 |
 |
يقوم موقع "سودانيز ايكونومست " بنشر هذه الدراسة و بشكلها الكامل لاول مرة. كان ان قامت جريدة" الميدان"
بنشر جزء منها إبان فترة الديمقراطية الثالثة ، و كما قامت كذلك جريدة "الرأي الآخر" تحت إشراف د. النور حمد بنشر الجزء الخاص بـ"التامين الاسلامي"، و ذلك في النصف الاول من تسعينات القرن المنصرم.
حاز الكاتب علي جائزة الاتحاد الآفرو ـ آسيوي للتامين ، المركز الثاني، و ذلك عن موضوع "التامين الاسلامي". و تلك جائزة سنوية يمنحها الاتحاد لافضل ثلاثة مواضيع مكتوبة في مجال التامين في افريقيا و اسيا.
قام الاتحاد بمنح جائزته للكاتب في مؤتمره المنعقد في سبتمبر 1993م في كوالمبور ـ ماليزيا. الموضوع محل الجائزة نشرته فصلية الاتحاد المعروفة بـ (فير)، و ذلك في عام 1992م.
مقدمة
تتناول هذه الورقة موضوع التامين وبصورة خاصة في السودان. وقد يكون ذلك لسببين، اولاً/ هوان التامين كنشاط إقتصادي هام لا يمكن إغفال الدور الذي يلعبه في التنمية الإقتصادية ـ الإجتماعية في البلدان النامية، والسودان واحدٌ من هذه البلدان. وثانياً/ قد يكون ضعف تناول هذا النشاط من قبل الإقتصاديين والمتخصصين دافعاً لا يقل اهمية من السبب الاول، بل ومرتبطٌ به.
وقد قدر لي ان اطلع علي احد اعداد“دليل الإقتصاد العربي“(1) ـ العدد العاشر 79/1980، وهويقع في 1092 صفحة ـ فتبين لي ان ما ورد في هذا الدليل عن التامين في السودان كان غير كافي للإستجلاء ومجتزأ لدرجة قد تكون مخلة، إذ لم تصحبه اي إحصائيات ومن اي نوع، وكما نعلم ان الحديث في الإقتصاد وبدون الارقام قد يكون غير ذي جدوى هذا إن لم يكن من غير الممكن، اساساً.
مـدخــل
علي الصعيد النظري يظل الصراع محتدماً. إن التيار الإصلاحي الذي يرى إمكانية تحويل النظام الراسمالي الي مجتمع عادل بل الي مجتمع اشتراكي، وعبر المؤسسات الراسمالية نفسها له جذوره التاريخية في الصراع الاجتماعي. فالالماني برنشتين (2) كان يؤكد انه وعبر نظام التسليف“البنوك“والإتحادات التعاونية يمكن تحويل الرأسمالية الي اشتراكية. تعرضت „روزا لوكسمبيرج“(3) في كتابها“اصلاح اجتماعي ام ثورة“بالنقد اللاذع لبرنشتين، واوضحت ان المؤسسات الاقتصاديةالراسمالية في جوهرها ما هي إلا تعميق لتناقضات المجتمع الراسمالي.
وبما للتامين من طبيعة مشاركة ومشايلة في ظاهره، يمكن ان يعوِّل عليه الاصلاحيون في اطروحاتهم وصراعهم النظري. لان التامين هوعبارة عن“وسيلة يمكن من خلالها لمجموعة من الناس تواجه اخطاراً معينة ان تتفادى الخسائر المالية الناتجة عن تلك الاخطار، وذلك بتعويض كل منْ يتعرض لخسائر مالية، من الاحتياطي الذي يشكله مجموع الاقساط المدفوعة بواسطة المستأمنين“(4). ولكنا سنسعى الي استجلاء جوهر التامين كنشاط اقتصادي راسمالي، جاء“نتيجة لتطور الراسمالية. ولقد نشا في اقطارٍ وازمانِ كانت فيها المضاربة هي السائدة في الحياة التجارية. ولقد استطاع المُأمنون ـ اي الشركات ـ من خلال تنظيمهم وعبر ما تجمع لديهم من خبرة ان يخففوا حدة الاخطار التي تواجه التاجر لوحده"(5).
ولقد ساهم التامين كنشاط اقتصادي اجتماعي ومنذ نشأته في القرن السادس عشر في الدول الراسمالية في بناء راسمالية وطيدة تمكنت فيما بعد من من جمع الاموال الطائلة من وراء البحار. والدور الذي لعبته شركات التامين الغربية في البلدان النامية وما ترتب عليه من آثار إقتصادية اجتماعية وسياسية يجعلنا نقف مع“روزا“فيما ذهبت اليه في حديثها عن المؤسسات الراسمالية الاقتصادية.
وقبل ان نستقصي ذلك نرى انه من الضروري الاشارة الي الاختلاف بين التامين بصورته التجارية كما تمارسه البلدان الراسمالية والتامين في النظام الاشتراكي. إن التامين في النظام الاشتراكي يعني التامين الحكومي، والذي هو“شكلٌ لتامين تقوم فيه الدولة، لا المؤسسات الخاصة، كما هوالحال عادةً في البلدان الراسمالية،بالتامين علي اموال المؤسسات والافراد. ولقد طُبق تامين الدولة في الاتحاد السوفيتي، بدءاً في عام 1921م، وتقوم به إدارة التامين الرئيسية في وزارة مالية الاتحاد السوفيتي، وفروعها المحلية، ويميز بين شكلين في التامين الحكومي: التامين الاجباري، والتامين الاختياري. تخضع للتامين الاول: أ) في الكولخوزات: المنشآت والموجودات، والاجهزة والمنتوجات، والبذور والماشية. ب) في مزارع الافراد: المنشآت، والماشية، والبذور الحقلية المعدة للزرع. ج) مساكن الدولة في المؤسسات والادارات. كما يطبق علي المسافرين في وسائط النقل. ويخضع للتامين الثاني التامين علي حياة الافراد، واثاث المنازل. إن التامين الحكومي يضمن للمؤسسات والمنظمات والمواطنين، تعويض الضرر الحاصل بنتيجة الكوارث العفوية والحوادث المؤسفة، وفقاً لشروط التامين."(6)
أما المظهر الآخر للتامين الحكومي فهوالتامين الإجتماعي، والذي هو“نظام لضمان الشغيلة المادي في حالة فقدان القدرة علي العمل بصورة مؤقتة بسبب المرض والحمل، والولادة...الخ“„اما اموال التامين الاجتماعي فتتاتى عن اشتراكات مؤسسات وادارات الدولة، وهي تجبى علي شكل حسميات بنسبة الاجور"(7)
وسندلل علي هذا الاختلاف من خلال نقاشٍ سيأتي في موضع آخر.
إن الكتابة عن صناعة التامين في السودان تستدعي تناول التامين في الدول النامية، ومن خلال إرتباطه بالتطور الاقتصادي لتلك البلدان، والسودان كواحد من هذه الدول تنعكس فيه لحد كبير سمات ذلك التطور.
التأمين وتطور الدول النامية
كان التطور الخطير للرأسمالية وتحولها من رأسمالية تجارية الي راسمالية صناعية نتاج الظاهرة الاقتصادية التاريخية المعروفة بالتراكم الرأسمالي البدائي والتي اشار اليها ماركس.
والتراكم البدائي للراسمال هو“عملية تاريخية فصلت صغار المنتجين عن وسائل الانتاج، فصلاً إكراهياً، شاملاً (وقد جرت في بلدان اوربا الغربية، في القرون 16، 17، 18، من حيث الاساس) وتجميع هذه الوسائل بين ايدي الراسماليين. وكان تراكم الراسمال البدائي نقطة الانطلاق في نشوء اسلوب الانتاج الراسمالي، وظهور مالكي وسائل الانتاج من جهة، والعمال المأجورين البائعين قوة عملهم، والمحرومين من وسائل الانتاج، والاحرار حقوقياً، من جهة ثانية. إن عملية فصل صغار المنتجين، والفلاحين، بشكلٍ خاص، عن وسائل إنتاجهم فصلاً إكراهياً (الارض، وادوات الانتاج) هي بمثابة عشية الراسمالية وتدل علي ان الراسمال لم يظهر كنتيجة لتقتير فئة ما من الناس، كما يزعم الراسماليون البرجوازيون. لقد كان ظهور الراسمالية ثمرة عمليات اقتصادية في تطور المجتمع (كالتزاحم وخراب صغار منتجي السلع) وقد تسارع هذا الظهور عن طريق إستخدام اشرس صور العنف والنهب".(8)
واوضح ماركس ان التغلغل الراسمالي قد تمكن من تحويل الارض الي سلعة ذات قيمة، مستغلاً الموارد الطبيعية، وخالقاً من الدول المتخلفة اسواقاً لتصريف البضائع المصنعة في الدول الراسمالية. وكما نعلم ان الدول المتخلفة كانت احد الحلول التي توصلت اليها الراسمالية العالمية في سعيها الي الخروج من ازمة الكسادالاقتصادي الشهير في الثلاثينيات من هذا لقرن.
ولقد تعرضت الدول المتخلفة للاستعمار المباشر الفظ من قبل الدول الراسمالية إذ انه“ومع بداية القرن العشرين تم تقسيم العالم بين البلدان الإمبريالية،وحدث هذا التقسيم دون اي اعتبار للعلاقات الاقتصادية والروابط القومية وتاريخ وثقافة الشعوب التي تسكن المناطق المقسمة".(9) وقد مارس الاستعمار نهباً وتدميراً لاقتصاد البلدان المتخلفة للحد الذي اقعد هذه البلدان عن التطور السوي، وقد بات تناول ودراسة اقتصاد تلك البلدان لا يتم إلا من خلال كشف وتوضيح وتقييم الدور التخريبي للاستعمار،“وإننا نعلم ان البحث في بلدان العالم الثالث بالنسبة للاقتصاد كوحدة اجمالية يكون في حدود معينة ضرباً من الرسم التخيلي والارادي. ولكننا نعلم كذلك أنه في حدود اكبر يطابق حقيقة اساسية، إذ ان البلدان الناميةفي آسيا وفي افريقيا وفي امريكا اللاتينية تقدم بصفة مشتركة، فيما وراء الفروق الماثلة في طبيعة قواها الانتاجية ومستوى هذه القوة، سمات اساسية من سمات الاقتصاد المتمم بالنسبة لسمات البلدان الراسمالية النامية. والحقيقة العميقة والمشتركة بين بلدان العالم الثالث جميعها هي هذا النهب الذي تتعرض له حقاً".(10)
وعن طبيعة ووضع العالم الثالث نشير الي ما كتبه بيير جاليه، إذ قال“وفي راينا ان العالم ينقسم بصفة اساسية الي مجموعتين كبيرتين: مجموعة بلدان النظام الراسمالي، ومجموعة بلدان النظام الاشتراكي. ولكن من المسلم به علي وجه يكاد يكون عاماً، ان المجموعة الاولى تضم في آنٍ واحد بلداناً متطورة ومسيطرة وبلداناً نامية وواقعة تحت السيطرة وان هناك هوة تفصل بين هذا النوع وذاك من البلدان، وذلك ان كتلة البلدان النامية والواقعة تحت السيطرة التابعة للنظام الراسمالي هي التي تدل عليها العبارة الدارجة“بلدان آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية النامية"، وان الانسان في كل مكان قد تبنى تعبيراً محفوظاً يسميها بالعالم الثالث".(11)
ولكن يجب ان نضيف ان اليوم هناك بلداناً نامية خرجت عن سيطرة الدول الامبريالية، واصبحت ذات وجهة وطنية تقدمية في كل من افريقيا، آسيا وامريكا اللاتينية، وقد كان ذلك مرتبطٌ بتطور حركة التحرر الوطني التي تصاعدت في هذه القارات.
إن الإستعمار المباشر لبلدان العالم الثالث، وتطور اوربا الإقتصادي إرتبطا بالحقيقة الدارجة في تاريخ الإقتصاد (المصدر للمواد الخام والسوق لتصريف المواد المصنعة). وقد ترتبت علي ذلك آثار متعددة تجلت في عدد من الظواهر، وليس ادلّ عليها من إنحسار وتقهقر الحرفة المحلية في وجه الصناعات المعدنية من الادوات والاواني التي غزت البلدان المتخلفة.
ومع التطور التاريخي للعالم جاء الإستعمار الحديث إي الإستعمار الاقتصادي، بديلاً للإستعمار المباشر، وهواكثر شراسة وخطورة لانه عصارة تطور الراسمالية، إذ إمتزجت فيه خبرة الإستعمار القديم ـ سياسياً ـ وشراهة الراسمال للتوسع ـ ربحياً ـ وعن طريقه ضمنت الدول الامبريالية تبعية الدول المتخلفة لها.وقد كان للاستعمار الحديث ادواته المتمثلة في الاحتكارات العالمية المتنافسة والشركات المتعددة الجنسيات، التي من خلالها تمكن من التغلغل والبقاء وإعادة تقسيم العالم،“واشتبكت الاحتكارات في البلدان المتخلفة في صراعٍ ضارٍ من اجل الإستحواذ علي الاسواق الاجنبية ومن اجل مجالات النفوذ والإستثمار. وعند حلول القرن العشرين كانت الاحتكارات قد قسمت العالم فعلاُ إلي إمبراطوريات إقتصادية“.(12)
والإحتكارات العالمية هي عبارة عن“إتفاقات بين اكبر الإحتكارات من مختلف البلدان حول تقاسم الاسواق ومصادر المواد الاولية، حول حجم الانتاج، وسياسة الاسعار...الخ"(13). وتلعب المؤسسات الرأسمالية العتيدة كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي دوراً متناهي الخطورة في توثيق التبعية الإقتصادية عن طريق تصدير الرساميل في شكل معونات وتحت مظلة المؤازرة في النهوض بإقتصاد البلدان النامية. ولكن نعلم ان تأكيد إنتهاج طريق التنمية الرأسمالي هوالهدف الوحيد وراء سياسة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي،“إن تصدير الراساميل كان تلك الوسيلة التي غرست بها الإحتكارات بقوة مسندة علاقات الانتاج الراسمالية في بلدان آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية التي كانت في مراحل ادنى من التطور".(14)
وشركات التامين هي الاخرى كمؤسسات مالية وذات طبيعة إقتصادية معينة تساهم في هذه التبعية وتكمل ذاك الدور.
إن المهمة الاساسية لشركات التامين، اوالتامين عموماً هي تغطية الخسائر الناتجة بفعل الاخطار مثل خطر الحريق، وخطر السرقة، اخطار البحر بالنسبة للبضائع، الحوادث الشخصية، وفقدان الحياة، فعموماً للتامين عشرة انواع لها تفصيلاتها الاخرى:
انواع التأمين
*السيارات
*الحيا ة العادية
*الحياة الصناعية
*الحوادث والصحة
*البحري والنقل
*الطيران
*الحريق وخسائر الممتلكات الاخرى
*المسئولية
*الاعتماد والضمانة
*عـام
الانواع اوالفئات التي يتم تحتها التامين.(15)
ومن هذا نلمس ان التامين كتعويض للخسائر يلعب دوراً فاعلاً في تشجيع رؤوس الاموال ايٍ كانت، لان تدخل مجال الاستثمار دونما خوف وان تساهم في البناء الاقتصادي.
إن دخول شركات التامين عبارة عن مجموع الاقساط المدفوعة بواسطة المستامنين. والقسط في تعريفه هوسعر التغطية اوالتامين، ووفق هذا القسط يتم إستصدار وثيقة تامين تعرف بالبوليصة وهي عبارة عن“وثيقة مكتوبة اومطبوعة تقدم كدليل مادي علي تعاقدٍ بين شخصٍ قام بنقل اوتحويل خطرٍ معين (المستأمن)ومؤسسةٍ قبِلت هذا النقل اوالتحويل (المؤمِن)"(16)
عرفت بلدان العالم الثالث التامين عن طريق الاستعمار وكان ذلك في نهاية القرن التاسع عشر، وقد اشار السيد وليم اولتك(*) ألي“ان التامين كنشاط معاصر في افريقيا جاءت به القوى الاستعمارية بواسطة شركات من تلك البلدان امتدت الي الاقطار والاقاليم التي بسطت عليها الحكومات الاستعمارية قبضتها."(17) ومع مطلع هذا القرن تمكنت شركات التامين الاجنبية من ان تنشئ لها فروعاً وتوكيلات في عدد من الدول، فمثلاً“من تلك الشركات الشركة الملكية لتبادل التامين ـ لندن التي افتتحت لها مكتباً في كينيا عام 1922م، وثانياً في نيجيريا 1923م، وآخراً في غانا 1927م".(18)
وهذه الفروع التي اصبحت شركات فيما بعد بغرض جمع فوائض راس المال من البلدان المتخلفة (19)، استمرت الشركات الاجنبية ممارسة التامين في دول العام الثالث حتى فجر اسقلال تلك الدول، إذ انه وبعد الاستقلال حدت قوانين كل البلدان المستقلة من نشاط الشركات الاجنبية بل واحلت محلها الشركات الوطنية لتقوم بممارسة التامين، ولكن هناك عدد من دول العالم الثالث ما زالت تسمح للشركات الاجنبية بممارسة اعمال التامين، الامر الذي يعني استمرار الاستنزاف الراسمالي الذي تمارسه هذه الشركات، ولتوضيح ذلك نضع ما لدينا من معلومات حول التامين في بعض دول جنوب شرق آسيا في الجدول التالي:
|
(20) هذا الجدول يعطي بعض الملامح الاساسية التي تسم سوق التامين في بلدان العالم الثالث، وقد اتضحت ضخامة رؤوس الاموال التي تفقدها هذه البلدان. فقد وصلت الي اكثر من 64% من جملة اعمال سوق التامين كما هوالحال في سنغافورة. وذلك بالطبع اذا إفترضنا ان الاقساط الكلية قسمت بالتساوي بين الشركات، ولكن مما هواكيد ان نصيب الشركات الاجنبية سيكون اكثر من ذلك، لان خبرتها في الإكتتاب وإدارة الخسائر تفوق خبرات الشركات الوطنية. إن الاثر السلبي المترتب علي تصدير هذه الفوائض نلمسه لوحاولنا ان نقدر الدور الذي يمكن ان تلعبه هذه الاموال في دفع الاقتصاد الوطني لوانها اُستبقت ووظفت محلياً. والسمة الثانية والخطيرة هي ضعف عدد شركات القطاع العام. ففي هذه الدول الثلاث نجد شركة واحدة تابعة للقطاع العام من مجموع 197 شركة تامين ونصيبها يساوي 4,9 مليون دولار امريكي فقط، مقارنة مع 58,44 مليون دولار امريكي للشركات الاجنبية، وهذه السمة مشتركة بين الدول المتخلفة، وهي المؤشر الي ان السيطرة في سوق التامين مقتسمة بين الشركات الاجنبية وشركات القطاع الخاص المحلية. هذا يدعونا بالضرورة الي التركيز علي اهمية إحكام مراقبة الدول لسوق التامين حتى يتم الحد من فقدان العملة الصعبة، والتي يتم تصديرها بإستمرار لا سيما اذا ادركنا حقيقة انه“يوجد في آسيا حوالي 892 شركة منها 399 شركة اجنبية".(21) كما اوضح السيد احمد عبد الرحمن(*).
عن طريق التامين ضمنت الدول الراسمالية إسترداد مديونيتها علي الدول النامية، وذلك عن طريق تامين الاعتماد والكفالة اوالضمانة، وعن طريق تامين فقدان الارباح، إعتماداً علي مزايا التامين البحري تضمن الدول الراسمالية سلامة وصول المواد الخام المنقولة إليها وايضاً سلامة وصول البضائع المصنعة الي الدول النامية.
الإستقرار السياسي هوشرط الإستثمار الاجنبي ومن اسباب تشجيعه، والتامين كنشاط اقتصادي ـ سياسي، وبما له من انواع مختلفة من التغطيات يضمن إسترداد فوائد هذه الإستثمارات ويضمن تعويضها الكامل في حالات فقدانها بفعل عدم الإستقرار السياسي، إذ ان هناك ضمانة تامينية تعرف بضمانة“التامين ضد اعمال الإضراب، التظاهرات، الإعتصام والعصيان المدني".
وهذه الضمانة عادة ما تضاف الي وثيقة التامين متى ما طلب المستأمن ذلك.
فالتامين ضد النهوض الجماهيري هوالخطوة الاولى، اما الخطوة الثانية فهي التدخل المباشر من قِبل الدول الراسمالية ومصادرة السيادة الوطنية لشعوب بلدان العالم الثالث، إن كان ذلك بحجة حماية ممتلكاتها ومشاريعها الإستثمارية علناً اوالتدخل باسم اي إدعاءات اخرى، كما حدث في شابا ـ الكنغوفي الستينات، وفي شيلي في عام 1973م، حيث تمّ قلب النظام الشعبي بطريقة دموية بشعة. فمن هنا تبرز لنا دواعي اهتمام الدول الراسمالية بالنظم الحاكمة والقائمة في تلك البلدان النامية، وتظهر لنا دوافع سعيها الحثيث إلي ان تكون هذه النظم موالية لها، وبهذا نضع يدنا علي صدق المقولة السياسية التاريخية القاضية بأن“لا استقلال سياسي بدون استقلاال اقتصادي".
إن الاستقلال السياسي الذي شهدته معظم دول العالم الثالث اعقبه قيام شركات التامين الوطنية التي سعى الاستعمار الي اعاقة انشائها وتطورها فيما بعد، ليضمن بقاء الدول النامية تحت سيطرته. تمكنت الشركات الوطنية من النهوض، إلا ان ذلك لم يمنع الدول الراسمالية وعن طريق ما يعرف باعادة التامين من تاكيد تبعية الدول النامية لها.
إن اعادة التامين وفي التعريف النهائى هي“تامين التامين“(22)، وتقوم بها شركات التامين الصغرى اوالناهضة.والسبب الاساسي الذي اكسب إعادة التامين تلك الاهمية هوضعف الموقف المالي بالنسبة لشركات التامين الوطنية، قلة الخبرة الفنية مما يضطرها في حالة تغطية اخطار المشاريع الكبرى، المصانع، محطات الطاقة، الماكينات....الخ، الي تامينها اوبالاحرى إعادة تامينها لدى الشركات العالمية الكبرى المختصة باعادة التامين، والتي بما تكدس لها من خبرة وإمكانيات فنية عالية، يمكنها ان تقوم بإجراء تغطية تلك الاخطار والتي قد تصل احياناً الي مئات بل الاف الملايين من الجنيهات، فلذلك نجد ان الشركات المحلية تعيد تامين جزء كبير من اعمالها لدى الشركات الاجنبية.
لا ننكر دور واهمية إعادة التامين في تثبيت اقدام الشركات الوطنية البادئة، وقد أكد شيامداس ب أبناه (*) ذلك بقوله“إن اعادة التامين تمكن الشركات من الاداء براسمال متواضع ومن ثم يتم نموه وازدياده مع مرور الزمن. وبهذا كان لاعادة التامين الدور في تقدم وتطور شركات التامين الوطنية في افريقيا"(23)، وهذه حقيقة، ولكنا سنتناول إعادة التأمين من اهم الجوانب، اي من جانب كونها منفذاً تمكنت من خلاله الدول الراسمالية ان تستنزف قدراً مهولاً من فائض راس مال العالم الثالث.
في اعادة التامين هناك ما يعرف بالاتفاقات المشتركة ، وهي في الغالب الاعم تطبق بين الشركات الوطنية، وهذه الاتفاقيات عادة ما تكون خاصة بتامين ممتلكات الدولة كما هوالحال عندنا في السودان. اما فيما يخص الممتلكات الاخرى والتى تكون مبالغ تامينها عالية فهذه الشركات مجتمعة تضطر الي اعادة التامين لدى السوق الاجنبي. واللجوء الي اعادة التامين تتلخص اهم مزاياه في انه يضمن دخلاً ثابتاً للشركات الصغيرة اولاً، ثم انه يمنع تارجح ارباح هذه الشركات من سنة الي اخرى، ثانياً.
إن الدور الذي كانت تقوم به الشركات الاجنبية في تصديرها للراسمال من الدول المتخلفة، اصبح يقوم به وكلاء الراسمالية العالمية في هذه البلدان واصحاب الشركات المحلية، إذ انهم كراسمالية ناهضة مدفوعة بشغف الربح السريع، نجدهم يلجؤون الي اعادة التامين كطريق سهل لجمع الارباح الكبيرة والسريعة. ونعتقد انه ومن العوامل التي ادت الي سيطرة اعادة التامين الاجنبي ضعف سوق التامين في البلدان النامية وغياب شركات اعادة التامين الوطنية التي يمكنها استيعاب وتحمل اعباء اعمال التامين المتوفرة محلياً.
ففي افريقيا نجد ان عدد شركات التامين في الدول التابعة لمنظمة الوحدة الافريقية حوالي 415 شركة حتى عام 1980 م بينها 12 شركة فقط لاعادة التامين. وممالا شك فيه ان هذا العدد الضئيل جداً، وكما ان السعي الي انشاء شركات افريقية لاعادة التامين واضحٌ انه يسير ببطء شديد، إذا علمنا ان المسافة الزمنية التي تفصل بين انشاء اول شركة لاعادة التامين وهي شركة مصر لاعادة التامين واحدث شركة وهي تونس لاعادة التامين تقارب الثلاثة وعشرين عاماً، غذ انشئت الاولى في عام 1957 والاخيرة في عام 1981م. ونعتقد ان ذلك مربوطٌ بعدم التقدير السليم لاهمية النشاط التاميني يالنسبة لاقتصاد الدول النامية، وليس ادلّ علي ذلك من ن نجد ان عدد الشركات المنضوية تحت منظمة التامين الافريقية حتى عام 1982 لا يتعدى 128 شركة من مجموع الشركات العاملة في السوق الافريقي، وكما هومعلومٌ ان هذه المنظمة معقودٌ عليها الامل في الارتقاء بالتامين وتطوير مساهمته في البناء الوطني، ونحن نستند في ذلك الي حقيقة“ان تنظيم التامين اصبح شيئاُ لا غنى عنه من اجل مستقبل هذه القارة".(24)
إن الاباح التي تجنيها شركاتنا المحلية من عملية اعادة التامين هي عبارة عن العمولة التي تدفعها لها الشركات الاجنبية، والتي تمثل جزءاً من الاقساط التي تذهب الي شركات اعادة التامين، وتقدير هذه العمولة يعتمد علي نوع التامين المزمع القيام به. وهذه الارباح، اي العمولات المدفوعة لا تمثل غير نسبة ضئيلة، إذا علمنا ان مجموع الاقساط اصبح يزداد بوتائر عالية في افريقيا، فخلال الفترة 1960 ـ 1980 م إرتفع حجم الاقساط في هذه القارة من 170 مليون دولار امريكي الي 3200 مليون دلار امريكي سنوياً (25). ولكيما نكون اكثر دقةً في التدليل علي ضآلة الارباح الناتجة من العمولات، والتدليل علي ضخامة حجم الاستنزاف الذي تقوم به شركات اعادة التامين الاجنبية، قمنا بجدولة إحصائيات وبيانات تخص 46 شركة تامين افريقية تمثل 21 دولة خلال السنين 1978 ـ 1979 ـ 1980م (26)، فتبين لنا ان مجموع اقساط هذه الشركات خلال هذه السنين كان 2,911,604,000 دولار امريكي (اي ما يقارب الثلاثة بلايين) وقد كان نصيب شركات اعادة التامين خارج القارة يمثل 53,15% من جملة اقساط إعادة التامين اي ما يعادل 672,408,180 دولار امريكي، كما موضح ٌ في الجدول ادناه:
|
* نتائج التامين واعادة التامين لــ 46 شركة افريقية تمثل 21 دولة خلال السنوات 1978م – 1979م.
المصدر: ملف التامين الافريقي ـ التقرير السنوى لعام 1982م African Insurance , Annual Report 1982 |
من الجدول علي صفحة (10) تتضح لنا حقيقة الارتفاع في حجم الاقساط، إذ انه ارتفع في عام 1980م بحوالي 337,724,000 عنه في عام 1978م اي بنسبة 40,48%، غير ان الارتفاع لم يكن في مجموع الاقساط فحسب بل ان حجم العمالة الموظف في هذه الشركات ارتفع هوالآخر من 20,272 موف في عام 1978م الي 23,284 في عام 1980، اي بنسبة 14,86% ومما لا شك فيه ان لذلك اثره في تخفيف عبء البطالة التي يعاني منها قطاع كبير من سكان العالم الثالث.
إن الارقام الواردة في هذا الجدول تؤكد حقيقية التبعية التي اشرنا اليها، والتي تتم من خلال النهب الاقتصادي. فهذه الارقام تخص 46 شركة فقط من مجموع 415 شركة، وهذا يعني ان ما تفقده هذه القارة من رؤوس اموالٍ لهواضخم مما نتصور. وبمقارنة سريعة وجدنا ان نصيب اعادة التامين الموضح في هذا الجدول يعادل 50% من الديون الخارجية لحكومة السودان التي بلغت 1365,7 مليون دولار في الفترة 1973م ـ 1977م، ومن هذا نستخلص ان فوائض رؤوس الاموال التي تستنزف منا باليمين، تعطى الينا باليسرى قروضاً وديون تؤخذ عليها الفوائد وبنسب عالية.
ولتكون الصورة اكثر وضوحاً ومن اجل ان نتلمس عظم الفقدان والتدمير الاقتصادي الذي تتعرض له بلداننا نذكر ان احصائيات اللويدز في لندن اشارت الي ان ارباحها للعام 1980م كانت 264 مليون استرليني بزيادة 53% عن العام 1979م. ومجموعة اللويدز هذه من اعرق الشركات التي تمارس اعمال التامين داخل وخارج بريطانيا، إذ ان لها وزنها وثقلها في سوق التامين العالمي، بل هي المؤسس الاول للتامين كنشاط اقتضادي عالمي حديث. ومثال آخر ان هناك خمس شركات بريطانية كبرى حققت ارباحاً وصلت الي 368,7 مليون استرليني في عام 1983م.(27) اما شركة ميونخ لاعادة التامين (*) فقد كان حجم اقساطها الخارجية يشكل حوالي 47,5 % من جملة اقساطها للعام المالي 1983/1984م والتي بلغت 10,029,114,648 مارك الماني اي ان الاقساط الخارجية كانت تعادل 483,829,457 مارك الماني.(28)
بينما اقتصاد البلدان النامية يعاني الضعف والعجز المستمر، كانت اقتصاديات الدول الراسمالية تقوى وتمتن، بل وتكسب العافية علي حساب اقتصاد الدول النامية المتهالك. ولكشف بعض اسباب معاناتنا وبقائنا قيد التخلف الاقتصادي نشير الي الحقائق الخاصة بالسوق البريطاني، اول اكبر ثلاثة اسواق تامين عالمية، إذ ياتي قبل السوق الامريكي والسوق الياباني.
بريطانيا هي اول الدول الراسمالية التي عرفت صناعة التامين، وقامت بتصديرها الي بقية انحاء العالم، وقد كانت صاحبة السيطرة في هذا المجال عالمياً.
ومما هومعروف تاريخياً ان بريطانيا تعتمد اساساً في اقتصادها علي بيع الخدمات التامينية والمصرفية، وقد اكد هذه الحقيقة السيد بيير إدجر باونج بقوله“نحن في حاجة علي الدوام الي تذكير انفسنا ان هذا البلد ـ بريطانيا ـ لم يكن محظياً بالموارد الطبيعية، ثم انه لم يعد القائد لبقية العالم في مجال الصناعة..فلذلك يتعاظم إعتماده علي بيع خدماته المصدرة المصرفية منها والتامينية"(29). والارقام تجلي هذه الحقيقة، فقد كان متوسط صافي دخل التامين بالنسبة لبريطانيا من الدول النامية في الفترة 1970م ـ 1979م ان وصل الي 579,7 مليون استرليني سنوياً. والمتوسط بصورة ادق من الفترة 1976م ـ 1979م كان 907,3 مليون استرليني سنوياً مما يؤشر الي ان المتوسط في السنين الاخيرة من هذه الفترة شهد ارتفاعاً ملحوظاً، وبالتالي هذا يعني ان جملة الاقساط الصادرة من الدول النامية الي بريطانيا تزداد باستمرار، ومن ناحية اخرى نجد ان حوالي 52% من جملة دخل اتحاد وكلاء التامين البريطاني كان من الدول النامية.(30) وهذه الارقام الضخمة لا اعتقد انها تدهشنا كثيراً، اذا علمنا ان الشرق الاوسط اكبر اسواق التامين في العالم الثالث يقوم بتغطية جزء كبير من انتاجه لدى شركات اعادة التامين الاجنبية. وقد قام في عام 1977م بتغطية 80% من جملة انتاجه لدى شركات معيدي التامين في لندن.(31)
إن ارباح شركات التامين في بلدان العالم الثالث الناتجة من ممارسة اعادة التامين ليست هي حصيلة العمولات فحسب بل هناك ما يعرف بعمولات الارباح في حسابات اعادة التامين. والعمولات من هذا النوع تحسب بطريقتين، الاولى هي طريقة المعدل المقطوع، وهي ان تُمنح الشركة صاحبة التامين الاصلي نسبة محددة من ارباح شركة اعادة التامين، مثلاً ان تكون هذه النسبة 15% او20% او30%، اما الطريقة الثانية هي طريقة العمولة المتدرجة، وبموجبها توافق شركة اعادة التامين علي اعطاء شركة التامين الاصلية مثلاً:
(1) 25% من الـ 10% الاولى من الاقساط (الشريحة الاولى)
(2) 35% من الـ 10% الثانية من الاقساط (اشريحة الثانية)
(3) 50% مما تبقي من الارباح (الشريحة الثالثة)
فاذا كانت الاقساط 40,000 والارباح 10,000 يجري تطبيق المثال اعلاه كالاتي:
(1) 25% من 4,000 = 1,000
(2) 35% من 4,000 = 1,400
(3) 50% من 2,000 = 1,000
إذن جملة العمولة =3,400
ونعتقد انه واضحٌ من طبيعة هذه العمولة انها في الاساس مرتبطة بضرورة وجود ارباح تحققها شركات اعادة التامين. اما حساب الخسائر فيكون علي اساس تدوير الخسائر اوالعجز، ويتم ذلك عن طريق:
(1) متوسط ثلاث سنوات،
(2) لفترة مجددة، او
(3) تدوير الخسائر حتى إطفائها
وكما اشرنا سابقاً ان سهولة الحصول علي الارباح من خلال عملية اعادة التامين، هي التي دفقعت شركاتنا الي الارتماء في احضان الشركات الاجنبية الكبرى. وقد لخص السيد كولن انجهام ذلك في قوله“إن هذه الارباح امدت الشركات المحلية بكثير من الثقة في ـ بعد التركيز علي دخل الاقساط الناتج من اكتتاب اعمل التامينات الاخرى غير تامين السيارات ـ ضمان الربح العائد من العمولة وعمولة الارباح الناتجة من عملية اعادة التامين“.(32)
التامين في السودان
إن محاولة الكتابة عن التامين اوتلمس تطور السوق التاميني في السودان ليست بالامر السهل، وذلك لانعدام الاحصائيات والبيانات والوثائق لدى الجهات المعنية من جانب، ولصعوبة الحصول علي المعلومات، والذى نرى انه كان رهيناً بفقر ما هومكتوب في هذا الميدان من الجانب الآخر.
ولكن بإستقصائنا، وبقدر ما توفر لنا من معلوماتٍ ضئيلة نعتقد ان تطور التامين في السودان تتلخص فيه السمات الاساسية التي تكتنف صناعة التامين في البلدان النامية.
أُدخل التامين في السودان بواسطة الاستعمار الانجليزي، وقد محدوداً في ممارسته. لم تكن هناك بداية تاريخية محددة بالنسبة له إلا اننا ومن الممكن ان نشير الي ان ظهوره كان مع ظهور الشركات الاجنبية، مثل شركة فلتشر كوست، جرتلي هونكلي، وكونتمخلوص...الخ(33).
قامت اول شركة للتامين في عام 1951م، وهي الشركة السودانية المحدودة لتامين العربات، وقد اصبحت فيما بعد شركة الخرطوم للتامين. وهذه الشركة كانت تقوم بإجراء نوعٍ واحد من انواع التغطية، وهوالتامين الاجباري. قام بانشاء هذه الشركة اصحاب العربات (اللواري) السودانيين.
وكما اشرنا سابقا الي ان قيام الشركات الوطنيةً في البلدان النامية كان ان اعقب الاستقلال، هكذا كان الحال ايضاً في السودان، إذ ان عام 1961م شهد ميلاد شركة التامينات العامة (س) ليمتد، وهي اكبر شركات التامين السودانية، وبعدها تواتر ظهور الشركات الوطنية الي ان وصل عددها الي ستة شركات بنهاية 1969م، وهي:
(1) الشركة السودانية المحدودة (1951م)
(2) شركة التامينات العامة (س) (1961م)
(3) شركة النيل الازرق للتامين (1965م)
(4) الشركة الافريقية للتامين (1967م)
(5) الشركةالسودانية للتامين واعادة التامين (1967م)
(6) شركة التامينات المتحدة (1969م)
اما الآن فهناك ثلاثة عشر شركة للتامين في السودان من بينها شركة واحدة لاعادة التامين، وهي الشركة الوطنية لاعادة التامين، وقد انشئت في عام 1974م براسمال مختلط، موزع كالآتي:
(1) نصيب الحكومة 52,59%
(2) نصيب شركات التامين 22,28%
(3) نصيب المساهمين الافراد 15,14%
(4) نصيب البنوك التجارية 09,00%
(5) نصيب المشروع التعاوني لبوليس السودان00,99%
إن التامين كنشاط إقتصادي في السودان لم يخرج من دائرة التركيبة الاقتصادية وبقطاعيها الاساسيين، القطاع الحديث والقطاع التقليدي،وهما قطاعان غير متكافئين في التطور. لعب الاستعمار دوراً كبيراً في ترسيخ هذا التفاوت، إذ سعى الي الاحتفاظ بسيادة نمط الاقتصاد المعيشي في جزء كبير من هذه البلاد حتى يقف ذلك عائقاً في وجه تطور السودان الاقتصادي. وكما نعلم ان هذا القطاع التقليدي يزخر بامكانيات اقتصادية وبشرية هائلة لا تزال حبيسة التخلف، هذا مع تعرضها للمحاصرة من قبل توسع وقيام مشاريع الزراعة الآلية الضخمة التي ادت الي تخريب تفتيت هذا القطاع، فاصبحت بذلك عائقاً حقيقياً في وجه تطوره السوى، الامر الذي دفع بسكانه للهجرة الي المدن وباعداد غفيرة شكلت الرافد الاساسي في توسع ما يعرف بالفئات الهامشية في المدن، هذه الفئات التي تلعب دوراً لا يستهان في عملية التغيير الاجتماعي، وهي رصيدٌ له فعله في عملية التوازن الطبقي في المدن. كانت انتفاضة مارس/ ابريل 1985م هي النموذج الحي لتجسيد دور الفئات الهامشية من حمّالين، وماسحي احذية وغيرهم في تصاعد الاحداث وانتصار الانتفاضة.
إن القطاع الحديث كان محظياً باهتمامٍ وتطورٍ نسبي مقارنة بالقطاع التقليدي، وبالنتيجة كانت الخدمات التامينية متمركزة في القطاع الحديث، وفي القطاع الحديث نفسه تركزت في مدنه الكبيرة، فلذلك يمكننا ان نؤكد ان ما يقارب الـ 90% من السكان لايستفيدون من التامين كنشاط اقتصادي ـ اجتماعي.
تجدر الاشارة الي ان شركات التامين والبالغ عددها ثلاثة عشر شركة لا توجد بينها الا شركة واحدة أُنشئت رئاستها خارج الخرطوم،وهي الشركة الاقليمية للتامين، حيث توجد رئاستها في جوبا. وهذه الشركة شركة مساهمة أُسست في عام 1977م بهدف تقديم الخدمات التامينية في الجنوب وبهدف المساهمة في تنمية ذلك الاقليم الذي يعاني من التخلف الاقتصادي ومن ضيق فرص الاهتمام بتطوره من قبل الحكومات المتعاقبة. وتقتسم المساهمة في هذه الشركة كلٍ من:
(1) الحكومة الاقليمية، ونصيبها 51% ـ تمثلها مؤسسة التنمية الاقليمية. (2) شركة التامينات العامة، ونصيبها 35%
(3) الشركة الوطنية لاعادة التامين، ونصيبها 14%
أُنشئت الشركة الاقليمية للتامين براسمال قدره 99,500 جنيه“تسعة وتسعون الف وخمسمائة جنيه سوداني"، بلغ في عام 1983م 250,000 جنيه“مئتان وخمسون الف جنيه سوداني“.
وصلت جملة الاقساط التي حققتها هذه الشركة في الفترة بين 1978 ـ 1982 م الي 3,858,287 جنيه“ثلاثة مليون وثمانمائة وثمانية وخمسون الف ومئتان وسبعة ثمانون جنيه سوداني“، تفصيلها موضح في الجدول أدناه.
في هذا الجدول حاولنا ان نبين نصيب كل من الرئاسة بجوبا والفرع بالخرطوم من جملة الدخل لتسهل المقارنة، ولكنا نشير الي انه لم تتوفر لدينا البينات الخاصة بنصيب كل منهما بالنسبة للاعوام 1978، 1979، 1983. من الجدول يتضح لنا ان دخل الشركة يزداد في كل سنة، ولكن بوتائر ونسب متناقصة، ففي السنة 1982م كانت الزيادة بنسبة 6,8% عن سابقتها في حين ان الدخل لسنة 1979م كان بزيادة وصلت نسبتها الي 164% ع | | | |