تنوير للعامة في مواجهة "رطانة" مشروع الموازنة

ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

تنوير للعامة في مواجهة "رطانة" مشروع الموازنة

مشاركةبواسطة Siddiq Abdelhadi في الخميس ديسمبر 04, 2008 11:28 pm

تنوير للعامة في مواجهة

"رطانة" مشروع الموازنة(*)



صديق عبد الهادي




لا يخالج المرء شك في انه، و علي عكس تنطع الصفوة منهم، هناك نفرٌ كثيرٌ من الاقتصاديين النجباء، لا يميلون فقط بقلوبهم و بعواطفهم الي حيث يرتع الفقر ، اي بين السواد الاعم من الناس، و إنما يجهدون بصدقٍ و دأب الي بذل معارفهم في سبيل التوضيح، و بشكل سهل و مبسط، لما تعقّد من امر الكثير من المفاهيم و خاصة الاقتصادية. و هي مفاهيم بالنسبة للعامة من الناس قد تبدو ليست كـ"الرطانة" تشبهاً و إنما هي "الرطانة" بعينها، حيث يتمترس من خلفها عددٌ ليس بالقليل ممنْ تُدفع اجورهم بواسطة العامة انفسهم، اي من خزينة الدولة، لاجل ان يقوموا بالعكس من ذلك تماماً!!! اي ليفكوا الطلاسم و ليقولوا للناس بشكل بسيط و مفهوم كيف تعمل "دولتهم" ، هذا الكائن الحي ، و كيف تعيش؟ اي بإختصار ما هو الاداء الاقتصادي للبلد؟

هذه الايام يدور الحديث عن الموازنة لعام 2009م. إن إطلالة الموازنة، بالطبع و كما هو معلوم، تعني إنطلاقة موسم "الرطانة" للمتخصصين الرسميين!!!. و بالفعل قد بدأها السيد وزير المالية، بالقول من شاكلة "ان إقتصادنا يتمتع بمزايا تخفيف الازمة"، و ذلك إبان مناقشته للموازنة !!!. علي اية حال و في مواصلة الجهد الصادق لاقتصادي الشعب، سنتناول توضيح بعض المفاهيم و التي قد تساعد القارئ من العامة علي الاقتراب من، بل و المشاركة في الحوار فيما يخص المسائل المهمة كالموازنة ، و هي من القضايا الواجب فهمها لانها تتعلق بـ "المعايش" و بالحياة اليومية للناس. سابدأ بمفهوم التجارة مع الآخرين، اي التجارة بين الدول او التجارة الدولية و التي لامستها "الموازنة" كثيراً حين الحديث عن الضرائب و التعريفة الجمركية و غيرها.

تعتمد التجارة مع الآخرين علي حقيقة بسيطة و هي تمتع دولة ما بافضلية نسبية في انتاج سلعة ما، يمكن تصديرها. و ذلك فيما يعني ببساطة، هو انه اذا كانت دولة السودان تٌوظف موارداً إقتصادية ، و بما في ذلك التخلي عن إنتاج سلع اخرى،في انتاج سلعة القمح اقل من الموارد التي توظفها المملكة العربية السعودية، فذلك يعني ان تكاليف انتاج القمح في السودان اقل من تكاليف انتاجه بالنسبة للسعودية و ذلك مما يعطي افضلية نسبية للسودان علي السعودية في هذه السلعة المحددة، و هي القمح. و بالتالي فإن وضع السودان في التجارة الدولية فيما يتعلق ببيع هذه السلعة سيكون افضل من السعودية. والفائدة في انتاج هذه السلعة بواسطة السودان لا تتوقف علي السودان لوحده و انما يستفيد منها العالم باجمعه لا ن موارد اقتصادية اقل ، من موارد العالم الشحيحة اصلاً، تم توظيفها لاجل انتاج سلعة ضرورية. هذه الحقيقة البسيطة تقودنا في قراءتنا للموازنة الي السؤال، في ظل الظروف الحالية، عما هي السلع الانسب والاجدى من ناحية الافضلية الانتاجية بالنسبة للسودان؟. إن انتاج السلع الزراعية و الحيوانية في ظل الظروف الحالية قد يكون اكثر جدوى من البترول بالنسبة للسودان، و خاصة اذا ما انعمنا النظر في التدحرج المتوقع لاسعار هذه السلعة!!!.

و نأتي الي تناول "التعريفة الجمركية" و تطبيقها الذي له علاقة وطيدة بالتجارة مع الآخرين ـ بمعنى ان التعريفة الجمركية هي واحدة من قضايا التجارة الدوليةـ. هناك لبسٌ شديدٌ فيما يخص التعريفة الجمركية. بداية ً،من زاوية التجارة الدولية فإن التعريفة الجمركية غير محبذة لان فرضها يضع منتجي البلد المصدر في وضع غير متكافئ مع منتجي البلد المستورد، فلذلك فإن الاصل في فرض التعريفة الجمركية، و السبب الاساس من ورائه هو حماية المنتجين المحليين. و بما ان السودان يستورد سلعاً لا ينتجها في الاساس ، فإن فرض التعريفة الجمركية لا يمثل غير مصدر دخل للحكومة و عبء علي المواطنين، لان ليس هناك من منتجٍ مستوجبة حمايته. فلذلك عندما تتخلى الدولة عن فرض التعريفية الجمركية فإنها لم تختر "الطريق الصعب" كما قال السيد وزير المالية في البرلمان و بما يشبه الامتنان، و انما هي في الحقيقة قد رجعت الي الاصل في الممارسة الاقتصادية. عليه، فإن كانت فطامة الحكومة صعبة من "الرضاعة و هي متكئة" علي جباية التعريفية الجمركية فلها مشارب اخرى تتمثل في وقف الصرف غير الضروري علي تلك البنود التي لا علاقة للمواطن بها!!!. و هي بنودٌ كُثر!!!.

و لكن، إن كان و لابد من ان ينصلح حال الموازنة الحالية لعام 2009م، فعلي الحكومة يقع واجب النظر في مسألة معدل صرف الجنيه السوداني أيضاً. و معدل صرف العملة هو الآخر يمثل احد قضايا التجارة بين الدول، بل و قضية في غاية الاهمية. إن السودان كبلد مستورد اكثر منه مصدر يحتاج الي ان تكون عملته ثابتة و ذات معدل صرف اعلى بالنسبة للدول التي يستورد منها. فجمهورية الصين، مثلاً، تحتاج الي عكس ذلك تماماً لانها دولة منتجة ومصدرة للسلع في الاساس، فلذلك كلما كانت عملتها ذات معدل معقول بالمقارنة لعملة الدول التي تستورد بضائعها ـ اي البضائع الصينية ـ كلما تمكنت الصين من خلق "ذبائن عالميين" اكثر و من ثمّ الاستحواذ علي نصيب اكبر من السوق العالمي. و لهذا السبب بالتحديد كانت الولايات المتحدة كثيراً ما تفقد وقارها "التجاري" و تُكثر من تحذيرها للصين من مغبة تخفيض عملتهاـ اليوان ـ . هذا بالاضافة الي ان المستهلكين في الولايات المتحدة سيلجأون الي شراء المنتجات الصينية إزاء منتجاتهم الامريكية المحلية لان الدولار بقيمته الاعلى من قيمة اليوان الصيني سيمكنهم من شراء القدر الكبير من السلع الصينية!!!.

إن الاضاءة التي قمنا بها للقضايا اعلاه تمثل جانباً مهماً في فهم و متابعة اي حوار حول الموازنة ، بل و المساهمة فيه. هذا بالاضافة الي شحذ الانتباه في مواجهة الالتفاف علي قضايا المعيشة. فالامر في رمته لا يتعلق سوى بالانتاج، السلع، الضريبة، التعريفة الجمركية ...الخ. و هي قضايا في جوهرها، وكما وضح، ليست عصية علي الفهم كما يبدو من "رطانة" المتخصصين الرسميين، و إنما في مقدور اي مواطن إدراكها. أما اولئك المتخصصين الرسميين فقد درجوا ألا تُرى لهم شدة بأسٍ إلا في خلق الحواجز المعرفية الغليظة بين عامة الناس و قضاياهم الحيوية.

نأمل في ان نضئ في الايام القادمة، إن شاء المولى، مفاهيم و قضايا اخرى ذات صلة بالموازنة، و ذلك قبل ان نتناول الموازنة نفسها بالتحليل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) جريدة "أجراس الحرية" في 1 ديسمبر 2008م
Siddiq Abdelhadi
 
مشاركات: 39
اشترك في: الجمعة يوليو 11, 2008 3:17 pm



العودة إلى ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron