الحزب الشيوعي و العقلية الانقلابية

ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

الحزب الشيوعي و العقلية الانقلابية

مشاركةبواسطة Siddiq Abdelhadi في الأحد ديسمبر 21, 2008 9:55 pm

في تداعيات الكتابة عن الخاتم عدلان

الحزب الشيوعي و العقلية الإنقلابية(*)

(1 من 2)
صديق عبد الهادي / فلادلفيا
تناول موضوع الحزب الشيوعي و الانقلابات عددٌ كبير من الباحثين و المؤرخين ، و قد اعتمدوا في بحوثهم وثائق و افادات قيِّمة، حاولوا من خلال قراءتهم لها تقديم تفسير قد يساعد علي الاقتراب من حقيقة ذلك الموضوع. و برغمه تبقي الحقيقة هي الطريدة الوحيدة عبر التاريخ التي تأبي ان تكون ملكاً لواحدٍ احد من الباحثين...فطالما انه لا يمكن لاحد ادعاء امتلاكها، رايت ان ادل بدلوي، خاصةً و انني وفي معرض كتابتي عن الراحل المفكر الخاتم عدلان ذهبت الي القول و بدون مواربة بان انقلاب مايو 1969 قد" خرج من بين يدي الحزب الشيوعي السوداني". عليه رايت ان ابين اسباب قولي ذلك.
حول علاقة الحزب الشيوعي بانقلاب مايو 1969 اود ان اعتمد من ضمن ما اعتمد تقرير سكرتارية اللجنة المركزية الخاص بحركة 19 يوليو 1971، فذلك التقرير رغم تاخر اعداده و نشره الا انني لا استطيع غير تثمين ما ورد فيه من معلومات و جهد واضح قبل ان استدل ببعض مما حوى على ما ذهبت اليه في الموضوع الذى نحن بصدده الان، اي خروج مايو من بين يدي الحزب الشيوعي.
لم يكتف التقرير بالعرض لملابسات 19 يوليو 1971، بل عرض لما قبلها، و اثنائها و ما بعدها اي حتى وقت انكسارها و فشلها.

اعتقد انه من المهم الوقوف عند تناول الحزب الشيوعي لموقفه من العسكريين الشيوعيين والديمقراطيين، ذلك التناول الذي انتج فهما ـ في اعتقادي ـ غير سليم لدى كثير من اعضاء و مؤيدى الحزب، إذ اضحى القول بان العمل العسكرى يتبع للعمل السياسي لايوحي فقط بملحقية العمل العسكري للعمل السياسي بل يبدو و كأن منْ يقوم بالعمل العسكري لا يملك تقديراً سياسياً صائباً، و ذلك رغم محاولة التقرير، جاهداً، إضفاء شيء من الموضوعية لجعل ذلك الإيحاء سلساً و ممكناً حيث اورد التقرير " إن الأمانة تقتضى التقيد بالدقة و الموضوعية في مناقشة و تقييم العسكريين ، فهم ما عادوا موجودين ليدافعوا عن وجهة نظرهم و يناقشوا فيها، فضلاً عن حقيقة انتمائهم للمؤسسة العسكرية ـ الجيش ـ يفرض طابعه علي تقديراتهم رغم انتمائهم الحزبي فهم في نهاية اللأمر ليسوا اول مجموعة عسكرية حزبية تغلب تقديراتها العسكرية علي التقديرات السياسية لحزبها ، بل و حتى الجناح العسكرى لحركة سياسية جماهيرية كثيراً ما افلت و فرض تقديراته علي قيادته السياسية ، ليس في هذا تبرير للخطأ ، لكنه اشارة للظاهرة السلبية ، و التي ظلت تعبر عن جذورها الفكرية في تجارب العديد من البلدان العربية بالصيغة المتداولة عن ان التنظيم العسكري الذي يؤسسه اي حزب او حركة سياسية إما ان تستخدمه القيادة في اللحظة المناسبة ، او يستخدم نفسه رغم عنها" ص 55 .
إن مؤدى هذه الصياغة و ما يُفهم منها كذلك هو ان تنظيم الضباط الاحرار لم يستخدم نفسه رغماً عن قيادة الحزب فحسب بل استخدم القيادة نفسها !!! و هذا بالطبع ما لم يتبناه التقرير صراحةً !!!.

في محاولة اخرى اراد التقرير ان يجد مسماً اخر لما اوحى به من عدم امتلاك العسكريين للتقدير السياسي السليم في احسن الأحوال ، و ذلك باللجؤ الي مفهوم اكثر شيوعاً و تداولاً، إن كان في الحياة الحزبية او في اوساط التنظيمات الديمقراطية التي حول الحزب، و هو مفهوم " الضعف الفكري و السياسي" ، الذي ورد في الصياغة التالية : " إذا لمسنا ضعفاً سياسياً و فكرياً في تقديرات العسكريين فتلك مسئوليتنا في قيادة الحزب حيال واجبنا الدائم برفع المستوى السياسي و الفكري لأعضاء حزبنا في كل موقع ."
إن المحاولة التي تستبطنها هذه الصياغات هي بلورة قناعة للقارىء بان العسكريين ، في نهاية المطاف ، هم منْ يتحمل مسئولية 19 يوليو 1971 كاملة... و ذلك بالنتيجة سيجعل من مشاركة قيادة الحزب في المسئولية امراً لا يمكن قبوله إلا علي اساس أن " الجاية من السما تتحملها الواطا"!!!. ففي ذلك مخرجٌ مريح لقيادة الحزب و متكأ تُلقى عنده المتاعب بالنسبة لآخرين....غير أن الأمر في جملته لا " مخرجاً" " ابقى" و لا " متكأً" "اقتطع"!!!.
عليه قبل الخوض في قضية المسئولية هناك حقائق لابد من بسطها تحت الاضواء الساطعة ، و تلك الحقائق هي :
اولاً/ إن العلاقة بين الحزب الشيوعي و تنظيم الضباط الاحرار هي ليست كعلاقة دولة ما بجيشها الوطني او القومي... إن تنظيم الضباط الاحرار تنظيم ديمقراطي مثله و رابطة الاطباء الاشتراكيين ، و الجبهة الديقراطية وسط المهندسين و الاقتصاديين ، و الجبهة النقابية وسط العمال...الخ.
إن العلاقة الفكرية و السياسية التي تحكم هذه التنظيمات هي نفسها ـ في عمومياتها ـ التي تنسحب علي علاقة تنظيم الضباط الاحرار بالحزب.

هذا الفهم ضروري لأجل معالجة القضايا الاخرى.
ثانياً/

حول تقديرات العسكريين التي جعل منها التقرير حجراً لزاوية التحليل الوارد فيه ، اعتقد انه من الضروري تثبيت حقيقة ان معظم الشيوعيين العسكريين كانوا اعضاء حزب قبل ان يكونوا عسكريين اي في مراحلهم الدراسية السابقة و قد نموا قدراً من الفهم و اكتسبوا حظاً من الخبرة السياسية و إن يفع ذلك الفهم و طري عود تلك الخبرة.
ذكر التقرير:
" و طرح بابكر { اي الشهيد بابكر النور ـ الكاتب ـ } انهم يواجهون ضغطاً من الضباط الديمقراطيين لتنظيم عملية عسكرية متكاملة للاطاحة بالسلطة ، و انهم يواصلون مناقشة اولئك الضباط عن ضرورة الارتباط بالحركة الجماهيرية و تجميع اوسع قوى ممكنة داخل الجيش." ص 20 .( التأكيد بالخط من عند الكاتب )
و للمرء ان يتساءل إن كان من الممكن التسليم بيقينية أن مجموعة الافراد التي ينتمي اليها منْ يفحص الامور و يدقق فيها بمثل هذه النظرة السياسية العميقة ـ أي الشهيد بابكر النور ـ يمكنها فعلاً ، اي تلك المجموعة ، تغليب تقديراتها العسكرية علي ما عداها، و بتلك الاطلاقية التي اوردها التقرير !!!
إني اعتقد ان الارض ستكون مهزوزة تحت اقدام منْ يوقن بهكذا تسليم...!!!.
ثالثاً/
إنه من المفيد جداً الاتفاق علي ان هناك قراراً سياسياً خلف انقلاب 19 يوليو 1971م ، ولو لم يتم الإتفاق علي الجهة التي بلورت ذلك القرار، لأنه و من البديهي ان اي عمل عسكري ـ مهما كان حجمه ـ له دافعه و محتواه السياسيان. إن ذلك الاتفاق من شأنه ان يضيق الشقة في الوصول الي الحقيقة بدلاً من المراوحة بين " تقديرات العسكريين " و " " الضعف السياسي و الفكري"...!!!.
و لكن يظل السؤال، ما علاقة كل ما ذكرنا بخروج "مايو من بين يدي الحزب الشيوعي" ؟

إن الموقف من المشاركة الذى تبناه الحزب الشيوعي في نهاية تحليله للحدث العسكري في 19 يوليو 1971 ، و على النحو الذى اوضحنا قد انتجه ذات المنهج الذى اتبعه الحزب في اجلاء موقفه من انقلاب 25 مايو 1969 ، فالموقفان لا يخلوان من صلة القربي في ردهما الي جذري الاملاء و المفاجأة او الخضوع للامر الواقع.
و لكن دعنا نستخدم مبضع العقل لتشريح ذلك الاملاء و الأخذ المفاجيء و الخضوع للامر الواقع كما هو واردٌ في تقرير سكرتارية اللجنة المركزية.
مما لاشك فيه، وقتها، ان سماء الوضع السياسي في البلاد كانت ملبدة بغيوم التوقع ، بل و بالإستعداد و القابلية للتغيير... كانت كل المؤشرات تؤكد ذلك... هذا على صعيد الظروف الموضوعية ،و لكن على الصعيد الذاتي لأولئك الذين نفذوا إنقلاب مايو 1969م هل كان الوضع مستتباً و والظرف مهيئاً ؟ و هل ساهم الحزب الشيوعي في ذلك التهيوء ؟ و هل كانت مساهمة الحزب عاملاً مؤثراً في وصول ذلك التضافر بين ما هو موضوعي و ما هو ذاتي الي نهاياته و من ثم نجاح انقلاب مايو 1969م ؟؟.
للإجابة علي هذه الأسئلة لابد من العرض لحقائق صلدة ، ليُنبني عليها اجتهادٌ موضوعي و منتج ، و من هذه الحقائق :
أولاً/
ورد في تقرير سكرتارية اللجنة المركزية حول 19 يوليو 1971 :
" إجتماع المكتب السياسي الذى إنعقد في 9/5/69 م ، ناقش إقتراح العسكريين بالإنقلاب ، و رفض الفكرة استناداً الي ما توصلت اليه اللجنة المركزية في مارس 1969 م حول التكتيك الإنقلابي. " ص 72 .

بالقطع ان العسكريين المُشار اليهم يشملون اعضاء تنظيم الضباط الاحرار ، و ذلك بحكم ان ذلك التنظيم ذو علاقة سياسية و تنظيمية ، في آنٍ معا ً ، بالحزب الشيوعي السوداني.
في النص اعلاه لابد من التمييز بين حقيقتين ، الأولى هي أن اللجنة المركزية ناقشت ، في دورتها في يوم 23 مارس 1969 ، التكتيك الإنقلابي كمفهوم فحسب، و ليس كإقتراحٍ محدد قدمه العسكريين كما هو موضح اعلاه. و حدث أن رفضت ذلك المفهوم .

أما الحقيقة الثانية فهي أن " إقثراح العسكريين بالإنقلاب " لم تناقشه اللجنة المركزية بشكل منظم إلا في مساء يوم 25 مايو 1969، اي بعد وقوعه ، و ذلك بناءً علي إفادتين :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)جاءت كتابة هذا المقال نتاجاً للحوار الذي اعقب كتابة و نشر سلسلة المقالات التي نشرها الكاتب بعنوان "و لقد مرّ الخاتم عدلان من هنا"، و ذلك بعد رحيل الخاتم في 2005م.




في تداعيات الكتابة عن الخاتم عدلان

الحزب الشيوعي و العقلية الإنقلابية(*)
(2 من 2)

أما الحقيقة الثانية فهي أن " إقثراح العسكريين بالإنقلاب " لم تناقشه اللجنة المركزية بشكل منظم إلا في مساء يوم 25 مايو 1969، اي بعد وقوعه ، و ذلك بناءً علي إفادتين :

الإفادة الاولى /

هي تلك التى اوردها د. فاروق محمد إبراهيم في مقاله المميز المنشور في مجلة قضايا سودانية العدد الرابع في أبريل 1994 م ، حيث كتب قائلاً :

" و لعل الزميلين نقد و التجاني يذكران في اجتماع اللجنة المركزية في دورة 23 مارس 1969 أن بعض الأعضاء طلبوا معرفة تفاصيل عما يجري داخل القوات المسلحة و ما يجري من تحضير لإنقلاب بين الضباط الأحرار ، فرد عبد الخالق ( هذا العمل يتعلق بحياة و موت زملاء يعملون في هذا المجال . اقول لكم كلام هنا و باكر يطلع في خباز( مقهى شهير في الخرطوم) . لو المكتب السياسي طلب مني برضه مش ح اقول له. إنتم إخترتوني لهذه المسئولية و أنا أنفذها بالطريقة التي اراها صحيحة) . " ص 26 .

بالمناسبة هذه واحدة من الإفادات التي تجنب الاستاذ التجاني الطيب الرد عليها في معرض رده الضافي علي د. فاروق محمد إبراهيم. و علي ذكر ذلك أود أن اقول أن تلك المساجلة التي تمت بين الاستاذين التجاني و د. فاروق أعتبرها من أقيم و أ عظم المساجلات الحزبية. فقد بذلا فيها جهداً مقدراً و راقياً . فهي قمينة بالإطلاع و بالرجوع اليها من وقتٍ الي آخر، برغم ما أصاب إستقامتها من رذاذٍ لمجانبة الموضوعية إلا انه لم يخدش قيمتها أو ينتقص من عمقها.

الإفادة الثانية /
اوردتها سكرتارية اللجنة المركزية في تقريرها حول 19 يوليو 1971 كما يلي :

" إجتماع المكتب السياسي الذى انعقد في 9/5/1969 ناقش إقتراح العسكريين بلإنقلاب و رفض الفكرة استناداً الي ما توصلت إليه اللجنة المركزية في مارس 69 ، حول التكتيك الإنقلابي . لم تتبعه دعوة سريعة للجنة المركزية لعرض الأمر عليها، ليس فقط لوضعها في الصورة أو لإعلامها بتطورات الوضع السياسي ، بل لتعبئة و توحيد مجموع الحزب في مواجهة الفكر الإنقلابي و التكتيك الإنقلابي." ص 72 .
(خط التأكيد من عند الكاتب.)
من هتين الإفادتين تبرز ملاحظتان في غاية الأهمية ، الأولى، هي أن ما توصلت إليه اللجنة المركزية في مارس 1969 م كان متطابقاً تماماً مع قرارات المؤتمر الرابع حول الموقف الرافض للإنقلاب. و الملاحظة الثانية هي أن فكرة انقلاب مايو 1969 م كانت متداولة في المكتب السياسي ، و بإشارة اكثر دقة ، كانت تفاصيلها محصورة بين تنظيم الضباط الاحرار و المكتب السياسي ممثلاً في السكرتير العام لحزبنا ـ الشهيد عبد الخالق محجوب ـ .
إن تغييب المعلومات عن اللجنة المركزية حول الإنقلاب ، و الضَن عليها بالمشاركة في بحث " إقتراح العسكريين بالإنقلاب " و ما ترتب عليه من عزلٍ لها يمثل حالةً لم تُملها ظروفٌ خارجة عن الإرادة و إنما أملتها و حتمتها ممارسة المركزية الديمقراطية . و لقد أصاب تقرير سكرتارية اللجنة المركزية ـ الذي نحن بصدده ـ كبد الحقيقة عندما ذكر ، ".....ليس فقط لوضعها في الصورة أو لإعلامها بتطورات الوضع السياسي ، بل لتعبئة و توحيد مجموع الحزب في مواجهة الفكر الإنقلابي و التكتيك الإنقلابي " ص 72 ، و عند هذه النقطة الفاصلة بين ممارسة المركزية الديمقراطية الماحقة و ممارسة الديمقراطية الطبيعية المفترضة في الحزب ، و بالنتيجة كان من الممكن تعبئة مؤيدي الحزب و جماهير الشعب ايضاً .

فذلك السلوك السياسي الخاطىء من قيادة الحزب هو الذى طمأن الإنقلابيين و اوحى اليهم بأن الحزب مأمون الجانب. لأنه فيما يبدو أن قناعة الحزب بالديمقراطية الليبرالية و بقرارات المؤتمر الرابع حول رفض الإنقلاب اصبحت مهزوزة. و في إعتقادي ان من ضمن ما قصم ظهر تلك القناعة و بشكل مباشر ، و إن لم يُقال بذلك صراحةً ، هو الطرد غير الدستوري للنواب الشيوعيين من البرلمان.!!!.
عملياً نجد أن الحزب قد أرسل الرسالة الخاطئة للإنقلابيين و ساهم في تشجيعهم و فتح شهيتهم لتنفيذ انقلاب مايو 1969 !!!.
قد يقول قائل أن الحزب كان رافضاً... و بدورنا نقول أي نعم علي المستوى النظري، ولكنه ذلك الرفض الحيِّي الذى لم يكن مرتبطاً بموقف صارم... بل كان رفضاًً راكناً الي بصيصٍ من العشم في أن طريقاً قد ينفتح لبناء سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطية...!!!
و من جانبٍ آخر يقول البعض ان الحزب كان متواطئاً فحسب، و ذلك استناداً علي حيثيات الحوار السياسي الذي كلن دائراً بين الحزب و الإنقلابيين و لفترة قد ترجع الي عام 1968 م ، اي لأكثر من عامٍ تقريباً. فلو سلمنا بذلك و إستجبنا للرغبة في انسياب الحوار... هل من الممكن ان يعتبر التواطؤ ، و في أي عرفٍ كان، نقيضاً للمشاركة ، هذا إن لم يكن جزءاً منها و أصيل ؟!!!
حاول تقرير سكرتارية اللجنة المركزية إلقاء ظلالٍ كثيفة علي بعض الحقائق ، بل و قطع التفكير فيها، إلا أنه علي العكس من ذلك تماماً فقد فتح أبواباً كثيرة لتطل منها أسئلة عديدة ـ عنيت بذلك الحقائق المتعلقة بمواقف ذلك الرجل الباسل ... الشهيد المقدم عثمان أبشيبة.
شارك الشهيد أبشيبة بشكل كامل في إنقلاب 25 مايو 1969 م و كذلك في إنقلاب 19 يوليو 1971م. حاول الحزب التبرير و من ثم رفع يده من مشاركة الشهيد الأولي في مايو 1969 م و ما ترتب عليها، إلا أنه ـ أي الحزب ـ اقر بالدور الباسل و الموقف المشرف للشهيد في المشاركة الثانية ، اي في 19 يوليو 1971 م.
قبل الذهاب الي القول بأنه من الصعب أخذ ما قاله الحزب عن مشاركة الشهيد المقدم ابشيبة في إنقلاب مايو 1969 م مأخذ الجد ، اعتقد أنه من المفيد جداً الإستئناس ببعضٍ مما عُرف عن ذلك الإنسان الفذ. ذكر الباحث الرصين د. عبد الماجد علي بوب في معرض بحثه الدقيق حول تقييم 19 يوليو 1971 ـ مذبحة بيت الضيافة ـ المنشور في مجلة قضايا سودانية العدد 26 في يونيو 2001 ، قائلاً :
" فالمقدم عثمان كان سياسياً متمرساً قبل أن يكون عسكرياً مشهوداً له بالكفائة و الشجاعة. إلتحق بالحزب الشيوعي في سني دراسته بمدرسة الخرطوم الثانوية المصرية ( مدرسة فاروق ) في النصف الثاني من الخمسينات." ص 41 .
أستعين بهذا المقطع من بحث د. عبد الماجد علي بوب ، و لكن الأمانة تقتضي أن أُشير الي حقيقة أن د. عبد الماجد علي بوب يتفق إلي حدٍ كبير مع ما ذهب اليه الحزب الشيوعي من تصريفٍ لكيفية إشتراك الشهيد ابشيبة في إنقلاب مايو 1969 م ، كما هو واردٌ في تقرير السكرتارية، أدناه :
" وفي هذا الصدد نشير الي أن إستنتاجاً مماثلاً كان قد أُثير في حدود ضيقة بعد إنقلاب 25 مايو مباشرة عن ملابسات إشتراك الشهيد أبشيبة في إنقلاب مايو مع القوات التي تحركت من خور عمر و هو الحزبي الملتزم في الوقت الذى عارض فيه الحزب الإشتراك في الإنقلاب و إمتنع الضباط الشيوعيون عن المشاركة و بعد الإنقلاب حوسب أبشيبة داخل التنظيم ، و برر إشتراكه بانه لم يكن يعرف قرار المكتب السياسي، و انه يشارك كعضو في تنظيم الضباط الاحرار" ص56 .

(خط التأكيد من عند الكاتب).

لابد من إضافة ان الشهيد ابشيبة كان أن إستمر قائداً للحرس الجمهوري حتى بعد طرد الضباط الشيوعيين من مجلس إنقلاب مايو ، و ذلك في نوفمبر 1970. إستمر ابشيبة في مركزه إلي وقت إشتراكه في إنقلاب 19 يوليو 1971 م.
لم يكن الشهيد المقدم ابشيبة قائدا أساسياً في إنقلاب يوليو 1971 فحسب ،بل كان الشخص الذي عُهد إليه بتوفير الحماية لسكرتير الحزب ، و ترتيب إختفائه داخل القصر الجمهوري. و هذه مهمة بالقطع لا تكفلها للشخص المنوطة به مقدراته التأمينية او العسكرية لوحدها و إنما تتطلب شروط اعلى من ذلك، أقلها رفعة المستوى السياسي و الفكري و صميمية الإقتناع بأداء المهام الحزبية الجسيمة... و لقد كان الشهيد ابشيبة مجسداً لكل ذلك.
فرجلٌ يمتلك ذلك التاريخ ، كما أورد د. عبد الماجد بوب، و له تلك المقدرة في الإستمرار في مركزٍ حساس كقائدٍ للحرس الجمهوري رغم ان الدائرة دارت علي الشيوعيين في المجلس العسكري ، و من ثم قيامه بذلك الدور الذي أصبح سابقة متفردة في العمل السياسي و العسكري ـ اي إخفاء عبد الخالق محجوب ـ أثناء التحضير و التنفيذ لإنقلاب يوليو 1971 ...رجلٌ قام بكل تلك المهام الخطرة هل من الممكن أن نأخذ علي محمل الجد ما صاغه الحزب من تبريرٍ لإشتراكه في إنقلاب مايو 1969 م علي اساس انه ـ أي المقدم أبشيبة ـ لم يكن مُلماً بقرار المكتب السياسي للحزب و لا بما يدور وسط تنظيم الضباط الأحرار...!!!
أعتقد ان ذلك التبرير أصبح فاقداً لمقومات تسويقه بين الناس...!!!
أود أن أُشير ألي حقيقة أن كل الأحداث و الوقائع التي نعالجها الآن قد أصبحت أحداث و وقائع تاريخية تستدعي تقديم تفسير ـ خاصة من قيادة الحزب ـ مختلف عما تم تقديمه من تفسير ساعة وقوعها لأن الظروف التاريخية و التقديرات السياسية و لربما التنظيمية حينها كانت تستوجب علي القيادة ذلك التفسير...!!!
إن العيب لا يكمن في محاولة الإصرار علي إعادة فحص الوقائع و إعادة فحص التفسير الذى إرتبط بها، بقدر ما يكمن العيب الحقيقي و يتحقق الضرر الماحق في محاولة الإصرار علي حبس الناس في حدود ذينك التبرير و التفسير اللذين قُدما و في تلك الظروف التاريخية المحددة.
أعتقد أن مقرارات المؤتمر الرابع في أكتوبر 1967 م تمثل الأرضية و المنطلق للمحاكمة و الإحتكام، إن كان علي المستوى السياسي او الفكري، و ذلك ليس بحسبها مقرارات مؤتمر عام و إنما لحقيقة انه قد تم إستخلاصها من تجارب خاضها الحزب و هو في أوج عنفوانه و من خلال معارك يومية و من مواقع حية وسط حركة الشعب، فيما قبل الإستقلال و أثناء الحكم العسكري الأول و حتى إنتصار ثورة الشعب في 21 اكتوبر 1964م.
إن الموقف الفكري الصارم ضد العقلية الإنقلابية و ضد إعتماد العمل العسكري الإنقلابي كوسيلة للتغيير السياسي لم يتم التوصل إليه عبر التأمل الفلسفي البحت و إنما جاء ذلك الموقف كقراءة متأنية و دقيقة لمسيرة الحزب السياسية في صعودها و هبوطها، و جاء ايضاً عُصارةً لمذاق تجارب عسكرية مريرة راح ضحيتها نفرٌ عزيزٌ من الضباط و صف الضباط و الجنود من افراد التنظيم العسكري التابع للحزب تحت مباركة و مشاركة حزبنا ، " فقد عارضنا إنقلاب نوفمبر 1958 بوصفه إنقلاباً رجعياً ، و أيدنا و شاركنا في محاولات الإنقلاب الأربع التي قام بها ضباط و صف ضباط و جنود وطنيون لإسقاط الفريق عبود في أول مارس 1959 ، و في 4 مارس 1959، وفي 22 مايو 1959 ، و نوفمبر 1959 " ، جاء ذلك في تقرير سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني المُشار اليه سابقاً ص5 .
فبعد عامٍ و نصف تقريباً من مقرارات المؤتمر الرابع غفلت قيادة الحزب كل تلك التجارب ، و ما تمخض عنها من رؤية صحيحة لتساهم ـ أي القيادة ـ عملياُ بذلك الإغفال في قيام إنقلاب مايو 1969م، و من ثم في تأييد و تثبيت سلطة ذلك الإنقلاب. كل ذلك قامت به بدون أي مبررٍ فكري أو إضطرارٍ سياسي كان سيركبها الصعب، سوى انها كانت واردةً مورد مركزيةٍ ديمقراطيةٍ غليظة.
إن للحزب الشيوعي السوداني مقدرات عالية علي التجاوز، و إمكانية مهولة لأجل التصحيح ، لا لأنه حزب خارق للعادة و إنما لأنه حزب متواضع خرج من بين صفوف الشعب، قدم شهداؤه أنفسهم و أرواحهم في تواضعٍ جم و في إقتناعٍ صميم. فحينما تُضىء أخطاؤهم الطريق بفضل تصحيحنا لها و الإعتراف بما فعلت قيادة الحزب ، حقاً ، نكون قد جعلنا اولئك الشهداء يتسنمون ذرى المجد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)جاءت كتابة هذا المقال نتاجاً للحوار الذي اعقب كتابة و نشر سلسلة المقالات التي نشرها الكاتب بعنوان "و لقد مرّ الخاتم عدلان من هنا"، و ذلك بعد رحيل الخاتم في 2005م.
Siddiq Abdelhadi
 
مشاركات: 39
اشترك في: الجمعة يوليو 11, 2008 3:17 pm



العودة إلى ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron