من الجبهة الإسلامية الى الوطني:إرث الرأسمالية وعنف التمكين(2

ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

من الجبهة الإسلامية الى الوطني:إرث الرأسمالية وعنف التمكين(2

مشاركةبواسطة Musadaq Alsawi في الاثنين ديسمبر 15, 2008 7:59 am

قبل أن أسترسل في الجزء الثاني أرجو أن أنوه هنا للدور الكبير الذي لعبته البنوك الإسلامية في تركيز سلطة الجماعة الإسلامية اقتصاديا.فالكل يعلم كيف كان يتم اختيار العاملين بتلك البنوك (إلا بعد توصية من أفراد الجماعة نفسها) وكذلك الحال إذا كنت ممن يبغي الاستفادة من القروض البنكية الميسرة كان عليك أيضا طرق نفس طريق التوصية السابق.وبالنتيجة التنظيم وأنصاره هم المستفيد الأكبر من وجود تلك البنوك وبالتالي المزيد من تركيز الثروة في أيدي التنظيم ومريديه.

القسم الثاني: ما بعد يونيو 1989:

هنا كانت البداية الحقيقية....جهاز الدولة ،الذي كان سابقا (معصلج)،صار بأكمله تحت السمع والبصر (واليد) ،فقط يحتاج إلى كيان قوي يسهر عليه مخافة تقول بقايا فلول الأحزاب أو بالأحرى فلول الرأسمالية " المندحرة".
إدارة جهاز الدولة بالقوة العسكرية سهل الكثير من الأمور والإجراءات.زيادة أسعار السلع الاستهلاكية كالسكر والقمح وخفض العملة الوطنية , بيع ممتلكات و أراضي الدولة وصرف العاملين للصالح العام ..الكثير من السياسات ،التي "تكفينا شر" تدخلات البنك الدولي وتوفر على الدولة مردودا من العملات المحلية يعين في تسيير دفة الحكم ،مرت بسلام عكس ما كان يحدث إبان زيادة أسعار السكر في فترة الديمقراطية.لكن تلك السياسات صارت وبالا وكارثة على المواطنين (الفقراء منهم خاصة).وهنا لا تكفي القوة العسكرية وحدها لمعالجة الأمر . "فالمرجفون" الحاقدون لا بد أن يخططوا "بليل" ضد الدولة مستغلين "معاناة" الشعب.لذا كان لابد من حشد طاقات الشعب المكبوتة في اتجاهين.
الاتجاه الأول وهو طبقي بحت تستعمل فيه الدعاية السياسية كمحرك أول ضد البيوت الثرية القديمة ممثلة في رموز النظام السياسي "البائد" والتشهير بهم "طبقيا" ومصادرة ممتلكاتهم.وهنا تظهر مفارقة "سياسية" تبدو غريبة للوهلة الأولى.فرئيس الوزراء آنذاك ،الصادق المهدي ،ووزير داخليته مبارك الفاضل كانا من أشد السياسيين حماسة لمشاركة أفراد الجبهة القومية في الحكم لكن كلاهما كان المستهدف الأول في حملة التشهير "الطبقية" المذكورة أعلاه. مما يوضح أهمية وجدية التخطيط السياسي الذي ينشد المردود الجماهيري السريع لكل خطوة يتم تبنيها حتى ولو كانت بحق أقرب الأقربين.
حتى "المدينة" وأبنائها مسهم "رأس السوط".فهم على رأس قوائم الإحالة للصالح العام.فمن المألوف في تلك الفترة أن تلاحظ هنا في المدينة بان أخيك أو قريبك أو أحد جيرانك أو أصدقائك في الحي قد شملتهم القوائم المشئومة.أما إن كنت من الموسرين فأنت أمام سيل من المضايقات التي لا تنتهي إلا بإفلاسك أو المشاركة "الزندية" في ما تملك.تصب تلك الإجراءات في الحراك الإجتماعي الحقيقي و"المفتعل" باعتبار أن صراع المدينة والريف هو صراع واقعي يكون الريف فيه هو المتضرر الأول والأخير من نتائج هذا الصراع ( بالرغم من أن هذا التحليل يعارض تماما الأدبيات الإخوانية المعروفة التي كانت بالضرورة لا تعترف بوجود الصراعات الاجتماعية).لكن الغرض من تلك الممارسات "الطبقية" واضح وهو الضرب بعنف وهز التركيبة الاجتماعية والاقتصادية،الضعيفة أصلا،ومن ثم البدء في إعادة ترتيبها بما يوافق القادمين الجدد حتى يتم "التمكين".بهذه الإجراءات السريعة والعنيفة استطاعت الحركة/النظام أن تحشد الكثير من أبناء الأقاليم في صفوفها خاصة من أبناء الشمال والغرب.
نعم , فالدعاية المرتكزة على أسس طبقية فعالة جدا في حالات الإستقطابات.فهي تنطوي ضمنيا علي "وعد" ببسط حرية اقتصادية "للجميع" ضد "الصفوة" المدينية وهذا بالضبط ما تنتظره الفئات "المتطلعة" في الريف التي كانت تعاني من احتكار النخب المدينية للأمور الاقتصادية.
الاتجاه الثاني وهو تصعيد الحرب في الجنوب والتي كادت أن تضمحل بفعل الاتفاقات التي كانت تسعى ورائها التجمعات والأحزاب السياسية (اتفاقية قرنق / الميرغني).وكما تغير التعامل في شأن السياسات الاقتصادية تأتي الحرب على نقيض ما كانت تنادي به الجماعة أيام الديمقراطية.فانفصال الجنوب كان مرحبا به طالما أنه "يريحنا من الجنوبيين" الذين يقفون حجر عثرة أمام تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية.لكن بعد الاستيلاء على السلطة وضح مدى قصر النظر في هذا الرأي.فتصعيد الحرب يفيد من عدة نواحي فهو:
1) شماعة يمكن أن تعلق عليها كافة الإخفاقات الاقتصادية .
2) وهو أيضا أداة استقطاب قوية ووقود متجدد للترسانة الإعلامية ( التي كانت العناية المميزة بها أمرا لا تخطئه العين).
هذا الجو المشحون بالإستقطابات يستدعي بالضرورة وحدة الصف تحسبا "من تربص أعداء الداخل والخارج" الذين علت نبرتهم بعد حرب الخليج الأولى ومحاولة اغتيال حسني مبارك, فعلى الجميع في التنظيم نبذ الخلافات ،التي تبرز عادة عند الإنفراد بالسلطة،لأن السلطة نفسها أصبحت مهددة بالزوال.
عموما فطالما أن الموقف الاقتصادي هو أضعف الحلقات فاللعب على الدعاية الحربية يشكل إحدى الإستراتيجيات الفعالة إضافة إلى انتهاج خطاب إعلامي صارم في الداخل لا يقبل المساومات مع موقف خارجي يكون تارة لينا وتارة أخري يسعى للابتزاز ومن ذلك دعوة الفصائل الأصولية (كحماس وبن لادن) إلى السودان باعتباره ملجئا آمنا لها. ليس هذا حبا في الأصولية الإسلامية (التي فارق التنظيم أطروحاتها بعد أن صار "جبهة ") ولكن بغرض المساومة وابتزاز الخارج الأمريكي والأوربي.فلسان حالهم يقول :
يا هؤلاء (الغربيون ومن شايعهم): ها هم الأصوليون طوع بناننا إن شئنا "حرشناهم" عليكم وإن " تهدوا اللعب معنا" مسكناهم عنكم أو طردناهم وكل بثمنه.
كان هنالك رهان خاطئ حول مدى قوة الحركة الإسلامية في الدول العربية والمدى الذي يمكن أن تصل إليه.فقد ظهرت إرهاصات قوية تمثلت في فوز الإسلاميين بالانتخابات في الجزائر واليمن والأردن وتونس وكذلك ظهورهم كقوة ضاربة في الشارع المصري مما أدى الى زيادة الرهان على إمكانية الاستيلاء على السلطة في كافة البلاد العربية بالانتخاب أو بالانقلابات العسكرية أو بالتحالف مع بعض النخب الحاكمة مما حدا بالتنظيم في السودان الرهان على صدام في حرب الخليج ليس حبا في صدام ولكن بغية زعزعة الأنظمة العربية (الهشة) حتى يسهل الانقضاض عليها لاحقا بواسطة الإسلاميين.لكن كل تلك الأحلام انهارت وخبأ بريقها بعد الخسارة السريعة في حرب الخليج. ووضح جليا مدى حجم المبالغة التي كانت في تصورات تلك القيادات..
لا سبيل إذن إلا بالرجوع والتركيز على السياسات الداخلية ومهادنة الخارج وثانيا لا حل إلا في القوة الاقتصادية.وقد كان البترول هو مفتاح الفرج.فبظهوره في المعادلة وجب التصالح مع الخارج تماما وثانيا مراجعة الأهداف المنشودة سابقا وإعادة ترتيبها (وربما تغييرها جذريا) عن تلك التي كان يسوق لها إعلام الحرب.
لن تمر تلك المراجعات دون ضحايا لكن أن يكون رأس التنظيم هو الضحية الأكبر فهذه هي قمة "الميكافيلية" التي دأب التنظيم على تبنيها.لكن وعلى النقيض من ذلك تماما تبين تلك الخطوة أيضا مدى بعد النظر وقوة الحسم الذي تتمتع به الاتجاهات الفاعلة والمحركة للتنظيم.وهو بذلك يكون التنظيم الوحيد في السودان الذي يقصي قيادته بتلك الطريقة العنيفة (هذا إذا استثنينا العملية الهادئة التي تمت بين الصادق المهدي وعمه الإمام الهادي عليه رحمة الله).
لماذا رأس التنظيم:
عدة "عصافير" يمكن إصابتها:
1) رسالة موجهة للخارج الذي كان يرى في الدكتور الترابي رأس الشيطان الإسلامي.في اعتقادي أنها كانت تحليلات متسرعة تجهل تماما اتجاهات القوى المحركة الفعلية والمؤثرة داخل التنظيم.ولم تك تلك المرة الأولى التي تخيب فيها التحاليل الغربية (والمصرية).فقد خابت أولا في 1989 حينما استبشرت الصحف الأمريكية (والمصرية) خيرا بمقدم الإنقاذ وانخدعت ببرامج ومؤتمرات السلام التي فبركتها الإنقاذ أول أيامها فسلمت "بجديتها للسلام" (مقارنة بالموقف المتردد الذي كان يبديه الصادق المهدي وحكومته). إذن ، فطالما هؤلاء "الخواجات" يمكن خداعهم ببساطه، فلا مانع في
مسايرتهم بأن الترابي هو الشيطان "بقرونه ".
2)الشيخ "لا يواكب المرحلة" التي لا تحتمل "كثرة النضم والبراغماتية الزائدة".الموضوع يحتاج لتركيز شديد للسلطة والثروة.فالشيخ يريدها حكومة "بلدية" على رأسها شيخ ومن ورائه حيران.حيران في "الشمال" و"الوسط" و"الغرب" وفي هذا بعثرة وعدم تركيز للثروة والسلطة.حيران يتكلم معهم بكل بساطة (غير دبلوماسية) يمكن أن تكون كارثية , كالحديث عن "دعم الأحباش عسكريا" أو الفساد الزائد عن 9%....وغيره الكثير.
3) الطبقة المدينية الجديدة لا تحتمل المزاحمة في " النعم" الجديدة وتريدها خالصة لفئات خاصة.
لم يقتصر الأمر على الإطاحة برأس التنظيم فقط بل تعداه إلى التحالفات التي عقدت سابقا مع أطراف كثيرة.الرأسمالية الإسلامية الجديدة التي كانت تعد نفسها لإرث الرأسمالية القديمة صار عودها الآن في طور الاستواء ولا بد لها من الآن فصاعدا أن تتصرف كرأسمالية مدينية. فمع كل عهد جديد يعاد صياغة المدينة بإضافات جديدة خصما على الماضي العتيق هنا تكون الرأسمالية الوليدة قد أنجزت بعض ما قدمت من أجله.(عموما من الملاحظات الغريبة في أمر الرأسمالية السودانية بأنها تمتاز بظهور الامتدادات السكنية الجديدة التي "تنبل" مع كل تغيير في الفئات الحاكمة.فرأسمالية عبود أنشأت حي الامتداد ثم جاءت زمرة مايو فأنشأت حي المطار وفي عهد الإنقاذيين الطويل حي المنشية و......الخ.).
لكن........ في دنيا المنافسة الحادة لابد من أن يكون هنالك رابحون وخاسرون.فمنهم من يمتلك القوة السياسية والاقتصادية فيستطيع مواصلة المشوار ومنهم من تلفظه الضرورات خارج الدائرة بواسطة الغربال الذي تضيق "أخرامة" مع مرور الوقت بفعل التركيز الشديد للثروة.فكل من أستعين بهم من "أولاد الغبش" في "التوطيد" و"التمكين" صار لا حاجة لنا بهم اليوم فهم مصدر إزعاج مستقبلي بل حتى يمكننا الاستغناء عنهم كما هو الحال بـ"مثلث حمدي".
من هنا ظهر ضيق أفق النظرة الرأسمالية المبني أساسا على الروح التي لا تعرف شيئا سوى الربح وإزاحة المزاحمين بكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة. ومن هنا أس البلاء الذي لا تزال ترزح تحت نيره البلاد والعباد.
Musadaq Alsawi
 
مشاركات: 182
اشترك في: السبت يوليو 12, 2008 1:04 pm



العودة إلى ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron