مشـروع الجــزيرة ـ الجــــزء اللأخير/ دكتور سلمان م.أ.سلمان

ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

مشـروع الجــزيرة ـ الجــــزء اللأخير/ دكتور سلمان م.أ.سلمان

مشاركةبواسطة Siddiq Abdelhadi في الجمعة يوليو 18, 2008 12:00 am

أضواء على مشروع الجزيرة

التطورات و المتغيرات و قانون 2005

تقديم الخبير فى البنك الدولى
الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان

عرض صديق عبد الهادى
(نقلاً عن أجراس الحرية ـ 17 يوليو 2008م)
الجزء السادس و الأخير – الخاتمة


اوضحت الحلقات الخمس الماضيه أن مشروع الجزيرة مرّ خلال سنواته الثمانين الماضيه بعدّة مراحل. وقد انتظمت كل مرحلةٍ جوانبُ من التطورات و المتغيرات. و يمكن تقسيم هذه المراحل الي اربعة:

أولاً: مرحلة نشأة المشروع و تطوره - 1925 – 1950
تم خلال هذه المرحلة وضع القواعد الآساسية التي تنظم العمل بالمشروع و تقنن علاقات الانتاج به. و هذه العلاقات تميزت، فيما تميزت به، بالخلط بين نظامٍ رأسماليٍ و آخر اشتراكيٍ. برزالنظام الرأسمالي في تركيبة الشركة الزراعية السودانية وطريقة ادارتها للمشروع. فالشركة شركة مساهمة مسجلة فى الآسواق المالية فى لندن و لها آلاف المساهمين من مؤسسات وأفراد يملكون فيها أسهماً و يتوقعون عائداً وفيراً منها كل عام. لذا كان هم الشركة الأساسي تحقيق أكبر قدر من الأرباح ارضاءً لهؤلاء المساهمين. و قد كان هذا هو السبب الأساسي الذى جعل الشركة تحمّل الزراع تكلفة الانتاج بدلاّ من تحملها بواسطة الشركاء الثلاثة – الحكومة و الشركة و الزراع ــ، و تبذل قصارى جهدها فى تقليل تكلفة الانتاج و تعزيز أرباحها.
من الناحية الأخرى كان نظام العلاقات بين الزراع أنفسهم نظاماّ اشتراكياّ تكافلياً يتحمّل فيه الزراع كمجموعةّ تكلفة زراعة القطن و توزّع الأرباح عليهم بعد خصم التكلفة الاجمالية، و ليس الفردية، لزراعته. و لكن تحت هذا النظام استوى المزارع الدؤوب الجاد بنظيره الذى لا يملك نفس المقومات. اذن فقد كان اطار علاقات الانتاج اطاراً رأسمالياً و كان المضمون اشتراكياً تكافلياً.
تميزت العلاقة أيضاّ ببعدٍ انضباطىٍ سلطوىٍ اشبه ما يكون بالنظام العسكرى. فالأوامر تصدر من موظفى الشركة للزراع في كل صغيرة و كبيرة تخص زراعة القطن بدءًا باعداد الأرض، و استلام التقاوى و السماد، و متى تتم الزراعة و متى تتم ازالة الحشائش و كذلك أوقات الرى و الرش و استعمال السماد و المبيدات و متى يتم جنى القطن و تسليمه للشركة و استلام الأرباح، بعد خصم التكلفة. و ليس هنالك اشراكٌ للزراع فى تفاصيل أىٍٍٍ من هذه العمليات، وليس لديهم بديلٌ غير اطاعة هذه الأوامر. و لتأكيد هذا النمط السلطوى فقد أعطت اتفاقية الاجارة بين الشركة و المستأجر الحق للشركة فى القيام بأىٍ من هذه الأعمال اذا فشل أىٌ من الزراع فى القيام بها وتحميله التكلفة المالية كاملةّ، و قد إنعكست ممارسة ذلك الحق في تطبيق ما عُرِف بين المزارعين بنظام "الطُلبة".
بعد أعوام قليلة من ادخال هذا النظام السلطوى لزراعة القطن بالمشروع بدأت بعض الثقوب تظهر فيه – ماذا يحدث اذا كان العائد للزراع ضعيفاّ أو لم يكن هناك عائد بسبب قلة الانتاج أو ضعف الأسعار؟ جاءت الاجابة فى تليين ذلك النظام قليلاً باعطاء الزراع حق زراعة الذرة واللوبية فى مساحة صغيرة اخرى، و يكون الناتج كلّه حقاً للزراع، و لكن بدون تمويل من الشركة. فهذان المحصولان قُصِد منهما امتصاص عدم رضاء الزراع وايضاً تحسين التربة. و قد قامت الشركة أيضاّ فى أواخر الأربعينات بانشاء صندوق الاحتياطى لمساعدة الزراع فى السنوات العجاف. غير هذا فقد ظل النظام السلطوى لعلاقات الانتاج كما هو طوال هذه الفترة.
امتد هذا النظام السلطوى الي ادارة الأراضى أيضاّ. فملاك الأراضى الذين أُعطوا أراضيهم أو جزءاً منها كحواشات اُعطيت لهم هذه الأراضى تحت عقد اجارة نزع منهم كل حقوق الملكية، وأصبح هؤلاء الملاك أجراء لأرضهم تحدد لهم الشركة ما يجب أن يفعلوه فى أرضٍ هى ملكهم. و قد كان الغرض وراء هذا الاجراء الغريب وضع أراضى المشروع كلها من الناحية القانونية و العملية تحت ادارة و سيطرة الشركة و تجريد الملاك من اى حقوقٍ تتصل بملكيتهم لهذه الأراضى. فالأجرة التى يتقاضاها هؤلاء الملاك أسقطت حقوقهم فى الأرض و فرضت عليهم اطاعة أوامر الجهة التى تدفع لهم الأجرة.
ترسّخ هذا النظام السلطوى خلال ثلاثينيات و أربعينيات القرن الماضى و أصبح نظام العمل المعروف و المألوف بالمشروع حتى بعد أن انتهى عقد الشراكة و آلت ادارة المشروع لمجلس الادارة السوداني. و كما ذكرنا فقد لعب العمل النقابي دوراً كبيراً في مشروع الجزيرة نتج عنه زيادة نسبة ارباح المزارعين، و لكنه لم يُحدث تغييراً ذا شأن فى علاقات الانتاج.

ثانياّ: مرحلة التوسع فى المشروع – 1950- 1975
انتهى عقد الادارة بين شركة السودان الزراعية و حكومة العهد الثنائى عام 1950 وانتقلت الادارة فى ذلك العام الى مجلس ادارة مشروع الجزيرة. وقد صدر فى ذلك العام قانون مشروع الجزيرة لعام 1950 والذى كان أول قانون ينظم العمل بصورة متكاملة فى المشروع.
تسمى بعض الكتب والتقارير هذه النقلة بانها "تأميم للمشروع"، و هذه التسمية ليست دقيقة لأن الأراضى و الخزان و القنوات بالمشروع لم تكن ملكاً للشركة حتى تؤمم، بل كانت ملكاً للحكومة، تديرها الشركة بمقتضى عقد ادارة انتهى ذاك العام ولم يتم تجديده. نتج عن هذا التغيير زيادة نسبة أرباح المزارعين و الحكومة بعد أن قلت نسبة أرباح مجلس ادارة المشروع. و زادت نسبة أرباح المزارعين مرّةً ثانية بعد ثورة اكتوبر ولكن هذه المرة على حساب نصيب الحكومة. عدا هذا فقد استمرت علاقات الانتاج على ما كانت عليه ابان فترة ادارة الشركة للمشروع.
كانت مساحة المشروع قد وصلت الى حوالى مليون فدان عام 1950، و كانت الدراسات الخاصة بامتداد المناقل قد قاربت الاكتمال. و فى عام 1954 بدأت المفاوضات مع مصر بغرض السماح للسودان ببناء خزان الروصيرص لرى امتداد المناقل. و رغم أنه تمّ الاتفاق بين السودان و مصر على بناء خزانى الروصيرص و أسوان، الاّ ان الخلافات حول حصة السودان ظلت عالقة و لم تحسم الاّ بعد عام من وصول الفريق عبود الى السلطة وتوقيع اتفاقية مياه النيل عام 1959. مع اكتمال خزان الروصيرص بدأ التوسع فى امتداد المناقل و بلغت مساحة المشروع اثر ذلك مليون و ثمانمائة الف فدان وتوسعت البنية التحتية من قنوات رى وطرق ومبانى و ارتفع عدد موظفى المشروع بصورةٍ كبيرة. و صدر قانون مشروع الجزيرة لعام 1960 لينظم هذا التوسع. و بذاك التوسع أصبح مشروع الجزيرة من أكبر المشاريع فى العالم تحت ادارة واحدة. و كما ذكرنا من قبل فالمشروع ليس أكبر مشروعٍ فى العالم كما يعتقد الكثيرون. فهناك عدة مشاريع فى العالم أكبرمنه مساحةً.

ثالثاّ: مرحلة التدهور و البحث عن حلول - 1975-2005
مع هذا التوسع بدأت مشاكل المشروع فى البروز الى السطح. فقد بدأت البنية التحتية التى تمّ إنشاؤها قبل أكثر من أربعين عاماّ فى التآكل والتدهور، و بدأت أسعار القطن العالمية فى التدنى و ارتفعت تكلفة الانتاج بصورة حادة بسبب ارتفاع أسعار الوقود. وإزداد الوضع سوءاّ بسبب التقلب فى السياسات الاقتصادية و الزراعية فى السودان فى السبعينات.
برزت أيضاً فى هذه الفترة مشكلة الأراضى الملك الحر. فقد انتهى عقد الايجار عام 1967 و طالب بعض الملاك باعادة اراضيهم اليهم بينما طالب آخرون برفع قيمة الايجار ليواكب الغلاء و تدهور الجنيه السودانى، و فى بداية السبعينات توقف الملاك عن استلام الايجار حيث أنه لم تعد له قيمة.
امتد التدهور ليشمل خزانى سنار والوصيرص. فبسبب كميات الطمى التى يأتى بها النيل الأزرق من الهضبة الاثيوبية فقد خزان سنار جزءاً كبيراً من امكانياته التخزينية وبدأت هذه المشاكل نفسها تعترى خزان الروصيرص و قنوات الرى بالمشروع، ولم تعد مياه الرى تصل بعض الحواشات بسبب تراكم الطمى و الأعشاب فى هذه القنوات.
تكونت فى هذه الفترة عُدة لجان، الواحدة بعد الأخرى، لدراسة هذه المشاكل ومحاولة ايجاد الحلول لها. و قد كان من ابرز التوصيات توصية الغاء نظام الحساب الجماعى واستبداله بالحساب الفردى و التى طُبقت عام 1981. أثار ذلك التغيير جدلاً حاداً فى أوساط المزارعين والمهتمين بأمر المشروع، بين مؤيدٍ يرى فى ذلك التغييرأملاً فى حلحلة مشاكل المشروع، و معارضٍ يرى فيه طعنةً لنظام التكافل الاجتماعى الذى ساد المشروع لأكثر من نصف قرن من الزمان.
و على الرغم من أن البنك الدولى والصندوق العربى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية و مانحين آخرين قد مولوا اعادة تأهيل المشروع بمبلغ فاق المائتى مليون دولار، الا أن هذا الجهد لم يكن كافياً لأن يعيد للمشروع فاعليته بسب عدم مصاحبته بالاصلاح المؤسسى. و لم يغير صدور قانون مشروع الجزيرة لعام 1984 شيئأ فى أمر هذا التدهور على الرغم من زيادة تمثيل المزارعين فى مجلس الادارة.

رابعا:مرحلة قانون 2005 وآثاره و مستقبل المشروع
اتسمت تقارير اللجان المختلفة التى كُونت للنظر فى أمر مشروع الجزيرة بالاختلافات فى مرتكزاتها و تحليلاتها لمشاكل المشروع، وعليه فقد اختلفت وتضاربت توصياتها. غير أن عددًا من هذه اللجان اتفقت على ضرورة اعادة النظر فى مسألة الشراكة وأيضا على دور الزراع فى علاقات الانتاج خصوصا مسالة التركيبة المحصولية. فى هذا الأثناء كانت مشاكل زراعة القطن آخذةً فى الازدياد و أسعاره العالمية آخذة فى التدهور.
عليه لم يكن أمراً مستغرباً بالنسبة للذين تابعوا تطورات و متغيرات المشروع أن يقوم قانون 2005 بادخال و تقنين مبدأ حرية اختيار المحاصيل. هذا التغيير الجذرى لم ينه فقط الارتباط التاريخى بين المشروع و محصول القطن و انما أنهى أيضاً ما تبقى من محاور علاقات الانتاج و قّلص بصورةٍ كبيرة دور مجلس ادارة مشروع الجزيرة فيما يختص بتمويل القطن و الاشراف على زراعته.
طُبق مبدأ حرية اختيار المحاصيل عام 2007 رغم صدور القانون فى عام 2005، و نتج عنه انخفاضٌ حادٌ فى المساحات المزروعة قطناً و زيادةٌ ملحوظة فى المساحات المزروعة قمحاً و ذرةً، ولكن كان هناك انخفاض فى المساحة الكلية المزروعة بالمشروع. فقد تمّ فى موسم 2007 -2008 زراعة حوالى مليون ومائتى الف فدان فقط من مساحة المشروع الكليّة البالغة مليونين و مائتي الف فدان (أى أن المساحةالمزروعة بلغت حوالى 55% فقط من مساحة المشروع). يُلاحظ أيضا الانخفاض في انتاجية الفدان بالنسبة للقمح مقارنة بالموسم السابق من قرابة الطن للفدان فى موسم 2006 – 2007 الى حوالى ثلاثة أرباع الطن هذا الموسم. و يعود هذا الانخفاض فى رأى مقدم الندوة الى عوامل عدة تتلخص فى التمويل و التسويق و الضرائب و نظام الرى.

(*) بالنسبة للتمويل فإنّه بالرغم من وجود البنك الزراعى و بنك المزارع فى أجزاء كبيرة من المشروع الا أن التمويل لمزارعى المشروع ما زال ضعيفا. و مع التوقف عن زراعة القطن فسوف يتوقف التمويل من ادارة المشروع الذى كان مرتبطاً أساساً بالقطن. عليه فإنّ مسألة التمويل تحتاج لحلول سريعة و فعّالة. و يُؤمّل أن يلعب البنك السودانى الأردنى المزمع انشاؤه فى ولاية الجزيرة دوراً قيادياً فى التمويل بأن يكون بنكا تنمويا و ليس تجاريا.

(*) بالنسبة للتسويق فقد كانت شركة أقطان السودان تقوم بتسويق القطن و يقوم المزارع بتسويق المحاصيل الأخرى. و الآن مع حرية اختيار المحاصيل فلا بد من ايجاد سبلٍ لمساعدة المزارعين فى تسويق هذه المحاصيل حتى يحصد المزارع ثمار جهده بدل أن تذهب هذه الثمار الى الوسطاء سواءً كانوا بنوكاً أو شركاتٍ أو أفراد.

(*) بالنسبة للضرائب فقد بلغت ذروتها عام 1996م عندما قاربت نصف انتاج المزارع. و على الرغم من الغاء الكثير من الضرائب المركزية، الاّّ أن الضرائب و الأتاوات و الجبايات الولائية و المحلية و كذلك رسوم الجمارك المركزية على بعض مدخلات و آليات الانتاج عالية جداً مما جعل المزارعين يضجون بالشكوى منها . و قد أثيرت هذه المسألة عدة مرات فى المجلس الوطنى واللجان المختلفة التى أُوكل اليها أمر تطوير ونهضة الزراعة، وعليه لا بد من ايجاد حلول فورية و فعالة لها. لقد تم اعداد مجموعة من الدراسات حول مواضيع التمويل و التسويق و الضرائب و تم تقديم بعض هذه الدراسات خلال ورشتى العمل الخاصتين بمشروع الجزيرة اللتين عُقِدتا فى العامين 2004م و 2005م. و تشمل هذه الدراسات مجموعة من المقترحات البناءة و التى يمكن الاستفادة منها فى هذه المجالات.

(*) بالنسبة لنظام الرى فقد أشار قانون 2005م الى أن تسليم قنوات الحقل لروابط مستخدمى المياه يتم بعد تاهيل هذه القنوات، و هذا اعتراف واضح من القانون (والمسؤولين) بالوضع غير الفعال لهذه القنوات. ان قنوات الرى هى شريان المشروع، كما يجب الاشارة الى أن المشروع يستهلك سنويا حوالى 8 مليار متر مكعب من المياه من حصة السودان البالغة 18,5 مليار تحت اتفاقية مياه النيل لعام 1959م (أى أن المشروع يستهلك حوالى 40% من حصةالسودان). و لكن الاستعمال غير المرشد و غير الكفء لهذه الكمية الكبيرة من المياه بسبب تدهور القنوات و مشاكل ادارة المياه سيظل عقبةً كبرى ليس فقط للمشروع و انما للسودان نفسه فى نقاشه و مفاوضاته مع الدول المشاطئة الأخرى لنهر النيل. و كما هو معروف فان هذه الدول بدأت تطالب بحقوقها فى مياه النيل.
من ناحيةٍ اخرى فقد أشار مقدم الندوة د. سلمان الى الدور الفعّال الذى تقوم به هذه الروابط فى دولٍ كثيرة من العالم فى ادارة مياه الرى، و أوضح أنه فى بعض الدول يتم تكوين اتحادات لهذه الروابط، و تقوم هذه الاتحادات بإدارة القنوات الكبرى و الرئيسية (وليس الصغرى فقط)، و تعرّض كذلك للوفورات التى نتجت فى المياه و فى تكلفة الصيانة والتشغيل إثر تولى روابط مستخدمى المياه لهذه المهام. و لابد من التأكيد أن هذه الروابط ليست سوى جمعيات تعاونية ينتخبها أعضاؤها بطريقةٍ ديمقراطية ويحاسبونها وفق اللوائح المنظمة للرابطة. و لابد كذلك من الاشارة الى أن ادارة قنوات الرى بواسطة هذه الروابط تحكمها اتفاقية مع وزارة الرى و أن هذه الروابط ملزمةٌ بتطبيق بنود الاتفاقية.

(*)لابد من الاشارة هنا الى مشكلة الأراضى الملك الحر فى المشروع، و ايجاد حلٍ لها وفق قانون 2005م الذى اعترف بالملكية و سنّ نزْع هذه الاراضى مقابل التعويض العادل. ان توصيات لجنة 2003م تعرض حلاً وسطاً بين مطالب الملاك الشاسعة و تجاهل السلطات لهذه المشكلة و يمكن الرجوع الي هذه التوصيات و الاهتداء بها. و لابد لذلك الحل ان يكون حلاً توفيقياً يأخذ في الاعتبار، أولاً، ان هذه الاراضي ملكٌ لاصحابها و أنهم لم يتلقوا عنها إيجاراً لاكثر من 35 سنةً، ثم ثانياً، و بالمقابل لابد من من الاخذ في الاعتبار ان تلك الارض كانت ارضاً تروى بالامطار ، و ان بعض اصحابها مُنِحوا حواشات و ان آخرين مُنِحوا إيجاراً لمدة 45 سنةً. فهاتان النقطتان لابد من إعتبارهما في أي سعيٍ يُرجى نجاحه في الوصول الي اي صيغة توفيقية تخص معضلة الاراضي في مشروع الجزيرة.

و نختتم هذه المقالات من حيث بدأناها. إنّ العالم يواجه اليوم أزمة غذاء حادة تتمثل فى الارتفاع الجنونى لاسعار السلع الأساسية بسب قلة العرض. وقد تأثرت حتى الآن أكثر من 22 دولةً بهذه الأزمة، و يتعرض أكثر من مائة مليون نسمة فى هذه الدول للجوع بسبب نقص الغذاء. و قد بلغت هذه الأزمة مداها عندما أوشك محصول الأرز على الاختفاء من الأسواق العالمية بسبب توقف الدول المنتجة (تحديدا تايلاند و الهند و الصين و فيتنام) عن تصديره. وقد ارتفع سعر الطن من الأرز خلال العام الماضى من 300 دولارً الى حوالى 1000 دولارً. أما بالنسبة للقمح فقد قلت الكميات المنتجة فى استراليا و الصين بسبب الجفاف و توقفت الأرجنتين و أوكرانيا عن تصدير القمح لفترة من الوقت وعاودت التصدير لاحقاً و لكن بكميات محدودة. نتج عن هذا ان تضاعف سعر الطن من القمح خلال العام الماضي من 200 دولار الى حوالى 400 دولار. و قد حدث نفس الشىء بالنسبة للذرة الشامية و فول الصويا و انعكست هذه الزيادات في الاسعار كذلك على السلع الغذائية الاخرى.
لقد أوضحت الأمم المتحدة الشهر الماضى أن 29 دولةً قد أوقفت تماماً أو قللت بقدرٍ كبير تصدير المواد الغذائية خارج حدودها أو فرضت عليها رسوم جمركية عالية أو قيود أخرى مثل تحديد الكميات التى يمكن تصديرها. حاولت بعض الدول مثل اليابان و سويسرا اللجوء الى منظمة التجارة العالمية لارغام هذه الدول على وقف هذه الاجراءات الحمائية و لكن اتضح أن معاهدة المنظمة لا تعطيها الحق فى التدخل فى مثل هذه الاجراءات، وأن كل ما تفرضه المعاهدة على هذه الدول هو أن تقوم تلك الدول باخطار المنظمة نيتها في اتخاذ هذه الاجراءات لا أكثر. و كان قد اتضح من قبل محدودية امكانية المنظمة فى التدخل لوقف ذلك الدعم الضخم الذى تقدمه الدول الصناعية لمزارعيها والذى أفقد مزارعى الدول النامية القدرة على التنافس.
لقد بدأت الدول المختلفة تتعامل مع هذه الأزمة بشتى السبل. فقد قررت الصين، بسبب الجفاف والنمو السكانى و ازدياد الطلب على المواد الغذائية بازدياد الطبقة الوسطى، اتخاذ كل الاجراءات المطلوبة لرفع معدّل انتاجية الفدان الواحد من طنٍ واحد للقمح لتصل الآن الى قرابة الطن و نصف الطن من القمح للفدان، بينما اتخذت الكثير من الدول مثل الهند و المكسيك و الفلبين قرارات متعددة لترشيد استهلاك المياه فى مجال الرى. و تسارعت وتيرة الاصلاح المؤسسى لقطاعى الزراعة و الرى فى عددٍ كبيرٍ من دول العالم. و بسب شح المياه فى كثير من هذه الدول فقد تركزت الجهود على تحسين أداء الأراضى المعمّرة أصلاً بدلاً من استصلاح أراضى جديدة تحتاج الى استثماراتٍ ضخمةٍ و مياه جديدة قد لا تكون متوفرةً أصلاً.
ان مشروع الجزيرة بتجربته التاريخية الطويلة و الثرية، ومساحته الواسعة، و امكانياته المتاحة الهائلة يستطيع ببعض الجهد و الإرادة السياسية أن يوفر للسودان احتياجاته الغذائية من القمح و أن يوفر لولاية الجزيرة احتياجاتها من الذرة، علي ان يكون ذلك وفقاً لمبدأ حرية اختيار المحاصيل للمزارع و الذي كفله قانون 2005م. فاذا استطعنا أن نرفع انتاجية الفدان الى 1,2 طن (و هذا متوسط انتاج الفدان فى معظم الدول) ونجحنا فى زراعة ثلثى المشروع قمحًا فان هذا سيوفر احتياج السودان كله من القمح كاملاً، بينما يمكن ان يوفر الثلث المتبقى من أراضى المشروع احتياجات ولاية الجزيرة من الذرة والمواد الغذائية الأخرى.
ولكن هذا الحلم لن يتحقق إلاّ باتباع السياسات السليمة فيما يتعلق بادارة المياه (بعد تأهيل قنوات الرى تأهيلاً كاملاً) و الضرائب و التمويل والتسويق، و توضيح ما تبقى من علاقات الانتاج بين المزارعين و ادارة مشروع الجزيرة. وقتها سيجد المزارع ما يكفى من الحوافز لكى يضع جلّ طاقته فى الانتاج و يساهم مساهمةً فعّالةً فى حلحلة مسألة الأمن الغذائى و التى هى بلا شك هاجس كل الشعب السودانى.
Siddiq Abdelhadi
 
مشاركات: 39
اشترك في: الجمعة يوليو 11, 2008 3:17 pm



العودة إلى ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron