها سلطة الإستعمار، على وضع هكذا مبادئ ومن ثم الجمع بينها، وذلك لا لأي سببٍ آخر سوى أن ملكية الأرض كانت تُعامل على الدوام بحسبها حقاً مقدساً لا يفت من عضده إلا مبدأ سامي واحد، ألا وهو مبدأ “المصلحة العامة” “The Principle of Eminent Domain”. ولكن في حال موضوع قانون سنة 2005م وأراضي الجزيرة، هل بيّنَ ذلك القانون طبيعة تلك المصلحة؟ وهل يمكنه، في الأساس، أن يصيغ مبدأ للمصلحة العامة؟. لن يستطع المشرعون الإفصاح بذلك، لأنهم يعلمون أن بيع أرض الوطن للمستثمرين الأجانب لا يصب في خانة “المصلحة العامة”!.

لفهم ما يجري بخصوص أراضي مشروع الجزيرة لابد من الوقوف ولو حيناً للإستزادة بإضاءة تاريخية يسيرة لما قد حدث وقت التحضير لقيام مشروع الجزيرة. كانت الإدارة الإستعمارية تتداول، وفي تبصرٍ عميق، مسألة الإستعانة بشركات خاصة أوروبية، وذلك لأجل توفير التمويل اللازم لقيام المشروع لأن الأهالي والمواطنيين ملاك الأراضي، بل والدولة نفسها ليست لديهم الوفورات المالية اللازمة للاستثمار. كانت الإدارة مقتنعةّ بضرورة إستقدام شركات القطاع الخاص الأوروبية، إلا انها كانت تخاف مغبة استمرار تلك الشركات في إمتلاكها للأرض ورفض إعادتها لملاكها الأصليين من أهالي المنطقة، وفي هذا الشأن كتب اللورد “إدوارد سيسل” الذي كان متحمساً لإشراك الرأسمال الأوروبي، قائلاً/ ” إن السياسة الرائدة للحكومة يجب ان تكون مشجعة لشركات الاراضي وذلك وفق شروطٍ عادلة تساعد على تحقيق ارباحٍ معقولة مع مراعاة حفظ حق الملاك المحليين في التعويض الضروري والعادل المترتب على اخذ أراضيهم  في سبيل إنشاء مزارع واسعة وفاعلة إقتصادياً. ولكن على سياسة الدولة المستقبلية ان تسهل إعادة نقل تلك الأراضي من الشركات إلى أصحابها الاصليين من المواطنيين”. ولكننا نجد، أنه وبالرغم من هذا القول المقرون بتوفير الضمانات فيما يخص الأرض وملاكها، نجد أن مدير الزراعة في الادارة الاستعمارية يبدي شكه وريبته نحو تلك الشركات المشار إليها وليكتب قائلاً/ ” ومن تجربتي في البلدان الاخرى….لا يمكننا ان نعوِّل على إرجاع تلك الاراضي المُشتراه بواسطة الراسماليين الاوربيين إلى المواطنيين. إن مساحاتٍ واسعة من الاراضي العقارية في كلٍ من الهند وسيلان قام الاوربيون والادارات في تلك البلدان بالاحتفاظ بها وليس هناك من بارقة امل في ارجاعها للمواطنين الاصليين… وبهذا فلديَّ قناعة بان صغار المزارعين المحليين سيختفون، ثمَّ ان الاراضي المروية ستذهب في حيازة الرأسماليين المحليين وقد ينتهي بها المطاف لتكون في أيدي الاوربيين كذلك .([52])

هذه الاشارة التاريخية تفصح عن طرفٍ من ارث الفلسفة التي قامت عليها سياسة التعامل مع سؤال الأرض وملكيتها في الجزيرة. وبالنظر ملياً إلى هذه الإشارة، يشعر المرء بالأسى حين المقارنة بين “الطريقة الاستعمارية” في التعامل مع ملكية الارض وبين “الطريق الإنقاذية” في ذات الشأن!. إن موقف الادارة الاستعمارية حيال سؤال الارض كان محكوماً بالنظر البعيد فيما يخص الاستقرار، وبالفعل فلقد كان ذلك عاملاً ذا اثر في استقرار وتطور النشاط الزراعي في البلاد وخاصةً في مشروع الجزيرة. وبالمقارنة، فإن موقف سلطة الانقاذ الحالي جاء محكوماً بقصر النظر وبسوء التقدير لمآلات فتح الابواب دون حجر امام الملاك الاجانب!”.([53])

إن كثير من الادلة تشير إلى أن نظام الرأسمالية الطفيلية قد بدأ فعلياً في بيع وإجارة الأراضي في منطقة الجزيرة وفق عقودٍ طويلة الآماد، منها ما تَكشَّف ومنها ما لم يتم كشفه بعد، ولكن قطعاً سيُكشف. في يوم 22 مايو 2002، تم التوقيع في مدينة دمشق على إتفاقية إستثمار خاصة بين دولة السودان وجمهورية سوريا العربية. مُنِحتْ على ضوئها جمهورية سوريا أرضاً زراعية في منطقة “أبو قوتة” في ولاية الجزيرة بلغت مساحتها 30 ألف فدان مربع، قابلة للزيادة حسب ديباجة الإتفاقية، لمدة 50 عام وقابلة للتجديد كذلك. إن نصوص تلك الإتفاقية تتحدث عن نفسها، وهي لم تخرج في سوئها عما هو معروف عن الإتفاقيات الخاصة بظاهرة “الإستيلاء على الأرض”. نص الإتفاقية مرفق في ملحقات الكتاب، (الملحق الثالث).

وأما من ناحية تقارير اللجان التي تناولت البحث في قضايا المشروع بشكل عام، فإننا نستخلص وقوفها عند مسالة ملكية الأرض كإحدى أهم المسائل. ومن أبرز اللجان تأتي لجنة البنك الدولي، والمعروفة رسمياً باسم “بعثة دراسة الجزيرة”، “Gezira Study Mission” ، ولكنها في أدب الإقتصاد السياسي لمشروع الجزيرة فقد اندرجت وعُرِفت بـ”لجنة ريتس”. إنتبهتْ هذه اللجنة لمشكلة الأرض وإيجارها في المشروع، وجاء تنبيهها حول ذلك الأمر مبكراً، أي في أكتوبر 1966، حيث رأت اللجنة بأن يتم تجديد عقد إيجار الأرض لمدة أربعين عاماً أخرى. وورد في تقريرها ما نصه:

“The mission suggests that since, in a number of cases, this period has now elapsed, it would be wise for the government to take action to officially renew the lease for another period of say, 40 years, in order to avoid any confusion or future contestations”(Report P. 58)

وترجمة النص الحرفية والمباشرة هي:

“تقترح البعثة، وطالما أن هناك عدة حالات، لإنتهاء هذه المدة، بأنه من الأعقل للحكومة أن تتخذ خطوة رسمية لتجديد الإيجار لمدة 40 سنة أخرى، وذلك تجنباً لأي تعقيداتٍ او مواجهاتٍ مستقبلية”.([54])

والآن، يحدث بالضبط ما نبهت إليه تلك البعثة أو اللجنة. لأنه وبعدم قيام الحكومة آنذاك، وكذلك الحكومات التي أعقبتها، بخطوة تجديد عقد الإيجار مع الملاك كان أن ضَعُفَتْ الثقة بين الحكومة والملاك، مما اضطرَّ بعد ذلك كل الحكومات لمحاولة معالجة المشكلة بطرقٍ أصبحت تهدد حق الملكية للأرض!. وقد جاءت الترجمة الحقيقية لذلك منعكسة في صدور قانون 2005!.

أما اللجنة المهمة الثانية، فهي اللجنة التي تتبع لوزارة الزراعة والغابات، والمعروفة بـ “لجنة معالجة أيجار أراضي مشروع الجزيرة“. وهي من اكثر اللجان التي خاطبت جذر المشاكل المتعلقة بملكية الأرض في الجزيرة. وذلك لانها إطلعتْ على عمل جملة لجان، تصدت من قبل وبالتحديد لمشاكل الأرض وإيجارها في المشروع، وذلك مثل “لجنة مراجعة فئة الإيجار للأراضي المؤجرة من قبل الدولة بمشروع الجزيرة، مايو 1991″، و “لجنة إعادة النظر ومراجعة فئة الإيجار للأراضي المؤجرة من قبل الدولة بمشروع الجزيرة، ديسمبر 1999″، وكذلك “مذكرة رئيس الإدارة القانونية بمشروع الجزيرة حول أراضي الملك الحر داخل مشروع الجزيرة، 15 سبتمبر 2002”. وقد كانت أهم توصية تقدمت بها، هي “6. ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي المشروع وذلك للأهمية الإستراتيجية للمشروع كوحدة بكل ابعاده الإقتصادية والإجتماعية والسياسية”.([55])  كما وأنها، أي نفس اللجنة، تبنت نزع الأراضي على ضوء قانو نزع الأراضي لعام 1930، وذلك بعد أن يتم الغاء المادة (32) من ذلك القانون، والخاصة باستثناء ارأضي مشروع الجزيرة.

إن آخر لجنة تصدت لقضية الأرض في مشروع الجزيرة هي لجنة “مراجعة الأداء بمشروع الجزيرة”، تحت رئاسة د. تاج السر مصطفى. تبنت هذه اللجنة ما جاء به قانون 2005 حول الأراضي في مشروع الجزيرة. لا غرو، فرئيس هذه اللجنة كان رئيساً للجنة التي تكونت في عام 1998، وكان أن تقدمت لجنته تلك بتوصية شهيرة لخصخصة مشروع الجزيرة. وقد شكَّلَ تقرير تلك اللجنة الأرضية الصلبة التي إنبنى عليها تقرير لجنة البنك الدولي والمعروف بـ”السودان وخيارات التنمية المستدامة في مشروع الجزيرة،27 اكتوبر 2000″،  (Sudan, Options for the Sustainable Development of the Gezira Scheme, October 27, 2000)  ، وهو التقرير الذي على ضوئه صدر قانون سنة 2005. والذي وفي تصديه ومعالجته لقضية الأرض في مشروع الجزيرة كان أن فتح الباب علي أسوأ الإحتمالات، والتي تتمثل في أيلولة ملكية الارض في مشروع الجزيرة للرأسمال والمؤسسات المشبوهة، ليست المحلية لوحدها وإنما العالمية العابرة للامم أيضاً، في خاتمة المطاف. ومن هنا جاء إستهلالنا لهذا الباب من الكتاب يإضاءتنا لمسألة وظاهرة “الاستيلاء على الأرض”  “Land Grabbing”.

هناك ملاحظة مهمة حول ملكية الارض في مشروع الجزيرة لابد من إدراجها. وهي، إن نسبة إمتلاك الأرض بين النساء في السودان عموماً تصل في متوسطها إلى 13%.([56]) إن تدني نسبة ملكية النساء للأرض يمثل ظاهرة عامة في البلدان المتخلفة، خاصة في أفريقيا. ففي مشروع الجزيرة يوجد 17,500 مزارعة من جملة 125 الف مزارع، أي بنسبة تصل الى 14%. قد لا يكون هناك فرق كبير في النسبة مع متوسط النسبة العامة في السودان (13%)، ولكن الإختلاف هو نوعي في جوهره، ويتمثل في جوانب مهمة، وهي اولاً، أن هؤلاء النساء المزارعات يُعْتَبَرن عضوات في أكبر نقابة وتنظيم ديمقراطي في السودان، وهو إتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، ثم ثانياً ليس فقط بإعتبار الدور الذي لعبه الإتحاد وانما بإعتبار الدور الذي قام به مشروع الجزيرة نفسه في دفع مسيرة الإقتصاد السودان لعقود، وكذلك دور المشروع الرائد في التأسيس لحركة الحداثة ومسيرة الإستنارة، وكن النساء كمالكات للأرض منتجات وفاعلات في صياغة ذلك الدور. أي أنهن كنَّ يمثلن جزءاً أصيلاً فيه.

قبل الوصول إلى خلاصة البحث هناك قضية واجبة التناول والوقوف عندها، ألا وهي قضية التعويضات التي ظلت يطالب بها ملاك الأرض عن السنوات الطوال التي انقضت دون ان تقوم الحكومات المتعاقبة بمعالجتها، وحيث تقع مسئولية ذلك بشكل مباشر على حكومة السودان. لابد من الشفافية في هذا الأمر. إن التعويضات المستحقة لملاك الأراضي ترجع إلى 53 عاماً، لان الملاك توقفوا عن إستلام مستحقاتهم منذ العام 1967. ولأن هناك جدل حول التعويض العادل، فهناك ثلاثة أسئلة قد تمثل الإجابة عليها نقطة إنطلاق لمعالجة قضية التعويضات، وهي، “ثلاثة أسئلة رئيسية ظلت عالقة منذ فترة وهذه الأسئلة هي ما هو التعويض العادل؟ وماذا عن متأخرات الإيجار منذ عام 1967؟ قيمتها، ومن سيدفعها؟”.([57])

وبصدد المساهمة في الإجابة على هذه الأسئلة نشير إلى انه لابد من ان تقر الحكومة وبشجاعة بمسئوليتها الكاملة فيما يتعلق بقضية التعويضات، ومن ثم لابد من تسوية معقولة تقوم على أرضية الرضا التام بين الأطراف، وخاصة الملاك، وليست على أرضية او فهم “اليد العليا” للدولة، لأننا نتحدث هنا عن حالة نادرة الحدوث!.

إقتراحات في سبيل المعالجة/

1/ الإتفاق حول مبدأ ان المشروع يمثل وحدة إقتصادية وإجتماعية وتنموية واحدة، وغير قابلة للتجزئة.

2/ مطالب ملاك الأراضي، وخاصةً فيما يتعلق بتعويضات الإيجار، هي مطالب مشروعة، يجب مواجهتها بكل صدق ودونما تذاكي وتحايل من قبل الدولة، أو بيروقراطييها، كما كان حادثاً، وبشكلٍ جلي، في ظل نظام الرأسمالية الطفيلية البائد. إذ لابد من تسوية عادلة للمستحقات.

3/ أن تقوم الدولة بدورها كمالكة وراعية للمشروع، وأن تبتعد عن تسييس قضاياه وعدم تجييرها في خدمة أجندتها السياسية.

4/ الإشراك الحقيقي للمزارعين، ملاك وغير ملاك وعمال زراعيين، في إيجاد الحلول لقضايا الأرض، وذلك عبر ممثليهم الحقيقين الذين يتم إختيارهم ديمقراطياً، وذلك بالقطع هو ما قد يوفره وجود إتحاد المزارعين بشكله ومحتواه الديمقراطيين اللذين عُرف بهما تاريخياً عبر فترات الحكم الديمقراطي التي شهدتها البلاد، على قصرها.

5/ أن تنظر الدولة في إمكانية،

  • أن تؤول إليها كامل ملكية أراضي المشروع، وذلك بأن تعوض أصحاب الملك الحر عن أراضيهم التي هم عليها الآن، أي شراؤها منهم، مع بقائهم كملاك منفعة. إن الجانب الإيجابي في هذا الأمر هو ان الملاك لا يفقدون إنتفاعهم بالأرض، وذلك هو الأهم، إذ يبقون عليها ملاك منفعة، يالرغم من بيعهم لها وقبض قيمتها.
  • أن تقوم الدولة أيضاً بشراء الأراضي المؤجرة مع ترك ملاكها عليها كما كانوا ملاك منفعة. وبذلك يصبح كل المزارعيين في المشروع ملاك منفعة وذلك بالقطع مما يعضد من وضع الدولة كمالك أكبر ورئيسي ووحيد ودون منازع لأرض المشروع، وهو مما يمثل الضمان الحقيقي لإستمرار المشروع في أداء دوره الوطني الذي ظل يلعبه على الدوام في دعم إقتصاد البلاد.

(ج)    التأكيد قانوناً على أن “ملكية الحواشة” تتبع للاسرة كما كان عليه الحال في قانون 1927،          وذلك بإعتبار ان الأسرة هي الوحدة الإنتاجية الأساس التي تقوم عليها الفلسفة التي تحكم المشروع.

خلاصة للبحث/

1/ إن ملكية الأرض في عموم السودان تمثل عاملاً اساساً في تأجيج الصراع الإجتماعي وفي نشوب الحروب، وبالتالي تقف عاملاً في عدم الإستقرار، مما يهدد الوضع الإقتصادي والإجتماعي والسياسي للسودان، بل ووجوده ككيان ودولة. وذلك مما أثبتته التجربة الماثلة تحت نظام الإسلام السياسي والرأسمالية الطفيلية الإسلامية، الذي إغتصب السلطة منذ العام 1989.

2/ إن قضية الأرض في مشروع الجزيرة والمناقل، إن كان إيجارها، تملكيها، او ملكيتها، تمثل مهدداً حقيقياً، وبذات المستوى المذكور عاليه، فهي تحتاج لمعالجة عاجلة وجادة.

3/ هناك إمكانيات متوفرة على المستوى النظري والعملي والحقوقي لأجل حل قضية ملكية الأرض في مشروع الجزيرة مما سيؤدي لإنطلاقة حقيقية للمقدرات والإمكانيات (Potentials) التي يحظى بها المشروع.

الخاتمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة/

إن المعالجات التي تمت بخصوص مشاكل ملكية الأرض في مشروع الجزيرة حتى الآن، وإلى حدٍ كبير، لم تكن على القدر المطلوب من الموضوعية أو في مستوى الإستيعاب الحقيقي للخطورة التي تشكلها هذه القضية، وذلك مما ادى بها إلى مجانبتها التوفيق.

إن مشاكل ملكية الأرض في الجزيرة تمثل، ودونما تضخيم، قنبلة موقوتة تهدد ليس الجانب الإقتصادي للمشروع لوحده، وإنما تهدد وجود التماسك والتساكن الاجتماعي، وفي نهاية المطاف تهدد كذلك وجود الإنسان في هذه المنطقة، التي يرجع تاريخ السلام الإجتماعي فيها إلى القرن الخامس عشر، أي إلى ما قبل بدايات الظهور الأول للسلطنة الزرقاء ودولة الفونج.

[1] كوتولا، لورينزو وآخرون،”أأستيلاءٌ على الأرض أم فرصةٌ للتنمية”، ورقة منشورة على موقع منظمة الفاو، ص59.

Lorenzo Cotula, Sonja Vermeulen, Rebeca Leonard and James Keely, “Land Grab or Development Opportunity?”, Page 59. Published on FAO Website,

http://www.fao.org/3/a-ak241e.pdf

[2]  فيشر وآخرون اورده كوتولا، لورينزو وآخرون،  سابق، ص 60

[3]  روس، اليكساندر، إسترداد الأرض،اوكلاند، آي كى للنشر، 2014، ص 9-10.

“Grabbing Back, Essays Against The Global Land Grab”, Oakland, AK Press, 2014, P 9-10,

edited by Alexander Reid Ross

[4]  بيكر، كاتلين وآخرون، “وما هو الإستيلاء على الأرض؟، مراجعة نقدية للتعريفات السائدة”، ورقة منشورة أغسطس 2016 ص 7.

Katelyn Baker-Smith, Szocs Boruss, and Miklos Attila, “What is Land Grabbing? A critical review of existing definitions.

[5]  آرزيكي وآخرون، أوردته كاتلين بيكر، سابق، ص 13.

[6]  السابق، ص 13.

[7]  السابق، ص 8.

[8]  قاتاك، شامبوهو، “إنتشار الحصول على الأرض في آسيا، أفريقيا وأمريكا اللاتينية، خلاصة لتقارير أخيرة”، دراسة منشورة على الإنترنت، ص 4.

Shambhu Ghatak, “Land Acquisition is rampant in Asia, Africa and Latin America, conclusion drawn by recent reports”, P 4. Published on FAO website.

http://www.fao.org/fileadmin/user_upload/fsn/docs/HLPE/Land_grab_ghatak.pdf

[9]  المصدر السابق، ص 5.

[10]  موقع البوابة الإليكتروني على الإنترنت.

www.albawaba.com/ar/987882

[11] أوردته كاتلين  بيكر، مصدر سابق، ص 2

[12]  الحضري، يس، و عيد العاطي، حلو، “أثر الإستيلاء على الأرض على الإقتصاد الرعوي في السودان” مجلة النشر العلمي والأكاديمي، 2016.

Yasin Elhadary, Hillo Abdelatti, “The Implication of Land Grabbing on Pastoral Economy in Sudan “

http://article.sapub.org/10.5923.j.env.20160602.01.html

[13]  عبد الهادي، صديق، في الإقتصاد السياسي للإشتراكية “الإمبريالية”، موقع الاقتصادي السوداني. أيضاً راجع ديبرا بروتيغام، “حقوق ملكية الأرض والتنمية  الزراعية في غرب افريقيا ، حالة دراسة لمشروعين صينيين”.

Deborah Brautigam; “Land Rights and Agricultural Development in West Africa: A Case Study Of Two Chinese Projects”.

[14]  نقد، محمد إبراهيم، “علاقات الأرض في السودان”، دار الثقافة الجديدة، 1993، ص 72.

[15]  كاشيكا،تنييد، “الإستيلاء على الأرض في أفريقيا، عرض للآثر وسياسة للحلول الممكنة”، ورقة منشورة على الإنترنت، ص 48.

Tinyade Kachicka, “Land Grabbing in Africa: A review of the Impacts and the Possible Policy Responses”.

[16]  موقع منظمة إرين في 10 سبتمبر 2013.

[17]  أحمد، آدم جمال، ملكية الأرض وإنفجار النزاع في جبال النوبة، موقع حركة العدل والمساواة، 31يوليو 2010.

[18]  أيوب، منى “الأرض والصراع في السودان” موقع كونسلييشن ريسورس.

Mona Ayoub, “Land and Conflict in Sudan”, Conciliation Resources Website.

https://www.c-r.org/downloads/Accord18_4LandandconflictinSudan_2006_ENG.pdf

[19]  محمد علي، محمد مريود، مملكة تقلي التاريخ والثورات، ونظم الإدارة والحكم، حصاد للطباعة والنشر، توزيع مكتبة مروي، بدون تاريخ، ص 57.

[20]  ذكره نقد، سابق ص 41.

[21]  كندة، جمعة، تحقيق قامت به شبكة عاين بعنوان، “نزاع الأراضي في السودان: دارفور … نزع الأراضي وتغيير التركيبة السكانية”، 23 فبراير 2016.

[22]  عبد الجليل، موسى آدم، “ملكية وإستخدام الأرض والنزاعات الإثنية في دار فور”، منشور في كتاب ” دار فور، إقليم العذاب”، تحرير عبد الغفار محمد أحمد ولايف مانقار، ترجمة محمد علي جادين، منشورات رواق،2006، ص 47.

[23]  السابق، ص 57.

[24]  حقوق ملكية الأراضي مفتاح للإستثمارات السليمة، موقع البنك الدولي، بتاريخ 8 سبتمبر 2010.

[25]  المرجع السابق.

[26]  رادو بوجن وآخرون، ذكرته بيكر-سميث وآخرون، “ما هو الإستيلاء على الأرض”، ص 13. ( * مقال بوجن بعنوان “كيف تورطت هارفارد مع آيكييا في فساد صفقة الأرض في رومانبا” وقد تم نشره في هفنغتون بوست على الإنترنت.

Daniel Bojin, Paul Radu, Hans Strandberg,” How Ikea And Harvard Got Tangled In A Corrupt Romanian Land Deal”

https://www.huffpost.com/entry/harvard-ikea-corruption-romania_n_56d86cbbe4b0000de4039509

[27]  إعلان الامم المتحدة حول “حقوق السكان الأصليين”

(Declaration on the Rights of Indigenous People),(DRIP)

[28]  نقد، سابق، ص 16.

[29]  ابو سليم، محمد “الأرض في المهدية”،مركز ابو سليم للدراسات، 1970، ص6-7.

[30]  القدال، محمد سعيد، “تاريخ السودان الحديث 18820-1955، شركة الامل للطباعة  والنشر،1992، ص 76.

[31]  نسيم مقار، اورده القدال، سابق، ص 76.

[32]  القدال، سابق، ص 53.

[33]  أبو سليم، محمد سابق، ص 20.

[34]  القدال، سابق، ص 54.

[35]  من منشورات الخليفة اوردها القدال، سابق، ص 66.

[36]  القدال،”تاريخ السودان الحديث 1820-1955″، ص 256.

[37]  عبد الهادي، صديق، “مشروع الجزيرة، وجريمة قانون سنة 2005″، ص 15.

[38]  موقع بنك السودان، ووزارة الزراعة.

[39]  موقع وزارة المالية والتخطيط الإقتصادي، العرض الإقتصادي للعام 2014.

[40]  هذه الأرقام تم التوصل اليها نتيجة تعديل حسابي (Calculation Adjustment) أجريناه على ضوء الارقام الواردة في موقع وزارة الزراعة، قبل الإنفصال، وعلى اساس النسبة 69,8%.

[41]  إعتمد عمل هذا الجدول على الأرقام التي وردت لدى دكتور سلمان محمد أحمد سلمان في مقاله، “أراضي مشروع الجزيرة بين الملكية والحيازة والنزع”، في موقع الراكوبة.

[42]  عبد الهادي، صديق، مشروع الجزيرة وبؤس الحركة الإسلامية، 2016، ص 133.

[43]  إبراهيم، إبراهيم علي، الجوانب القانونية لمشكلة الأراضي بمشروع الجزيرة، موقع الإقتصادي السودان  www.sudaneseeconomist.com

[44]  راجع سلمان، سلمان م. أ.، سابق.

[45]  راجع إبراهيم، إبراهيم علي، سابق.

[46]  قانون أراضي الجزيرة للعام 1927.

[47]  قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005.

[48]  السابق.

[49]  دراسات تحالف المزارعين، اورده صديق عبد الهادي، مشروع الجزيرة وبؤس الحركة الإسلامية، 2016 ص 136.

[50]  قانون أراضي الجزيرة للعام 1927.

[51]  قانون نزع ملكية الأراضي لسنة 1930.

[52]  جتسكل، آرثر “الجزيرة…قصة تنمية في السودان”، 1959م، ص 46.

Arthur Gaitskell, “Gezira A Story of Development in The Sudan”, London, 1959.

[53]  عبد الهادي، صديق “مشروع الجزيرة وجريمة قانون سنة 2005″، ص 115.

[54]  تقرير بعثة دراسة الجزيرة، 1966، ص 58.

[55]  تقرير لجنة معالجة أيجار أراضي مشروع الجزيرة، ص 6.

[56]  عقيد، عواطف، ملكية الأرض وختان البنات من أبرز مشاكل المرأة في السودان، عرض مونيكا هوغن، موقع قنطرة، 03/03/2005

[57]  سلمان، سلمان محمد أحمد، “أراضي مشروع الجزيرة بين الملكية والحيازة والنزع”، في موقع الراكوبة.

مواضيع متعلقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

التخطي إلى شريط الأدوات