التنميــــة و الإســــتثمار

في ظـــل الحــــكم الفــــــــدرالي

(*) د. احمد محمد حامد

مقدمة :

هذه الدراسة مكرسة لتناول بعض موضوعات التنمية والاستثمار في ظل الحكم الفيدرالي قبل وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل في يناير 2005. تقف الدراسة وباختصار عند مفهوم التنمية واهدافها وضرورة وجود استراتيجية وطنية لبلوغ تلك الأهداف وتؤكد على الطبيعة الديمقراطية للتنمية، التي تتطلب المشاركة الواسعة للجماهير في كل مراحل العمل التنموي ومدى ملاءمة الحكم اللامركزي بشكل عام لأن يكون وسيلة فعالة لتجسيد هذه المشاركة على أرض الواقع. وتؤكد الدراسة على أن مجرد إعلان الحكم الفيدرالي وقيام مؤسساته لا يعني تحول أجهزته إلى أجهزه تفضي إلى المشاركة الواسعة للجماهير الشعبية وتدعم مسيرة التنمية إذ أن طبيعة هذه الأجهزة مستمدة من طبيعة نظام الحكم في المركز. الأنظمة الشمولية التي حكمت السودان لفترات طويلة حالت دون اضطلاع أجهزة الحكم اللامركزي بدورها التنموي. و تتعرض الدراسة بالتحليل لتجربة الحكم الفيدرالي في المجال الاقتصادي ومدى نجاحها في تحقيق التنمية المتوازنة وإزالة التفاوت بين ولايات السودان المختلفة. كما تقف على وجهة استثمارات القطاع الخاص الوطني ورأس المال الأجنبي ومدى استعدادهما ومساهمتهما في تنمية المناطق الأقل نمواً وتحقيق تنمية متوازنة. و تتطرق في محورها الأخير لآفاق تطور ودمقرطة أجهزة الحكم الفيدرالي في كل المستويات (الاتحادي، الولائي، المحلي) بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل، التي تفتح طريقاً لإمكانية التحول الديمقراطي والدور المطلوب أن تلعبه الدولة لتعزيز عملية التنمية في كل الأقاليم والمناطق ووضع الأساس المتين لوحدة الوطن.


1- في المفهوم والاستراتيجية:

يزداد الوعي بأهمية التنمية باعتبارها العملية التي تمكِّن المجتمع من تجاوز نظام التخلف، والسير على طريق ارتياد آفاق التطور الرحبة. و يتطلب تحقيق هذه الغاية أن تكون التنمية عملية مجتمعية واعية وموجهة لاحداث تحولات هيكلية تؤدي إلى تكوين قاعدة واطلاق طاقة انتاجية ذاتية، يتحقق بموجبها تزايد منتظم في متوسط انتاجية الفرد وقدرات المجتمع . جوهر هذه العملية هو توليد القدرة الذاتية التي يرتكز عليها الاقتصاد في إنتاج وإعادة إنتاج نفسه بوتائر منتظمة ومتزايدة تمكنه من إقامة علاقات مع الاقتصادات الأخرى على أساس تبادل المنافع من منطلق الندية والتكافؤ. الحلقة الأساسية في عملية تحقيق تلك الغايات هي توحيد البنية الاقتصادية المفككة، التي تعبر عن تعددية التكوينات الاقتصادية الاجتماعية كسمة مميزة للاقتصاد السوداني وغيره من اقتصادات البلدان النامية. تفكك هذه البنية يعني وجود أنماط إنتاج مختلفة في أطوار جنينية متفاوتة، بمعنى عدم تبلور أحد هذه الأنماط وتحوله إلى أسلوب إنتاج سائد يعمل كل الاقتصاد ويتطور بموجب قوانينه. تفكك البنية الاقتصادية هي أساس تجزؤ السوق الوطنية وضعفها وهي السبب الرئيسي في ترهل وبطء حركة الاقتصاد.

التنمية باعتبارها عملية واعية وموجهة، فإن تحقيق أهدافها يتطلب إعداد استراتيجية وطنية لها، تحدد أهدافها في المدى الطويل، وكذلك السياسات، والخطط، والبرامج، والمؤسسات والآليات المختلفة، التي يتم استخدامها لتجسيد تلك الأهداف على أرض الواقع. فمن خلال الاستراتيجية ينظر المجتمع لحاله بعد انقضاء فترتها. لأن "المجتمع يرسم لنفسه الصورة التي يريد أن يكون عليها بعد عشرين أو ثلاثين عاماً. وتلك هي الغايات التي على التنمية أن تبلغها. ولابد من أن نشير هنا إلى أن استشراف هذه الصورة يجب أن يأخذ في الحسبان أن تحقيقها يعني تغييراً عميقاً في بنية الاقتصاد والمجتمع والعلاقات بين مختلف القوى الاجتماعية" .(2)

لاستراتيجية التنمية الوطنية ثلاثة أبعاد وهي القطاعي، الجغرافي والخارجي. هذه الأبعاد الثلاثة تتكامل وتتفاعل مع بعضها ويغذي كل منها الآخر.

البعد الأول يركز على بناء اقتصاد متعدد القطاعات ومتنوع المنتجات بما يفضي إلى توسيع القاعدة الاقتصادية، وتوسيع وتعميق تقسيم العمل حيث تتكامل القطاعات والوحدات الإنتاجية ويعتمد كل واحد منها على إنتاج الآخرين لتكتمل عمليته الإنتاجية. هذا التكامل يتحقق من خلال مجموعة الروابط الخلفية والأمامية التي تنبثق ويزداد عددها خلال عملية البناء هذه. تعدد القطاعات وتنوع المنتجات تمكن الاقتصاد من تلبية الاحتياجات المجتمعيه – الانتاجية والاستهلاكية من خلال علاقات السوق.

البعد الثاني وهو البعد الجغرافي ينطلق من حق كل اقليم ومنطقة في التنمية ويرتكز على مبدأ التنمية المتوازنة ويعمل على تحقيقها. هذا البعد يتكامل مع البعد القطاعي من خلال توظيف المزايا النسبية التي يتمتع بها كل اقليم ونشر الوحدات الانتاجية جغرافياً بناءً على هذه المزايا يساعده تنوع الموارد الطبيعية – الأرض، المياه، المعادن، المناخ، والموارد البشرية .استغلال هذه المزايا لتكريس التخصص على مستوى الاقاليم والمناطق. إذ أن النشاط الزراعي والتعديني يرتبطان أكثر بموقع الموارد الطبيعية. تكامل البعدين القطاعي والجغرافي لاستراتيجية التنمية، يعني أن الأخيرة تنظر للبعد القطاعي على امتداد الوطن وفي كل أقاليمه لا في كل اقليم منعزلاً عن الاقاليم الأخرى. لذلك فإنها وهي تسعى لتحقيق التكامل بين القطاعات والوحدات الإنتاجية على مستوى الوطن ككل تهدف إلى تقليل درجة تماثل هياكل الإنتاج في الأقاليم المختلفة على نحو تدريجي يؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق أعلى درجات التكامل بين هذه الأقاليم ويرسخ موجبات وحدة الوطن. إلا أن توسيع القاعدة الإنتاجية في هذا الاقليم أو ذاك لا يتوقف على وجود ميزة نسبية طبيعية قابلة للاندثار والزوال. لأن ذلك من شأنه أن يوقف عملية التنمية في هذا الاقليم، وينسف مبدأ التنمية المتوازنة وحق كل أقليم في التنمية، بغض النظر عن الموارد الموجودة فيه، وما يتمتع به من مزايا نسبية. إذ أن الأخيرة يمكن خلقها بواسطة الجهد البشري كما يحدث اليوم في ظروف الثورة العلمية التقنية. "إن الميزة النسبية، ويهذا المعنى هي مقولة تاريخية، فهي لا تشير إلا إلى فترة ما في تاريخ التطور الاقتصادي الاجتماعي للبلد، كأن يتميز فيها بإنتاج سلعة (أو سلع) معينة في ضوء سياق تاريخي اقتصادي واجتماعي وتكنولوجي وعالمي معين، بحيث ما أن يتغير هذا السياق، داخلياً وعالمياً، إلا وتتغير معه الميزة النسبية للبلد. كما اتضح أيضاً، أنه في ضوء الثورة العلمية والتكنولوجية العارمة التي نعيشها الآن، تغير كثير من المفاهيم المرتبطة بالمزايا النسبية (مثل مفهوم وفرة أو ندرة المورد الاقتصادي) بحيث يجوز الآن أن نتحدث عن مزايا نسبية تصنع صنعاً" . هذا الاستنتاج الذي توصل إليه رمزي زكي في مجرى تناوله للعلاقة بين البلدان النامية والمتقدمة، يمكن أيضاً توظيفه في العلاقة بين أقاليم البلاد المختلفة للتأكيد على استمرارية التنمية وتصاعدها في كل الظروف. وجود المزايا النسبية الطبيعية يمكن أن يلعب دوراً هاماً في توسيع الاستثمارات بين أقاليم البلاد ومناطقها المختلفة في المراحل الأولى لعملية التنمية. تواصل عملية التنمية واستمرارها، وإتساع دائرة التراكم الحقيقي لرأس المال يفضي إلى تهيئة الشروط الملائمة لخلق مزايا نسبية جديدة لا يشترط أن تكون لها علاقة مع المزايا النسبية الطبيعية الأولى. هذا بالإضافة إلى أن تلاشي الأخيرة وزوالها خاصة في حال الموارد الناضبة كالنفط مثلاً يجب أن لا يؤثر على استمرارية التنمية وتصاعدها في الاقليم المعني. إذ أن مبدأ التنمية المتوازنة يعتبر مبدءاً حاكماً وموجهاً لاستراتيجية التنمية الوطنيه، مما يدعو الى أهمية التأكيد للربط بينه وقومية الموارد وامكانية انسيابها دون عوائق بين الأقاليم بهدف تحقيق التنمية المتوازنه وازالة التفاوت فى مستويات تطورها الاقتصادى والاجتماعى. و يعتبر هذا نقيضاً للشكل الآخر لانسياب الموارد بين الاقاليم والذى يقوم على اساس استغلال الأقليم الاقوى للآخر الضعيف ويكرس نزعة الاخضاع والهيمنه. بل ان قومية الموارد تعنى ايضاً أن يصبح الأقليم أو (الأقاليم) الذي حقق قدراً افضل من التنمية أن يصبح بؤرة لدفع عملية التحولات الاقتصادية والاجتماعية فى الاقاليم الآخرى. حيث تتجه الموارد من هذا الاقليم فى اتجاه الاقاليم الأخرى لتوسيع القاعدة الانتاجيه ومجمل النشاط الاقتصادى فيها، حيث تشهد عملية التراكم الرأسمالى تطوراً جديداً ومعاكسا لتلك العمليه التى اعتمد فيها التراكم الرأسمالى فى القطاع الحديث وخاصة فى المدن على الفائض الاقتصادى المحقق فى القطاع التقليدى والريف بشكل عام. إن التطور الجديد هو هجرة رؤوس الاموال من القطاع الحديث، تحديداً من المدن فى اتجاه الريف لتوسيع نطاق التراكم الحقيقى فى الآخير فى اطار تنفيذ ماترمى اليه استراتيجية التنمية الوطنية. السعى لبلوغ هدف ازالة التفاوت بين اقاليم البلاد المختلفة من خلال التنمية المتوازنة لايعنى مطلقاً إيقاف عجلة التنمية فى الاقاليم التى نالت حظاً منها فى انتظار أن تلحق بها الأقاليم التى تم تجاهلها فى اطار مشاريع التنمية التى جربت ولايزال التمسك بتطبيقها يعتبر المرجعية الرئيسية للسياسات الاقتصادية للدولة. لأن أى اجراء من شأنه ايقاف أو عرقلة عملية التنمية ان يلحق الضرر بمجمل العملية ويعطلها عن تحقيق غاياتها لانه يعنى وضع العراقيل امام زيادة الموارد القومية، التى تشكل عملية اعادة توزيعها أمراً حيوياً لدفع جهود التنمية فى الاقاليم والمناطق الاقل نمواً. اذ أن المشروع الوطنى للتنمية من خلال الادارة الفاعلة لعمليات استخدام الموارد القوميه وزيادتها من خلال توسيع رقعة الاستثمار الانتاجى وزيادة العائد منه. يقوم هذا المشروع من ثم باعادة توزيع هذه الموارد على النحو الذى يفضى الى تلبية احتياجات كل اقليم فى التنمية وهذا يتحقق عندما تكتسب عملية التنمية سمة الاستمرارية والتصاعد فى كل مناطق السودان.

يتم تحقيق الاهداف الاستراتيجية للتنمية عبر تحقيق الأهداف المرحلية .أى التدرج فى تنفيذ هذه الاستراتيجية بعد تقسيمها الى مراحل. كل مرحلة لها اهداف ترنو الى تحقيقها وبوسائل تلائمها. و لابد من تحديدالاهداف والوسائل بعناية فائقة تضع فى الاعتبار خصائص الواقع السودانى وتنوع هذه الخصائص من اقليم لآخر، ومستوى التطور الاقتصادى الاجتماعى الذى تنطلق منه هذه الاستراتيجية مع مراعاة اختلاف هذا المستوى من اقليم لآخر وبالتالى اختلاف احتياجات التنمية على المستوى القومى وفى كل اقليم ومنطقة. لذلك لن يكون الأمر غريباً ان كان التباين فى اهداف الخطط الاقليمية المرحلية وفى آليات ووسائل تحقيقها سمة من سمات استراتيجية التنمية الوطنية فى مراحلها الأولى. الا أن هذا التباين فى الاهداف ووسائل التنفيذ المرحلية هو تباين فى اطار وحدة، أى وحدة استراتيجية التنمية الوطنية .اذ أن كل خطة مرحلية لكل اقليم هى جزء من الخطة المرحلية العامه لكل الاقتصاد وبالتالى لابد من ان تتسق وتتكامل مع الخطط المرحلية للاقاليم الأخرى. إن ازالة التناقض بين خطط الأقاليم المرحلية فى اطار الخطة المرحلية العامة للتنمية ليس عملاً سهلاً، بل معقداً دونه الكثير من المصاعب فى كل جوانب حياة المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لذلك فهو يتطلب عملاً مثابراً ، متواصلاً وكفاءة مهنية عالية وارادة سياسية يسندها وعى مجتمعى منفعل بقضية التنمية يولد الالتزام الصارم بتجسيد استراتيجية التنمية ببعديها القطاعى والجغرافى على أرض الواقع وتوظيف البعد الخارجى لتحقيق هذه الغاية.

2- ديمقراطية التنمية:

يعتمد تنفيذ استراتيجية التنمية الوطنية على المشاركة الواسعة لأفراد المجتمع. اذ أن التنمية كما جاء فى تعريفها انها جهود مجتمعية واعية، تشارك فيها قاعدة المجتمع وقمتة. الوعى المجتمعى بأهمية التنمية وأنه لا سبيل للخروج من وهدة التخلف الا بواسطتها، هو الذى يغذى هذه المشاركة ويدفع المواطنين لقبول تقديم التضحيات وتحمل الأعباء التى تفرضها عملية انزال استراتيجية التنمية والسياسات والخطط والبرامج المنبثقة عنها الى ارض الواقع. القناعة بتقديم هذه التضحيات طواعيه ودون اكراه تتولد من الوعى بان ثمار التنمية وفوائدها تعود لكل أفراد المجتمع ولا تستأثر بها القلة. هذا الوعى ينتشر بين المواطنين عندما تتخلل الديمقراطية كل جوانب حياة المجتمع. وعندما تشاع الحريات الديمقراطية وتصبح سلوكاً وممارسة فى كل مستويات الحكم. وان تكون التنمية ركنا اساسياً فى برامج الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى الأخرى ويصير الالتزام بها شرطاً للوصول لسدة الحكم وأحد محددات مشروعية السلطة السياسية وبقاءها. يحدد يوسف صايغ ثلاثة ركائز تقوم عليها عملية التنمية. أولى هذه الركائز"هى الحرية والتعبير الديمقراطى عن الارادة العامة، وقدرة المواطنين على ممارسة حقوقهم السياسية الأساسية بوحى من ضميرهم ومصلحتهم. وهى شرط اساسى لانطلاق عملية التنمية واستمرارها بشكل معافى، فبدون الحرية والديمقراطية لا يمكن للمواطنين المفاضلة بحرية ووعى واستقلالية بين الخيارات الاقتصادية المتاحة وطرق ووسائل بلوغها، وبالتالى اجراء مفاضلة صحيحة بين الأعباء والمردود المتوقع لكل الخيارات". ويواصل نفس الكاتب مجملاً القول "حيث لا مشاركة لا تعبئة وطنية ولا إلتزام وحيث لا إلتزام بالأغراض والجهود والأعباء التنموية لا تنمية ثابتة الخطى. وينبغى أن نضيف أن حيث لا إشتراك بمكاسب التنمية ومردودها ضمن نمط مقبول من التوزيع، لا إلتزام فعال بالجهود والأعباء التنموية"5.

تتسع ديمقراطية التنمية لتشمل مشاركة الجماهير فى كافة عمليات اتخاذ القرار السياسى والاقتصادى فى كل مستويات الحكم. المشاركة فى اختيار ممثليها فى أجهزة الحكم بحرية كاملة و كذلك المشاركة فى إعداد سياسات وخطط وبرامج التنمية ومناقشتها مما يهيئ الشروط الملائمة لإقدام أفراد المجتمع وأقبالهم على تنفيذ هذه الخطط والبرامج كل فى موقعة بالحماس والفاعلية. "فلكى تنجح عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لابد لها من أن تكون ديمقراطية،بمعنى المشاركة الشعبية الواسعة فى كل ما يتعلق بهذه التنمية من اتخاذ القرارات الاولية مروراً بتحضير مشروعات التنمية، تنفيذها، مراقبة سير العمل فيها، تقييمها ...الخ، وحتى المراحل الاخيرة فيها، ومن ثم تأخذ هذه المشاركة الشعبية كل الامر بين يديها. هذه هى الديمقراطية التى تؤدى الى التغيير الاجتماعى, وتقدم للمجتمع بشمول فوائد وثمار الثروة لمختلف طوائفة فى اطار متين من العدالة وتكافؤ الفرص(6)". إذا كانت الحرية والتعبير الديمقراطى عن الإرادة العامة هى الركيزة الأولى للتنمية فإن ركيزتها الثانية هى العدالة الاجتماعية. أى تحقيق تكافؤ فرص العمل والكسب والخدمات الصحية والتعليم و الاسكان و نمط أفضل لتوزيع الناتج القومى على المناطق والفئات الاجتماعية والمواطنيين. بمعنى أن تكون حدود النمط المستهدف أقرب الى بعضها فتضيق فجوة التوزيع، مدركين أن التباين الفاحش فى نمط التوزيع لا يمكن أن يكون انعكاساً صادقاً للتباين فى القدرة الذاتية للفئات والمواطنيين على الاسهام فى توليد الناتج القومى، وأنه فى معظمه لابد أن يعكس التباين فى النفوذ والقدرة السياسية والموقع الإجتماعى من موروث أو مكتسب.(7)

لقد أدت تجارب التنمية التابعة التى توجت بسياسات التحرير الاقتصادى، فى بداية تسعينات القرن العشرين إلى تعميق التفاوت الإجتماعى فضلاً عن التفاوت بين أقاليم ومناطق السودان المختلفة. فانتشرت البطالة واتسعت رقعة الفقر وتراكمت الثروة فى أيدى القلة. بيانات الجدول رقم (1) تسلط بعض الضوء على النتائج الاجتماعية لتلك التجارب.


الجدول رقم (1)

معدلات البطالة والفقر فى السودان 1996

. . .
الاقاليم
.
معدل البطالة (%)
.
معدل الفقر(%)
. . .
. . . . . . .
ريف
.
حضر
.
ريف
.
حضر
.
الخرطوم
.
18.6
.
22.3
.
80
.
76.9
. . . . . . . . .
الأوسط
.
16.4
.
16.3
.
91.2
.
93.1
. . . . . . . . .
الشمالى
.
15.7
.
19.6
.
93.3
.
84.6
. . . . . . . . .
الشرقى
.
24.1
.
20.7
.
94.3
.
88.4
. . . . . . . . .
كردفان
.
14.7
.
21.0
.
93.0
.
86.5
. . . . . . . . .
دارفور
.
10.2
.
13.9
.
97.0
.
98.1
المصدر: التقرير الاستراتيجى السودانى 1998 ص 98

هذه البيانات تشير إلى إرتفاع نسبة البطالة وكذلك نسبة الفقر فى كل اقاليم السودان، حتى اقاليم الوسط التى حظيت بقدر من التنمية وانتقل إليها قدر كبير من الفائض الاقتصادى من الأقاليم الأخرى إلا انها لم تنجح فى توظيفه فى خلق فرص الاستخدام والتخفيف من وطأة البطالة والفقر بتوسيع دائرة النشاط الاقتصادى وفرص كسب العيش وتوخى العدالة فى توزيع الدخل القومى.

وتشير الاحصائيات الى أن معظم السكان فى السودان يحصلون على دخل أقل بكثير من متوسط الدخل، فالنصف الأكثر فقراً من السكان يحصل على 8% فقط من الدخل القومى، مقارنة بحوالى 22% لنفس الفئة فى دول أفريقيا حنوب الصحراء، كذلك فان 80-90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر الذى حددته الامم المتحدة ب370 دولار للفرد الواحد. هذه البيانات والنتائج المختصرة تشير بجلاء الى بعد تجربة التنمية الحالية عن الطبيعة الديمقراطية وافتقارها للركائزالأساسية التى تضمن لها النجاح. بل أن عدم استناد هذه التنمية على الحرية والعدالة الاجتماعية سيقود حتماً إلى فشلها. وزيادة حدة التوتر الإجتماعى ومايترتب عنه من مشاكل وصعوبات تزيد من التحديات التى تواجه الوطن.

3- الحكم الفيدرالي والتنمية

يعتبر الحكم اللامركزي بشكل عام أحد وسائل توسيع قاعد الديمقراطية وتحقيق مبدأ مشاركة أفراد المجتمع في إدارة شئون الحكم في كل المستويات. أحد الأسباب الهامة التي تستدعي اللامركزية هو الرغبة في تشجيع المشاركة الفعالة للمواطنين في تنفيذ المهام المحلية. وهذه المشاركة لا تؤدي إلى زيادة الشعور بالكرامة لدى المواطنين، وتنمية روح الجماعة فيهم فحسب، ولكن تعد المشاريع التي تنفذ بمزيد من الحيوية وتؤمن فرض رقابة شعبية محلية عليها. وهي فوق ذلك تهيء فرصاً أكبر لوضع برامج واقعية تتفق مع حاجات المواطنين المحلية الحقيقية والإفادة من المبادرات المحلية العديدة في تنفيذها. مما جعل الحكم اللامركزي والذي يعتبر الحكم الفدرالي أحد أشكاله إطاراً ملائماً لتحقيق ديمقراطية التنمية وتوسيع دائرة مشاركة الجماهير في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية. إلا أن مجرد إعلان وتطبيق لامركزية نظام الحكم لا يعني إطلاقا ً حرية المشاركة هذه. فتجربة السودان التي عرفت الحكم اللامركزي بأشكاله المختلفة قبل أن يصدر رئيس الجمهورية المرسوم الدستوري الرابع في 4/2/1991 الذي تم بموجبه تأسيس الحكم الفيدرالي بمستوياته الثلاثة (الاتحادي، الولائي، المحلي) في السودان. ومن ثم أصبح نظام الحكم الفيدرالي امتداداً وتوسيعاً لتجربة اللامركزية. تأثرت هذه التجربة في مراحلها التاريخية المختلفة بطبيعة نظام الحكم في المركز وأيضاً بطبيعة الهيكل الاقتصادي الاجتماعي الذي يتسم بتعددية التكوينات الاقتصادية الاجتماعية. "لقد شهد السودان تجربة الحكم السلطوي ثلاث مرات(58-64، 69-85، 89-2003) التجربة الأولى لم تأبه بالمشاركة الشعبية في السلطة. حيث استندت إلى التعيينات في أغلب الأحيان، فلم تحفز طلاب المناصب استنفار إتباعهم لخوض الانتخابات إلا نادراً. أما التجربتان الثانية والثالثة فقد عمدتا إلى الحكم عن طريق المشاركة الشعبية. فقد أوجدت المجالس أو المواقع القيادية وأتاحت للناس فرصة المنافسة لنيلها ولكن في ذات الوقت منعتهم حرية التنظيم وحرية التعبير. كان على الراغبين في تبؤ المواقع القيادية الانخراط في التنظيم السياسي الواحد(69-1985) أو حزب الحكومة المهيمن(89-2003)".

لقد غطت تجارب الأنظمة الشمولية معظم سنوات الاستقلال ونقلت الطابع الشمولي من قمتها إلى قاعدتها وحالت دون تحويل الحكم اللامركزي لمدرسة للديمقراطية وتوسيع قاعدة المشاركة. التجارب الديمقراطية الثلاث لم يكتب لها الاستمرار حيث لم يزد مجموع فتراتها عن الاحد عشر سنه مقابل أربعين عاماً للانظمة الشمولية. لهذا السبب بالاضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بالهيكل الاقتصادى الاجتماعى لم تتمكن أنظمة الحكم الديمقراطية فى فتراتها المتقطعة والقصيرة من وضع الأسس السليمة لنظام الحكم اللامركزى. إذ عمدت الأحزاب الكبيرة التى وصلت الى سدة الحكم عبر صناديق الانتخابات إلى الاعتماد على أصحاب النفوذ من زعماء العشائر في الريف وعلى الرأسمالية التجارية في المدن في تقوية مواقعها، مما جعل هذه الشرائح الاجتماعية هي المسيطرة على أجهزة الحكم اللامركزي. ولم تفلح هذه الشرائح في التعبير عن الاحتياجات التنموية للمواطنيين والمناطق، دع عنك تلبيتها. إلا أن جوانب النقص هذه يمكن التغلب عليها بتوسيع دائرة الممارسة الديمقراطية وتنفيذ مشاريع التنمية التي تفضي إلى التغيير التدريجي في البنى والهياكل الاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الاقتصادية في الريف وبالتالي فتح أبواب المشاركة الشعبية الواسعة في إدارة الشؤون المحلية.

تأثرت تجربة الحكم الفيدرالي سلباً في مستوياتها الثلاثة بإنتهاجها أسلوب الإرضاءات والاستجابة للضغوط بديلاً عن الديمقراطية فأفرزت العديد من النزعات التي تعوق عملية التنمية وتهدد وحدة الوطن. غياب الممارسة الديمقراطية الذي صاحب التجربة غذى النعرات الإقليمية والجهوية وقنن الانكفاء الذاتي داخلها، مما يتعارض أصلاً والأهداف التي يرمي إليها الحكم الفيدرالي. في ظل توفر الديمقراطية يتعلم المواطنون من خلال تجربتهم كيف يختارون الأفضل والأحسن من بين أبنائهم ولا يمكن لهذا الاختيار الأفضل والأحسن أن يظهر إلا بوجود الحريات والأحزاب والنظام البرلماني الذي تهييء المناخ المناسب لحركتهم كما يوفر لهم ظروف أفضل لتطوير وعيهم السياسي ولانجاح التجارب التي يتبنونها. كما أن تشكيل الأحزاب التي عادة ما تكون على أساس قومي يقلل النعرات الجهوية والاقليمية ويربط الولايات بالمركز. مثل هذه الافرازات السلبية لا شك في أنها تفضي إلى زيادة التوتر الاجتماعي وتهدد الاستقرار السياسي علماً بأن هذا الاستقرار يعتبر أحد الشروط الضرورية التي يجب توفرها لكي تتمكن عملية التنمية من تحقيق أهدافها.

على الصعيد الاقتصادي تأثرت تجربة الحكم الفيدرالي سلباً، بأن تطبيقها تم في ظروف اتساع نطاق الحرب الأهلية في جنوب السودان، جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وشرق السودان وأخيراً دارفور. وتصاعد الانفاق العسكري والأمني مما جعله منافساً خطيراً للتنمية، بالإضافة إلى الآثار السالبة العديدة التي تفرزها الحرب وتقلل من فرص التنمية، وتدمر كل الجهود التنموية السابقة.

العامل الثاني هو تبني الدولة لسياسات التحرير الاقتصادي والتي بموجبها تخلت الدولة عن الكثير من وظائفها في دائرة الإنتاج المباشر للسلع والخدمات. ونقل المركز العديد من وظائفه (تعليم الأساس، الصحة، مياه الشرب...الخ) للولايات. لقد تسبب إضعاف دور الدولة التنموي في كل المستويات (الاتحادي، الولائي، المحلي) في حرمان عملية التنمية من جهودها في هذا المجال، دون أن يكون رأس المال المحلي الخاص مؤهلاً للاضطلاع بهذه المهمة.

العامل الثالث يكمن في التوسع الهائل في أجهزة الحكم الفيدرالي هذا التوسع الذي أصبح هدفاً في حد ذاته (عدد الولايات، المحافظات، المحليات) وما ترتب عليه من زيادة ضخمة في الانفاق الجاري على أجهزة الحكم هذه. مما جعله منافساً إلى جانب الانفاق العسكري للانفاق على التنمية والحاق الضرر بها.

الجدول رقم (2)
نسبة الانفاق على التنمية (الانفاق على الفصلين الثالث والرابع)

من الانفاق الكلي في الولايات الشمالية للعام 2003

.
الولاية/الانفاق
.
الفعلي الكلي (مليون دينار)
.
على الفصلين الثالث والرابع (مليون دينار)
.
نسبة الانفاق على التنمية إلى الانفاق الفعلي الكلي(%)
.
الشمالية
.
4771
.
191
.
4
. . . . . . .
الخرطوم
.
61921
.
28728
.
46,3
. . . . . . .
النيل الأزرق
.
3301
.
345
.
10,4
. . . . . . .
كسلا
.
5470
.
852,2
.
15,5
. . . . . . .
نهر النيل
.
7303
.
1237
.
16,9
. . . . . . .
البحر الأحمر
.
6481
.
1161
.
17,9
. . . . . . .
سنار
.
4469
.
411
.
9,1
. . . . . . .
شمال دارفور
.
5830
.
772
.
13,2
. . . . . . .
شمال كردفان
.
6160
.
148
.
2,4
. . . . . . .
جنوب كردفان
.
3152
.
323
.
10,2
. . . . . . .
النيل الأبيض
.
6052
.
382
.
6,3
. . . . . . .
الجزيرة
.
19587
.
1575
.
8,0
. . . . . . .
القضارف
.
7382
.
1202
.
16,2
. . . . . . .
جنوب درافور
.
5905
.
273
.
4,6
. . . . . . .
غرب دارفور
.
2742
.
143
.
5,2
. . . . . . .
غرب كردفان
.
3433
.
218
.
6,3
. . . . . . .
الجملة
.
153959
.
379612
.
24,5
المصدر: هذا الجدول من إعداد الباحث على أساس بيانات تقرير المراجع العام عن: حسابات الولايات عن العام المالي 2003.

وكما توضح بيانات الجدول رقم (2)، فان نسبة الانفاق على الفصلين الثالث والرابع فى الولايات الشمالية بلغ فى المتوسط 24.5 % من إجمالى الصرف الفعلى الكلى فى عام 2003م. أعلى هذه النسب كانت فى ولاية الخرطوم 46.3 % وأدناه فى ولاية شمال كردفان 2.4 % . علماً بان الانفاق على الفصلين الثالث والرابع (التنمية) فى ولاية الخرطوم بمفردها بلغ 75.6% من إجمالى أنفاق كل الولايات الشمالية ، تليها ولايات الجزيزة بنسبة 4.1%، نهر النيل 3.2%، القضارف 3.1%، البحر الأحمر 3.0%، أما ولاية غرب دارفور والشمالية فقد احتلتا ذيل القائمة بنسبة أنفاق على الفصلين الثالث والرابع تبلغ 0.3% و 0.5% من إجمالى أنفاق الولايات الشمالية على الفصلين المذكورين على التوالى. هذه الارقام تشير بوضوح الى أن المنهج التنموى المتبع حالياً فى ظل الحكم الفيدرالى يعمق التفاوت ويتناقض تماماً مع مبدأ التنمية المتوازنة. حيث يأتى ضعف إنفاق الولايات على التنمية كنتاج للمنافسة الحادة الذى يواجه من الانفاق المتزايد على الأجهزة السياسية والادارية وهذا مالاحظه تقرير المراجع العام لسنة 2003م حيث أشار الى التصاعد المستمر فى حجم الفصلين الأول والثانى. حيث أرتفع الصرف على الفصل الأول فى عام 2003م بنسبة 55% مقارنة مع عام 2001م، بينما بلغ نفس المؤشر للفصل الثانى 31%.

التضخم فى أجهزة الحكم الفيدرالى خلق أعباء إضافية فى كافة مستويات الحكم - على المواطنين والانشطة الاقتصادية المختلفة. دون أن يقابل هذه الأعباء فوائد تنموية ملموسة يجنيها المواطنون، مما باعد المسافة بينهم وبين أجهزة الحكم ومؤسساتة. اذ أصبحت هذه الأجهزة مشغولة بكيفية حشد الموارد وتعبئتها لا لتوظيفها فى التنمية وتلبية إحتياجات المواطنين والمناطق انما لمقابلة صرفها الجاري. هذا المنهج لا يصرف أجهزة الحكم الفيدرالى عن الاضطلاع بدورها التنموى فحسب انما يضع ايضاً جملة من العراقيل أمام الجهود الاستثمارية للافراد والجماعات. هذا العراقيل تتلخص فى أضعاف القدرة الذاتية للمستثمرين على تمويل أسستثماراتهم من جهة وارتفاع تكاليف الاستثمار من الجهة الاخرى. تجاوز هذه العقبة يعتبر شرطاً ضرورياً لتحويل أجهزة الحكم الفيدرالى من أجهزة بيروقراطية طفيلية الى أجهزة تنموية منتجة. وهذا يحدث كما يرى عطا البطحانى بإعادة توطين مفهوم الدولة كتعبير وأداة فى يد المواطن وعملياً تحت إدارتة وتصرفة على مستوى الحكم المحلى والولائى. وهذا يتحقق عندما تتم عملية دمقراطة هذه الأجهزة وتقليصها وخفض الانفاق الجاري عليها لتحرير المزيد من الموارد وتوجيهها نحو التنمية لتلبية احتياجات المواطنين والمناطق.

إضطلاع الدولة فى مستويات الحكم المختلفة (الاتحادية والولائية المحلية) بدور تنموى فعال فى سبيل تسريع وتائر التنمية بشكل عام وإحداث تنمية متوازنه. هذا الدور تفرضه ضرورات من بينها ضعف قدرات القطاع الخاص الوطنى. هذا الى جانب أن القطاع الخاص الوطنى والأجنبى لا يتجهان للاستثمار فى مناطق لا توجد فيها محفزات لهذا الاستثمار. و لعل تجربة تنمية الصناعة التحويلية خلال سنوات الاستقلال تقدم دليلاً على ذلك.

الجدول رقم (3)

التوزيع الجغرافى للمنشآت الصناعية التى توظف عشرة عمال فأكثر

. . . . .
الولاية
.
عدد المنشآت
.
عدد المنشآت فى الولاية الى اجمالى عدد المنشآت فى كل الولايات (%)
.
الشمالية
.
4
.
0.2
. . . . .
نهر النيل
.
15
.
0.9
. . . . .
البحر الاحمر
.
41
.
2.4
. . . . .
كسلا
.
39
.
1.3
. . . . .
القضارف
.
9
.
0.5
. . . . .
الخرطوم
.
1062
.
64.2
. . . . .
الجزيرة
.
128
.
7.7
. . . . .
سنار
.
23
.
1.9
. . . . .
النيل الابيض
.
42
.
2.5
. . . . .
النيل الازرق
.
6
.
0.3
. . . . .
شمال كردفان
.
89
.
5.3
. . . . .
غرب كردفان
.
44
.
2.6
. . . . .
جنوب كردفان
.
17
.
1.0
. . . . .
شمال دارفور
.
23
.
1.3
. . . . .
غرب دارفور
.
7
.
1.4
. . . . .
جنوب دارفور
.
11
.
0.6
. . . . .
أعالى النيل
.
-
.
-
. . . . .
الاستوائية
.
2
.
0.1
المصدر: وزارة الصناعة، المسح الصناعى. الخرطوم 2003

بيانات الجدول رقم (3) تشير إلى مدى عمق التفاوت بين ولايات السودان فى مجال الصناعة التحويلية. حيث يتركز النشاط الصناعى بصفة أساسية فى ولاية الخرطوم (64.2%)، ولاية الجزيرة (7.7%) فولاية جنوب دارفور (5.5%) وتقبع ولايات أعالى النيل (لا توجد معلومات)، الاستوائية، الشمالية، النيل الازرق، غرب دارفور، بحر الغزال، نهر النيل على التوالى (من اسفل إلى أعلى) فى ذيل القائمة من وجهة نظر عدد المنشآت الصناعية التى توظف عشرة عمال فأكثر.هذه الولايات تعتبر الأقل حظاً من غيرها فى التنمية الصناعية. هذا على الرغم من أن قوانين تشجيع الإستثمار المتعاقبة فوضت عدداً من الصلاحيات للأقاليم ومن ثم للولايات وجعلت من الاستثمار فى المناطق الأقل نمواً من بين المبررات التى يمنح المشروع على أساسها مزابا تفضيلية. فقد أشار قانون تشجيع الاستثمار لسنة 1980 فى المادة 15 إلى أنه ((يجوز للوزير وفقاً لاحكام المادة 8 أن يمنح تسهيلات تفضيلية للمشروع الذى يقام فى مناطق معينه فى السودان يقررها الوزير توخيا لتحقيق عدالة توزيع فرص التنمية بين المناطق المختلفة و لمراعاة أقاليم السودان الأقل نمواً من غيرها)). وأصبح هذا النص أكثر وضوحاً فى قوانين تشجيع الاستثمار لسنة 1990 ولسنة 1999. حيث أشار الأول فى مادتة 10-1 إلى توجية الإستثمار إلى المناطق الأقل نمواً فى مقدمة المبررات التى تجعل المشروع يستفيد من المزايا التفضيلية. وهذا ماتنص عليه المادة 16-1 فى القانون الثانى.

إن ضعف تدفق الاستثمار (الكبير) Large Scale نحو الصناعة التحويلية فى الولايات وخاصة الأقل نمواً ناتج من عدم توفر المقومات والحوافز التى تجذب الاستثمار الخاص والأجنبى. إذ أن التوزيع القطاعى والجغرافى لاستثمارات الأخير يعطى ذات النتائج المستخلصة من الجدول رقم (3). هذا على الرغم من الزيادة الواضحة فى عدد مشروعات الاستثمار الاجنبى والأجنبية المشتركة خلال الفترة 2000-2005 كما توضح ذلك بيانات الجدول التالى:

الجدول رقم (4)

عدد الاستثمار الأجنبية و الأجنبية المشتركة المصدقة خلال الفترة 2000-2005

القطاع/ السنة
.
2000
.
2001
.
2002
.
2003
.
2004
.
2005
. . . . . . . . . . . . .
الصناعى
.
33
.
84
.
95
.
91
.
114
.
132
. . . . . . . . . . . . .
الخدمى
.
46
.
53
.
47
.
74
.
86
.
198
. . . . . . . . . . . . .
الزراعى
.
5
.
4
.
10
.
8
.
7
.
8
. . . . . . . . . . . . .
الاجمالى
.
84
.
105
.
152
.
173
.
207
.
338
المصدر: وزارة الاستثمار

لقد تم التصديق خلال الفترة من 2000 إلى 2005 على قيام 1059 مشروعاً أجنبياً وأجنبياً مشتركاً منها 513 (48.4%) فى القطاع الصناعى و 504 مشروعاً (47.6%) فى القطاع الخدمى و42 (4%) فى القطاع الزراعى.

يوضح التوزيع القطاعى من وجهة نظر حجم رأس المال أن إجمالى رأس المال المستثمر فى القطاعات الثلاثة خلال الفترة 2000-2005 ، قد بلغ 6885 مليون دولار.

الجدول رقم (5)

التوزيع القطاعى لروؤس الآموال الآجنبية والآجنبية المشتركة خلال الفترة 2000-2005 (مليون دولار)*

القطاع/السنه
.
2000
.
2001
.
2002
.
2003
.
2004
.
2005
.
الاجمالى
.
النسبه(%)
. . . . . . . . . . . . . . . . .
الصناعى
.
229
.
426
.
566
.
351
.
351
.
973
.
2740
.
40
. . . . . . . . . . . . . . . . .
الخدمى
.
73
.
281
.
344
.
275
.
604
.
2216
.
3899
.
56
. . . . . . . . . . . . . . . . .
الزراعى
.
10
.
3
.
57
.
156
.
4
.
16
.
246
.
4
. . . . . . . . . . . . . . . . .
الاجمالى
.
312
.
710
.
967
.
782
.
909
.
3205
.
6885
.
100
. . . . . . . . . . . . . . . . .
النسبة (%)
.
5
.
10
.
14
.
11
.
13
.
47
.
.
. . . . . . . . . . . . . . . . .
* المعلومات الواردة مأخوذه من واقع دراسات الجدوى المقدمة
المصدر: وزارة الاستثمار

يلاحظ من واقع هذه البيانات أن القطاع الخدمي قد استاثر على 56% من روؤس الأموال الأجنبية المشتركة يلية القطاع الصناعى بنسبة 40% بينما لم يحصل القطاع الزراعى إلا على 4% فقط من هذه الاستثمارات.

و يؤكد التوزيع الجغرافى للاستثمار الأجنبى المباشر أن هذا النوع من الاستثمار لا يفضل الولايات وعلى نحو خاص الولايات الأقل نمواً.

الجدول رقم (6)
التوزيع الجغرافى للاستثمار الأجنبى المباشر خلال الفترة 1990- 1999

الولاية
.
عدد المشروعات المرخصة
.
عدد المشروعات المنفذة
. . . . .
الخرطوم
.
94
.
24
. . . . .
البحر الأحمر
.
33
.
8
. . . . .
كسلا
.
1
.
1
. . . . .
الجزيرة
.
2
.
2
. . . . .
الولايات الجنوبية
.
6
.
3
. . . . .
النيل الأزرق
.
7
.
5
. . . . .
القضارف
.
1
.
1
. . . . .
الشمالية/نهر النيل
.
5
.
1
. . . . .
النيل الابيض
.
4
.
4
. . . . .
كردفان
.
2
.
2
. . . . .
الجملة
.
155
.
51
المصدر: على عبدالله على.دور رأس المال والاستثمارات الأجنبية فى التنمية الاقتصادية.فى كتاب الاقتصاد السودانى فى فترة ما بعد الحرب:اقتصاد السوق والتنمية البديلة،تحرير عطا البطحانى، الخرطوم 2006، ص171.

تشير بيانات الجدول رقم (6) إلى أن معظم مشروعات الاستثمار الاجنبى التى تم التصديق على قيامها فى الفترة التي يغطيها الجدول فى ولاية الخرطوم (60.6%) تليها ولاية البحر الأحمر (21.2%). والملاحظة الأخرى هى ضعف نسبة تنفيذ هذه المشروعات (32.9%).

تركيز الاستثمار الأجنبى على ولاية الخرطوم، وضعف تدفقه فى اتجاه القطاع الزراعى يجعلنا نخلص إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكن الاعتماد على رأس المال الأجنبي في إحداث تنمية يعتد بها فى الولايات وخاصة المناطق الأقل نمواً. وفى اعتقادنا أن تدفق الاستثمار الكبير سواء كان وطنياً أو أجنبياً خاصه فى اتجاه المناطق الأقل نمواً تعترضه الكثير من العقبات التى لن تفلح المزايا التى تمنحها قوانين تشجيع الاستثمار وحدها فى تذليلها.

 
4 - التنمية والاستثمار فى ظل اتفاقية السلام الشامل:

خلقت اتفاقية السلام التى وقعت بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان فى يناير 2005 واقعاً سياسياً جديداً. إذ أوقفت الحرب ومهدت الطريق للتحول الديمقراطى، ووفرت فرصاً إضافية لإستغلال مناخ السلام والإستقرار وتحقيق التحول الديمقراطي لدفع مسيرة التنمية في كل أقاليم السودان ومناطقه، وتجاوز حالة التهميش من خلال التنمية المتوازنة لينال كل مواطن وأقليم حقه في التنمية. إلاّ أن هذه العملية يمكن أن تواجه عقبات من جراء إعتماد مبدأ الجهوية في قسمة الثروة الذي يناقض مبدأ قومية الموارد، والأخير هو الضامن لإمكانية أن تنال كل الأقاليم حقها في التنمية. كما أن التمسك بالغاء الدور التنموى للدولة فى كل مستوياتها، كما تقرر ذلك سياسات التحرير الاقتصادى يحرم البلاد وبخاصة الأقاليم الأقل نمواً من الجهد التنموى للدولة. ويعتمد بشكل أكبر على جهود القطاع الخاص المحلى والأجنبى فى ظروف ضعف الأول ومعاناته من المنافسة غير المتكافئة مع الثانى وافتقار معظم أقاليم البلاد للبيئة الاستثمارية الجاذبة للمستثمر الخاص. كما أن الجهد التنموى المطلوب لتحقيق أهداف الألفية MDGs بحلول العام 2015، يتطلب مشاركة كل الجهود المجتمعية، التي يعتبر جهد الدولة من بينها أمراً فى غاية الأهمية لتحقيق تلك الأهداف والأضطلاع بمهام التنمية الأخرى. فمن بين أهداف الألفية المطلوب تحقيقها بحلول العام 2015 خفض نسبة الفقر إلى النصف لتصبح ما بين 25-45% في شمال السودان و45% فى جنوبه. وتعميم تعليم الأساس فى شطرى الوطن وذلك بتأمين فرصة تعليم الأساس لكل طفل فى سن الدراسة يتســاوى في ذلك الذكور والإنــاث و تخفيض وفيات الأطفال دون سن الخامسة من 104 إلى 35 من كل ألف طفل فى الشمال ومن 250 إلى 83 فى الجنوب وكذلك وفيات الامهات من 509 من كل مائة الف ولادة حية إلى 127 فى الشمال ومن 1700 إلى 425 فى الجنوب. كما تشمل هذه الآهداف مجالات البيئة ومكافحة الأيدز والملاريا وغيرها من الأهداف، التي يتطلب تحقيقها إستثمارات ضخمة في مجالات الصحة والتعليم و توفير مياه الشرب إلى جانب الاستثمارات الأخرى في مجالات البنيات الأساسية و مجالات توفير الغذاء. إضافة إلى مواجهة مهام إعادة الإعمار وما خربته الحرب في الجنوب والمناطق الأخرى التي امتدت إليها.

نصت إتفاقية السلام في سعيها لمواجهة قضايا التنمية في فترة مابعد الحرب على قيام بعض الصناديق التي تضطلع بمهمة إستقطاب الموارد المالية وحشدها لمواجهة متطلبات تمويل التنمية في مراحلها المختلفة - الفترة الإنتقالية وما بعد الفترة الإنتقالية - . فقد نصت على قيام صندوقين لمجموعة المانحين لتمويل الإحتياجات العاجلة وانشطة إعادة الإعمار والتنمية في الفترة الإنتقالية على المستوى القومي وعلى مستوى حكومة جنوب السودان. وكذلك قيام الصندوق القومي لإعادة الأعمار والتنمية وصندوق إعادة الإعمار وتنمية الجنوب. وعلى الرغم من أن إختصاصات هذه الصناديق تلامس القضايا التنموية التي تتطلبها فترة مابعد الحرب في مجالات الزراعة بشقيها النباتى والحيواني، الخدمات الصحية والتعليمية وتوفير مياه الشرب وإعادة التوطين والتأهيل للمواطنين العائدين من اللجوء والنزوح، وإقامة البنيات الأساسية وتنفيذ المشاريع الصغيرة المدرة للدخل، والتخفيف من حدة الفقر والعوز وتشجيع نشاط البنوك المتخصصه ووسائط التمويل الأخرى. إلا أن هذه الصناديق على اهميتها تعتمد فى قسم كبير من نشاطها على التمويل الخارجى والمانحين الامر الذى قد تنجم عنه أثار سلبية عديدة. "ويلوح هذه الأمر حليا في الأولويات المطروحة في وثيقة J A M التى قدمتها حكومة السودان لمجموعة المانحين فى اوسلو، وماقد يحدث من تغيرات فى ترتيب الاولويات بناءً على مدى ألتزام المانحين بتمويل المشاريع المقدمة لهم فى المدى الزمنى المحدد. وهذا الاحتمال وارد ما دامت اولويات المجالات المقدمة تختلف بين الجنوب والشمال وحتى بين المناطق المهمشه المستهدفة، وميول المانحين نحو تمويل مشاريع بعينها". كما أن عدم وجود التزام قاطع من جانب ممولي هذه الصناديق والقائمين عليها، يضعف من فرصة نجاحها وتحقيق المهام التنموية الموكله اليها.

يستدعى ضمان مضى مسيرة التنمية فى الوجهه الصحيحة إعادة النظر فى دور الدولة الاقتصادي الذي تفرضه سياسات التحرير الاقتصادى. وذلك بتبنى إستراتيجية وطنية للتنمية، يتم تنفيذها على مراحل، تلتزم فيها الدولة فى المستويات الثلاثة ( الاتحادي، الولائي، المحلى) بالقيام بجهد تنموي مباشر وغير مباشر، يؤكد على بناء القدرات المؤسسية والفردية ويهيئ البيئة الاستثمارية، ويضطلع بالاستثمار فى مجالات البنية الأساسية الإنتاجية والاجتماعية وتنفيذ الاستثمارات المستقلة حيثما كان ذلك ضرورياً ويلبى إحتياجات تطور الاقتصاد الوطنى فى كل مراحل إستراتيجية التنمية الوطنية.

إن الدور التنموي للدولة تفرضه ضرورة فض التناقض بين احتياجات التنمية الملحة لأقاليم السودان المختلفة وعلى نحو خاص الأقل نمواً من جهة وعدم جاهزية القطاع الخاص الوطني والأجنبي واستعدادهما لتحمل مسؤولية تنمية تلك الأقاليم من الجهة الأخرى. تنشيط دور الدولة في كل مستوياتها والمشاركة بفاعلية في كل حلقات الاقتصاد، ليس القصد من ورائه اقصاء القطاع الخاص ونفي دوره في التنمية إنما موجه في أحد جوانبه وفي مجرى عملية التنمية ومراكمة قدراتها الى بناء قطاع خاص من القاعدة في كل اقاليم السودان وكذلك توسيع السوق الوطنية وربط أطرافها مع بعضها البعض في عملية غايتها النهائية توحيد هذه السوق.

تتجه الدولة نحو صغار المزارعين ومتوسطيهم الذين يشكلون القاعدة الاساسية للقطاع الخاص في الريف. وتمكينهم من امتلاك الاصول بما في ذلك الأرض، الادوات الزراعية، البذور المحسنة وكذلك تشجيعهم على تربية الحيوانات وانتاج الغذاء وربط تمويلهم وتحفيزهم بالانتاج للسوق. هذه العملية تؤدي الى توسيع قاعدة الملكية. والى توسيع القاعدة الانتاجية وانتاجية الفرد في الريف. كل ذلك لابد وأن يتزامن مع الجهود التنموية الأخرى في مجال البنية التحتية الانتاجية والاجتماعية وبناء القدرات المؤسسية وقدرات الافراد الانتاجية والتسويقية، وتطوير القوانين والنظم، خاصة تجاه الأرض والبيئة بالقدر الذي يؤمن المساحة المطلوبة لتطور القوى المنتجة في هذه الأقاليم. يشير تقرير الـ JAM الى أن الصعوبات التي تعوق القطاع التقليدي و تحول دون نموه وازدهاره تتمثل في ضعف السياسة تجاه الأرض، وارتفاع تكاليف تسويق المنتجات الزراعية، واستمرار احتكار تصدير الصمغ العربي، وضعف وصول الخدمات العامة كخدمات البنية التحتية والبحوث، والحصول على القروض الموسمية واخيراً ضعف القوانين والنظم البيئية.

يمتد نشاط الدولة التنموي في دائرة الانتاج المباشر في القطاع الزراعي ليشمل ايضاً اقامة مراكز لتقديم الخدمات الزراعية، مثل مراكز الآليات والمعدات الزراعية والبحوث والمزارع التجريبية والارشاد الزراعي وكذلك مراكز الخدمات البيطرية لتقديم خدماتها باسعار مشجعة لصغار ومتوسطي المزارعين والرعاة.

تحقيق تنمية صناعية في اقاليم البلاد ومناطقها المختلفة يتطلب من الدولة أن تولي الصناعات المنزلية والصغيرة والمتوسطة اهتمامها ورعايتها، خاصة التي تتكامل مع النشاط الزراعي والحيواني. اذ أن التصنيع الريفي يتمتع بكثير من المزايا مقارنة مع التصنيع الحضري كبير الحجم. فهو ينشر فرص العمالة والدخل على نحو اكثر اتساعاً لأنه يعتبر ذو كثافة عمالية اكثر، ويخلق فرص استخدام اكثر عند أي مستوى للاستثمار ونتيجة لذلك فأنه الأكثر فاعلية في محاربة الفقر. و يستدعي توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي بصورة عامة تشجيع القطاع غير الزراعي في الريف. حيث يضم هذا القطاع الى جانب الصناعة التحويلية انشطة التعدين، البناء، النقل، التجارة وانواع مختلفة من الخدمات. هذه الأنشطة تلعب الأدوار الأتية في اقتصاد البلدان الأفريقية: -

  1. تخلق على نحو منتظم فرصاً اضافية للعمالة والدخل لمقابلة الزيادة في السكان.

  2. توفر فرصاً للعمل الموسمي والجزئي للعمال والمزارعين في فترات ما بعد الحصاد وتوقف النشاط الزراعي. وبالتالي فهي وسيلة لتخفيف حدة البطالة الموسمية.

  3. تزيد من دخل المنتج الحدي من خلال (1) و(2) ومن ثم تسهم في مكافحة الفقر وتحقيق العدالة.

  4. تخلق الروابط الخلفية والأمامية التي تعتبر اساساً لدورة النمو الديناميكي.

 

تزامن توسع قاعدة النشاط الزراعي وغيره على قاعدة تشجيع صغار المنتجين ومتوسطيهم من مزارعين ورعاة وحرفيين مع الجهود التنموية الأخرى في مجال الصحة والتعليم ومياه الشرب والبنيات الاساسية سيلعب دوراً مهماً في تلبية احتياجات الطلب التي ستولدها عملية التنمية في هذه المجالات ويعطي دورة راس المال المنتج دفعات تؤمن إعادة إنتاجه على نحو متسع ومتزايد.

إن نجاح هذا الجهد التنموي رهين بوجود مؤسسات تمويلية (بنوك متخصصة) تابعة للدولة أو للقطاع المختلط أو التعاوني لتيسير أمر حصول صغار المنتجين للتمويل منخفض التكلفة . و يستدعي تدبير الأموال اللازمة لتمويل الجهد الاستثماري للدولة ولصغار المنتجين ومتوسطيهم في مجالات الانتاج الزراعي وغير الزراعي أن تعيد الدولة في كل مستوياتها (اتحادي ، ولائي، محلي) النظر في ترتيب اولوياتها وتخصيص مواردها من خلال تقليص الانفاق على الأجهزة السياسية والأدارية، وكذلك خفض الانفاق العسكري لتحرير المزيد من الموارد للتنمية.

اعادة النظر في السياسة الأستثمارية التي تتبعها الدولة لا بالغاء الامتيازات الممنوحة للمستثمرين في الشمال بغرض زيادة ايراداتها أنما المطلوب هو اعادة توزيع ونشر هذه الامتيازات جغرافياً وقطاعياً وربطها، لتحقيق اهداف محددة يتم قياسها وتقييمها في فترات محددة للوقوف على مدى جدوى هذه الامتيازات في تحقيق اهداف التنمية في كل مرحلة من مراحل تنفيذ استراتيجية التنمية الوطنية وفي هذا الشأن فان سياسات الاستثمار يجب أن توجه ايضاً لتشجيع قيام المشاريع ذات الصبغة القومية التي تؤدي الي ربط وتكامل اقاليم البلاد وتعميق تقسيم العمل بينها وداخلها. وكذلك لتحسين بنية راس المال في اتجاه زيادة الثقل النسبي للجزء النشط من رأس المال الأساسي.

 

الخاتمة :-

التحدى الكبير الذي يواجه السودان هو تحدي التنمية، باعتبارها المدخل لعلاج كافة المشاكل التي تعرقل تقدمه. والتنمية تتطلب فهماً عميقاً يسبر غورها باعتبارها الوسيلة الوحيدة لانتشال الوطن من وهدة التخلف والحفاظ على كيانه موحداً. وهي جهد مجتمعي واعي ومقصود، تحدد الاستراتيجية الوطنية ابعاده وغاياته والآليات والوسائل اللأزمة لترجمة هذا الجهد الى واقع ملموس يجني ثماره كل فرد من أفراد المجتمع. وهي عملية ديمقراطية المحتوى، تضمن المشاركة الواسعة لقاعدة المجتمع لا في تقديم التضحيات وتحمل الاعباء فحسب إنما في اتخاذ القرار وجني الثمار التي تعود بها هذه العملية في اتجاه تحقيق العدالة الاجتماعية. الحكم الفيدرالي بعد اشاعة الديمقراطية في كافة مستوياته ومفاصله يصبح أداة فعالة لتحقيق اهداف التنمية فهو يؤطر المشاركة الواسعة لقاعدة المجتمع في تدبير شأنها السياسي والاجتماعي. ويحشد الموارد ويوظفها توظيفاً منتجاً ليؤمن النمو المنتظم والمستدام للاقتصاد الوطني والتحسين المضطرد في نوعية حياة المواطنين.

وضعت اتفاقية السلام الشامل مقدمات لامكانية حدوث هذه التحولات في طبيعة الحكم الفيدرالي. وتتيح الفرص لتحقيق التنمية المتوازنة وحصول كل مواطن واقليم لحقه في التنمية. إن تحقيق هذه الغاية وغايات التنمية الاخرى رهين باكمال عملية التحول الديمقراطي واقرار وتبني استراتيجية وطنية للتنمية تلتزم الدولة بموجبها بدور تنموي فعال يضطلع بمهمة تهيئة البيئة الاستثمارية وتشجيع رأس المال الوطني الخاص المنتج وعلى نحو خاص صغار المنتجين ومتوسطيهم في الولايات والاقاليم التى لم تنل حظاً من التنمية. الى جانب اضطلاعها وفي كل مستوياتها (اتحادي، ولائي، محلي) بدور استثماري مباشر يلبي احتياجات تطور الاقتصاد الوطني ويساعد على تكامل وترابط اقاليم البلاد المختلفة وتمتين وحدة الوطن.

 

المصادر
على خليفه الكوارى. نحو فهم أفضل للتنمية باعتبارها عملية حضارية.فى كتاب التنمية العربية. مركز دراسات الوحدة العربية سلسلة كتب المستقبل العربى(6) بيروت ط2 1985 ص70.
(1)
اسماعيل صبرى عبدالله . نظرات فى تجربة تخطيط التنمية فى الوطن العربى والعالم الثالث . فى كتاب التنمية العربية (سبق ذكره) ص 206.
(2)
رمزى زكى.ظاهرة التدويل فى الاقتصاد العالمى وآثارها على البلدان النامية.المعهد العربى . للتخطيط .الكويت 1993 ص ص 107،109.
(3)
يوسف صايغ . التنمية العربية والمثلث الحرج. فى كتاب التنمية العربية. سبق ذكره.ص ص 108،109.
(4)
نفس المصدر ص109.
(5)
شريف الدشونى . قضايا التنمية المستدامة .دار عزه للنشر والتوزيع، الخرطوم 2005 ص 40.
(6)
يوسف صايغ . مرجع سبق ذكره ص 110.
(7)
حسن أحمد عبد العاطى . مؤشرات حول التنمية البشرية فى السودان مع التركيز على مشكلة الفقر. فى مجلة محاور. مركز محمد عمر بشير. جامعة ام درمان الاهلية العدد الرابع/ الخامس ديسمبر 2000 ص40.
(8)
شيخ الدين يوسف من الله . الحكم المحلى خلال قرن . شركة مطابع السودان للعملة المحدودة . الخرطوم ط5, 2003 ص ص37،38.
(9)
آدم الزين محمد. نحو تجاوز حالة الاحتراب فى دارفور : المدخل التنموى فى كتاب      التنمية مفتاح السلام فى دارفور . مؤسسة فريدريش إبيرت ، مركز دراسات السلام والتنمية. جامعة جوبا ديسمبر 2003 ص 29.
(10)
الشفيع محمد المكى. الفدرالية والديمقراطية . فى كتاب دراسات فى تجربة السودان الفدرالية. تحرير عوض السيد الكرسنى . مطبعة جامعة الخرطوم ط1 2000 ص ص 47،48.
(11)
ديوان المراجع العام . تقرير المراجع العام عن حسابات الولايات عن العام المالى 2003.ص ص 17-19.
(12)
عطا البطحانى. السياسات الاقتصادية البديلة فى فترة مابعد الحرب. فى كتاب الاقتصاد السوداني في فترة ما بعد الحرب: اقتصاد السوق والتنمية البديلة. الخرطوم 2006 ص 239.
(13)
وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي. الأمانة العامة للاستثمار. قانون تشجيع الاستثمار لسنة 1980 ص ص 6،7.
(14)
الهيئة العامة للاستثمار. قانون تشجيع الاسثمار لسنة 1990.
(15)
وزارة الصناعة والاستثمار. قانون تشجيع الاسثمار لسنة 1999 ص 7 .
(16)
JAM Report 2005 P.20
(17)
عمر عبد السلام. اشكاليات التنمية لما بعد الحرب ومهام البناء الاقتصادي. في كتاب الاقتصاد السوداني في فترة ما بعد الحرب (مرجع سبق ذكره) ص 81.
(18)
إبراهيم عبد المنعم صباحي. الأبعاد الاقتصادية للتنمية الاجتماعية في مرحلة ما بعد الحرب. في كتاب الاقتصاد السوداني في فترة ما بعد الحرب (مرجع سبق ذكره) ص 194.
(19)
JAM. Report 2005 P.17
(20)
M.S.D Bagachwa and Frances Stawart .Rural Industries and Rural Linkage in Sub Saharan Africa. In Alternative Development Strategies in Sub Saharan Africa. The Macmillan press. London. 1992.p. 145.
(21)
Ibid. P. 149.
(22)

(*) استاذ الاقتصاد بجامعة امدرمان الاهلية