من الجبهة الإسلامية الى الوطني:إرث الرأسمالية وعنف التمكين(1

ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

من الجبهة الإسلامية الى الوطني:إرث الرأسمالية وعنف التمكين(1

مشاركةبواسطة Musadaq Alsawi في الخميس ديسمبر 11, 2008 11:16 am

القسم الأول: ( 1978 – 1989 )

( 1978 )* تاريخ هام ومفصلي في الحياة السياسية السودانية المعاصرة.
تم فيه حدثان هامان:
1) المصالحة الوطنية التي تمت بين أقطاب المعارضة (غير اليسارية) ونظام مايو.
كان تنظيم الإخوان المسلمون بمثابة الدينمو المحرك لتلك المعارضة. فهم العناصر الفاعلة في القيادة السياسية والعسكرية في الخارج والقطب المؤثر في الداخل بقوة تنظيمهم الطلابي الذي ظل مسيطرا على كافة الإتحادات الطلابية .لذلك فهم بثقلهم المميز داخل هذا الكيان المعارض كانوا وراء ترجيح كفة الوصول لمصالحة وطنية مع نظام مايو لأسباب موضوعية يأتي توضيحها في سياق هذا المقال.
2) إجراء أول تخفيض رسمي للعملة السودانية والذي تم بناءا على توصيات ,بل ضغوطات, البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على حكومة النميري.
في تلك الفترة ظهر للوجود كيان اقتصادي جديد أصطلح على تسميته فيما بعد بالرأسمالية الطفيلية. وقد كان هذا المولود هو النتاج الشرعي لتبني تلك السياسات.كانت الدولة هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في الاقتصاد.يأتي ذلك كامتداد طبيعي للاتجاهات "الاشتراكية" التي بدأت بها سلطة مايو حكمها.فهي المنوط بها تحديد أسعار السلع والخدمات (والتي لم يطرأ عليها تغيرا كبيرا لفترات طويلة ).لكن بدخول صندوق النقد الدولي طرفا في المعادلة صار هنالك تذبذب سريع في الأسعار بما في ذلك سعر العملة الوطنية.تكمن خطورة الأمر في ضعف إمكانيات الدولة من الواردات والعملات الصعبة.هذا الضعف الذي استحال إلى ندرة وعجز في توفير كثير من السلع الضرورية..وبالنتيجة: ندرة في السلع ودولة قابضة على مفاتيح التصدير والاستيراد ولفيف من البيروقراطية في مراكز القرارات التجارية والاقتصادية. تلك هي الإرهاصات الني فتحت الأبواب سهلة أمام الرأسمالية الطفيلية كي تغتني من حق الدولة نفسها. الثراء بإخفاء السلع (وافتعال الندرة أو تكريسها) ثم إخراجها بعد ارتفاع أسعارها, لم يكن أمرا عسيرا في مثل تلك الأجواء.فقط ببعض العلاقات مع كبار موظفي التجارة يمكن أن تنجلي كل الأسرار أمامك.فلم يكن من المستغرب, على سبيل المثال, أن فلانا الذي لم يكن يملك إلا عمته أصبح في عداد الأثرياء بين ليلة وضحاها.والأمر نفسه جرى,لاحقا , مع أصحاب الصرافات الذين انفتحت أمامهم أبواب الثراء على مصراعيها يفعلون فيها ما يشاءون تحكما في أسعار صرف العملات الأجنبية بعدما آل معين الدولة منها إلى نضوب .صارت هنالك مراكز لاحتكار هذا الوافد الحلوب في الخليج وغيره تقوم على إدارتها شخصيات لها علاقة بالإسلاميين. البلد بأكملها صارت نهبا للرأسمالية الطفيلية فهي متحكمة بالتموين وبالصادر والوارد (المعتمد بالضرورة على المكون الأجنبي).أما مراكز الإنتاج (الحقيقية) فقد تضررت أقصى الضرر من تلك السياسات ومن الارتفاع العالمي لأسعار النفط.فالزراعة أصبحت في خطر.وكمثال على التدهور الذي أصاب الخدمات فلقد لجأت المؤسسة الفرعية للحفريات إلى صرف العاملين (في الحقول) في إجازات مفتوحة وأوقفت العمل بالحقول لمدة تقارب 3 أشهر نسبة لعدم توفر المواد البترولية وقطع غيار الآليات (لعدم توفر العملة الصعبة). توقف أعمال الحفريات يعني إصابة أعمال الري بالخلل البليغ وبالتالي تضررت إنتاجية كل المشاريع المروية في الجزيرة والمناقل والرهد وحلفا الجديدة و..... وقياسا على ذلك يمكن تصور الضرر الكبير الذي حاق بأصحاب وملاك المشاريع الزراعية الصغيرة المنتشرة على طول النيل و أصحاب المشاريع الآلية......الخ
أما عن أرباب المصانع وأصحابها من الرأسمالية الصناعية فحدث ولا حرج فالضرر بين, وعلى ما أظن فإن أبلغ تعبير في وصف ما حل بهم من يأس وإحباط هو انضمام شخص محافظ كالدكتور خليل عثمان, الصناعي المشهور عليه رحمة الله, إلى الحركة الشعبية التي كانت تروج الدعاية المضادة بأنها حركة "ماركسية..يسارية...الخ".
هكذا صار لزاما على الصناعيين وأرباب الأعمال المخضرمين ابتكار وسائل تحفظ ما تبقى لهم من ماء "ثروتهم".الحل هو الإلتفاف حول تلك السياسات عن طريق " المخارجات" التي ابتدعتها مخيلة أصحاب المعامل الصغيرة ووتمثل في بيع المواد الأولية كالديزل والسكر والزيوت ....الخ, التي كانت تصلهم بأسعارها الأساسية ( مخفضة) ثم بيعها في السوق السوداء "وبلاش إنتاج ووجع دماغ".
بمعنى آخر صار التفكير الطفيلي و"الكسب السهل الرخيص" هو السائد , أما العمل الجاد الملتزم فقد صار ضربا من ضروب "الغباء" و"البلادة" التجارية.هذه المفاهيم انعكست بكلياتها على سلوكيات المجتمع..فهي حاضرة في الغناء الشعبي , وفي الصرف البذخي في الأفراح والأتراح و....الخ.الاستهلاك ولا شيء غيره.
كان هذا هو "الجو" السياسي والاقتصادي (بصورة عامة) الذي كان سائدا تلك الفترة.
هنا بدأ التساؤل: ما هو البديل الكفء لنظام مايو الذي ظل يبرهن عن عجزه في كل ليلة.....؟؟
من الملاحظ في تلك الفترة تكون "فجوات" طبقية في التركيبة المجتمعية.فالرأسمالية (القديمة),وهي الطبقة التي ما زالت في طور النمو,عجزت في أن تبني لها قواعد راسخة في النسيج الاقتصادي للبلد. فهي إضافة إلى المعاناة أعلاه الناتجة عن تبني سياسات الصندوق وقعت في تنافس غير متكافئ مع الرأسمالية الطفيلية الجشعة (والتي لا تحتاج أن تصرف على عمال أو موظفين يقضون مضجعها كل ليلة) فزاد في سوء موقفها "الطبقي" الذي آل إلى فراغ.لكن الفراغ الذي يحدثه تدهور الرأسمالية في الساحة الاقتصادية لا بد من ملئه طالما أن الدولة ما عادت تراهن على تبني سياسات اقتصادية "اشتراكية".. إذا نحن إزاء مجموعات متنافسة كل منها يتطلع لملئ هذا الفراغ.وهذا في حد ذاته باب للصراع ,ربما صار عنيفا أو هادئا, مرهون كلية بموازين القوى بين المتنافسين وسلطة الدولة المركزية.فإذا نجحت الدولة في الصمود حتى قوي عود الرأسمالية وأصبح لها وجود مؤسسي متين داخل النسيج الاجتماعي والاقتصادي ساعد ذلك في التقليل من الاضطرابات الاجتماعية التي عادة ما تصاحب مثل هذا الصعود (أو "التمكين").أما إذا فشل مسعى الدولة في هذا التمكين فعلى الدولة وساكنيها السلام فقد انفتحت عليهم كوة من الحروب الأهلية المزمنة التي لا يعلم إلا الله متى تنتهي (أفغانستان , الصومال..).
ظهر الأخوان المسلمون في تلك الحقبة كطبقة ثرية ومراكز نفوذ مالية قوية , يفترض أن تكون لها القدرة على حلحلة المشكل الاقتصادي المستعصي.فهم بهذا الفهم أقوى المرشحين لإرث الرأسمالية القديمة وبطريقة سلمية.
إذا كانت المصالحة الوطنية أفضل خيار للجماعة الإسلامية وكفى الله المؤمنين شر المعارضة والنضال.
لكن جهاز الدولة المايوية الإداري (البيروقراطي) كان هو العقبة الوحيدة أمام هذا الجيش المتحفز من الأغنياء.لا بد إذا من دفع بعض الفواتير المستحقة "لتليين" هذا الجهاز:تقديم التنازلات السياسية لمجموعة المايويين المستميية في خنادقها (من أمثال عبد الباسط سبدرات وأبو القاسم محمد إبراهيم). فلا مانع أن تدخل كل الزمرة الإسلامية في الإتحاد الاشتراكي (بالرغم من تعارض الاشتراكية مع الإسلام..!!) ويتبوأ المحامي الشاب علي عثمان منصبا قياديا فيه .كل ذلك يهون طالما أن جهاز الدولة الضعيف البنيان يمكن التغلغل فيه واللعب فيه من الداخل (وخاصة فيما يتعلق بمراكزه الاقتصادية).
الجهاز السياسي ممثلا في (مجلس الشعب) كان أيضا موضع اهتمام الجماعة الأكبر, فبفضله تهيأت حرية أكبر للحركة على نطاق البلد بأكمله وفيه تمكنت كوادر التنظيم من خلق قواعد آمنة وثابتة لها في الأقاليم المختلفة.في السابق , كان الطابع العام للحركة الإسلامية عقائديا بحتا , أو هذا ما كان يظهر على قاعدته الشبابية.فهم أهل صلاة وتقوى و"غباشة" لا تخطئها العين.وتغلب على رئاستهم تركيبة الطبقات الوسطى الزاهدة في الحياة أو التي لا تهتم كثيرا بالماديات. لكن بنهاية عقد السبعينات بدأت السحن تتغير سواء أكان ذلك في القاعدة أو في القيادة وبدأت بعض الأوجه المدينية تتبوأ مراكز مرموقة في التنظيم.إذا صار هنالك حراك كبير داخل التنظيم تتوج هذا الحراك بطلاق الاسم القديم (الإخوان المسلمون) واستبداله بالجبهة القومية الإسلامية ( بعد سقوط مايو).وفي اعتقادي بأن هذا التغيير في الاسم لم يأت اعتباطا بل جاء لكي ينهي تماما العلاقة مع التنظيم (الطلابي) القديم الذي لم يعد "يواكب العصر" إلى رحاب التنظيم الذي يدخل بثقله المادي الاجتماعي والاقتصادي إلى الحياة السياسية.هذه الجبهة استوعبت في معيتها الجميع حتى الذين كانوا يناصبون التنظيم القديم العداء السافر كعبد الباسط سبدرات (مجموعة المايويين) الصوفيين .....الخ.فعلى الرغم من أن جوهر فكر الحركة كان سلفيا إلا أن ضرورات التغيير الجديد سمحت بتناول كل المحظورات.وهذا فعلا مؤشر جيد لتنظيم يعي قدرات نفسه ويفهم ويتفهم الوسط الذي يعيش فيه وما تتطلبه المراحل.لذا كان من السهل اتخاذ القرارات الإستراتيجية الصحيحة وفي الوقت المناسب كقرار تنفيذ الانقلاب العسكري على الديمقراطية في يونيو 89.



* أوضح ديفيد هارفي في كتابه القيم "الليبرالية الجديدة" بأن 1978 – 1980 كانت فترة مفصلية في التاريخ السياسي الاقتصادي العالمي المعاصر .فهي الفترة التي شهدت ظهور التاتشرية / الريجانية التي حولت مجرى الاقتصاد العالمي من اقتصاد فيه الغلبة لمراكز الإنتاج والتصنيع إلي سيطرة واحتكار مراكز التمويل المالي العملاقة أو عصر "الليبرالية الجديدة".
Musadaq Alsawi
 
مشاركات: 182
اشترك في: السبت يوليو 12, 2008 1:04 pm



العودة إلى ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron