محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي
يعتبر الاستاذ محمد الفاتح عبد الوهاب محمد علي العتيبي واحداً من الخبراء و المتخصصين القلائل في مجال التعاون و التنمية الريفية في السودان. عمل الاستاذ محمد الفاتح محاضراً متعاوناً في عدد من المؤسسات التعليمية و التدريبية ، منها كلية الزراعة بجامعة الجزيرة و المركز القومي لتدريب التعاونيين بالخرطوم. عمل مستشاراً للاتحاد التعاوني الحرفي بولاية الخرطوم، و مسئولاً اعلامياً لمشروع برنامج المكافحة المتكاملة و كذلك برنامج الارشاد الغابي بمشروع الجزيرة. تعاون الاستاذ محمد الفاتح العتيبي ككاتب عمود مع عدد من الصحف السودانية المتميزة مثل جريدة الايام اليومية ، الراي العام، ، صحيفة ايلاف ، و صحيفة الوسط الاقتصادي. كما و انه عمل مساعداً لرئيس تحرير جريدة الجزيرة الشهيرة بمشروع الجزيرة. جمع الاستاذ محمد الفاتح بين الخبرة العملية و الخبرة في مجال الكتاية الاقتصادية.
مدخل
على الرغم من أن التراث السوداني بعاداته وتقاليده و أعرافه العريقة السمحة يجسد في بقاع السودان المختلفة صورة حية و ناصعة لصور التعاون والعون المتبادل، والمساعدة الذاتية و الاعتماد على النفس، بصورة حققت الكثير من الفوائد والأهداف الاقتصادية والاجتماعية للأفراد والمجتمع، إلا أن التعاون في شكله الحديث (نظام اقتصادي واجتماعي يضم عدداً من الوحدات الاقتصادية المرتبطة يبعضها البعض والقائمة على أساس مبادرات شعبية طوعية وفقاً للأسس الديمقراطية)، فشل إلى حد كبير في تحقيق أهدافه المعلنة. وصاحب ذلك الفشل الكثير من المشاكل المتراكمة منذ العهد الاستعماري وفي ظل الحكومات الوطنية المتعاقبة لنواجه اليوم بأزمة تعاونية مستفحلة تحتاج لتضافر جهود التعاونيين والدولة على السواء لمواجهتها والخروج منها. أهم أسباب هذه الأزمة طمس "الهوية التعاونية"، لقصور وتراجع دور الحكومة في علاقتها بالحركة التعاونية علي مر العهود، ففي العهد المايوي كان واضحاً وجلياً إن اهتمامها بالتعاون لم يكن من أجل نهضة و تطور الحركة التعاونية باعتبارها نظام شعبي، ديمقراطي حر، حيث قامت الحكومة بإلغاء قانون التعاون لعام 1973م الذي تميز بكثير من المزايا والافضليات واستبدلته بقانون 1982المجحف. في رأينا هذا التراجع يمثل نقطة البداية لانهيار الحركة التعاونية السودانية والذي ساهمت فيه حكومة الانتفاضة و حكومة الديمقراطية الثالثة، حتى أنقضت "الإنقاذ" بشراسة على البقية الباقية محاولة اغتيال الحركة التعاونية وإضعاف هويتها مع سبق الإصرار والترصد.
هذه الورقة محاولة في إطار"وأزمة الهوية السودانية" لتسليط الضوء علي الآثار السالبة والمدمرة لتدخل الدولة السافر في أخص وأعمق شئون العمل التعاوني وهويته، بقرارات سياسية متعارضة ومتضاربة مع الرأي الفني والعلمي، مما كان له سود العواقب علي الحركة التعاونية السودانية. وكان هذا التدخل السافر سمة ملازمة لكل الحكومات السودانية علي تفاوت فيما بينها، وكان أشد سفورا وشراسة وضراوة في عهد "الإنقاذ"، في محاولة بائسة ويائسة لاغتيال الحركة التعاونية السودانية معنويا وماديا باستهداف هويتها ومقوماتها ومكتسباتها، وذلك بإضعافها وتفتيتها وبالسطو علي مكتسباتها وتحويل مهامها الي منظماتها الإنقاذية، وتشريد الكفاءات الديوانية والشعبية، وتسليم دفة الأمور إلي غير أهلها من خلال لجان التسيير المعينة في مخالفة واضحة وسافرة لكل الأعراف والمواثيق والأسس والمبادئ التعاونية المعروفة والمعمول بها عالميا. كان من المؤمل أن يكون البنيان التعاوني حلقة هرمية تتمدد عضويته في سلسلة متصلة، تشكل صورة مكتملة للحركة التعاونية السودانية تهدف لتوفير الاحتياجات للقاعدة مثل المعدات التكنولوجية والبذور المحسنة والأسمدة، السلع، الخ ولكن ذلك لم يحدث إلا علي الورق فقط. ولم تستطع القيادة التعاونية الشعبية في قمة هرم البنيان التعاوني من رعاية التعاونيات وبخاصة التعاونيات الإنتاجية الزراعية والحرفية والنسوية، وهذا الإخفاق البين في الأداء يرجع بصورة أساسية لتسلط الحكومة وتوهان "الهوية التعاونية"، إلي جانب ضعف الكفاءات القيادية التعاونية الشعبية، خاصة بعد عام 1990،حيث تربعت جل هذه القيادات علي دفة العمل التعاوني بدون الانتخابات التعاونية والديمقراطية المعروفة، تنفيذا لقرار المجلس العسكري لحكومة الإنقاذ رقم 34 بتكوين (لجان التسيير) حيث لا تزال معظم هذه القيادات في مكانها منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.
إن السلام حاجة الإنسانية اليوم والنظام التعاوني بمبادئه وأسسه يقوم علي السلام ويدعو له، ومدار "الهوية التعاونية" تحقيق السلام بالتركيز في العمل الاقتصادي علي تقديم الخدمة وليس تحقيق الأرباح، كما أن النظام التعاوني يعتمد علي الأسلوب الديمقراطي "لكل عضو صوت واحد مهما كان رأس المال". الإنسان مادة التعاون الأساسية ووسيلته وما لم يتوفر الإنسان الذي يمتلك الدوافع الأصلية لخدمة المجتمع فالمعوقات لابد أن تنشأ. أن للبيئة الاجتماعية والتكوين القبلي والديني أثر كبير في تحديد مستقبل التجربة التعاونية في المكان المعين، فالتعاون حركة وسط الناس غايتها الإنسان وهي تتأثر سلباً وإيجاباً بما يكتنف المجتمع من ظواهر وانقسامات وقيم وصراعات وحروب وأزمات مما يؤثر علي "الهوية التعاونية" و الكيان التعاوني ككل. ولذلك علينا أن لا ننظر للتجربة التعاونية في الشمال أن تكون نفسها في الجنوب أو الشرق أو الغرب بل ننظر لكل منطقة على أنها تجربة ثرية تختلف وتزيد من رصيدنا في التجارب والخبرة. ولذلك ليس من المصلحة تجاهل التعاون بقطاعاته وقياداته وإرثه العميق في المجتمع السوداني ودوره المؤكد في تنميته وتطوره.
ثقافة الاختلاف
تبدو غياب ثقافة الاختلاف (في عمومه) ظاهرة (1) مسيطرة على المشهد الاجتماعي والسياسي المحلي والعربي، وهي ظاهرة تلقي بظلالها الثقيلة على مختلف جوانب الحياة في مجتمعاتنا النامية والمثقلة أصلاً بأعباء اقتصادية هائلة وهموم تنموية كبيرة. من هنا تكمن أهمية مقاربة هذه الظاهرة المؤسِسة دون أدنى شك لاستشراء هذه المعضلات وتفاقمها ففي مجتمعات أحادية القطب محكومة بآليات تفكير مستبدة (حكيمة وكلية المعرفة بالضرورة !!)، سيبدو من الصعوبة بمكان الإشارة إلى مكامن الخلل ومواضع الوهن المُستشرية هنا وهناك، وسيكون للرأي الأخر ولا أقول بصوابه الحتمي بالضرورة موقع الدونية والإهمال إن لم يصل الأمر حد التخوين (سياسياً) والزندقة والتكفير (دينياً) والشذوذ (اجتماعياً) وضعف الوعي والضحالة (علمياً ومعرفياً) والجهل والقصور (ثقافياً). وهي بالمناسبة المصطلحات (التُهم) المعلبة والجاهزة دوماً، لكل من تسول له نفسه بالخروج عن القطيع المُلهَم والتحليق بعيداً عن السرب المُظَفر, ولكل من يجرؤ على تحدي السائد والقول بما يناقض الصحيح واليقيني بحكم شموله وطغيانه، ولكل ذلك انعكاساته الخطيرة علي موضوع الهوية. والمثير للدهشة، والفزع في آنٍ واحد، أن استشراء ثقافة غياب الرأي الآخر وتغييب الاختلاف يكتسب بعداً عامودياً في مجتمعاتنا، ولا يكتفي ببعده الأفقي الظاهر، حيث تولد صفات: الأحادية البطر كية كلية القدرة والمعرفة المُهيمنة على المؤسسات السياسية والدينية والثقافية الحاكمة لمجتمعاتنا نظيراتها على مستوى البني المتعددة داخل المجتمع، تدرجاً حتى الوصول إلى العلاقات الأسرية. والنتيجة مزيداً من حالات الاستلاب لهيمنة الرأي الأوحد والتعود على قبول لا بل والتماهي مع السائد دون أية مقاربات نقدية، والذهاب بعيداً في التعصب والتشبث المرضي والعنيف بما أملك في مواجهة رأي الآخر. فتتولد ظاهرة أخرى غاية في الخطورة تجب التوقف عندها طويلاً وهي غياب آليات الحوار الموضوعي ومفردات النقاش المنفتح، مثل ما يظهر في نقاشات الساسة وسجالات العديد من المفكرين والمثقفين حتى على المنابر الإعلامية (يكفي تذكر بعض البرامج الحوارية التلفزيونية التي تقوم على المواجهات الشرسة لمُتعصبي الفكر ورافضي الآخر). وهو إرهاص خطير لحجم الفقر الذي نعانيه لمفردات الحرية والتعدد، والحاجة الماسة لتبني ثقافة المُشاركة وقبول الآخر، التي لا تعني بأي حال من الأحوال (كما يحلو للبعض أن يصور الأمر) ضعفاً أو ثقةً منقوصة أو علاقة تبعية وارتهان بالآخر. ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل هذه الظاهرة عن المشكلة الأم : الغياب شبه التام لممارسة الحرية بأشكالها المختلفة وتجلياتها العديدة. ولعل أبرز هذه الممارسات وأكثرها التصاقاً بالمفهوم الإنساني والفلسفي للحرية هي حرية الرأي والتعبير عن الذات. فممارسة حرية الرأي ما هو إلا تحقق لفعل الحرية بأشكاله الأرقى إنسانياً، وما هو في حقيقة الأمر إلا تحول فلسفة الحرية إلى فلسفة فعل، ومعنى هذا أن فلسفة الحرية ليست فلسفة ركود بل هي فلسفة فعل وفعل الحرية يبدأ بالتعبير عن الذات وعن القناعات والمعتقدات والتخلص من أي حواجز وعوائق تمنع هذا التعبير دون وجه حق. والأمر الجدير بالملاحظة في مقاربة الغياب القسري لثقافة الاختلاف والحوار، هو الحضور القانوني والدستوري لكل ما يشرع ويحض على نفي هذا الغياب، لا بل على العكس تعزيز حضور حرية الاختلاف بالرأي وحمايتها ؟ وهو الأمر الذي يبدو أنه لم يعد بقادرٍ على إدهاشنا بسبب من الفجوات الكبيرة والمتزايدة بين ما تنص عليه الدساتير في مجتمعاتنا العربية وبين الممارسة الحياتية اليومية.
الوضع الراهن
رغم إننا نعيش قرناً من الحداثة (2) والتمدن والرفاهية وبخصائصه الإيجابية، ‘إلا أننا عندما نحلل هذا القرن وما سيتمخض منه من قضايا تشغل الإنسانية بأجمعها ويصبح كابوساً يخنق أنفاسها يوماً بعد يوم فرؤية هذه الحقائق بجميع جوانبها توصلنا إلى تحليل صحيح ونتيجة إيجابية لمعرفة أنسب الطرق لحل كافة هذه القضايا. إن إحدى مبادئ الديمقراطية العصرية وخصائصها الهامة هي "المواطنة"، فالمواطنة تلغي كل تمييز بين الأجناس والأقوام، فالناس يولدون متساوون في الحقوق الإنسانية والتي تتمثل اليوم في حقوق الأجيال الثلاثة وكذلك هم متساوون أمام القانون وليس من فارق سوى في الأعمال ودرجة الإبداع والمشاركة في تسيير عجلة الحياة. إن الحضارة الأوروبية لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب لتطبيق جميع مبادئ الديمقراطية والمواطنة رغم التقدم الكبير في هذا المجال مقارنة بالدول المتخلفة ، ويرجع ذلك بصورة أساسية الي تفريط الغرب في الجانب الروحي والإفراط في الجانب المادي فتقدمت "رجل المادة" وتخلف "رجل الروح" مما جعل المجتمع الغربي يسير بخطي مختلة رغم التقدم الذي يبدو عليه ، ولذلك من الخطورة بمكان اعتبار النموذج الأوروبي حلا لجميع
مشاكلنا وقضاينا الراهنة. إن المشاكل الراهنة (3) لأي بلد من البلاد هي ، في حقيقتها ، صورة لمشاكل الجنس البشري برمته ، وهي ، في أسها ، مشكلة السلام علي هذا الكوكب الذي نعيش فيه ، ولذلك فقد وجب ان يتجه كل بلد إلي حل مشاكله علي نحو يسير في نفس الاتجاه الذي بمواصلته تحقق الإنسانية الحكومة العالمية ، التي توحد إدارة كوكبنا هذا وتقيم علائق الأمم فيه علي القانون ، بدل الدبلوماسية ، والمعاهدات ، فتحل فيه بذلك النظام والسلام. المسألة الأساسية التي يجب أن يعالجها دستور أي أمة من الأمم هي حل التعارض البادي بين حاجة الفرد وحاجة الجماعة ، فان حاجة الفرد الحقيقية هي الحرية الفردية المطلقة ، وحاجة الجماعة هي العدالة الاجتماعية الشاملة: فالفرد – كل فرد- هو غاية في ذاته ولا يصح أن يتخذ وسيلة لأي غاية سواه ، والجماعة هي أبلغ وسيلة إلي إنجاب الفرد الحر حرية فردية مطلقة ، فوجب أذن أن ننظمها علي أسس من الحرية والاسماح تجعل ذلك ممكنا.
إننا نعتبر الدستور في جملته عبارة عن المثل الأعلى للأمة، موضوعا في صياغة قانونية، تحاول تلك الأمة أن تحققه في واقعها بجهازها الحكومي، بالتطوير الواعي من إمكانياتها الراهنة، علي خطوط عملية يقوم برسمها التشريع والتعليم، وبتنفيذها الإدارة والقضاء والرأي العام. فليس هنالك رجل هو من الكمال بحيث يؤتمن علي حريات الآخرين، فثمن الحرية الفردية المطلقة هو دوام سهر كل فرد علي حراستها واستعداده لتحمل نتائج تصرفه فيها ليحقق الدستور كل الأغراض المرجوة منه، فانا نتخذه من(القرآن) وحده: لا سيما وأن (القرآن) لكونه في آن معا، دستورا للفرد ودستورا للجماعة قد تفرد بالمقدرة الفائقة علي تنسيق حاجة الفرد إلي الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلي العدالة الاجتماعية الشاملة، تنسيقا يطوع الوسيلة لتؤدي الغاية منها أكمل أداء. أي أن المهمة الأساسية للدستور إتاحة الفرصة الكاملة لممارسة الحقوق الأساسية لأي مواطن سوداني. والحقوق الأساسية(4) هي حق الحياة وحق الحرية وما يتفرع عليهما: ويتفرع على حق الحياة الحقوق الاقتصادية ويتفرع على حق الحرية حرية العقيدة وحرية الرأي ويتفرع على هذه الفروع فروع كثيرة غرضها كرامة حياة بني آدم.. ينصص عليها الدستور ويستوعبها القانون. أن حرية الرأي واحترام الاختلاف (5) لا تتحقق إلا بتحقق حريات أُخرى منضوية تحتها، حرية التعبير التي تسمح لكل مواطن أن يعبر بحرية عن أفكاره وبالشكل الذي يراه مناسباً لذلك (مقال، كتاب، فيلم..) وتتضمن بالتالي حرية الصحافة وأيضاً كافة الاتصالات السمعية البصرية. حرية الاجتماع التي تسمح لجماعة ما من الأشخاص بالاجتماع لكي يتبادلوا الآراء أو لكي يدافعوا عن قضية ما. حرية التظاهر التي تسمح لأشخاص مدافعين عن قضية أو رأي بالتعبير عن موقفهم في الأماكن العامة. وبتعزيز هذه المفاهيم عبر تفعيل جدي للقوانين والمواد الدستورية، سنكون قد قطعنا خطوة عملاقة باتجاه تحقيق مفاهيم احترام الاختلاف وقبول الرأي الآخر، بالطبع مع التوازي في عملية هدم آليات التفكير الاستبدادية وأشكال الاستئثار بالرأي في كافة المؤسسات الثقافية منها والاقتصادية وحتى الدينية، ولهذا أثره علي "الهوية" وتماسكها. هناك بعض المثقفين من (6) المواطنين يشعر بالخطر من قيام دستور إسلامي مزيف، وقد جعلهم الخوف من هذا الخطر يدعون الى الدستور العلماني وهذا عندنا خطأ من جهتين: أولاهما أن الدستور العلماني ناقص في حد ذاته، وأنه، بالغ ما بلغ من الكمال، لن يأتي الى كفاية الدستور الإسلامي الصحيح، وثانيهما أن الدعوة الى الدستور العلماني تترك الميدان الإسلامي خاليا من الدعوة الواعية الرشيدة ولن يستجيب شعبنا لدعوة مدنية ويترك الدعوة الدينية، فكأن من يرون هذا الرأي من قطاعات الشعب قد اختارت أن تترك الشعب نهبا للتضليل المنظم وفي هذا خيانة للشعب وهروب من الميدان.الدستور الإسلامي لا يلتمس في الشريعة الإسلامية وإنما يلتمس في القران، على أن يفهم القرآن فهما جديدا، ببعث آياته التي كانت منسوخة في القرن السابع، لتكون هي صاحبة الوقت اليوم، وينسخ آياته التي كانت ناسخة وكانت صاحبة الوقت في القرن السابع، وعليها قامت الشريعة فإنه بغير ذلك لا نصل إلى الحقوق الأساسية، ولا دستور بغير الحقوق الأساسية. ذلك أن آيات الحقوق الأساسية منسوخة بآيات الإكراه وآيات الوصاية.. فإذا انبعثت الآيات المنسوخة فقد ارتفعنا بالإسلام من مستوى العقيدة الى مستوى الإيقان، وفي هذا المستوى الناس لا يتفاضلون بالعقيدة، وإنما يتفاضلون بالعقل والخلق، فلا يسأل الإنسان عن عقيدته وإنما يسأل عن صفاء الفكر وإحسان العمل. ومن هنا لا يقع تمييز ضد مواطن بسبب دينه ولا بسبب عدم دينه.. وهذا الدستور لا يسمى إسلاميا لأنه يسعى لإقامة حكومة دينية وإنما يسعى لإقامة حكومة إنسانية ويستظل بظلها كل البشر بصرف النظر عن ألوانهم، وألسنتهم، ومعتقداتهم، على قدم المساواة في الحقوق والواجبات ولكن مصدره القرآن.. وهو إنما مصدره القرآن لأن القرآن موظف لجلاء الفطرة البشرية من حيث هي بشرية.. جلائها من أدران الأوهام التي غطت عليها وشوهت نقاءها، وبذلك تبرز"الهوية الإنسانية". "هذا، وهناك حق، كثيرا ما أريد به باطل،(7) وهو أن الشعب البدائي يحتاج إلي تربية قبل أن يستحق ممارسة السيادة، وهذا تسويغ للحكم المطلق، ووجه الحق أن الشعوب تحتاج إلي تربية، بيد أن الحكم المطلق لا يربيها تربية الأحرار، وإنما يربيها تربية العبيد، وهو بذلك لا يعدها للديمقراطية، وإنما يعدها للاذعان والانقياد، ونحب أن ننبه إلي الخطر الماحق المترتب علي هذا الاتجاه، ونحب أيضا أن نؤكد أنه ليس هناك طريق لتربية أي شعب تربية حرة إلا بوضعه أمام مشاكله، ومحاولة أعانته علي تفهمها، والتفطن إلي طرائق حلها بنفسه، حتى يطرد تقدمه إلي تحقيق الديمقراطية المباشرة." لذلك فإن حسّ " الهوية " في الإسلام هو حسّ الوجود المتميّز، حسّ العدالة العميق، المتجذّر في النفس البشرية التي تأبى الظلم وتقاومه. إن حسّ العدالة هذا هو جوهر الدين الإسلامي، والقصد الأساسي في الإسلام هو مبدأ العدالة الناتج من قيمة الإنسان نفسه، فالإنسان ليس فردا فقط، فكل فرد يمثل الإنسانية كلها.وهذا ما تقوله الآية الكريمة(مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).
هذا من ناحية الدستور الذي بدون وجوده وفاعليته لايمكن الخروج من أزماتنا الراهنة ومعضلاتنا المستعصية ومنها موضوع هذه الورقة المتعلق بالتعاونيات والسلام والهوية، فالدستور العادل الأساس لوجود هوية سودانية جامعة. وترتبط الهوية القومية لأي شعب (8) بسياسته تجاه الآخرين، فتفرز تبعاً لذلك مفاهيم نسبية مثل "أقلية عرقية"، أصولية الخ، وعلى ما يبدو أن الشعوب عامةً، ومنذ بداية تكوينها "كشعوب" تسعى إلى ترسيخ وتعميق هذه الهوية التي تملكها باعتبارها المميز الأساسي لهذا الشعب أو ذاك عن غيره من الشعوب، حيث تخلق هذه الهوية، أياً كانت طبيعتها، مجموعة من القيم التي تصبغ كل فرد من أفراد هذا الشعب بسمة معنية قد يزداد التمسك بها أو ينقص تبعاً لمستوى انتماء هذا الفرد. ولكن الإشكالية الحقيقية تبدأ في اللحظة التي تتم فيها محاولة خلق هذه الهوية، أو بمعنى آخر محاولة دمج مجموعة من الهويات القادمة من ثقافات متفرقة ومتباعدة وتحويلها إلى هوية واحدة، ففي رحلة البحث عن هذه الهوية الواحدة تحدث عدة إشكاليات تؤدي في النهاية، فيما لو نجحت، إلى خلق كيان قوي معافى ومتماسك، وإذا فشلت فإنها تنتج كائن مسخ، ذي هوية غير واضحة، لأن الهوية تخلق على امتداد زمني يقيم ويُسقِط، يتجدد ويثبت حتى يصل إلى تعريف واضح ومحدد لهويته الثقافية والقومية. أن مسالة الانتماء إلى هوية أخذت أبعادا جديدة دفعت في بعض الأحيان اللجوء للعنف الدامي، كما حدث في يوغسلافيا، كوسوفو، منطقة القوقاز، منطقة البحيرات بأفريقيا وغيرها من مناطق أخرى،وأن هذه النزاعات قد قامت حول "الهوية" وتأكيدها والاستماتة من أجل إبْـقائها أو إبرازها ماثلة ومؤثرة، وتجد قوتها القاتلة على أساس افتراض أن هوية ثقافية ـ مزعومة ـ تتناظر بالضرورة مع هوية سياسية، ولكن مزعومة هي أيضا في الواقع. هذا الحديث يجد سند في الواقع السوداني المتفتت والمتناحر والمتصارع في آن معا وخاصة في ما يتعلق بالصراع المأساوي في دارفور المكلومة، وما ذالك إلا لغياب الدستور الأساسي الذي يحكم السودانيين علي أساس المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، وكان هذا دافعا وباعثا لحرب الهوية في بلادنا والتي أثرت علي كل مناحي الحياة السودانية ومنها التعاونيات، فقعدت عن أداء دورها في التنمية والنماء وبناء السلام.
مسألة الهوية اليوم
اكتسح مفهوم الهوية في بحر بضعة عقود مجمل العلوم الإنسانية (9) فقد فرض هذا المفهوم نفسه حتى غدا بمثابة كلمة سحرية، وذلك في تحليل حقائق جد متنوعة مثل علم نفس الأفراد، وتحولات الأديان، والعلاقات بين النساء والرجال، وموضوعات المهن، والحياة الأسرية، والهجرة، والصراعات العرقية. وطُرح سؤال الهوية في التاريخ العربي الحديث والمعاصر(10)، ولا يزال وسيبقى يُطرح بصيغتين متباينتين يجوز التعبير عنهما مجازيا "بالصوت والصدى "، " أو الفعل ورد ّالفعل " إحدى هاتين الصيغتين كانت محور الخطاب النهضوي العقلاني المتجه إلى المستقبل، والمحفّز على التحرّك، الخطاب الفعّال المساهم في صناعة التاريخ من موقع قوة، والصيغة الثانية كانت ولا تزال محور الفكر المهزوم والانهزامي..فكر يستند إلى التسويغ والتبرير والفرار إلى الماضي والاحتماء بمحطاته المضيئة والتغنّي بأمجاده والدفاع الوهمي عن الذات. وتثار مسألة الهوية اليوم،(11) باعتبارها موضوع اللحظة الحضارية الراهنة، و موضوع القرن الواحد و العشرين بلا منازع، وهكذا يمكن أن
نقرأ ملامح البحث عن الهوية والعودة إليها في العديد من مظاهر التوتر المنتشرة هنا وهناك؛ فالحملات في بلدان أوربا ضد الأجانب واللاجئين الوافدين تتم في مجمل صورها في إطار صراع الهوية. ومن الأمثلة أيضا العدوان الذي تمارسه "إسرائيل" علي الشعب الفلسطيني، وحركة الجمهوريات الإسلامية للتحرر من السيطرة السوفيتية سابقا كانت حركة في اتجاه البحث عن استرداد الهوية الإسلامية التي تم قمعها طويلا. وصمود البوسنة ضد الإبادة الصربية كان صمودا للهوية أيضا ونفس الشيء يقال عن كل الأقليات في التخلص من خطر الذوبان والتلاشي ولازالت معظم الصراعات التي تدور في إفريقيا تستند إلى جذور أثنية عرقية. ولا زال سؤال الهوية الذي لعب دورا حاسما في إنهاء معسكر الاتحاد السوفيتي يمارس الفعل نفسه في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعتمل كثير من الصراعات والأحقاد العرقية والإثنية التي لا تأمن معها الدولة العظمى الانتهاء إلى مصير التفكك نفسه، بصيغة أو بأخرى. ان العديد من الشروط والحيثيات الحضارية والتاريخية تتحكم في سيرورة موضوع الهوية و تحولاته عند المجتمعات البشرية، وهي التي تفسر امتداده، ذلك أنـه قد يكون بالفـعل "بمثابة رد فعل سياسي اختياري من قبل المجموعة البشرية، صغيرة كانت أم كبيرة، حينما تشعر أنها مهددة بالانقراض و التبعية" كما يقول.Anarrdaw.P.Guruge فهذا الشعور بالقلق على الهوية يزداد حدة كلما لامست المجموعة مظاهر الاختـراق الخارجي لأنساقها القيمية ومعايرها المتميزة وهذا هو الذي يبرر لماذا "كانت المطالبة بالهوية في العصر الراهن أكثر حدة قوميا أو محليا، أو حين الهجرة الجماعية، وأيضــا حينما تبتنى قيم وخصائص ثقافية أجنبية من قبل فئة داخل الجماعة نفسها". بهذا المعنى يكون بحث التكتلات البشرية في حالات الأزمة عن هويتها، نوعا من العودة إلى الذات سعيا للانفلات من خطر الانقراض أمام التحديات الخارجية التي قد تهزها بعنف. جميع هذه العوامل، وغيرها تجعل موضوع الهوية بتعبيرC.L.Strauss "ينفتح على العديد من المنعطفات، باعتباره يهم بشكل إجرائي كل الأنساق والأنظمة وكل المجتمعات التي يشتغل عليها الأنتربولوجيون خاصة" ولهذا فإن موضوع الهوية سيكون معضلة القرن الكبرى.
إن الإشكالية المعاصرة لمفهوم الهوية(12) لا تعود في أصلها إلى التراث الميتافيزيقي فبعد عشرين قرناً، تحددت المسألة، وبدأت تقترب بما يشغل العلوم الإنسانية والاجتماعية حالياً، وذلك بفضل الطريقة التي طرح بها الفلاسفة الإمبريقيون،وعلى رأسهم دافيد هيوم وجون لوك"مشكلة الهوية الشخصية" كيف يمكن التفكير في وحدة الأنا في الزمان؟ هل أنا الشخص نفسه الذي كنته قبل عشرين سنة؟ لوك اقترح حل إشكال الهوية الشخصية بفكرة الذاكرة: إذا كنت الشخص ذاته الذي كان قبل عشرين سنة، فلأنني أذكر مختلف المراحل التي مر بها وعيي أو شعوري. إن الإشكال وحله قضيتان عصيبتان، تظلان محصورتين في إطار الفلسفة،وتبقى الهوية الشخصية مسألة تقنية دقيقة من اختصاص الفلاسفة أما بالنسبة للرأي العادي لعموم الناس، فالجواب نعم، فأنا هو نفسه من كان قبل سنتين، فهذا أمر بديهي.
تعريف الهوية
"الهوية" (13) مصطلح جديد في الحياة السياسية والثقافية، ففي العديد من البلدان العربية يطلقون كلمة هوية للبطاقة التعريفية ويمكن تبسيط المعنى بأنهم يقصدون معلومات تميز شخصيتك وهي بهذا الفهم ـ أي الهوية ـ هي منظومة العناصر المكونة لشعب من الشعوب أو مجموعة سكانية وهذه العناصر تتضمن الحضاري والاجتماعي والثقافي، ويمكن إن يكون الشعب المعني محدداً بحيز جغرافي واجتماعي وتربطه قواسم مشتركة." ويؤكد مصطفى المسعودي (14) ان " الهوية " في اللغة العربية مصدر صناعي، يتكون من ضمير الغائب المفرد ' هو ' المعرف ب 'ال' ومن اللاحقة المتمثلة في الياء المشددة إلى جانب ثاء التأنيث. ويذهب معظم الباحثين إلى أن اسم " الهوية " ليس عربيا وإنما كلمة مولدة اشتقها المترجمون القدامى من ال " هو " أي حرف الرباط.. الذي يدل عند العرب على ارتباط المحمول بالموضوع في جوهره، وهو حرف " هو " في قولهم: زيد هو حيوان أو إنسان "، ولينقلوا، بالتالي، بواسطتها، و كما يقول الفارابي، "المعنى الذي تؤديه كلمة ' هست ' بالفارسية وكلمة 'استين' باليونانية، أي فعل الكينونة في اللغات الهندو- أوربية الذي يربط بين الموضوع والمحمول، ثم عدلوا عنها ووضعوا كلمة 'الموجود ' مكان ال ' هو' و 'الوجود' مكان 'الهوية ' ". إن غياب مفهوم الهوية بهذا المعنى الفلسفي تعضده المعاجم العربية القديمة ففي " لسان العرب " مثلا لا نقف على تخريجا للكلمة يؤرخ لامتداده في الذاكرة العربية القديمة. وبالمقابل نجد ذكر المفهوم عند فلاسفة العرب والمسلمين القدامى من أمثال ابن رشد في " تفسير ما بعد الطبيعة " وابن سينا والفارابي، والجرجاني الذي عرفها ب"الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق". وتلتقي تعريفات الفلاسفة المسلمين مع ما نجده عند فلاسفة اليونان القدامى خاصة أرسطو الذي يعرف الهوية باعتبارها: "وحدة الكائن، أو هي وحدة لتعدد الكائنات، أي وحدة الكائن الواحد المنظور إليه باعتباره متعددا؛ إذ حينما نقول – على سبيل المثال – إن الشيء الواحد متطابق في ذاته، إنما ننظر إليه في نفس الآن كما لو كان شيئين". و في نفس المنحنى يذهب كثير من فلاسفة ' الأنوار ' بأوربا حيث نجد عند ' فولتير ' التحديد التالي لمفهوم " الهوية ": "هذا المصطلح العلمي لا يعني سوى الشيء نفسه، ويمكن ترجمته إلى اللغة الفرنسية بمعنى التساوي". ولا يخرج " هيجل " وغيره من فلاسفة الغرب عن هذا الجذر التعريفي المؤسس لمفهوم " الهوية " والذي نقلت المعاجم و الموسوعات الفلسفية المعاصرة صياغته بنفس المعنى؛ حيث دأبت على اعتبار "الهوية" هي " مقولة تعبر عن تساوي و تماثل موضوع أو ظاهرة ما مع ذاته، أو تساوي موضوعات عديدة. في الثلاثينات قام (15) عالم النفس إ. إريكسون صاحب مفهوم الهوية بدور مركزي في انتشار استخدام هذه الكلمة وتوسع شعبيتها في العلوم الإنسانية من خلال عمله في المحميات الهندية لقبائل السيو بداكوتا الجنوبية وفي قبيلة يوروك بكاليفورنيا الشمالية، ودرس "الاجتثاث الثقافي" لهؤلاء الهنود المعرضين لموجة الحداثة. ثم نشر في سنة 1950 كتاب "طفولة ومجتمع"، حاول فيه تجاوز نظرية فرويد بالتأكيد أكثر على دور التفاعلات الاجتماعية في بناء الشخصية. فاعتبر أن الهوية الشخصية تتطور طوال وجودها عبر ثمانية مراحل تقابلها ثمانية أعمار في دورة الحياة، و "أزمة الهوية" (هذا التعبير الذي نقرؤه اليوم في كل مكان،هو من صياغة إريكسون) تتطابق مع تحول يقع في مسيرة تطور الهوية. ويكاد الجميع يتفق على أن إريكسون هو أب كلمة "الهوية" بالمعنى المعاصر. ولم يحتل مفهوم الهوية أهمية حاسمة في معجم علم الاجتماع إلا بواسطة "التفاعلية الرمزية"؛ فهذه المدرسة تبحث بالضبط في الطريقة التي تشكل عبرها التفاعلات الاجتماعية -وبناء على أنساق رمزية مشتركة- وعي الفرد بنفسه، وهذا بحث في صميم إشكالية الهوية. وبالرغم من ذلك لم يستعمل التفاعليون في البداية هذا اللفظ. ولهذا تفسير قريب، ذلك أن الآباء المؤسسين لمنهج المدرسة -شارل كولي وجورج ميد- تكلما عن "الذات" Soi، وهو المصطلح الذي راج بين التفاعليين في الستينات. ثم إن التفاعلية الرمزية انتقلت من استعمال اصطلاح الذات إلى استخدام اصطلاح الهوية بدءاً من سنة 1963، وذلك حين نشر إيرفين جوفمان -أحد رؤوس هذه المدرسة-: "آثار الجراح: ملاحظات على أسلوب التعاطي مع هوية مدمرة" وفي السنة ذاتها شهر بيتر برجر مفهوم الهوية وساهم في انتشار استعماله، بكتابه: "دعوة إلى دراسة علم الاجتماع"، وذلك حين خصّص له حيّزاً هاماً في تقديمه لنظريات الأدوار والجماعة المرجعية، وكذا من خلال المقاربة الظاهراتية التي طورها في كتابه هذا.
إن فهمنا للهوية ينبني (16) على تراثنا الحضاري، فالهوية في ثقافتنا العربية الإسلامية هي الامتياز عن الأغيار من النواحي كافة. ولفظ الهوية يطلق على معان ثلاثة: التشخص، والشخص نفسه، والوجود الخارجي. وجاء في كتاب (الكليات) لأبي البقاء الكفوي، أن ما به الشيء هو باعتبار تحققه يسمى حقيقة وذاتاً، وباعتبار تشخصه يسمى هوية، وإذا أخذ أعم من هذا الاعتبار يسمى ماهية. وجاء في هذا الكتاب أيضاً أن الأمر المتعقل من حيث إنه مقول في جواب (ماهو) يسمى ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الأغيار يسمى هوية. والهوية عند الجرجاني في (التعريفات) الحقيقة المطلقة، المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق. وتستعمل كلمــة (هوية) في الأدبيات المعاصرة لأداء معنى كلمة identityالتي تعبرعن خاصية المطابقة: مطابقة الشيء لنفسه، أو مطابقته لمثيله. وفي المعاجم الحديثة فإنها لا تخرج عن هذا المضمون، فالهوية هي: "حقيقة الشيء، أو الشخص المطلقة، المشتملة على صفاته الجوهرية، والتي تميزه عن غيره، وتسمى أيضا وحدة الذات". ولذلك فإذا اعتمدنا المفهوم اللغوي لكلمة (هوية)، أو استندنا إلى المفهوم الفلسفي الحديث، فإن المعنى العام للكلمة لا يتغير، وهو يشمل الامتياز عن الغير، والمطابقة للنفس، أي خصوصية الذات، وما يتميز به الفرد أو المجتمع عن الأغيار من خصائص ومميزات، ومن قيم ومقومات. أن
الهوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم، هي القدر الثابت، والجوهري، والمشترك من السمات والقسمات العامة، التي تميز حضارة هذه الأمة عن غيرها من الحضارات، والتي تجعل للشخصية الوطنية أو القومية، طابعاً تتميز به عن الشخصيات الوطنية والقومية الأخرى. وتُعرف الهوية أيضا بمعنى " التفرّد " (17)، فالهوية الثقافية تعني التفرّد الثقافي بكل ما يتضمنه معنى الثقافة من عادات وأنماط سلوك وميل وقيم ونظرة إلى الكون والحياة. ويفسرها تركي الحمد في كتابه : "الثقافة العربية في عصر العولمة " ((الهوية طالما أنها مركب من عناصر فهي بالضرورة متغيرة في الوقت ذاته تتميز فيه بثبات معيّن، مثل الشخص الواحد يُولد ويشبّ ويشيخ وتتغيّر ملامحه وتصرّفاته وأحيانا ذوقه، لكنه يبقى في الخير هو نفس الشخص وليس شخصا آخر.)) د. أحمد بن نعمان يذهب في تعريفه للهوية يقول : ((إن مفهوم " الهوية " من ناحية الدلالة اللغوية هي كلمة مركبة من ضمير الغائب " هو " مضاف إليه ياء النسبة، لتدلَّ الكلمة على ماهية الشخص أو " الشيء " المعني كما هو في الواقع بخصائصه ومميزاته التي يُعرفُ بها. والهوية ـ الكلام لابن نعمان ـ بهذا المعنى هي اسم الكيان أو الوجود على حاله، أي وجود الشخص أو الشعب أو الأمة كما هي بناء على مقومات ومواصفات وخصائص معينة تمكن من معرفة صاحب الهوية بعينه، دون اشتباه مع أمثاله من الأشباه.)). وفي كتابه "تلخيص ما بعد الطبيعة" (18) يقول الفيلسوف الكبير ابن رشد "إن الهوية تقال بالترادف للمعني الذي يطلق علي اسم الموجود وهي مشتقة من "ال هو" كما تشتق الإنسانية من الإنسان"، وهو بهذا يعود بنا إلي مفهوم الهوية أو الذاتية في منطق أرسطو باعتبارها تماثل الشيء في ذاته. فألف هي ألف وليست لا ألف، ولذا نري في "التعريفات" للجرجاني "إن الهوية هي الأمر المتعقل من حيث امتيازه علي الأغيار"، والامتياز هنا بمعني الخصوصية والاختلاف , لا بمعني التفاضل. ولعل ابن خلدون إستصاع أن يبرز هذا المعني أكثر وضوحا في "المقدمة" بقوله "لكل شيء طبيعة تخصه". وعلي هذا فانتفاء خصوصية الشيء هو انتفاء لوجوده. من ذلك يتضح إن لمعني الهوية(19) أوجه عديدة الا أن جميعها تقوم علي أصل واحد هو الشعور بالانتماء إلي جماعة،فالإنسان كائن اجتماعي لا يمكن أن يجد نفسه بل من المؤكد أنه لا يستطيع إن يحافظ علي حياته أو استمرارها أو استمرار نوعه بدون الانتماء إلي جماعة أي بدون ان تكون له هوية وهذا الوجه الاجتماعي لمعني للهوية ن إما الوجه القانوني فقد تبلور فيما يعرف بالحق في الجنسية. وبذلك يمكن الحديث عن عدة هويات: الهوية القبلية، الهوية الدينية،الهوية العنصرية، الهوية الثقافية،الهوية اللغوية الهوية اللونية، الهوية الطائفية،الهوية العقائدية وهوية المواطنة، ويضيف الباحث هنا الهوية التعاونية والهوية الإنسانية.
تعريف التماهي :-Identification
عن التماهي يذكر الباقر العفيف (20) إن (قاموس العلوم الاجتماعية يعرف التماهي باعتباره "الميل للتقليد،و/ أو عملية تقليد سلوك شئ ما. وربما يدل كذلك على عملية التمازج العاطفي، أو حالة هذا التمازج الناجزة، مع هذا الشيء ذاته." وقد استخدم س. فرويد، هذا المصطلح في علم النفس، لأول مرة عام 1899، إذ قال أن "التماهي هو التعبير المبكر عن الرابطة العاطفية مع شخص أخر". يتماهي الفرد مع شخص أخر "كمثال للذات " بوصفه شخصاً يريد أن يكونه، أكثر مما يريد أن يمتلكه. وهذا ما يجعله مهماً في سلوك المجموعات. وهو يفسر حاجة الفرد ومقدرته علي الارتباط، وقوة الروابط العاطفية، المشار إليها، كخصائص جوهرية للبشر. وهو يذكر في نفس الوقت" الأصل الطفو لي لعملية التماهي، ويفترض أن هذا الأصل الطفولي هو الذي يفسر بقاءها على مستوي اللاوعي، وقوتها كعامل تحفيزي، وتظاهراتها اللاعقلانية والنكوصية في بعض الأحيان. ولكن التماهي بالنسبة إليه ليس مجرد محاكاة، بل هو بالأحرى تمثل يستند إلى سلسلة سببية متشابهة.). وبهذا المعني يمكن تصور لماذا تماهى الشماليون مع العرب؟ وتفسير دوافع انقلاب الهوية الذي حدث لهم، ومعرفة ما ا لذي يسّر للشماليين، بل لشعوب عديدة عبر العالم الإسلامي، أن تتعلق بالأصل العربي
أزمة وإشكالية الهوية
أن إشكالية الهوية وخطابها الفكري لا يزالان سائديْن بشدة في أيامنا هذه حيث أن العلاقة بين الثقافة والهوية علاقة تلاحم وكل خلخلة أو اختراق للثقافة سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف لمكونات الهوية إنْ لم نقلْ تفتيتا لها مستقبلا. إن الخطاب حول " الهوية " أصبح سائدا في كل ساحات النقاش الفكري، ليس في الدول الضعيفة فحسب، بل حتى في الدول المتقدمة، فالاتحاد الأوروبي الذي أصبح يشكل قطبا سياسيا واقتصاديا وثقافيا كبيرا في العالم، يتوجّس خيفة من الاختراق الثقافي الأمريكي، ويتخذ العديد من القرارات العملية لمواجهة مكونات النـمط الثقافي الأمريكي. الصحفي والكاتب الفرنسي أريك دوبان في (21) يستهل في كتابه الذي عنْونه ب :{هستيريا الهوية } بعبارة :(مَنْ أنا ؟) إذْ يرى بأن فكرة الهوية تعدّت ما هو معروف ومتداول لدى أغلب المفكرين والمثقفين ورجال الإعلام..و يؤكد مباشرة وبوضوح، بأن الألفية الثالثة تبدأ في ظل حالةٍ من تفاقم اللامساواة بين فقراء العالم وأغنيائه، بل وداخل كل شعب وأمة، وهذا بعد قرن من سيادة النزعة الداعية إلى " المساواة " وإتاحة الفُرص للجميع في ظل الأيديولوجيا الشيوعية والنظام الاشتراكي..لكن مع فقدان هذه الأفكار مصداقيتها في أرض الواقع، فقدت نزعةُ المساواة المطلقة أيضا الكثير من حضورها ؛ في الوقت نفسه بدا أن التمركز الذي كان حول التأكيد على المساواة، قد أخْلى المكان للتأكيد على " الهوية "، فتضاءلت الرغبة أن يكون المرْء " مثل الآخرين " وهو ما كانت تدعو إليه " فكرة المساواة "، بينما بالمقابل تعاظمت الرغبة أن يكون المرْء " مختلفا عن الآخرين". وبذلك تتضح الأزمة ويبقى سؤال الهوية في مقدمة الأسئلة الفكرية والمعرفية الأكثر إلحاحا من أنا ؟ ما علة وجودي وما غايته ؟ ومن هو هذا الآخر ؟ ما الذي يميزني عنه ؟ ما يربطني به ؟ ما وجوه الاختلاف بيننا ؟ ولكم نخطئ عندما نحصر سؤال الهوية في صيغة: من نحن ؟ ومن هو الآخر ؟ ولا نحصره في الآتي : كيف نحن ؟ وكيف هو الآخر؟ " السؤال في الصيغتين هو سؤال الهوية، بيْـد أن الصيغة الأولى تُـحيــلنا على مــاهية " الهوية " وجوهرها.أمّا الصيغة الثانية فتُـحيلنا على الواقع والتاريخ.الصيغة الأولى تدعو إلى التأمل وإعْمال الفكر.بينما الصيغة الثانية تدعو إلى التحرّك الإيجابي الفعّال والمشاركة ليس في صياغة التاريخ، بل في صنعه إلى جانب الآخر.صيغة تحصر " الهوية " في مجال الفكر والثقافة، بل هناك من يُغلِّـب عليها " التراث والفلكلور والثقافة الشعبية" يتحوّل لديها مفهوم الهوية إلى مفهوم الجوهر الثابت السرمدي، وصيغة ثانية تضعها كما سبق في مجال التاريخ والصيرورة الاجتماعية للتاريخ المتحرّك أماما وليس خلْفا..تاريخ إنتاج البشر لوجودهم في كل مجالات الحياة، فيرتبط لديها مفهوم " الهوية " بالفاعلية الإنسانية الحيّة وبفكرة التغير والتقدم.الصيغة الأولى تقليدية في نظرتها إلى " الهوية " ترفض الاختلاف والتعدّد، نافية للواقع الفعلي، نافية للحرية الفردية، فالجماعية.
ويمكن لأزمة الهوية (22) أن تحدث علي المستويين، الشخصي والاجتماعي. على المستوي الشخصي، تنشأ الأزمة عندما تحين لحظة إحداث التوافق بين التماهيات الطفولية وبين تعريف جديد وعاجل للذات، وأدوار مختارة لا يمكن النكوص عنها. يضاف إلى ذلك أن الهوية الشخصية تقوم علي جهد يستمر كل الحياة، كما يقول إريكسون، والفشل في تحقيقها يسبب أزمة ربما تكون لها نتائج مدمرة على الأفراد. أما على المستوى الاجتماعي، فتنشأ الأزمة عندما يفشل الناس، وهم يصنعون هوياتهم، في العثور على نموذج يناسبهم تماماً، أو عندما "لا يحبون الهوية التي اختاروها أو اجبروا على تبنيها"، ولأن الهويات الاجتماعية يتم تكوينها عادة "من التشكيلة المتاحة من التصنيفات الاجتماعية، فإن ظهور الخلعاء يكون حتمياً". كذلك يمكن أن تحدث الأزمة عندما يسود الغموض نظرة الناس إلى هويتهم، أو يفتقرون إلى هوية واضحة. وفى حالة أخرى يمكن أن تنشأ أزمة الهوية عندما يكون هناك تناقض بين هوية الشخص ونظرة الآخرين إلى الهوية ذاتها. وأخيراً يمكن أن توجد أزمة الهوية إذا كان مركز الهوية، أي الجهة التي تملك صلاحيات إصباغ الشرعية، لا تعترف بادعاءات الهامش. يمكن للمرء أن يضع اليد علي ثلاثة عوامل، تستطيع إذا ما تفاعلت مع بعضها البعض، أن تفسر كل هوية اجتماعية. العامل الأول هو تصور المجموعة لنفسها. العامل الثاني هو تصور الآخرين للمجموعة. العامل الثالث هو الاعتراف أو عدمه من قبل مركز الهوية بهذه المجموعة. إذا تفاعلت هذه العوامل الثلاثة بصورة منسجمة، أي إذا كان تعريف
الناس لأنفسهم مقبولاً وواقعياً، وكان تعريف الآخرين لهم منسجماً مع الرؤية الذاتية للجماعة، وإذا كان مركز تلك الهوية يمحضها اعترافه، حينها يقال أن تلك المجموعة تعيش في توازن. وهنا تتقدم النخبة الثقافية والسياسية لإعطاء هذا التوازن معناه، مزودة إياه بمنظومة من المعتقدات، والقيود، والمبادئ، الأساطير والنظام الرمزي. ويحاول النظام الرمزي إشاعة الانسجام في كل العالم المحيط بهذه المجموعة أو بمعني آخر، يحاول جعل العالم كله يبدو وكأنما ينبثق من الذات الجماعية للمجموعة، أو كأنما هو بعد واحد من أبعاد هويتهم. في هذه المرحلة يمكن وصف المجموعة بأنها صارت ذاتها، وأنها ترى العالم بعيونها أصالةً. أحد الأمثلة على الكيفية التي يشتغل بها النظام الرمزي، هو الكيفية التي أعادت بها الثقافات الغربية رسم صورة المسيح لجعله شبيهاً بالانجلو-ساكسون. وقد حدث هذا رغم حقيقة أنه يهودي، ولم يكن له بأي حال من الأحوال شعر أشقر ولا عيون زرقاء. ومع ذلك كانت إعادة التركيب والصياغة هذه ضرورية من أجل تحقيق الانسجام في هوية البيض، لأن الناس يدركون العالم بصورة أفضل، عندما يعبدون إلهاً يشبههم، وليس إلهاً غريباً عنهم. ومن الجانب الآخر، إذا تفاعلت العوامل الثلاثة بصورة متناقضة، إي إذا كانت تصورات الناس لأنفسهم لا تنسجم مع الطريقة التي يعرفهم بها الآخرون؛ أو، وهذا أخطر الأمور؛ إذا كانت القوى المالكة لصلاحيات إضفاء الشرعية، لم تقبل تعريف الجماعة لنفسها، فإن هذه الجماعة توصف بأنها تعيش تناقضاً، وعدم انسجام. في هذه الحالة لا ينبثق النظام الرمزي من الذات الجماعية للجماعة، بل يكون مستعاراً في العادة من مركز الهوية التي تهفو إليها تلك الجماعة، وترغب أن "تكونها". هذه الشروط تعد المسرح لبروز تناقضات الهوية، ولزحف عدم الاستقرار إلى خلايا المجتمع، ولتفاقم أزمة الهوية حتى تسد عليه الأفق.
أما في السودان فلم يطرح أمر الهوية بحده، بمثلما هو مطروح الآن (23) الأمر الذي نقل الموضوع من دائرة الحوار والعطاء المتبادل إلى دائرة الصراع والجدل السياسي، في ظل واقعنا الاجتماعي والاقتصادي المغبون والمشحون بعناصر التوتر والنزاع بعد حروب طويلة ساهمت في زرع بذور الشك وعدم الثقة بين مكونات السودان الاجتماعية والحضارية. إن الذي قفز بموضوع الهوية إلى سطح الأحداث السياسية والحربية هو الأزمة الوطنية نتيجة لتراكمات من الأخطاء ارتكبتها الأنظمة الوطنية التي تعاقبت على سدة الحكم منذ الاستقلال 1956م، بل يرجع البعض جذور الأزمة إلى ما قبل ذلك ويربطها بالمخطط الاستعماري البريطاني الذي حاول منع اندماج المجتمع السوداني، بحزمة سياسات عرفت بقانون المناطق المقفولة. والذي أوصل الموضوع إلى حافة الهاوية هو السياسات التي اتبعتها السلطة الحاكمة بعد 30 يونيو 1989م حيث ارتكبت أوزارا باسم الإسلام والعروبة وهي سياسات لا تشبه الدين الإسلامي والثقافة العربية في شئ ولكنها ولدت تيارات متطرفة رافضة لاى علاقة تربط السودان بالهوية الثقافية والحضارية التي تميزه مما زاد من حدة التوتر والاستقطاب في دوائر الصراع، السودان الأفريقي أم العربي؟. فالسودان افريقي - عربي بانتمائه الجغرافي وجذوره وثقافاته المتعددة و تتداخل تكويناته الاجتماعية والثقافية والحضارية في كل تلك الدوائر ولا يمنع ذلك من الإقرار والاعتراف بالتمايز الثقافي والحضاري لجنوبه عن شماله. واختلاف في درجة الاندماج والانصهار لاقاليم الشمال لظروف عديدة مثل جبال النوبة والنيل الأزرق وبعض مناطق متفرقة من اطرافه، وهي لها الحق في تطوير ثقافاتها وتنميتها في إطار الوطن الواحد أو ما أطلق عليه الوحدة في التنوع، أو التنوع في إطار الوحدة. ويجب علينا كسودانيين إن نعلي من شأن قيم الحوار والتثاقف بين مكونات المجتمع السوداني وان نبرز الموروث الايجابي لشعبنا فهو الذي أعطى بلادنا هذه الخصوصية المميزة التي نفاخر بها وان نكف عن التعامل الانتهازي مع دوائر انتماءاتنا فقد درج المسئولون وموظفو أجهزة الإعلام والمعنيون بالشأن العام عدم التعرض لمفاهيم ومصطلحات الأمة العربية أو الوحدة العربية والمصير المشترك والإخوة العربية والأشقاء العرب إلا عندما يحل بين ظهرانينا مسئول أو وفد من دولة عربية وكأننا ننافق الآخرين علنا ولا نتحدث عن خصوصية علاقتنا الأفريقية ودور السودان في دعم حركات التحرر الأفريقي منذ باتريس لوممبا إلى «نلسون مانديلا» إلا إذا ساءت علاقتنا مع إحدى دول الجوار وهكذا. فالهوية ليست اختياراً بل هي قدر علينا إن نحياه بمحبة اما الاختيار يمكن ان تتراجع عنه إذا لم تجد فيه ما تصبو وتريد.
الحركة التعاونية عالميا ومحليا
الشعار التعاوني المتفق عليه دولياً (24) الثلاث حلقات المتصلة والتي تعني (اتحاد، قوة، عمل) وأينما شوهد هذا الشعار على اللافتات والمباني في مدن وأرياف العالم يتذكر المرء ان هذا موقع او مقر لتعاونية ما أو للإدارات التعاونية. وتعتبر التعاونيات Co-operatives نوع من أنواع التنظيم ترتبط فيه جماعه من الناس ارتباطاً اختيارياً بصفتهم الإنسانية على قدم المساواة لإعلاء شأن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية. عبارة بصفتهم الإنسانية هذه تعني ان ينضم العضو للجمعية دون أي تأثير أو حسبان لمركزه المالي او الاجتماعي او السياسي او الديني كما ان هذه المراكز لا تعطيه أية امتيازات في الجمعية على الآخرين. والتعاون كظاهرة اجتماعية، قديم قدم البشرية، وشمل العديد من أنماط النشاط الجماعي بين الأفراد المتمثل في العون والتضامن والمساعدة المتبادلة وذلك لتحقيق أهداف اقتصادية لا يمكن أن تتحقق بالمجهود الفردي، وسوف ينصب حديثاً عن التعاون المنظم كوسيلة وأداة أصلاحية وتصحيحية في المجتمع والذي برز بصورة واضحة في أعقاب الثورة الصناعية بأوربا في منتصف القرن الثامن عشر كرد فعل للمساوئ الناجمة عن فشل الرأسمالية، خاصة بالنسبة للفلاحين والطبقة العاملة، وتمثلت هذه الآثار السيئة للنظام الرأسمالي المتدهور في الاستغناء عن أعداد كبيرة من العمال، وانتشار العطالة انخفاض وتدني مستوى المعيشة، استغلال النساء والأطفال في الإنتاج الرأسمالي لانخفاض أجورهم وظهور كثير من الأمراض والعلل الاجتماعية الخطيرة. ويعتبر روبرت أوين 1771- 1858 الأب الروحي للتعاون والذي حاول تطبيق أفكاره الإصلاحية عن طريق جمع جهود العمال تعاونياً، وعلى الرغم من الإخفاقات التي لازمت التجربة إلا أنها كانت كافية لانطلاق التجربة التعاونية العالمية الرائدة لرواد روتشيديل، حيث اجتمع في 15 أغسطس 1843، 28 عاملاً من بينهم امرأة بمدينة روتشيديل الإنجليزية معلنين أول جمعية تعاونية في العالم. وشهد العام 1844 بزوغ الحركة التعاونية العالميةً بتأسيس أول جمعية تعاونية ناجحة في العالم هي جمعية رواد روتشديل التعاونية حيث قام "رواد روتشديل المنصفين" (Rochdale Equitable Pioneers) بإنشاء أول متجر لهم في تود لين، بروتشديل "وهي بلدة صغيرة في مقاطعة لانكشاير بانجلترا". ثم توالى تأسيس التعاونيات بانجلترا من مختلف الأنواع والغايات، وفي نفس فترة ازدهار التعاونيات في انجلترا انتشرت هذه الجمعيات في كافة أقطار أوروبا ثم إلى كافة أنحاء العالم وتنوعت بتنوع حاجات المجتمعات الاستهلاكية والزراعية والإسكانية والصحية وصيد الأسماك والنقل والتسويق والأعمال النسائية والمدرسية والعمالية وأعمال أخرى كثيرة. لقد أكدت الحركة التعاونية هويتها وشعبيتها على مر العصور وانتمائها لمصلحة الأفراد والجماعة لتحقيق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها , واستطاع التعاون نتيجة النجاحات التي حققها نقل الاهتمام به من الإطار الوطني إلى الإطار الدولي حيث تم تأسيس الحلف التعاوني الدولي بلندن عام 1895 وقد تم الاحتفال في السادس من يوليو 1995 بمرور مائة عام على تأسيسه وتم ترسيخ تعريف التعاونية بأنها "منظمة ذاتية الإدارة تتكون من أشخاص يتحدون اختياريا لمواجهة احتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وأمالهم من خلال مشروع ملكية مشتركة ويدار ديمقراطيا ". ويجب هنا أن نفرق بين التعاون الفطري التلقائي المتمثل في العمل الجماعي المشترك، مثل النفير والفزع و"الختة" عند النساء، وبين الشكل الحديث للتعاون "الذي (25) يتمثل في أن "التعاون نظام اقتصادي واجتماعي يضم عدد من الوحدات الاقتصادية والتي ترتبط يبعضها البعض وتقوم علي أساس مبادرة شعبية بشكل طوعي".
في السودان شهدت أواخر العشرينات من القرن الماضي (26) المحاولات الأولى لإقامة شكل تعاوني منظم، وذلك بتشجيع من حكومة المستعمر، ولا جدال في أن البدايات الأولى للحركة التعاونية السودانية كانت زراعية بظهور جمعيات التسليف الزراعي بدلتا طوكر، وبتشجيع من الحكومة لحماية المزارعين من استغلال التجار والمرابين الذين يقدمون سلفيات مجحفة لزراعة القطن الذي توسعت فيه الحكومة، والغرض الأساسي ليس حماية المزارعين ومصالحهم بل ضمان تحقيق إنتاجية عالية مع إمكانية تسويق هذا الإنتاج بما يعود بالمصلحة والدفع للحكومة، ولقد أدى ذلك إلى فشل التجربة واتجاه الحكومة إلى زراعة وإنتاج القطن طويل التيلة بمشروع الجزيرة بالتعامل مع المزارعين مباشرة دون تنظيمهم في شكل جمعيات تعاونية. في عام 1937 تكونت أول جمعية تعاونية بمبادرة شعبية سميت بالشركة التعاونية توالت بعدها التعاونيات في المديرية الشمالية ثم ظهرت أول جمعية تعاونية لمشروع الجزيرة بقرية ودسلفاب لطحن الغلال واستجلاب الجرارات والمحاريث وكان ذلك في عام 1944، وفي العام 1948 اتخذت الحركة التعاونية شكلها القانوني اثر المذكرة التي قدمها (27) المستر كامل
للإدارة البريطانية معلنة صدور أول قانون للتعاون بالبلاد، والذي اكتمل في العام 1952. لقد ركز هذا القانون على الجانب الاقتصادي أكثر من الجانب الاجتماعي(28)، لذلك ولعدة أسباب أخرى لم ينل هذا القانون ثقة الحركة التعاونية الوطنية، فعلى الرغم من أنه في العام 1948 نفسه قد شهد تسجيل أول جمعية تعاونية وهي جمعية ودرملي التعاونية الزراعية، إلا أن ما تم تكوينه من جمعيات تحت هذا القانون قليل، بالإضافة لقلة وضعف العضوية ومن ثم ضعف أثر التعاونيات اقتصادياً واجتماعياً.
ولعل من أبرز الأسباب التي أدت إلي تدهور التعاونيات وبخاصة التعاونيات الإنتاجية الحرفية والزراعية إغفال الدولة "للهوية التعاونية" وللدور الحيوي والبارز للتعاون بصورة عامة والتعاون الزراعي بصورة خاصة بعدم إسناد دور يذكر للتعاونيات في خطط وبرامج التنمية , بالإضافة إلي المشاكل المتعلقة بعدم استخدام التكنولوجيا الزراعية والاعتماد في الغالب علي التكنولوجيا المستوردة والتي كثيرا ما لاتكون ملائمة للواقع السوداني. والحقيقة إن الحركة التعاونية نشأت في الزراعة ثم أصبحت بشكل متزايد استهلاكية التوجيه وتجنح للتمركز في المراكز الحضرية، "فالهوية التعاونية" ريفية زراعية تضامنية وإنتاجية.إن التعاونيات الزراعية محدودة الأثر في الإنتاج والمنتجات والمدخلات الزراعية وفى التصنيع الزراعي، و تواجه مشاكل ومعوقات كثيرة، وخير مثال لذلك التعاونيات الإنتاجية الزراعية المنضوية تحت الإتحاد العام النوعي التعاوني لمنتجي الأصماغ الطبيعية.
وفي نهاية السبعينيات ظل القطاع التقليدي الهام خارج قطاع التعاون ودائرة التمويل المؤسس وتركزت التسهيلات الائتمانية للبنك الزراعي على المستثمرين من قطاع الزراعة المطرية الآلية، وبدرجة أقل من مشاريع الدولة بالقطاع المروى وفى الزراعة النيلية الصغيرة. وعند ولوج التمويل المؤسس لهذا القطاع ارتبط ذلك باستقطاب العون الأجنبي. ومنذ ثمانينات القرن الماضي واجه القطاع التعاوني تنافساً شديداً من القطاع الخاص ليس فقط بالنظر إلى الموارد الذاتية للقطاع الأخير بل بقدرته على الحصول على الأموال العامة المخصصة للقطاع التعاوني والتغول على الأموال التعاونية، ثم كانت الطامة الكبرى في اغتيال الحركة التعاونية بقيام "الإنقاذ" في 1989 م. ولاتزال الغالبية العظمى من الجمعيات القاعدية وهى أساس الحركة التعاونية والوحدة الأساسية التي تبدأ منها تعبئة – الموارد وينبغي إن تكون مصب الخدمات والمدافع، تشكو من توفر التمويل المؤسس على مستواها المحلى، وسواء عبر تنظيماتها الثانوية أو مباشرة. بالرغم من الأهداف الرسمية المعلنة لإشراف الدولة ورعايتها للتعاون لم تتطور الحركة التعاونية كمكون أصيل لإستراتيجية تنمية طويلة المدى، وكانت النتيجة تكاثر "بروس" للجمعيات الاستهلاكية في المراكز الحضرية الآهلة بالسكان وخاصة العاصمة للتغلب على مشاكل الندرة في السلع المحلية والمستوردة ونتج عن هذا الوضع أمران ولهما ما يمكن أن نطلق علية مصطلح ابتذال الفكرة التعاونية وتحجيم الدورالاقتصادى الاجتماعي للجهد التعاوني في أذهان الشعب وبالتالي طمس "الهوية التعاونية" وإضعافها، وثانيهما شغل الجهاز الديواني عن متابعة وتقديم الإرشاد والتوجيه الفني للجمعيات الزراعية والاكتفاء بشكل إجراءات التسجيل ومراجعة الحسابات. لقد منح قانون سنة 1973م الجمعيات التعاونية (29) إعفاءات من بعض الضرائب والرسوم كما منحها العديد من المزايا دعما وتشجيعاً لها ولكن الإعفاءات والمزايا جاءت بصورة مطلقة ودون الأخذ في الاعتبار وجود قوانين ونظم أخرى تتعارض معها. ولهذا ظل بعضها حبراً على ورق ولم يجد طريقة للتنفيذ لهذا نقترح استصدار قرار سياسي بإعفاء الجمعيات التعاونية من جميع أو بعض الضرائب والرسوم والعوائد وتأكيد المزايا المتعلقة بمنح أي جمعية تخفيضاً في أجور النقل بواسطة وسائل النقل التابعة للدولة وتخفيضاً بنسبة 5% من إثمان البذور والتقاوي والأسمدة والمبيدات ومستلزمات الإنتاج , وكذلك الأفضلية في المعاملات وفى الحصول على قطع الاراضى اللازمة لإغراضها وفى إسناد الأعمال والخدمات الخاصة بالوحدات الحكومية ومؤسساتها للتعاونيات، و إعطاء أفضلية لتوزيع السلع التموينية لكسر حدة السوق السوداء وتركيز أسعار السلع خاصة الضرورية.
الهوية التعاونية
الشعب السوداني عرف ثمار تطبيقات التعاون(30) وله استعداد لتطبيقات جديدة تقدم له احتياجاته وطموحاته في التنمية، كما أن الحكومات يمكنها الاعتماد علي تطبيقات التعاون كوسيلة للتنمية من خلال القدرات الذاتية للأفراد بجمعهم في تجمعات سكنية، وبما يفيد في إمكانية الوصول إليهم لتقديم الخدمات مثل التعليم والصحة والإحصاء والانتخابات.. الخ. كما أن تطبيقات التعاون من مبادئها وشعارها تعلم الناس أسس الديمقراطية السليمة والحقوق
والواجبات وتنمي القيم الفاضلة. إن الثروات القومية السودانية سريعة العائد إذا ما استخدمت فيها الطرق الاقتصادية المعتمدة علي التكنولوجيا وفي مقدمها النظام الاقتصادي التعاوني لامكن إحداث التنمية بأسلوب تطبيقات التعاون الذي لا يكلف الحكومات غير الإشراف والتوجيه. فمثلا (31) مبدأ (الباب المفتوح للعضوية) وكل مبادئها تكفل وتؤمن (الحرية والعدالة والمساواة). لهذا تتمتع الحركة التعاونية بالأمن والأمان و السلام لها و للملتزمين بمبادئها لانها تأخذ بهذا المبدأ ضمن مبادئها في المجتمع. إن العمل التعاوني يقدم خدماته للبشر دون تفرقة بينهم لأي سبب، كما إنه وسيلة الفقراء أوالضعفاء من أجل العيش العفيف الكريم. إن التعاون يهدف للبناء والإعمار والتنمية ولا يهدف أبداً إلي الحرب أو الدمار، ولا ينتهز ظروف الحرب ليحقق الأرباح كما يحدث في النظم الاقتصادية الأخرى ومنها النظام الرأسمالي. تؤكد "الهوية التعاونية" إن أحد أهم مبادئ التعاون هوالحياد السياسي والديني والعرقي وهنا مهمته كمهمة الطبيب الذي يعالج، فيعالج الجريحين المتحاربين دون انحياز.وتتبلورالهوية التعاونية وتظهر في مقومات ومكونات الحركة التعاونية ومبادئها المشكلة والمجسدة للصبغة والصفة التعاونية المميزة للعمل التعاوني المنظم و المتمثلة في:
أولا: الجمعية التعاونية
جاء في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي {إن التعاونيات عبارة عن مجموعات أولية تضم مجموعة من الأشخاص لإدارة مصالحهم الاقتصادية بصورة جماعية وعلي الأسس التعاونية الديمقراطية لكل عضو صوت واحد بغض النظر عن ما يملكه من رأسمال في التعاونية أي "رجل واحد صوت واحد" }. والجمعية التعاونية منظمة (32) عادلة ينشئها الأفراد لتباد المساعدة بقصد رفع مستواهم الاقتصادي والاجتماعي. فالتعاون هو تجميع واتحاد، لبعض الأشخاص وجهودهم بغرض تحقيق هدف مشترك وذلك عن أقصر الطريق وبأقل تكلفة وعلي أحسن وجه وهذا الهدف ينتهي إلي رفع المستوي الاجتماعي للأعضاء عن طريق زيادة الدخل أو الاقتصاد في التكاليف والسبيل إلي تحقيق هدف الأعضاء المتعاونين هو إنشاء منظمة اجتماعية تعمل بوسائل اقتصادية. المنظمة التعاونية ليس هدفها التخفيف من الموقف الذي خلقه الاقتصاد التجاري بل هو أكثر من ذلك – إذ يتلخص هدفها في ماهية وتحرير أعضائها من السيطرة الاجتماعية والاستغلال الاقتصادي اللذين يتمتع بهما المسيطرون علي المواقع الإستراتيجية التي خلقها الاقتصاد التجاري مما يرفع من مستوي معيشة أعضائها المتعاونين بزيادة دخولهم الحقيقية بمختلف الوسائل الإنتاجية والتسويقية الاقتصادية. ولذلك تتميز المنظمة التعاونية عن المنظمات الأخرى من حيث أهدافها ومن حيث الطرق التي تتبعها لتحقيق هذه الأهداف. وتحقيقا لهذه الأهداف يجب أن تقوم أية منظمة تعاونية علي أساس عنصرين أساسيين اجتماعي،اقتصادي يفسران علي أن المنظمة التعاونية تتكون من:(1)ترابط بين أشخاص أدركوا وما زالوا يدركون أن هناك تشابها بين بعض احتياجاتهم وان إشباع هذه الحاجة بالأسلوب التعاوني وبتكوين منشأة تعاونية يكون أحسن بكثير من إشباع هذه الاحتياجات بالطرق الفردية.(2)منشأة اقتصادية لها هدف مطابقا تماما للحاجيات التي يراد إتباعها وهكذا تري أن الروابط هو أصل الفكرة التعاونية وهو السبب المباشر في وجود المنظمة التعاونية.
ثانيا: المبادئ التعاونية
أكدت الحركة التعاونية (33) شعبيتها على مر العصور وانتمائها لمصلحة الأفراد والجماعة لتحقيق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها, واستطاع التعاون نتيجة النجاحات التي حققها نقل الاهتمام به من الإطار الوطني إلى الإطار الدولي حيث تم تأسيس الحلف التعاوني الدولي بلندن عام 1895واحتفل في يوليو عام 1995بمرور مائة عام على تأسيسه وتم ترسيخ تعريف التعاونية بأنها منظمة شعبية طوعية ذاتية الإدارة تتكون من أشخاص يتحدون بمحض اختيارهم لمواجهة احتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وأمالهم من خلال مشروع ملكية مشتركة ويدار ديمقراطيا.
وقد اعتمد الحلف التعاوني الدولي المبادئ التالية:
(1) العضوية الاختيارية المفتوحة : التعاونيات منظمات مفتوحة لكل الأشخاص دون تميز جنسي أو اجتماعي أو عرقي أو سياسي أو ديني وتتمتع التعاونيات بالحياد تجاه الجميع.
(2) الإدارة الديمقراطية للتعاونيات: التعاونيات منظمات ديمقراطية يحكمها أعضاؤها ويشاركون في سياساتها واتخاذ القرار عن طريق ممثليهم المنتخبين ديمقراطيا والممثلين مسئولين أمام ناخبيهم وللأعضاء حقوق تصويت متساوية عضو واحد صوت واحد وعلى المستويات الأعلى تدار التعاونيات وتنظم بأسلوب ديمقراطي.
(3) مساهمة العضو الاقتصادية : يساهم الأعضاء بعدالة في رأس مال تعاونيتهم الذي يكون ملكية تعاونية , ويتلقى الأعضاء تعويضا عن رأس المال المسهم ويمكن تخصيص الفائض لتطوير التعاونية و دعم الأنشطة الاخري التي يوافق عليها الأعضاء ويوزع الباقي على الأعضاء بنسبة تعاملهم مع التعاونية.
(4) الإدارة الذاتية المستقلة :التعاونيات منظمات ذاتية الإدارة يديرها أعضاؤها ويؤمنون تمويلها المالي ويمكن لهم التعاون مع منظمات أخرى أو مع الحكومات سواء بالإدارة أو التمويل شرط تأكيد الإدارة الديمقراطية لأعضائهم والمحافظة على التحكم الذاتي التعاوني .
(5) التعليم والتدريب والإعلام : تقدم التعاونيات التدريب والتعليم لأعضائها بالتعاونيات ولقياداتها المنتخبة ومديرها وموظفيها ليستطيعوا أن يساهموا بفعالية لتنمية تعاونياتهم ، مع تنوير الرأي العام عن طريق الإعلان والإعلام وخاصة الشباب وقادة الرأي عن طبيعة ومزايا التعاون عن طريق التثقيف والتوعية التعاونية.
(6) التعاون بين التعاونيات : تخدم التعاونيات أعضاءها بكفاءة أكثر وتقوى الحركة التعاونية بالعمل سويا من خلال المؤسسات والمنظمات والاتحادات التعاونية المحلية والإقليمية والدولية.
(7) الاهتمام بالمجتمع : تعمل التعاونيات من أجل التنمية الاجتماعية المتواصلة فتقدم خدماتها في مجال الصحة والتعليم وتوفير مياه الشرب الخ لمجتمعاتها بموافقة الأعضاء.
إن عدم مراعاة "الهوية التعاونية"و التقيد والتنفيذ الصارم لهذه المبادئ يؤدى إلي عواقب وخيمة وضارة تذهب بالصفة التعاونية والشعبية والديمقراطية التي تتميز بها التعاونيات ، كما أنها تؤدي إلي الفشل و الإخفاق الذر يع. إن عدم إتباع المبادئ والأسس التعاونية التي أنشأت علي أساسها الكثير من المشاريع التعاونية وبصفة خاصة الجانب الإداري ، انعكس سلبا علي الأداء وبصفة خاصة في المجال التسويقي ، إذ اعتمدت هذه المشاريع في إدارتها علي أساس التعيين من قبل الوزير المختص مما يتنافى مع المبادئ والقوانين التعاونية. وذلك لأن التعاونيات ووفقا للمبدأ الثاني من المبادئ التعاونية ، منظمات ديمقراطية، يتحكّم بها أعضاؤها الذين يشاركون بفعالية في وضع السياسات واتخاذ القرارات. ولقد أثبتت التجارب العالمية أن مراعاة التقيد والتنفيذ الصارم لهذه المبادئ يؤدى إلى الاحتفاظ بالصفة التعاونية والشعبية للتعاونيات والحفاظ أيضا علي الديمقراطية التي تتميز بها التعاونيات، كما أنها تجنب التعاونيات الفشل و الإخفاق في تحقيق أهدافها. لقد كان للالتزام بالمبادئ التعاونية وبخاصة الديمقراطية، الأثر الكبير في استمرار الحركة التعاونية الأوروبية وتقدمها عالميا.
ثالثا: المبادئ العامة للإدارة التعاونية
أن المبادئ العامة للإدارة التعاونية مقارنة بإدارة(34) المؤسسات التجارية الخاصة والمؤسسات الحكومية تختلف اختلافاً بيناً وواضحاً. فبينما نجد أن المؤسسات التجارية الخاصة تعتبر الحصول على أكبر ربح هو المقياس السائد، فإن الجمعية التعاونية لها حافزان: الربح والخدمة. إذ أن للمؤسسة الحكومية أيضاً حوافز الربح والخدمة وأيضاً حافز التنمية. ولكن المؤسسات تدار من أعلى، والجمعية التعاونية تتضمن عاملاً قوياً هو اشتراك أعضائها في إدارتها. ومن المؤكد أن مشاركة الأعضاء هو أهم سمات المؤسسة التي يجب أن يضعها في الاعتبار كل من يهتم بنشر الفكر التعاوني لأنه من صميم "الهوية التعاونية". ولقد فشلت الحركة التعاونية في كثير من الدول النامية لأن الفكر التعاوني قد فرض على الناس فرضاً، حيث نجد أن الأعضاء قد حصلوا على المسئوليات الاقتصادية ولم يحصلوا على المشاركة الضرورية في صنع القرارات أو الشعور الضروري بالمسئولية التضامنية،لاعتقاد البعض استحالة تعليم الفلاحين والمواطنين الأميين ليشاركون مشاركة فعالة في إدارة الجمعية التعاونية ولا اعتقد أن هذا صحيح، زد على ذلك فإن فكرة التعاون تتفق تماماً مع التنظيم التقليدي للمجتمع القبلي.
رابعا: الديمقراطية التعاونية
إن التعاون نظام لتحرير الاقتصاد وإطلاق للقوى المنتجة من(35)عقالها وهو يمكن أن يكون الدواء الناجع لعلاج الكثير من المشكلات اليومية للسوق التي أصبحت اليوم مشكلات مزمنة بل أدت إلى اختناقات تموينية.. وفي آخر الأمر إلى ضائقة الغلاء.. بل أن الحركة التعاونية بما يمكن أن نضيفه من ثقافة جديدة في الوعي الزراعي والتجاري والإنتاجي، وبما تثري به المواطن من تجارب في المجالات الاقتصادية, وبما تبتدع من وسائل علمية لتطوير الإنتاج والعلاقات الإنتاجية، وبأثرها السلوكي على البناء القومي للمجتمع فإنها وسيلة حية لتعليم الشعب وتربيته. فالشعوب تتعلم بالممارسة وهي تتعلم أسرع عن طريق العمل الجماعي وبصفة خاصة عندما تكون
وسيلة العمل الأساسية هي الديمقراطية التعاونية التي تتيح للأعضاء حرية التعبير عن الرأي وتساعد على التوصيل للقرارات الرشيدة عن طريق الحوار الهادف.. ثم هي تشعر الأعضاء بأنهم يصنعون مستقبلهم بأفكارهم وتخطيطهم ومجهودهم في العمل مما يجعل الوحدة في الفكر وفي العمل شاملة للتخطيط والتنفيذ. إن جوهر التعاون وطبيعته وظروف نشأته تقضي بحرية واستقلال ومساواة أعضاء التعاونية وتسيير ورقابة جمعيتهم التعاونية وهو ما يعبر عنه ويترجمه مبدأ الديمقراطية التعاونية الذي يعني الاعتراف بالسلطة العليا وعلي قدم المساواة لكافة الأعضاء الذين تكونت منهم ومن أجلهم الجمعية التعاونية فيكون لهم حق وسلطة قيادتها وتقرير مصيرها بحيث لا تكون حركة جمعيتهم مفروضة بواسطة سلطة خارجية وإنما تكون هذه الحركة خاضعة للإرادة الجماعية للأعضاء كما تكون معبرة عن مصالحهم ومشبعة (36) لحاجاتهم المشتركة والتي تكونت الجمعية بغرض إشباعها أفضل إشباع ممكن. يتحقق ذلك في الواقع العملي عن طريق ممارسة الأعضاء لحقوقهم وسلطاتهم كمنتجين وزراعيين وكأعضاء تعاونيين من خلال تشكيلاتهم الديمقراطية وأهمها الجمعية العمومية ومجلس الإدارة. ولا شك إن الديمقراطية التعاونية تعتبر بمثابة الأصل التعاوني العام الذي يتعين احترامه كقاعدة عامة تحكم الجمعيات التعاونية بكافة أنواعها.
خامسا: البنيان التعاوني الشعبي
يتكون البنيان التعاوني الشعبي من أربعة مستويات:- الجمعيات التعاونية الأولية في الأحياء والقرى، الاتحادات التعاونية علي المستوي المحلي، الاتحادات التعاونية علي المستوي والولائي،الاتحاد التعاوني علي مستوي القطر (الاتحاد التعاوني القومي). بالإضافة إلي ذلك توجد ثلاث إتحادات تعاونية متخصصة وهي: أ- الإتحاد التعاوني الحرفي(ولاية الخرطوم ومقره الخرطوم). ب- الإتحاد العام النوعي التعاوني لمنتجي الأصماغ الطبيعية ومقره الخرطوم. ج- الإتحاد التعاوني للتجاريين ومقره أمدرمان. ولتوضيح الصورة لذهن القارئ نفيد بأن السودان مقسم إلى ولايات (25 ولاية) وكل ولاية إلى محليات (110 محلية) ويوجد في العاصمة الاتحادية الخرطوم الاتحاد التعاوني القومي والإتحاد التعاوني الولائي لولاية الخرطوم وهذا بدوره يتكون من اتحادات محلية وهي: الاتحاد التعاوني لشرق النيل – والاتحاد التعاوني غرب النيل – والاتحاد التعاوني بين النيلين وتحت كل اتحاد محلي قاعدته من الجمعيات في أحياء المحلية. وهكذا في كل محليات ولايات السودان، وجملة البنيان نحو(135) اتحاداً. من البديهي والمفترض أن تكون مجالس إدارات الاتحادات التعاونية منتخبة من عضويتها القاعدية بمعني أن مجلس إدارة الاتحاد علي مستوي القطر منتخبة من مجالس إدارات الاتحادات الولائية، كما أن عضوية مجالس الاتحادات الولائية منتخبة من أعضاء مجالس إدارات الاتحادات المحلية في كل ولاية، ولكن هذا لم يحدث منذ عام 1989 إلا في قلة من الاتحادات المحلية الولائية.
سادسا: العلاقة بين الدولة والحركة التعاونية
هناك دول تعمل لحماية مصالح السواد الأعظم من الشعب وبالتالي لا خلاف لها(37) مع الحركة التعاونية.. بل إذ نجدها تحتضن الحركة التعاونية وتساعدها في الوقوف على قدميها، ولا غرابة في ذلك لأن النشاط التعاوني في ظل مثل هذه الدولة هو بالتأكيد نشاط مساعد ومكمل للخطة الاقتصادية والسياسية للدولة بل هو جزء لا يتجزأ من تلك الخطة. و هناك دول تستولي فيها على وسائل الإنتاج حفنة من الأفراد وهي التي تتحكم في دفة الحكم.. وهذه الطبقة لا تتماشى مصالحها مع مصالح السواد الأعظم للشعب بل تتعارض معها وذلك لأنها لا تقوم بالإنتاج وإنما تسيطر على نتائجه حارمة المنتجين الحقيقيين من ذلك، وذلك لأنها تمتلك وسائل الإنتاج وتضع قوانين ونظم لتحديد علاقات بصورة كفيلة بأن تضمن لتك الحفنة الاستيلاء على مجهودات المنتجين وابتزازهم. فإن كانت الجمعيات التعاونية تأتي لتحقيق أو إلغاء ذلك الاستغلال فمما لا شك فيه أنها لن تجد ترحيباً من مثل تلك الدولة للتعارض الواضح في الهدف، وهنا يحدث صراع بين "الهوية التعاونية" الديمقراطية التوجه وهوية الدولة الدكتاتورية الفاشية والشمولية المستبدة. إن أسوء الدول تلك التي تستند علي الأسس الفاشية والشمولية، لأن الشمولية ليست نظام للحكم فحسب، وإنما هي التعبير السياسي عن نظام اقتصادي اجتماعي تمدد الدولة فيه إخطبوط تسلطها إلي النظام الاقتصادي فتحتكر وسائل الإنتاج، وإلي النظام السياسي فتحتكر وسائل التنظيم، والي النظام الاجتماعي فتقدم نفسها بديلا عن مؤسساته، وتستبدل الأيدلوجيات المتنافسة بأيدلوجيات التسلط والإرهاب وقيمه الأصيلة بقيم الاستهلاك المتعي، وحضارته بحضارة الخوف و الرعب. ومن ذلك يتضح أن النظام الشمولي نظام لايعترف بالآخر ويتعسف في معاملة المختلفين معه أيدلوجيا إذ يستند في تفاعله مع أفراد المجتمع علي القمع والقهر. وأن كل نشاط يقع خارج نطاق الحزب أو الدولة لا يحظي بالاعتراف من قبلها، فضلا عن سيطرتها المطلقة علي وسائل الإعلام كواحدة من القنوات التي تمارس عبرها تأثيرا علي أفراد المجتمع في محاولة منها لإلغاء ثقافتهم وتذويبها في إطارها الأمر الذي يؤدي لأن تكون الدولة و الحزب وآلياته هي الجهات الوحيدة الموجودة علي الساحة السياسية مما يكرث الأحادية وعدم الاعتراف بالمكونات الاخري التي يمكن أن تشكل عنصرا فرعيا داعما للنظام السياسي الرئيسي وذلك من قبيل الأحزاب والأيدلوجيات المغايرة للأيدلوجية الرئيسية وجماعات الضغط والدستور الذي يساهم كل المجتمع بمختلف قطاعاته في وضعه.
والسمات العامة للنظام الشمولي تتمثل في حزب سياسي مسيطر له أيدلوجية شاملة تحدد شكل الدولة والمجتمع، من خلال مؤسسة بوليسية ذات طابع تعسفي و سيطرة علي وسائل الإيصال الجماهيري والهيمنة علي المؤسسة العسكرية والاقتصاد والتوسع خارج الحدود.ولكل ذلك فإن اتخاذ القرار في السودان في الغالب لا يتم عبر المؤسسات الرسمية التي حددها الدستور إنما يتم خارجها. بمعني أن القرارات يتم اتخاذها خارج المؤسسات الدستورية بغض النظر عن النظام الحاكم، فصناعة القرار Decision Making تتم خارج المؤسسات الرسمية واتخاذ القرارTaking Decision تقوم به المؤسسات المعنية ولكن بدون أن يعطيها صناع القرار إلا خيارا واحدا و من هنا أتت التبعية وأصبح القرار من خارج المؤسسات. من معالم الاستبداد أن تنتقل الدولة من كونها تعبيرا عن جماعة وأداة للحكم بين الناس إلى التمركز حول شخص الحاكم، والتعبير عن مصالح نخبة ضيقة من بطانته، دونما اعتبار للناس ومصالح المواطنين، فلا يبقى ثمة وجود لقوى سياسية اجتماعية تتجاوز إرادة الدولة وهيمنتها. إننا في السودان نعاني من كل ذلك خاصة فيما يتعلق "بالهوية التعاونية" التي تتعارض مع الدولة "المتشسخنة" التي تحول النظام السياسي والاقتصادي والبيروقراطي بمؤسساتها من نظام قانوني يناط به الفصل بين الناس بالعدل وإدارة دولاب الحكم، إلى الاندماج في المؤسسات القائمة على التنفيذ المحض لإرادة الحاكم المستبد، وخاضعة للإرادة الشخصية المتوحدة المتسيدة على قمة هرم الدولة. وتسود في هذا النظام التفسيرات والاجتهادات التي تدعم الوضع القائم، وتفرغ الدلالات القانونية المرتبطة بعمومية القاعدة القانونية وتجريدها، فتفرغ القانون من هذا المحتوى الموضوعي ليصير ذا مؤدى شخصي ومتشخصن لصالح أفراد وأناس بعينهم ذوي علاقات شخصية برأس الدولة ومن يحيطون به.
الأثار السالبة لضعف وفقدان الهوية التعاونية
تبعية الجهاز الديواني:
تنقلت تبعية الجهاز الحكومي الديواني للحركة التعاونية بين الوزارات منذ إنشائه وفيما يلي التطور لذلك :- السكرتير الإداري. وزارة الحكومات المحلية. وزارة الشئون الاجتماعية والعمل. وزارة التخطيط الاقتصادي. وزارة التجارة والتعاون والتموين. وزارة التعاون والتنمية الريفية. وزارة المالية والاقتصاد الوطني. وزارة التعاون. وزارة التجارة والتموين. وزارة التجارة والصناعة.وزارة التجارة الخارجية (حالياً). في حالة التبعية للوزارات يتعدل الاسم فتارة مصلحة التعاون وتارة قطاع التعاون و الآن الأمانة العامة للتعاون.
لقد كان هذا الوضع السيئ للجهة الإدارية المختصة بالتعاون من الأسباب الأساسية التي أثرت علي "الهوية التعاونية" مما أفقد الحركة التعاونية الكثير من حقوقها، فلازال السيد الأمين العام لأمانة التعاو