مشـروع الجــزيرة ـ الجــــزء الخامس/دكتور سلمان م.أ.سلمان

ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

مشـروع الجــزيرة ـ الجــــزء الخامس/دكتور سلمان م.أ.سلمان

مشاركةبواسطة Siddiq Abdelhadi في الثلاثاء يوليو 15, 2008 11:02 pm

اضواء علي مشروع الجزيرة

التطورات، و المتغيرات و قانون 2005م

تقديم الخبير في البنك الدولي
الدكتور سلمان محمد احمد سلمان
عرض صديق عبد الهادي


الجزء الخامــــــــــــس
مختصر الجزء الرابع/
في هذا الجزء تمت الاشارة الي حقيقة ان تدهور مشروع الجزيرة قد بدأ في السبعينيات من القرن المنصرم. وكذلك تمّ رصد اسباب التدهور إياه و التي إنحصرت في تخلف الصيانة، إزدياد الطمئ، إزدياد اسعار المحروقات، إرتفاع تكاليف الانتاج و عزوف المزارعين عن الزراعة، عدم نجاح التحول من نظام الحساب الجماعي المشترك الي الحساب الفردي بسسب تلك الظروف، دخول المشروع في الدائرة الجهنمية التي تأطرت في ضعف التمويل و الصيانة و التشغيل الذي ادى الي تهالك الشبكة و من ثمّ الي ضعف عملية الري و الذي بدوره أدي الي ضعف الانتاج و من ثمّ عدم توفر التمويل لاجل الصيانة و التشغيل، وهكذا دواليك. و كان خاتم اسباب التدهور هو التخبط في السياسة الزراعية و غياب الاصلاح المؤسسي.
غطى الجزءالرابع محاولات التصدي لاسباب التدهور و التي تمثلت في تكوين اللجان المختلفة حيث وصلت في عددها الي 11 لجنة حتى العام 2008م. وأ نتجت تلك الجان تقارير عديدة تفاوتت في عمقها و جودتها. تمّ التوقف و العرض باستفاضة لتقارير ثلاثة لجان، وذلك لاهمية التوصيات التي ضمنتها تقاريرها. و هي لجنة ريتس في العام 1966م، لجنة د. حسين إدريس، و اخيراً اللجنة المشتركة بين البنك الدولي و حكومة السودان في العام 2000م و التي الي حدٍ كبير إستند قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م علي توصياتها. و هو القانون الذي عنى و يعنى بعرضه الجزء الخامس ادناه.


[b]الجزء الخامــــــــــــس[/b]
قانــــــــون مشروع الجزيرة للعام 2005م

الملامح الاساسية للقانون/

يعتبر صدور قانون مشروع الجزيرة فى يوليو عام 2005 من أهم التطورات التي شهدها مشروع الجزيرة منذ انشائه، ان لم نقل أنه أهم تطورٍٍٍٍٍٍٍ فى تاريخ المشروع. فقد أدخل هذا القانون تغييرات جذرية على وضعية المشروع و على نمطى الانتاج و الادارة بالمشروع. الغى هذا قانون و حلّ محل قانون 1984م، كما الغى ايضاً قانون اراضي الجزيرة لعام 1927م.
يُعرِف القانون فى المادة 4 مشروع الجزيرة بانه مشروعٌ اقتصادي و اجتماعي ذو نشاطٍ متنوع، يتمتع برعاية قومية للتنمية، وله شخصية اعتبارية مستقلة ادارياً و مالياً و فنياً و صفة تعاقبية مستديمة وخاتم عام وله حق التقاضى باسمه. كما أكّد القانون ملكية الدولة ـ ممثلة في وزارة المالية و الاقتصاد الوطنى ـ لأصول المشروع. و حدد تكوين المشروع من (1) المزارعين (2) الحكومة ممثلة فى وحداتها التى تقدم الخدمات الأساسية ومن ضمنها الرى والسلع العامة التى تشمل البحوث و وقاية النباتات والتقانة و الارشاد و الدراسات الفنية و التدريب اضافةًًً الى الادارة الاشرافية و التخطيط، و (3) القطاع الخاص بما يقدمه من خدمات تجارية مساعدة.
سنّ القانون عدداً من المبادئ الاساسية المهمة، يمكن تلخيصها في الآتي/

المبدأ الاول هو مبدأ حرية اختيار المحاصيل الذى تضمنته المادة (5) الفقرة (هـ) من القانون، حيث اوردت،"كفالة حق المزارعين في ادارة شأنهم الانتاجي و الاقتصادي بحرية كاملة في اطار المحددات الفنية و استخدام التقانة للارتقاء بالانتاجية و تعظيم الربحية منها". هذا النص يحتوي علي اهمية خاصة . فهو يعني ببساطة الآتي/
اولاً: فك الارتباط التاريخي بين مشروع الجزيرة و انتاج محصول القطن. ثانيا:ً انهاء الحلقة الاساسية في علاقات الانتاج داخل المشروع بين المزارعين و ادارة مشروع الجزيرة والتى تمثلت فى زراعة القطن و الاشراف عليه و تمويله. و هذا بالطبع تحولٌ كبير و جذري، و هو بلا شك اكبر تحول يمر به المشروع منذ انشائه قبل ثمانين عاماً. و رغم ان القانون كان ان صدر في العام 2005م، إلا ان تطبيق هذا المبدأ لم يتم حتى موسم 2007 ـ 2008م، كما سياتي ذلك لاحقاً في هذا المقال.
كان هذا التحول مثاراً للجدل و الخلاف حيث انتقده البعض، بل و رفضوه، باعتبار انه ينهي الدور التاريخي للمشروع في زراعة القطن، هذا من الجانب الاول، و يلغي، من الجانب الثاني، دور الدولة في تحديد اولوياتها بالنسبة للمحاصيل التي سوف تتم زراعتها، اما من الجانب الثالث فإنهم يرون ان هناك مخاطرة في زراعة محاصيل قد يكون المشروع غير مهيأ لها. واما علي صعيد المرحبين به فإنهم اولاً يرون ان المستأجر في المشروع ولأول مرة يتحول الي مزارع له حرية اتخاذ القرار فيما يريد زراعته و تحمل تبعات ذلك كاملةً. ثانياً، إنه ينهي الامتياز القسري لمحصول القطن، اما ثالثاً فإنه يضع حداً للنظام السلطوي لادارة المشروع بواسطة مجلس الادارة الذي درج علي تحديد المحاصيل و تمويل القطن و الاشراف العام عليه.

المبدأ الثاني الذي اقره القانون في المادة (16)، هو تمليك الاراضي للمزارعين. و في هذا الشأن وردت ثلاث معالجات كما يبين من الفقرة (2)، و هي/
"أ. المزارعون أصحاب الملك الحر الذين خُصصت لهم حواشات بموجب تلك الملكية تسجل لهم تلك الحواشات ملكية عين بسجلات الأراضي.
ب. الملاك الذين لم ُتخصص لهم حواشات عند التفريقة والذين لهم فوائض أرض وفق الفقرة (أ) تؤول أراضيهم للمشروع مع تعويضهم تعويضاً عادلاً.
ج. يملّك بقية المزارعين في المشروع من غير أصحاب الملك (الحواشات) التي بحوزتهم ملكية منفعة لمدة تسعة وتسعين عاماً."
واضحٌ ان هذه المادة قد انهت الايجار القسري للاراضي الملك الحر ، و قامت بتمليك الاراضي بالمشروع للمزارعين إما ملكية عين او ملكية منفعة. كما و انها قضت بنزع الاراضي من غير المزارعين و تعويضهم تعويضاً عادلاً. هذا هو الآخر تحولٌ جذري ينهي الاجارة القسرية التي استمرت ثمانين عاماً، غير انه ما زال تطبيق هذه المادة بعيد المنال و ذلك لمطالبة المالكين بمبالغ ضخمة تمثل كل من اولاً الايجار منذ عام1972م و ثانياً التعويض عن اراضيهم. و في صدد الايفاء بدفع هذه المبالغ ، ترى وزارة المالية انه يجب علي إدارة مشروع الجزيرة و المزارعين القيام بذلك. و لكن الواقع ان ادارة المشروع تغالب صعوبات حقيقية في دفع استحقاقات العاملين، كما و ان المزارعين ليسوا في وضعٍ يسمح لهم بدفع هذه المبالغ.

المبدأ الثالث هو اعطاء المزارع الحق في التصرف في الحواشة بالبيع او الرهن او التنازل وفق الموجهات التى يضعها المجلس. و قد ورد هذا المبدأ في المادة (17) و اثار الكثير من الجدل حيث اعتبره البعض امتداداً لحرية المزارع في ترك الزراعة ببيع حواشته و من ثمّ التحول الي عملٍ آخر ان أراد ذلك. كما رأى البعض ان ضمان حق الرهن يقتح امكانيات تمويل كبيرة للمزارعين. من جانبٍ آخر هناك منْ رأى ان اقرار مبدأ كهذا سيشجع المزارعين علي هجر الزراعة و سيؤدي بهم الي خسارة اراضيهم المرهونة في حال عجزهم عن سداد ديونهم.
لابد من الاشارة هنا الي امرين الاول هو ان تطبيق هذا المبدأ لم يتم بعد لان نقل ملكية الارض للمزارعين لم يتم بعد هو الاخر، اما الامر الثاني فهو ان ملكية الحواشة قد تمّ تقييدها بشروطٍ محددة فى المادة 16 من القانون نفسه تلخصت في استغلال الحواشة لاغراض الزراعة فقط، عدم تفتيت الملكية و اخيراً في حالة بيع الحواشة او التنازل عنها يتم تطبيق احكام الملكية بالشفعة.

المبدأ الرابع وهو انشاء روابط مستخدمي المياه لادارة و صيانة وتشغيل قنوات الحقل بالمشروع. و هذا المبدأ اقرته المادة (19) حيث نصت، "(أ) تُنشأ روابط لمستخدمي المياه تحت إشراف المجلس على مستوى المشروع تمثل الإدارة الذاتية للمزارعين ذات شخصية اعتبارية وتسلَّم لها مهام حقيقية في إدارة استخدامات المياه بالتعاقد مع وزارة الري والموارد المائية في مجال الإمداد المائي والاستشارات الفنية."
"(ب) تنشئ وزارة الري والموارد المائية إدارة خاصة لري مشروع الجزيرة."
تعرضت فكرة روابط مستخدمي المياه الي نقدٍ عنيف، و من ضمن ما قُدم في ذلك النقد اولاً ، انها فكرة غريبة علي السودان و لم تطبق من قبل فى أى مشروع زراعى. ثانياً، انها فكرة تخص و ترتبط بالدول التي تعاني من شح المياه و مصادرها. ثالثاً، ان تطبيقها يلغي دور وزارة الرى و مجلس الادارة و يحيله الي المزارعين. و رابعاً، إن المزارعين غير مؤهلين للقيام بهذا الدور. و من ضمن النقد أن هذه الروابط تخلق وسيطاً جديداً بالاضافة الي وزارة الري و مجلس الادارة، و أنها ستؤدى ً الي فصل الشبكة الصغرى عن الشبكة الكبرى.
حريٌّ بالاشارة، ان فكرة روابط او اتحادات مستخدمي المياه ترجع في بروزها الي سبعينات القرن الماضي و قد تمّ تطبيقها في عدة اقطار من العالم. تعتبر الدراسة التي قدمها دكتور سلمان محمد احمد سلمان ـ " الاطار القانوني لاتحادات مستخدمي المياه"ـ و التي قام البنك الدولي بنشرها في عدة لغات - واحدةً من الدراسات المقارنة القليلة التي تناولت تلك الفكرة. فالبرغم من ان الدراسة كان ان عالجت الاطار القانوني لروابط و اتحادات مستخدمي المياه، الا انها و من ضمن ما خلصت له هو ان مشاركة المزارعين عبر اتحادات مستخدمي المياه المنتخبة ديمقراطياً و المسجلة كشخصية اعتبارية قانونية في ادارة و تشغيل و صيانة اجزاء من انظمة الري، قد ادت فعلياً الي الآتي/
1- الاستخدام المرشد للمياه و الذي ادى و بالنتيجة الي وفورات فيها.
2- ازدياد امكانية الصيانة الجيدة لمرافق الري.
3- تقليل تكلفة التشغيل و الصيانة بصورةٍ كبيرة.
4- وضع الحد لمركزية تقديم الخدمات.
5- تمليك المزارعين و تمكينهم من صلاحيات ادارة شئونهم.
اشار مقدم الندوة الي نتائج دراسة اخري قام بنشرها في العام الماضي تحت عنوان " الاطار القانونى لادارة الموارد المائية". تبين من نتائج تلك الدراسة ان هناك اربعة عشر دولة من ضمن الستة عشر دولة التي شملتها الدراسة قد قامت بتبني فكرة "اتحادات مستخدمي المياه" و طبقتها بصورة مكثفة و تأكد نجاحها في تحقيق اهدافها، وأن الاصلاح المؤسسى فى قطاع الرى فى معظم أنحاء العالم قد تبنى فكرة انشاء روابط مستخدمى المياه. بل ان بعض الدول قد شكلت اتحادات لهذه الروابط وأناطت بها مسئولية تشغيل و صيانة القنوات الكبرى و الرئيسية، وأنه فى دولة شيلى قامت هذه الروابط بشراء القنوات والخزانات من الدولة وتقوم بادارتها كمالك وليس فقط تحت عقد ادارة.
نصّ قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م في المادة 28.(4) علي ان " يتم تسليم قنوات الحقل لروابط مستخدمي المياه بعد تأهيلها". ولكن، و بما ان التاهيل لم يتم بعد فإن انشاء الروابط و تسليم قنوات الحقل لها لم يتم بعد هو الآخر.

المبدأ الخامس: تقليص دور مجلس الادارة: تعرض القانون لتشكيل و تحديد اختصاصات و سلطات مجلس ادارة مشروع الجزيرة. ويتكون المجلس من رئيس يعينه رئيس الجمهورية وأربعة عشر عضواً. و يُمثل المزارعون فى المجلس بنسبة لا تقل عن 40% من عضوية المجلس. و يشمل المجلس أيضاً ممثّل للعاملين بالمشروع و ممثلين للوزارات المختصة (تشمل المالية، الزراعة، الرى، التقانة، بنك السودان، و وزارة الزراعة باقليم الجزيرة.) قلص القانون دور المجلس تقليصاً واضحا, و تتضمن المادة 9ً اختصاصات مجلس الادارة والتى تتلخص فى:
(‌أ) وضع الأسس العلمية للدراسات البحثية والاقتصادية والاجتماعية اللازمة لحسن استخدام موارد المشروع لتحقيق أعلى معدلات ربحية ممكنة.
(‌ب) وضع السياسات التشجيعية العادلة لتنفيذ سياسات الدولة الإستراتيجية للمحاصيل الزراعية.
(‌ج) إدارة وتطوير الخدمات الأساسية المتمثلة في البحوث ووقاية النباتات والتقانة والإرشاد وإكثار البذور والتدريب والطرق الداخلية.
(‌د) إرساء نظام تكافلي يسمح بتعويض المزارع المجد حال تعرضه للآفات والكوارث الطبيعية.
(‌ه) وضع المحددات الفنية للتركيبة المحصولية والدورة الزراعية.
(‌و) اعتماد الخطط والبرامج المرفوعة من المدير العام (و الذى يقوم بتعيينه المجلس).
(‌ز) تحديد فئة خدماته التي يؤديها بالتنسيق والاتفاق مع الجهات المختصة ويتم تحصيلها من المزارعين بواسطة روابط مستخدمي المياه.
يتضح من هذا العرض أن دور المجلس قد تقّلص و ينحصر فى البحوث و الاستشارات و الدراسات و وضع السياسات الزراعية، و أن عليه أن يتحصل على فئة خدماته من المزارعين. كما تجدر الاشارة أيضاً الى أن الغاء نظام زراعة القطن القسرية أدىً الي التقليل من اعتمادات المجلس المالية بسبب تناقص دخل المجلس من عائدات تمويل محصول القطن و المدخلات الزراعية.

هذه هى المبادئ الخمسة الأساسية التى يرتكزعليها القانون. و لابد من الاشارة هنا الي انه من بين هذه المبادئ لم يتم غير تطبيق مبدأ حرية اختيار المحاصيل، و الذي طُبِق في هذا الموسم 2007م/2008م. وبمقارنة بينه و الموسم السابق 2006م/2007م نجد ان المساحة المزروعة قطناً قد تقلصت الي حوالى 90 الف فدان هذا الموسم بدلاً عن حوالى 250,000 فدان في الموسم السابق، بينما زادت المساحة المزروعة قمحاً لتصل الي حوالى 427,000 فدان و قد كانت حوالى 294,000 فدان في الموسم الماضي. و هذا الابتعاد الكبير عن زراعة القطن لا بد أن يكون مؤشراً على تجربة المزارعين مع محصول القطن من النواحى الاقتصادية و الفنية و الادارية و غيرها من المناحى.
كذلك تم اعادة تشكيل مجلس الادارة حسب مقتضيات المادة 6 من القانون. و يُلاحظ أن وزير الزراعة لم يعد رئيساً للمجلس وهذا تأكيدٌ للوضع الذى ساد فى السنوات الخمس الماضية وألغى رئاسة وزير الزراعة للمجلس والتى كانت قد تضمنتها القوانين السابقة للمشروع.
تبقى مسألة ادارة المياه و قضية الأراضى و كذلك المشاكل و العقبات التى تقف فى وجه تطبيق و تفعيل القانون، وهذا ما سنتعرض له فى الحلقة القادمة والاخيرة من هذه السلسلة من المقالات.
[/b]
Siddiq Abdelhadi
 
مشاركات: 39
اشترك في: الجمعة يوليو 11, 2008 3:17 pm



العودة إلى ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron