حيثيات الواقع الإقتصادى – الإجتماعى فى السودان، وآفاق التغي

ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

Re: حيثيات الواقع الإقتصادى – الإجتماعى فى السودان، وآفاق التغي

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الاثنين سبتمبر 17, 2012 7:30 am

1-2-1-3 خطاب الرئيس البشير فى 30/06/1989م:

فتاح يا عليم، رزَّاق يا كريم، يطل علينا الرئيس البشير فى 30/06/1989م بخطاب (راجع مقتطفاته الرئيسية هنا: http://www.alsahafa.sd/details.php?arti ... ermanent=0) أيديولوجى ترشح منه عمداً أيديولوجيا برجوازية الدولة المتظاهرة بأنها فى نأى عن الطبقات المسيطرة فى المجتمع السودانى. وكان ذلك كذباً صُراحا؛ إِذْ أنَّ الرئيس يعلم مسبقاً ومنذ الوهلة الأُولى أنَّه يقود إنقلاباً عسكرياً بإسم الجبهة الإسلامية القومية.

وهكذا أراد البشير أن يكتبَ، أوَّل ما يكتبُ، فى صحيفته السياسية أنَّه كذَّاب. قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيكذب المسلم؟ قال لا". وهذا النفى القاطع من الصادق المصدوق "صلوات ربى وسلامه عليه"، ينفى وينسف أىَّ صفة إسلامية تتنطع بها الإنقاذ (الجبهة الإسلامية القومية) حتى إشعار آخر.

إذاً، هذه الصفة وحدها، التى يُظهر فيها البشير خلاف ما يُبطن، تستوجب جداراً سميكاً من الأيديولوجيا، لتغطية التناقض الذى على محمول النفاق (أُنظر الفقرة الأخيرة من الخطاب).

كذلك فالطابع الأيديولوجى لخطاب البشير تؤكده حقيقة إصابته بالأمية الديجيتالية، والإكتفاء بدغدغة العواطف الحماسية المُدِرَّة للنخوة فى بادئ الأمر. وبذلك نجد أنَّ مفردة القوات المسلحة ومترادفاتها والمعطوفات عليها، ذُكرتْ أكثر من 77 مرة فى متن الخطاب، والإقتصاد ومترادفاته أكثر من 74 مرة، والسياسة 24 مرة. وذلك يعكس مسبقاً ما يُراد أن يُعمل بالعسكرى والإقتصادى.

كذلك من الأُمور التى تبرهن على الطابع الأيديولوجى لخطاب البشير، هو أنَّه لم يستطع البشير ومعه كافة أجهزته الحكومية، من إعادة ذلك الخطاب على الشعب السودانى ولو لمرة واحدة. وقد خلت كل الإعياد السنوية لذكرى حكومتهم المشئومة من ترداده؛ وذلك ببساطة لأُنَّ المفارقة بين ما قال وما فعل، فاضحة لشأنهم وغير قابلة للتجسير.

ولم يمضِ وقتٌ طويل (بل هى أشْهُرٌ معدوداتٌ) على ذلك الخطاب المُحايد مخاتلةً، حتى أشهَرَتْ الجبهة الإسلامية القومية المحبوسُ عرابِّها تمويهاً، أنَّها الفصيل التكنوقراطى/السياسى للإنقلاب العسكرى. ومن يومها إختلط حابل الدين بنابل الدولة ليؤسس لدولةٍ إسلاميةٍ إسماً؛ كونها غير متأسِّية بالإسلام الحق المُتَشَرَّبِ كسلوك ومعاملة (الذى رسَّخه حبيبنا النبى محمَّد، صلوات ربى وسلامه عليه، وصحابته الأكرمين)، وغير قادرة على تفسير الإسلام النصوصى؛ ولذلك لجأت لصناعة أيديولوجيا مفصلة على مِزاجها الخاص؛ مِزاج دنيوى صراعى من الدرجة الأولى، وبعيد من النصوص والسلوك معاً. وذلك لأنَّ الإيديولوجيا أهم من النَّص والتعفُّر بالواقع فى المراحل الأولى من تشكُّل الدولة. وهذا يثبت ثانيةً الطبيعة الأيديولوجية لخطاب البشير.

لذلك لم يتورع الترابى من أن يقول (وهو العاجز عن تفسير الإسلام النصوصى): "أنا تعلمتُ أكثر مِمَّا تعلم الصحابة، وانفسحتُ عنهم". بل حتى صِبيانُهُ لم يتورعوا من قول "نحن رجال والصحابة رجال"، وقد سمعنا ذلك منهم. وهذا القول ليس فيه تأسِّى بالإسلام، ولا بنبىِّ الإسلام، عليه من الله أفضل الصلوات والسلام، ولا بصحابته الكرام. هذه أيديولوجيا محضة، هذا هو المشروع الحضارى.

عليه هذه العقلية الإسلاموية تحب العيش فى فضاء الأيديولوجيا، وتهرب من النَّص والتأسّى السلوكى فى وقتٍ متزامنٍ، لا قبل ولا بعد. وذلك لأنَّ مخالفة النَّصَّ يسببُ حرج/مشكلة عقدية، وإذا تعفَّر النَّصُّ بالواقع (أى إذا تأسَّى بالإسلام الصحيح)، أنتجَ معرفةً ماديةً حقيقيةً فاضحةً لسلوكهم المفارق للجماعة، عصريةً كانت أم سلفية.

والمحصلة، أنَّ الإنقاذيين يهتمون بالأيديولوجيا الدينية أكثر من إهتمامهم بالدين الحق (نصوص/سلوك)؛ وقد "أجمعوا أن يجعلوه فى غيابة الجب" (أى الدين)، ليخلو لهم وجهُ أبيهم. ومن السهل أن يُدرك المرء، أنَّ إسلاميىِّ السوادن يتعبدون بالمشروع الحضارى، ولا يتعبدون بالكتاب والسنة. والشاهد، كيف لمسلمٍ يتحقق بالكتاب والسنُّة، يسمح بأنواع الفساد التى طفحت خلال الربع القرن المنصرم، والتى شهِدتْ بها أقلامُهم هم، ووثائقُهم هم، دعك عن أقلامِ الغرماء السياسيين ووثائقِهم.

يتبع ...
آخر تعديل بواسطة حسين احمد حسين في الجمعة سبتمبر 21, 2012 12:00 pm، عدل 2 مرات.
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: حيثيات الواقع الإقتصادى – الإجتماعى فى السودان، وآفاق التغي

مشاركةبواسطة صديق عبد الهادي في الخميس سبتمبر 20, 2012 12:45 pm


الاخ حسين
سلام

نتابع معك هذا التشريح البصير على مستوى الخطاب "النص" وعلى مستوى الفعل الاجتماعي "الصراع" ووجهته الطبقية.

ما زلت على وعدي بالحوار..وعلى مهلتك إلا ان تنتهي من كتابتك المغرية.


تحياتي

صديق.
صديق عبد الهادي
 
مشاركات: 142
اشترك في: الأحد فبراير 22, 2009 11:11 pm



Re: حيثيات الواقع الإقتصادى – الإجتماعى فى السودان، وآفاق التغي

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الجمعة سبتمبر 21, 2012 11:28 am

صديق عبد الهادى كتب:

نتابع معك هذا التشريح البصير على مستوى الخطاب "النص" وعلى مستوى الفعل الاجتماعي "الصراع" ووجهته الطبقية.
ما زلت على وعدي بالحوار..وعلى مهلتك إلا ان تنتهي من كتابتك المغرية.


تحياتى أخى الكريم صديق عبد الهادى،

وشاكر لك هذه المتابعة، وشاكر لك تأمينك الضمنى على أهمية تحليل الخطاب والصراع، واللذان تصنع محصلتهما، كما تعلم، التاريخ الإنسانى. ولا بأس من التداخل فى أى وقت. وإنْ أردته بعد النهاية، فأنا على شارفة النهاية، فلن يطول الأمر.

كل الود.
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: حيثيات الواقع الإقتصادى – الإجتماعى فى السودان، وآفاق التغي

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الجمعة سبتمبر 21, 2012 11:46 am

2-2-1-3 التمكين:

وكما هو معلوم، فإنَّ العيش فى فضاء الأيديولوجيا يُخوِّلُ القائمين على أمر البلد من غير شرعية، المساس بحقوق الآخرين، وإعطاء أنفسهم فوق ما يستحقون، تحت مسمى الشرعية الثورية.

فعلى مستوى الإقتصاد، تبنَّتْ الإنقاذ سياسات التحرير الإقتصادى واختارت لها أيديولوجيا "تحريك جمود الإقتصاد السودانى". وقد ثبتَ أنَّ الغرض منها السيطرة على مفاصل الإقتصاد السودانى وتمكين أعضاء النظام إقتصادياً. فالتحرير هو أيسر الطرق للسيطرة على الإقتصاد السودانى لا سيما والجبهة الأسلامية القومية تمتلك أموالاً سائلةً طائلة، خاصةً بعد أنْ جمدت أرصدة الخصوم السياسيين عقب تغيير العملة الإول فى مطلع التسعينات من القرن المنصرم والسيطرة عليها بالكامل؛ وقد بدأت تروج لبيع مؤسسات الدولة، وهى البائع والمشترى. لذلك شهد برنامج الخصصة أبشع أنواع الفساد التى يمكن أن تخطر على بالِ بشر.

فمثلاً، معظم المؤسسات تم تأهيلها، لِأغراض البيع، بأموال طائلة مقترضة من الدول الأجنبية، وبيعَتْ بالقيمة الدفترية، بيعاً آجلاً، مقسطاً، وبقروضٍ حسنةٍ ميسَّرة من بنوك الدولة والكثير منها هلك، وقد تم ذلك البيع فى غير أُطره المؤسسية والقانونية للمناقصات. وبعضها أُهدى لحكومات الولايات ومؤسسة الشهيد. وتجدر الإشارة إلى أنَّ المؤسسات الحكومية التى بُدئَ ببيعها هى المؤسسات المدِرَّة للربح، كمؤسسة المواصلات السلكية واللاسلكية والبنوك كنموذج. ولقد وجهتُ سؤالى لمدير عام البنك التجارى السودانى "هل البنك التجارى خاسر؟"، فكانت إجابته أنْ أجهشَ بالبكاء (حسين 2001).

هناك نوع آخر من التمكين اللا - أخلاقى واللا - دينى مارسته الإنقاذ قبل أن تجعل كل عائدات البترول والمعادن النفيسة خارج الدورة الإقتصادية للبلد، وجعلها حصراً من نصيب منتسبى النظام، وقبل أن تجعل التوظيف حِكراً على مناصريها؛ ألا وهو تضخيم صرف أموال الزكاة على مصارف دون غيرها. فنجد مثلاً مصارفاً كالعاملين عليها، وفى سبيل الله والمؤلفة قلوبهم قد إستحوذت على جل أموال الزكاة، وتُركَ الفقراء والمساكين يتكففون دواوين الزكاة، ومنهم من هلك على أعتابها دون أن يحصل على جنيهٍ واحدٍ.

أما على المستوى السياسى فالإنقاذ لا شرعية لها بإحداثها لهذا الإنقلاب. وعلى عادة النظم الشمولية، فإنَّها عادة ما تسعى للشرعية السياسية على صهوة الإقتصاد. ولكن كيف؟ فالدولة محاصرة إقتصادياً، وفى حالة مقاطعة شبه كاملة. إذاً السبيل الوحيد هو بإقتطاع الأنفاق على الخدمات الإجتماعية وتصيُّد تحويلات السودانيين العاملين بالخارج، وهذا ما فعلته الإنقاذ. وهذا الإجراء نفسه له مردود عكسى على الشرعية إذا كان الحاكم ظالماً وفاسدا؛ إذ أنَّ ذلك قد يؤدى إلى زيادة الحنق والغبن الأجتماعى.

وهنا يجئ دور الإيديولوجيا عموماً والأيديولوجيا الدينية خصوصاً، وأهميتها فى شغل النَّاس بخطاب أيديولوجى مهووس يروج لحرب دينية، عنصرية، وجهوية. فاكتساب الشرعية السياسية بالمنجزات الأقتصادية يحتاج لوقتٍ طويلٍ نسبياً، وطول أمده يضر بالشرعية السياسية المنشودة نفسها. ذلك لعمرى لغز الشرعية عند الأنظمة الشمولية.

فالأنقاذ عديمة الأخلاق بحثتْ عن شرعيتها عن طريق الإقتصاد، متخذةً القهر والحرب كلاهيين للنَّاس عن عما تمَّ إستقطاعه من صحتهم وتعليمهم. والحرب كما يقول مارك دوفيلد "هى المحور السرمدى لأغراض إعادة صياغة الشعوب" (Duffield 2008). فليمُتْ من يمُتْ، تحت شعارها الأيديولوجى "هى لله هى لله، لا للسلطة ولا للجاه"، و" سلام البنادق"، حتى يتم إنجاز المشروع الأقتصادى الذى يكسبهم شرعية فاعلة.

هذه الحرب الدينية أهلكت الحرث والنسل. وحينما أُنجز المشروع الإقتصادى الذى دفعه الشعب من حرِّ مال خدماته الصحية والتعليمية وعائدات المغتربين، جنحوا للسلم "من غير بنادق هذه المرة"، سلام والسلام (لايهم إنْ قُطَّعتِ البلد إرباً دويلات). لابد أن يحيَوْا لينعموا بعائدات النفط، علامَ الحرب؟ من يريد أن يحاربنا فالينفصل.

وعلى فكرة، فإنَّ المنجزات الإقتصادية قد دعمت الشرعية المتهافتة لدول شمولية كثيرة. فكوبا وفياتنام بهما واحد من أحسن أنواع الخدمات الصحية والتعليمية فى العالم. كما أنَّ سوريا الأسد (الأب)، بها مثال نادر لتنمية ريفية إنتفع بها سكان الريف السورى، وخففتْ كثيراً من وطئات الهجرة من الريف للحضر التى إنتظمت معظم دول العالم الثلث منذ بداية ثمانينات القرن المنصرم.

وعلى العموم، حينما جاء الوقت لتوزيع عائدات المنجز الإقتصادى (النفط)، تمَّ توزيعه بشكلٍ مجحفٍ للغاية. فـ 95% من عائدات البترول تمَّ توزيعها على تنظيم المؤتمر الوطنى بشكلٍ صرف. وتقاسمت الحكومة الـ 5% المتبقية مع الحركة الشعبية. وعند هكذا مرحلة، لابد من إخراج الوعى الزائف، والشعارات الأيديولوجية المكذوبة. فالأيديولوجيا الدينية التى قالت أنْ "هى لله هى لله"، لم تعد قادرة على ستر عورات النظام وسوءاته، ولابد من إستبدالها.

وليس غريباً عند هذه اللحظة بالذات، أن يرى المرئ أنَّ الأنقاذ بلا أيديولوجيا ثابتة، بالرغم من وجودها إبتداءاً. لأنها ببساطة بدأت تتخلص منها، من وعيها الزائف. فالخطاب الأيديولوجي الجهادى، قد أدَّى دوره بالكامل، وهو شغل الناس بالحرب حتى موعد الأتيان بالشرعية السياسية على صهوة المنجزات الإقتصادية.

وقد كان من الممكن للمنجزات الإقتصادية، كما أشرنا أعلاه، أنْ تجلب شيئاً من الشرعية السياسية للنظام، لو أنَّه إتصف بصفة العدل. وذلك لم يحدث، لأنَّ عائدات المنجز الإقتصادى قد تم توزيعها بذلك الشكل الضيزىّ، والذى يؤسس لحقيقة مهمة، وهى: أنَّ هذا النظامُ نظامٌ غير سوى، ويتمتع بقدر لايضاهيه قدر من فساد الأخلاق وفساد العقيدة والفساد المالى. وكل ذلك مشفوع بعقيدة إنتقام من الشعب السودانى، ما أنزل الله بها من سلطان. إذ لا يوجد تنظيم على وجه هذه البسيطة يأخذ مال الإنفاق على الخدمات الإجتماعية للشعب، وكذلك عائدات السودانيين العاملين بالخارج، ويمول بها مشروعه الأقتصادى (النفط)، ثمَّ يحرمهم بالكلية من عائدات ذلك النفط التى بلغت 65 مليار دولار (النفط نفطى إستخرجته وحدى، وسوف أنتفع به وحدى. وحدك كيف؟ أين الأموال المستقطعة من مال الخدمات وعائدات المغتربين يا لصوص)، ويبنى لهم بعض المشاريع ذات الجدوى الإقتصادية الخرقاء بالإستدانة من العالم الخارجى، حتى بلغت ديون السودان 40 بليون دولار، وقد كانت قبيل مجئ هذا النظام اللص 14.3 بليون دولار.

إذاً، فالأمر لم يكن لله، ولم يكن ديناً ولا يحزنون. بل كان غطاءاً أيديولوجياً وظَّفَ الدين لتحقيق منجز إقتصادى يجلب الشرعية. ولمَّا لم يُراع التوزيع العادل لعائدات ذلك المنجز الإقتصادى، تكون بذلك قد باءت كل مجهودات الحصول على الشرعية السياسية بالفشل.

المحصلة هى سقوط الأيديولوجيا الدينية، وأيديولوجيا تحريك جمود الإقتصاد السودانى، والتى تحت غطائهما مُكِّنَ لعناصر الجبهة الإسلامية القومية أن تسيطر على عصب الإقتصاد السودانى بطريقة لا تمُتْ للدين ولا بالمنافسة الحرة بصلة. وقد أخرجوا أسماء رأسمالية معروفة خارج حلبة الإقتصاد السودانى. وقد نُهِبَتْ البلد على نحوٍ لم يشهده السودان فى تاريخه الحديث أو القديم. وهكذا ظلَّتْ أزمة الشرعية تتناسل بشكلٍ شبه دائم.

بقىَ لهم أن يُلوِّحوا علناً للشعب السودانى بالمنجز الإقتصادى كأيديولوجيا فقط، منَّاً وأذى: كبارى وسدود وخلافه من المشاريع الإقتصادية. وهذا السلوك النرجسى الذى يكرِّس لوجود اللاَّ – بديل، قد إنهار هو الآخر عندما علم الشعب السودانى أنَّ كلَّ تلك المشاريع لم تُبنَ من عائدات البترول (وعلى فكرة هذا البترول حلَّ كلَّ ديونه أبان طفرات أسعاره فى السنوات الفائتة. فلا يُزايدنَّ أحدٌ من هؤلاء اللصوص بالقول أنَّ عائدات البترول قد ذهبت لسداد تكاليف إنتاجه)، وإنَّما من ديونٍ للعالم الخارجى بلغت 40 بليون دولار. أما البترول، فقد حُولت عائداته بشكلٍ صِرفٍ لمنتسبى هذا التنظيم المُنْتِن.

فها هى الإنقاذ إذاً تتخلى عن أيديولوجيتها الدينية التى فشلتْ فى ستر الفساد (وأخر شئ كان يتوقعه المسلم من حكومة ترفع راية الإسلام، هو سرقة المال العام، والفساد وفساد الذمم والمحاباة والظلم والرشوة والإختلاس، صرف الزكاة فى غير مصارفها) وتتحول إلى الأيديولوجيا الإقتصادية وتتحول مثلها مثل أحزاب الدنيا إلى حزب دنيوى، يسعى للسلطة فى إطار حيثيات صراع طبقى عادية وعارية عن أىِّ قدسية دينية.

والسؤال الذى لابدَّ من الإجابة عليه هو، أنَّ الإنقاذ فى حالة إنكشاف سياسى (فقدان الشرعية)، وإنكشاف أيديولوجى (سقوط القناع الدينى)، وإنكشاف إقتصادى (القسمة الضيزى للثروة)، وأخيراً الإنكشاف الدُّبلُماسى (الإنقاذ دولة إرهابية)، فلماذا يقبل زعماء قوى الإجماع الوطنى مع قدرتهم على تحريك جماهيرهم بالتفاوض مع نظام متهافت؟ لماذا نطيل عمر هذا النظام بالإشتراك معه فى إطار حكومة قومية/ذات قاعدة عريضة، حكومة لا تحاسبه على ما اقترف يُمنةً ويُسرى، وبذلك نعطى النظام وسيلة بقاء داخلية لم يحلم بها؟

هل السبب هو اليأس الذى يعترى تحالف الشرائح الرأسمالية مع الأحزاب الراديكالية لِأكثر من 60 عاماً (أتمنى ذلك)؟ وماذا لو إستطاع النظام أن يكسر الطوق الخارجى، هل ستكون الحكومة القومية فى مهب الريح؟ هل نلوم الجماهير فى عدم وجود بديل، والمتكلمون بإسم الجماهير فى حالة تحالف مع الشرائح الرأسمالية؟ لماذا تنصلت الإنتلجنسيا السودانية عن قيادة الجماهير؟ هل لأنها تذبذبت نحو الرأسمال؟ هل خدَّرتها الحكومة؟

يتبع ...
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: حيثيات الواقع الإقتصادى – الإجتماعى فى السودان، وآفاق التغي

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الخميس سبتمبر 27, 2012 7:22 am

3-2-1-3 هل من مزية للإنقاذ:

لا تستقيم المقارنة هنا بالطبع بين حكومة الإنقاذ كعسكر وبين الفترات الديمقراطية، ولا تستقيم كذلك مقارنة الإنقاذ والشرائح العمالية لأنَّها لم تستلم سلطة أصلاً. بيد أن المقارنة تصبح فاعلة حينما نقارن الإنقاذ كشريحة رأسمال مالى بالشرائح الرأسمالية الأخرى، كالشريحة الزراعية، التجارية، الصناعية، وبورجوازية الدولة.

1- وبالمقايسة، يُحمد للنظام الحاكم بأنَّ حكومته حكومة تكنوقراط، تكاد تنعدم فيها الكوادر غير المؤهلة وغير المدربة، إذا ما تمَّتْ مقارنتها بالشرائح الرأسمالية الأخرى التى سيطرت على السلطة فى وقتٍ ما. هذا الوضع على مستوى المبادرة والإنتاج، أهَّل النظام على إجتراح قطاعات إقتصادية جديدة غير موجودة فى مصفوفة القطاعات الإقتصادية فى الإقتصاد السودانى (البترول، الطاقة، الصناعات التجميعية، التعدين ...إلخ). وهى قطاعات جد مهمة لإحداث عمليات الترابط الأمامى والخلفى لإىِّ إقتصاد. بل هى من نوع القطاعات التى أخرجت الدول الأسرع نماءاً فى العالم من قائمة الدول الفقيرة؛ وكان ذلك بمعاونة الشركات اليابانية وفيما بعد الشركات الكورية (الجيل الثانى من الدول الأسيوية).

غير أنَّ هذه الميزة قد أُفسِدَتْ بالكامل على مستويى التشغيل والتوزيع؛ حيث كان التشغيل/التوظيف والتدريب والعائد فى هذه القطاعات حِكراً لمنسوبى النظام. وبذلك تحول الأمر إلى تمكين هو الآخر على حساب الشعب السودانى، بل يتجاوزه إلى تكريس عقلية الإنتقام سالفة الذكر.

بل حتى على مستوى الإنتاج؛ إذا أثبتنا لهم حق المبادرة والمبادءة، فإنَّ تمويل العمليات الإنتاجية فى كل تلك القطاعات الجديدة، قد دفعه الشعب السودانى قاطبة (المقيم والمغترب) حين أخذت الحكومة 50% من مال التعليم والصحة، و50% أُخرى هى تحويلات السودانيين العاملين بالخارج لذلك الغرض.

هذه الحقائق تجعلنا نقضِ بأنَّ نسبة نجاح هذه التجربة (وإنْ تمّتْ تحت الإدارة والإشراف المباشرين لفئات النظام) للإنقاذ وحدها، يُحيق الظلم بسواد الشعب السودانى الذى قبل (طوعاً أو كَرْهاً) بأخذ أمواله لتمويلها.

2- كذلك، كون أنَّ النظام تغلب عليه الفئة التكنوقراطية، أهَّله ذلك إلى درجة عالية من القدرة التفاوضية شهِدَ له بها أعداؤه. والدليل على ذلك أنَّ هذا النظام أقنع الحكومة الصينية على الإستثمار فى السودان رغم الحصار الإقتصادى والعسكرى المفروض عليه من قِبَل الغرب. واللجوء إلى الصين لا يخلو من فطنة وذكاء؛ كونها دولة مِحورية نووية قادرة على حماية إستثماراتها ضد تغوُّل الدول الإمبريالية.

كذلك يصب فى إتجاه القدرات التفاوضية لهذا النظام إستفزازه لخصومه السياسيين خارج الوطن حين كانوا عقبةً فى وجهه، والإستفادة من تحويلاتهم لتمويل مشروعاته، وإعادتهم إلى حضن الوطن حين علم ألاَّ ضرر يمكن أن يحدث منهم بخمود الحرب الباردة، بل قاسمهم السلطة والثروة ولو على نحوٍ شكلى (موظفين فى جهاز الدولة كما قال د. على السيد: قناة الشروق 23/09/2012)، ثمَّ آوى إليه الشرائح الرأسمالية حليفات المصلحة، بعد أنْ خلَّصها من اليسار السودانى؛ ذلك الذى مازال يتشبث بتحالفاته النشاز بهذه الشرائح (التجارية والزراعية) ليُنجزَ ثورته الديمقراطية.

3- لعلَّ أهمَّ ميزة يمكن إستخلاصها من تجربة الإنقاذ وعزلتها المزمنة، هو فكاكها من القبضة الشرسة والمُحْكَمة (ما يُعْرَف بالـ Global Governance) التى تُطْبِقَها الدول الرأسمالية الكبرى الإمبريالية على الدول الفقيرة وكبح النمو فيها. وعبر هذه التجربة من العزلة ثبت أنَّ التنمية ممكنة الحدوث، كما نمتْ آسيا من وراء ظهر النظام الرأسمالى من قبل.

والحق يُقال بأنَّ حالة الإنعتاق من قبضة الإمبريالية لم تكن على بال القائمين على الأمر فى السودان (إذا استثنينا خطابهم الأيديولوجى: أمريكيا روسيا قد دنا عذابُها) خلال هذا الربع قرن من الزمان، وإنَّما هو حالة فرضتها عزلة النظام (الفاقد للشرعية السياسية بإنقلابه على الديمقراطية) فى إطار كسر عزيمته وإرجاعه للقبضة التحكمية العالمية. والمراد هنا بأنَّ التفكير بالإنعتاق من هذه القبضة لا تدعمه خطة إستراتيجية مسبقة وتفكيرٌ واعٍ من قبل النظام، وإنَّما هو نوع من الإدارة الآنية للأزمة.

وهذا التحليل تسنده حقيقتان. الحقيقة الأولى أنَّ أهداف الإنقلابيين كانت هى الحفاظ على مقدراتهم الإقتصادية، خاصةً بعد الوعيد والتهديد المضمن فى أضابير برنامج الإنقاذ الرباعى التى تقضى بتصفية رأس المال الطفيلى الإسلاربوى، وكنس آثار مايو. والحقيقة الثانية أنَّ السنوات العشر الأولى للنظام لم تكن إلاَّ بمثابة تنفيذ لمقررات برنامج الإنقاذ الرباعى (بذات العقلية العقائدية العدمية والإنتباذية المصحوبة بشراسة الإنتقام هذه المرة، القاضية بتصفية القدرات الإقتصادية لكلِّ غرمائها مستخدمةً السياسة المالية والنقدية)، ولكن لمصلحة شريحة رأسمالية واحدة هى شريحة رأس المال المالى المهيمنة. وذلك يعنى فيما يعنى أنَّ الإنقاذ حين أتت كانت خالية الجراب من أىِّ فهم إستراتيجى.

يتبع ...
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: حيثيات الواقع الإقتصادى – الإجتماعى فى السودان، وآفاق التغي

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الجمعة سبتمبر 28, 2012 9:56 pm

4- المحصلة: تعيين محدداتِ التشكُّل الإقتصادى/الإجتماعى:

1 - دعم المستعمر لمراكز القوى السابقة لمجيئه بقبضته المركزية القوية، وتحويلها إلى كوادر كومبرادورية مستأمنة على تمدد النظام الرأسمالى، كان له الأثر الأعظم فى التشكُّل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان. بل والرعاية الليبرالية والمركزية القوية بواسطة الدولة الوطنية، فيما بعد الإستقلال، لهذه الكوادر/المجموعات الإقتصادية، وحمايتها من خطر الشيوعية حتى نهاية الحرب الباردة؛ يعتبر من المحددات الأكثر تأثيراً فى معادلة العملية الإنتاجية فى السودان؛ لصالح رأس المال على حساب العمل، وبالتالى أثَّر ذلك فى التشكل الإقتصادى/الإجتماعى بشكل جدُّ محسوس.

2 - لعلَّ الصراع الأزلى بين الشرائح الرأسمالية والشرائح الضعيفة هو ثانى أهم محددات التشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان. بل هو الذى يصبغ حياتنا السياسية تقلُّباً بين الحياة المدنية والعسكرية لمدة 60 عاماً؛ هى عمر الحرية (الإنعتاق من الإستعمار المباشر) عندنا فى السودان. وإدارة هذا الصراع (والفشل فى إدارته) لصالح كل وكلاء العملية الإنتاجية (عمال + رأسمال = الإنتاج "فى الصيغة المبسطة") بشكلٍ عادلٍ مُزيلٍ للغبن الإجتماعى، يُشكِّل المحك والمحدد الرئيس لتحقيق التنمية، والسلام الإجتماعى، وبالتاللى الإستقرار السياسى.

3 – ويترافق مع المُحدِّد أعلاه تأثيراً فى التشكل الإقتصادى/الإجتماعى، محدد الصراع على السلطة، وبالتالى التحالف مع شريحة الدولة لتجيير معادلة العملية الإنتاجية لصالح الرأسمال على حساب العمال والقوى الحديثة، أو العكس. فهذا من المحددات الرئيسة للتشكل الإقتصادى/ الإجتماعى، ويمثل خصوصية الفارق فى القوة بين الشرائح الإجتماعية المتنافسة. وبإبتعاد الصراع على السلطة عن الأيديولوجيا والتنميط والأحكام المسبقة، فبإمكانه أن يتحول إلى صراع برامج لخدمة الشعب (لخدمة وكلاء العملية الإنتاجية). بمعنى آخر؛ فبدلاً من عاش فلان ويسقط علان؛ ماذا فى جُعبة فلان وعلان من برامج لخدمة الشعب؛ وقابلة للحياة والتطبيق العملى العلمى. فالتنظيمات الحية تتنافس لخدمة شعوبها لا لنهبها.

4 – الشريحة الأطول تحالفاً مع شريحة الدولة، وبالتالى لها القدرة على التأثير فى قراراتها، هى الشريحة ذات الهيمنة، وصاحبة القَدْح المعلَّى فى التأثير على التشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان. وبذلك تشكل واحداً من أخطر المحددات تأثيراً فى الواقع الإقتصادى/الإجتماعى والسياسى.

5 – القدرة على تراكم رأس المال وإعادة إستثماره على المستوى العام أو الخاص، يشكل واحداً من أهم المحددات فى تشكيل واقعنا الإقتصادى والإجتماعى والسياسى فى السودان (قدرة الدولة على الإدخار "إستغناء الشعب عن جزءٍ من مال الخدمات الإجتماعية، كالإستقطاع القسرى لـ 50% من التعليم والصحة لتمويل البترول"، تراكم رأس المال الخاص (الإسلاطفيليات المالية)، وعائدات السودانيين العاملين بالخارج، مثالاً).

6 – غياب (ووجود) الخطط الإستراتيجية الوطنية الموجهة للإقتصاد نحو قطاعاته المنتجة (وغير المنتجة) يعد من الموضوعات المهمة فى مسألة التشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان.

7 – يترافق مع عاليه تأثيراً فى تشكلنا الإقتصادى الإجتماعى فى السودان (مع غياب الديموقراطية/الرقابة المجتمعية والشفافية واستقلال السلطات)، دآءان عضالان هما حجم الفساد واستشراء الطفيلية، بما يتركان من أثر سلبى على القيم الكلية للمجتمع.

8 – حدة النبر الأيديولوجى القائم على حدة التناقض الطبقى والغبن الإجتماعى، وبالتالى ربما الإنقلابات العسكرية الحارسة لمصالح الشريحة ذات الهيمنة المتحالفة مع الدولة بطبيعة الحال، تشكل واحداً من أخطر محددات واقعنا الإقتصادى والإجتماعى فى السودان.

9 – غياب التوازن فى العملية الإنتاجية (رأس مال + عمال = الإنتاج، فى صيغته المبسطة) بهيمنة الشرائح الرأسمالية عليها وعلى محصلتها (خاصة الشريحة ذات الهيمنة)؛ وبالتالى غياب الأحزاب العمالية، ضعف وعدم فاعلية الأحزاب التى تتحدث عن العمال فى إحداث التوازن فى العملية الإنتاجية، ومن ثمَّ فى العملية السياسية للظروف المذكورة فى الفقرة (1) بعاليه، ولظروف التحالفات السقيمة المزمنة للِأحزاب التى تتحدث عن العمال والإنتلجنسيا السودانية مع الشرائح الرأسمالية (خاصة الزراعية والتجارية) لِإنجاز مصالحهم المتناقضة مع هذه الشرائح الرأسمالية التى تحالفوا معها؛ كلُّ ذلك يشكِّلُ محدِّدَاً مهماً فى واقعنا الإقتصادى/الإجتماعى والسياسى.

إذْ، كيف يمكن للشرائح المستنيرة أن تتحالف/ (وتستمر فى التحالف) مع الشرائح الرأسمالية ولمدة ستين سنة ويزيد، لِإنجاز مصالح العمال والمستضعفين، دون أن نتوقع الفشل، بل والفشل المزمن فى إحداث ذلك التوازن المنشود فى العملية الإنتاجية؟ فأىُّ نتيجة غير الفشل، تصبحُ أُكذوبة الدهر. ولذلك يظل خطل التحالف السقيم للشرائح المستضعفة مع الشرائح الرأسمالية الذى يجرهم إليه المتعلمون السودانيون لِإحداث توازن لصالح هذه الفئات الضعيفة محدداً مهماً فى حياتنا.

وبعبارة أُخرى، فإنَّ فشل النخبة المستنيرة المتحدثة بإسم العمال وعجزها فى إحداث التوازن فى العملية الإنتاجية، يضيف بعداً مهماً فى عملية التشكل الإقتصادى/ الإجتماعى فى السودان.

10 – لعلَّ تعاطى وكلاء العملية الإنتاجية وأحزابهم فى السودان مع الخطاب الليبرالى العالمى (قبل وبعد الحرب الباردة) يساهم فى تشكيل الواقع السودانى بدرجة كبيرة. ففهم كيفة إدارة العالم، والتعاطى الحكيم وفن التفاوض واللباقة السياسية فى التعامل مع القوى ذات التأثير على التشكل الإقتصادى/الإجتماعى العالمى، وبالتالى فى السودان، يساهم فى رسم واقع مفيد لكل شرائحنا الإجتماعية فى السودان، الغنية والفقيرة.

11- عبء سداد الديون (المتوارث أصولها بطبيعة الحال من الفترات العسكرية) والتجاذب والمفاضلة الصعبة بين الإنفاق على الخدمات الإجتماعية وخدمات الدين الخارجى، خاصةً فى الفترات الديموقراطية، يشكِّلُ واحداً من أهم وأخطر محددات الواقع الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان. وحينما يتشدد الدائنون (على حساب قوت الشعب وخدماته الإجتماعية) يتحسس العسكريون إنقلاباتهم على الديموقراطية، وهكذا دواليك.

12 – الدخول المفاجئ للصين فى أفريقيا؛ الدولة المحورية، ناعمة الإمبريالية حتى الآن؛ المؤمنة بالمنافع المتكافئة فى العملية الإستثمارية، والقادرة على حماية إستثماراتها ضد التغوُّل الإمبريالى الإنجلو - ساكسونى؛ بدأ يُشكل محدداً مهما فى السياق السودانى. فبدلاً من أنْ ينمو السودان (أفريقيا) من وراء ظهر النظام الرأسمالى الليبرالى المكرس ضد رأسمالية الدولة (كما فعلت آسيا فى بادئ أمرها)؛ فتحت حماية الصين يمكن للسودان أنْ ينمو على عينك يا تاجر الإمبريالية الغربية.

يتبع ...
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: حيثيات الواقع الإقتصادى – الإجتماعى فى السودان، وآفاق التغي

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الاثنين أكتوبر 01, 2012 1:24 pm

13- مع غياب حزب عمال وقوى حديثة سودانى، ومع وقوع كل رؤساء الأحزاب التى تتحدث بإسم العمال والقوى الحديثة وحلفائها من الشرائح الرأسمالية فى الفئة العمرية (70-85)؛ فإنَّ الديموغرافيا الحزبية السودانية، تكون فى حالة إختلال هيكلى حينما يكون الحديث عن التغيير، وتؤثر كمحدد فى التشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى إطار الواقع السودانى.

فأهلُ هذه الفئةِ العمريةِ عزيزى القارئ، مدبرون عن الحياة؛ يميلون إلى التوفيقيةِ، يخافون عواقبَ الأُمور، خاصةً تلك المتعلقة بولادةِ الفتن (يخافون التغيير). فيمكن أنْ نلحظَ بكلِّ بساطة، أنَّ كلَّ مفكرينا وسياسيينا وأُدبائنا الذين يقعون فى هذه الفئة العمرية، يميلون إلى الخيارات الأضعف بين البدائل المطروحة.

وإذا نظرنا لكلِّ أحزابِ التجمعِ الوطنى الديموقراطى (باستثناء الحركة الشعبية لتحرير السودان، وفئة المؤتمر الوطنى بعد الإنشقاق) سنجد أنَّ هذه الأحزاب مسقوفة بهذه الفئة العمرية، ولهذا السبب بالذات، فشلتْ فى أنْ تُديرَ صراعاً ضد الحكومة يُفضى إلى تغيير.

والحركة الشعبية مستثناة ومعها فصيل المؤتمر الوطنى، لأَنَّ رئيسَيهما والقائمين على أمرِيهما، تجدهم كلَّهم خارج هذه الفئة، وأفكارُهم حبلى بالنزوع إلى التغيير. ولكن هبْ أنَّ أبِل ألير، مازال رئيساً لهذه الفئة، وكذلك الترابى، إذاً لاختلفَ الأَمر جِدا.

ويُدلِّلُ على هذا القول، حالات الأنقسامات التى طالتْ كلَّ الأحزاب السياسية السودانية. وهى على فكرة ليستْ بإنقساماتٍ نابعةٍ من تبدُّلِ المواقف الفكرية أو الأيديولوجية، ولكنَّها نابعةٌ بالضرورةِ من صراعاتِ الأجيال (الفئات العمرية المختلفة). فالذين يحملون جُرثومة التغيير فى تضاد مع الفئة العمرية المحافظة (حالة حق/ الحزب الشيوعى، حزب مبارك الفاضل/حزب الأُمة القومى، مؤخراً شباب الختمية بأمريكا/الاتحاد الديمقراطى، المؤتمر الوطنى/ المؤتمر الشعبى).

وإذا أردنا ذلك على مستوى دورة حياة الفرد، نجده أيضاً منطبقاً وبكلِّ الوضوح. فمثلاً، الطيب صالح عندى لم يُغيرْ موقفَه من النظام البتَّة فى آخر مقابلة تلفزيونية ()، ولكنْ غيَّرَ بدائلَه لوقوعِهِ فى ذات الفئة العمرية، أضف إليها حالة الضعف والوهن المصاحبة للمرض. فالرجل أُجرىَ معه اللقاء وهو للتوِّ خارج من غيبوبة مرضِهِ. ومن الطبيعى فى وضعٍ كهذا أنْ تميلَ النفسُ البشرية إلى اللين، هذا إذا وعتْ فى الأصل ما قالتْ وما سوف تقول..

وما يحزن، هو إنصباب اللَّوم والتقريح على الطيب صالح وهو فى تلك الحال، ولم تُقال كلمة واحدة فى حقِّ هذا النظام القبيح الخبيث الإنتهازى الذى يحاول أن يستغلَّ حالةَ الضعفِ التى يمرُّ بها سياسيونا ومفكرونا وأُدباؤنا ليخلقَ منها حالة مؤازرة لواقعِهِ المتهافت (التهافت بالمعنى الخلدونى كما يعلم القارئ الكريم). بل أصبحَ يُدخلُ شبابَنا فى حالة من اليأسِ والتيئيس من إحداث التغيير، بترويجِهِ إنعدام البديل المكافئ له، إذا كان سيجئ بأُناسٍ من الفئة العمرية المدبرة عن الحياة، لا سيما وأنَّ النظام يحمكنا بالفئة المُحْدِثة للتغيير (الجيل الثالث والرابع والخامس، بعد عزل الترابى وزمرتِهِ).

مثال آخر على دورة حياة فرد، هو حالة الأُستاذ محمد إبراهيم نُقُد (نسأل اللهَ أن يرحمه بالرحمة الواسعة). فانظر إلى البديل الذى اختاره فى لقاء جامع من الزملاء والزميلات، إِذْ يقول: "نرجو من الذين يُصلُّون منكم، والذين يذهبون إلى الحج، أن يسألوا الله فى السجود والمَواطِنِ التى يُستجاب فيها الدعاء، أن يُخلصنا من هذه الإنقاذ"، حديثُهُ بهذا المعنى ().

ربما يقرأُ قارئٌ مَغْروض، أنَّ هذا تغيير فى الموقف الأيديولوجى والسياسى والفكرى للسيد محمد إبراهيم نقد، بإعتبار أنَّ الحزبَ الثورى مناطٌ به التغيير الثورى. ولكنِّى أرى أنَّ الأُستاذ محمد إبراهيم نُقُد، لم يَحِدْ عن أفكارِهِ قيدَ أُنملةٍ، وحاشاه. فالرجل كما عرفناه صلِداً وجلِداً، ولكنَّ خياره من بين الخيارات المطروحة هو خيار هذه الفئة المدبرة عن الحياة، خيارٌ هينٌ ولين، وعلينا أن نعى ذلك.

وذلك بالطبع ينطبق على أستاذ الأجيال المرحوم محمد عثمان وردى حين إلتقى الرئيس البشير، وينطبق حتى على الموقف الأخير للأُستاذ الدكتور بشرى الفاضل الذى فرِحْنا لنيلِهِ جائزة الطيب صالح للقصة القصيرة، وحزنَّا حتَّى طارتْ عصافيرُنا، لأَنَّها من عطايا الطفابيع. ولكن هى قدرية الوقوع فى هذه الفئة العمرية يا عزيزى القارئ، إلاَّ منْ رُحم، وقليلٌ ما هم.

وكما يعلم القارئ الكريم، فإنَّ جلَّ كتابات المفكر والأديب الطيب صالح، تدور حول دورة حياة الإنسان. فانظرْهُ وهو يشرح عنوان روايتِهِ بندرشاه (ضو البيت/مريود) إذْ يقول هى: "أُقصوصة عن كون الأب ضحية لِأَبيِهِ وإبنِهِ". أذاً ما نغذِّيِه أبناءنا باكراً، يؤثرُ تأثيراً بالغاً على طورنا المنتج من حياتنا، طور التغيير (الفئة العمرية 15-45)، وذات الطور يتأثر تأثيراً حادَّاً بسلوكِ الفئة التى تسبقه. ولعلَّ حبيبنا الطيب صالح يرمز إلى حقيقة وُجودية وإلى طابع صراعى جدلى للشخصية السودانية، بشكلٍ خاص.

فهل نلوم أُدباءنا ومفكرينا وسياسيينا، على عجز فئتِنا العمرية وتقاعسها عن أداء واجبها فى التغيير؟ ربما كانت الإجابة فى الفكاك من هذا النظام الأبوى بشكل لا يخدش هؤلاء الأكابر، مستصحبين حكمة الشاعر محمد مدنى: "أَحتاجُ دوزنةً تَفُكُّ حِبالَكم عنى وتُربِطُنى بكم". "

لا يكتمل الحديث عن هذه الجزئية إلاَّ بتشخيص حالة الجبهة الإسلامية القومية، إذْ كانت هى الأُخرى مسقوفة بأفراد من ذات الفئة العمرية التى تحدثنا عنها بعاليه. ولم تنزع إلى التغيير، حالها كحال بنات عمها، إلاَّ بعد حدوث شيئين إثنين: الأول، هو تهديد مصالحها الإقتصادية الوارد فى حيثيات برناج الإنقاذ الرباعى لعام 1986م القاضى بتصفية آثار مايو، وتفكيك الإقتصاد الطفيلى، وذلك أمرٌ يحتاج إلى مغامرين. والثانى، هو إيجاد من يُنيبون عنها فى إحداث التغيير من العسكريين (المغامرين) الواقعين ضمن الفئة العمرية المناط بها التغيير، وقد كان ما كان فى عام 1989م. ومن يومها، فالسودان محكوم بالفئة العمرية المناط بها التغيير داخل منظومة الدولة، وتنازعها الفئة العمرية السابقة لها (أى الجيل الأول والثانى من الجبهة الاسلامية القومية) قيادة البلد حتى منتصف التسعينات من القرن المنصرم.

وعلى أيام الفصل الدرامى الأول من هذه الحكومة المتنازع عليها من الداخل، حشد الترابيون التكنوقراط مناصريهم فى شكل مليشيات عسكرية موازية للعسكر، وضامنة لبقائهم فى الحد الأدنى ضمن معادلة شاخصة من توازن الرعب، وقادرة على إفعال تغيير حين يحين التغيير، وقد تم كل ذلك باستغفال التكنوقراط للعسكر.

ولمَّا لم تجد الفئات العمرية المناط بها التغيير داخل تنظيم الجبهة الاسلامية القومية (الجيل الثالث والرابع والخامس) بُدَّاً من عزل الفئات المحافظة المشوشة لها فقد فعلت، وذلك بعزل وإبعاد الجيل الأول والثانى (الترابى وصحبه) من جهاز الدولة. وهى أول سابقة من نوعها فى تاريخ التربية السلوكية السودانية، حيث عُزِلَ الروَّادُ بواسطةِ أتباعهم. وأنظر إلى ما جرَّه ذلك من فتن (تلك التى تورَّع عنها أصحاب البصائر، وكان الطيب صالح كثيراً ما يجهر بخوفه من هذا النوع من التغيير) قسَّمتِ الوطن، ووقع باقى جحيمها على أبرياء دارفور والنوبة والأنقسنا وغيرهم (وجرمٌ جرَّهُ سُفهاءُ قومٍ، فحلَّ بغيرِ جارمِهِ العذابُ).

لقد فعلتْ هذه الفئة فَعلتها التى فعلت، وبدأت تُثَبِّطُ همم التغيير المتوقع من خارجها بكلِّ الوسائل، الإعلامية منها، والأمنية، وما عُرِفَ مؤخراً بالجهاد الإلكترونى. وكانت تُكرِّس لِأيديولوجيا اليأس وإنعدام البديل لدى الأحزاب الأُخرى المسقوفة بأُؤلئك الشيوخ الميئوس مع وجودهم إحداث التغيير، بل وبدأت تُجنِّد وتستميل أنصار تلك الأحزاب من الشباب لصالح مشروعها المتهافت بكلَّ الوسائل. وما لم يحدث تغيير فى ديموغرافيا الأحزاب السياسية الممانعة يسمح بصعود الفئات القادرة على جلب التغيير، فإنَّ التغيير سيكون محكوماً عليه بالفشل.

فكلُّ رؤساءِ أحزاب التجمع الوطن الديمقراطى التى خرجت فى عام 1989م لتعارض النظام عسكرياً ومدنياً، لا تستطيع أنْ تتبنى ذلك الخيار الآن وهى بتركيبتها الديموغرافية الحالية. وانظر لحالها: حزب الأمة من الجهاد العسكرى، إلى الجهاد المدنى، إلى المشاركة فى السلطة، وربما مصاهرتها. الإتحاد الديمقراطى من القبول لكل أنواع الجهاد السابقة بحكم ترؤس رئيس الحزب (رضى الله عنه وأرضاه) للتجمع الوطنى الديمقراطى إلى المشاركة فى السلطة. الحزب الشيوعى من سلاح التغيير الثورى إلى سلاح الدعاء، وعلى ذلك قس. وحتى الجبهة الإسلامية القومية التى تحكمنا بعناصرها الحية من ربع قرن، والتى شاخت الآن، قد فطنت إلى حقيقة أنَّها بتركيبتها الحالية ستصبح غير قادرة على صناعة التغيير أو مجابهة ذلك التغيير القادم من خارجها، فصعدت منذ أقل من عام، كوادرها الشابة تلك التى طالبت بالتغيير، لتقود مقاليد الأمور بالبلد. إذا،ً فالجبهة الإسلامية، شئنا أم أبينا، تتقدم علينا بمسألة الإنتباه للعمر حين استدار الزمان دورته. ففى ظل 23 سنة، هاهى تصعِّدُ القوى الحية مرتين، ونحن فى سُباتنا/يأسنا العقيم.

العالم من حولنا، يحترم هذه الفئة التى نحن بصدد تغييرها، ولا يخرج عليها ولا يغمطها دورها، كما فعلت الجبهة الإسلامية القومية العآقَّةُ لعرابها، ويُحولها إلى فئات إستشارية، فئات حكماء، وإنْ شئتَ فقل مجلس شيوخ (حالة أمريكا) أو مجلس لوردات (حالة بريطانيا).

ونحن فى عالمنا الأبوى هذا وما عليه من أخلاق سودانية، علينا ألاَّ نُقصى أكابر قومنا على طريقة الجبهة الإسلامية القومية، ولكن عليهم أن يترجلوا طواعيةً لأَنَّهم غير مفيدين فى عملية إحداث التغيير. وإن لم يفعلوا، فعلينا أن ننتظر، "فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا".

وأنا من الموقنين بأن ليس بين هؤلاء الأكابر من بدَّل فكره، أو موقفه من هذا النظام اللعين المُجتهد فى إنتزاع حالات مناصرِة له من الضعف الإنسانى لخصومِهِ، ولكنَّها الشيخوخة.

يتبع ...
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: حيثيات الواقع الإقتصادى – الإجتماعى فى السودان، وآفاق التغي

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الجمعة أكتوبر 05, 2012 7:23 am

قراءة تحليلية للتشكُّل الإقتصادى/الإجتماعى والطبقى فى السودان:

1- لعلَّ من أَهمَّ الملاحظات المتعلقة بالتشكُّل الإجتماعى وبالتالى بالصراع الطبقى فى السودان، هو فشل شريحة الدولة منذ الإستقلال فى الوقوف على الحياد من الشرائح المسيطرة إقتصادياً فى السودان، بل انحازتْ إليها على حساب الطبقات الفقيرة، مما أدَّى إلى خلق إقتصاد قومى غير متجانس، وزادتْ على أثره الفروق الإجتماعية بين أفراد المجتمع، وبين الريف والحضر (المركز والهامش).

2- لقد كانت الشريحة التجارية تحت قيادة التجار الأجانب فى البدء ومن ثمَّ تحت قيادة تجار الختمية، كما رأينا بعاليه وتماماً كما قالت جانيت من قبل، هى الأكثر إلتصاقاً بشريحة الدولة والحاضن الرؤوم للعناصر الطفيلية حتى من دون علمها كما ذكر أعلاه. وبالتالى ظلَّتْ على الدوام شريحةً مهيمنة، أو قريبة من الهيمنة. كما أنَّها كانت تتبادل مركز الهيمنة هذا مع الشريحة الزراعية (بقيادة الأنصار ومن جاء خلفاً لهم بعد مشروع الهندى للإصلاح الزراعى)، ومع برجوازية الدولة التى كانت تتبع بالأساس للختمية.

لم يحدث أنْ تبادلت الشريحة التجارية مركز الهيمنة هذا مع الشرائح العُمالية والقوى الحديثة على كثرة أفرادها (85% من الشعب السودانى). ومردُّ ذلك إلى غياب حزب عمال وقوى حديثة ينافح عن هذه الشريحة. أما الأحزاب التى تتحدث بإسمها، فهى أحزاب عقائدية (والعقائدة مسألة غير جاذبة لسائر العمال/أهل السودان، أصحاب التدين الصوفى الغالب. اللهم إلاَّ القلة القليلة المعتنقة لتلك العقائد) صغيرة الحجم بيد أنها كثيفة الفاعلية، مُحارَبَة من قبل الليبرالية العالمية، ويُغيِّبها عن ساحة العمال والقوى الحديثة تحالفها المرحلى العتيد (60 سنة) مع الشرائح الرأسمالية لإنجاز قضايا العمال والقوى الحديثة السودانية.

كما أنَّ لاعباً جديداً قد ظهر فى حلبة الصراع الإجتماعى منذ سبعينات القرن المنصرم، وهو شريحة رأس المال المالى بقيادة الجبهة الإسلامية القومية، وقد بدأ يُزحزح القيادة التقليدية لهذه الشريحة (تجار الختمية)، خاصةً بما اقترف من ممارسات طفيلية ومعاملاتٍ فاسدة. كما أنَّه إتخذ من الأحزاب العقائدية التى تتحدث عن العمال والقوى الحديثة غريماً ناصبها العداء منذ بواكير النشوء؛ هذا إن لَّم يكن هذا اللاعب قد صُنع خصيصاً لمحاربتها.

3- على الرغم من الإنفاق الحكومى الداعم لِإتمام التمدد الرأسمالى وحماية الشرائح المسئولة عن تمدده بعد خروج المستعمر وحتى نهاية عام 1989م، والداعم أيضاً لمحاربة الشيوعية بإنشاء مشروعات بالكاد تكفى لتغبيش الوعى الطبقى بإيعاز من النظام الليبرالى العالمى، إلاَّ أنَّ الوعى الطبقى بين الفئات المستضعفة كالعمال والموظفين، والفئات المستنيرة (الإنتلجنسيا السودانية)، كان عالياً؛ ويرجع الفضل فى ذلك للأحزاب التقدمية. وقد بدأ شركاء العملية الإنتاجية من هذه الفئات يُطالبون الدولة بتحسين أوضاعهم.

ولمكافئة الأثر الناجم من هذه المطالبة، فقد بدأتْ بالمقابل الشرائح الرأسمالية مطالبة الدولة بتوفير مناخ جيِّد للإستثمار، على ما يعنيه ذلك من ضبط الحركات المطلبية التى تنادى بخفض الأسعار، وزيادة الأجور الأمر، الذى قد يؤثر على الأرباح.

ولمَّا كانت شريحة الدولة دائمة الإنحياز للطبقات الغنية على حساب الفئات المستضعفة، فقد إستطاعتْ شرائح النخبة الإقتصادية أنْ تُجيِّر عائدات العملية الإنتاجية لصالحها، وذلك بالتغوُّل المستمر على حقوق الفئات المستضعفة، وإخراص أصواتَهم بوسائل غير ديموقراطية (كحل النقابات المتكرر أو تجاهل مطالبها، أو حل الأحزاب التى تتحدث بإسمها).

4- النخب الإقتصادية فى السودان (وفى جميع دول العالم الثالث) غير قادرة على العيش فى مناخ ديموقراطى. إذْ أنَّ الديموقراطية تقتضى وقوف شريحة الدولة على مسافة متساوية من طبقات المجتمع، وتدير العملية الإنتاجية لصالح كلِّ الشركاءِ فيها. وهو أمرٌ لم يحدث قط فى تاريخ التشكُّل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان، وذلك ببساطة لأنَّ هذه النُّخب لا تريده، والخطاب الليبرالى العالمى أيضاً لا يريده، على الأقل فى المراحل الأُولى من التشكل الرأسمالى فى السودان. وذلك لأنَّ عبر الديمقراطية فى السودان، قد يأتى إلى سدة الحكم صوت راديكالى ينادى بمحاربة النظام الرأسمالى، ومحاربة البضائع الرأسمالية، ويا طالما تمَّ قمعه.

لذلك نجد أنَّه كلما علا صوتُ الراديكاليين (المتحدث بإسم الشق الآخر من شركاء العملية الإنتاجية) فى الفترات الديموقراطية، أوحى الخطاب الليبرالى العالمى للشريحة ذات الهيمنة أنْ تسلِّم السلطة إلى عسكريين من إنتخابها هى. لذلك لم يتجاوز مجموع عمر الديموقراطيات فى السودان فى الفترات المختلفة 11 سنة، مقارنةً بـ 45 سنة من الحكم الديكتاتورى. وكثيراً ما نجد وشائج إرتباط طبقية/حزبية بين الشريحة المهيمنة والأنقلاب العسكرى التالى لها.

5- ولكن الآن، وبعد أنْ إكتمل تمدد النظام الرأسمالى على البسيطةِ كلِّها، لم يعد الخطاب الليبرالى العالمى راغباً فى إجهاض الديموقراطيات. فدعم الديكتاتوريات من قِبَل النظام الرأسمالى، فوق كونه يُمثِّل حالة من التناقض المذهبى وازدواج المعايير، فقد وُجِدَ أنَّه يضرُّ بعمليات تراكم الأرباح فى المدى الطويل.

فوجود ديكتاتوريات فى مرحلة الليبرالية الجديدة (Neoliberalism)، يُعتبر عائقاً فى سبيل مضاعفة الأرباح، ويسمونه الرأسماليات "عليلة الليبرالية" (Ill -Liberalist Forms of Production) ، وتُشنُ ضدها حروب واسعة الآن؛ أسميها حروب رأس المال، والليبرالية العالمية لِأَغراض تسويق تلك الحروب تسميها حروب الربيع العربى.

إذاً، المناخ من الناحية العالمية مواتٍ الآن لِإنجاح أى ديموقراطية قادمة. فلنستثمر شبح الحرب الرأسمالية الحتمية القادمة (ربَّ ضارةٍ نافعة) على بلدنا ونستغلَّها لصالح القضاء على هذا النظام الديكتاتورى الذى لايعى ما يدور من حوله. والذى أزعُم أنَّه لو إنتبه، سيتنازل عن الحكم نظير السلامة، ونظير عدم محاكمته لما اقترف من جرائم، ببساطة لأنَّه يحب الحياة. فما فائدة سرقة كل هذه الأموال ثم يموت موت الضأن ويتركها وراءه.

كما أنَّ فقراء تنظيم النظام الحاكم، لن يموتوا نيابةً عن أغنيائه كما فعلوا فى حرب الجنوب، أيام الأيديولوجيا الدينية فى أوجها. ولكنَّ الأيديولوجيا تلك، قد ذهبتْ الآن أدراج الرياح، وليس ثمة شئٍ مقدسٍ فى حقيقة الأمر. بل الأمرُ برمَّته صراع طبقات إجتماعية على السلطة، إستُخْدِم فيه الدين ليُغطى على ممارسات دنيوية ملئها الفساد المالى والإخلاقى، وتعدى الأمر إلى إفساد عقيدة أهل السودان السنِّية، بإشاعة التشيُّعِ بينهم، فخرجَ كثيرٌ من النَّاس عن جادَّةِ الدِّين.

إذاً، لن يلدغ بروليتاريا الجبهة الإسلامية القومية من جحرِ تنظيمهم مرتين، بإفتراض أنَّهم عقلاء (ومتدينون صادقون)، وقد رأوا من فسادِ قادتهم ما يجعلهم يحجمون. تماماً كما فعل فقراء الأنصار "المستنيرون" فى يومٍ من الأيام، حينما سألهم أحد أئمة الأنصار أن يأتوا ليذودوا عنه مقابل شبرين فى الجنَّة، فقالوا له: "لا لا، نريدهما فى الملازمين".

6- لعلَّ القمع المستمر بواسطة الخطاب الليبرالى العالمى للأحزاب المتحدثة بإسم الفئات الحية العمالية والمستنيرة فى السودان حتى عام 1989م، والتحالفات العليلة، والقمع المتواصل لهذه الفئات بواسطة الشرائح الرأسمالية والديكتاتوريات العسكرية الموالية لها لأكثر من 45 سنة، أدى إلى غياب الدور الفاعل/المثمر للأحزاب المتحدثة بإسم الشرائح العمالية والقوى الحديثة السودانية (المغيَّبة أصلاً) فى أنْ تنجز مشروعها الديموقراطى (أو قل الثورة الوطنية الديموقراطية). واكتفت بدور تابع لأحزاب الشرائح الغنية، عبرت عنه الأحزاب المستنيرة المتحدثة بإسم العمال والقوى الحديثة "بالتحالفات المرحلية" والتى استمرت لمدة 60 عاماً، آخرها "التجمع الوطنى الديموقراطى" فى المهجر، وتحالف "قوى الإجماع الوطنى" بالداخل، وأخيراً صيغة "البديل الديموقراطى".

والمرء ليعجب كل العجب، كيف يتبع 85% من الشعب السودانى (بينهم مستنيرون) لإرادة 15% منه وهى كتلة الشرائح الغنية فى السودان (أُنظر إلى تناقض المصالح)؟ لماذا فشلت الأحزاب المستنيرة، رغم قواعدها الشعبية العريضة، فى إقامة حكم ديموقراطى يحقق طموحاتها لمدة 60 سنة ويزيد؟ أين الخلل؟ هل هو فى الشعب السودانى معلم الشعوب الحرية والنضال، وهو بالفعل كذلك، أم أنَّ الخلل فى أُطروحات الأحزاب المستنيرة؟

أنا أميل إلى وجهة النظر القائلة بوجود الخلل فى أُطروحات المتعلمين السودانيين وأحزابهم المستنيرة التى تتحدث بإسم العمال والقوى الحديثة (بإسم الشعب السودانى). فكيف يُعالج هذا الخلل؟ هل من أُطروحة سياسية جديدة مستنيرة تعيد التوازن فى العملية الإنتاجية لصالح كل الشركاء (إنْ لَّم تكن لصالح الفقراء والقوى الحديثة تخصيصاً، بأثر تعويضى)، وتريحنا من حلقات التحالفات المرحلية المفرغة مع الشرائح الرأسمالية؟

أخشى إن لَّم تنتبه القوى المستنيرة والأحزابُ المتحدثة بإسم العمال والقوى الحديثة، أن يتجاوزها الزمن. إذْ أنَّ تداعيات الأحداث، قد تأتى بالأطروحة الجديدة التى نتحدث عنها ومنذ زمنٍ طويل، ووقتها لن يكون القول الفصل بيدِ القوى المستنيرة، وربما بيدِ إنتهازىٍ من الذين تحارب، فنكونُ "يا بدرُ لا رحنا ولا جينا". ونعود ونستمر من ثانِ فى خبل التحالفات العقيمة.

وثورات ما يُسمى بالربيع العربى تؤيد ما نقول، إذْ أنَّها أتَتْ بموزاييك سياسى، الفاعلية فيه للذين يقدرون على إعادة إنتاج الحدث (الثورة)، وتجييره لصالح الفئات التى يُمثلونها؛ فأين نحن من ذلك؟

7- لقد ترتَّبَ على الخلل المصاحب لِأُطروحات النخبة المستنيرة فشلها المزمن (اللهم اشفِ أُستاذنا د. منصور خالد) فى إستجلاب عضويتها من العمال والإنتلجنسيا السودانية القابعة فى أحضان أحزاب النخب الإقتصادية لستٍ من العقود. كما أنها أخطأت التقدير مرتين وهى تدخل فى تحالفاتها المرحلية مع الشرائح الرأسمالية بعد عام 1989م.

التقدير الخاطئ الأوَّل يتمثل فى أنَّ المعارضة (التجمع الوطنى الديموقراطى) كانت تتوقع دعماً لا محدوداً من الغرب نظير الإعتداء على ديموقراطيتها. وقد كانت تجهل أنَّ الإنقضاض على ديموقراطيتها فى الأصل قد تمَّ بإيعاز من الغرب للشريحة ذات الهيمنة. كما نسيت حقيقة مهمة وهى أنَّ الغرب كان يقدم الدعم التنموى وغيره للدول الفقيرة وجماعات الضغط، فى إطار حرب باردة تتطلب توازناتها بين الغرب المهيمن والشرق المقاوم للهيمنة، تمرير بعض الجرعات التنموية ذات الطابع الأمنى لكى لا يُعاق تمدد النظام الرأسمالى، والإنتقال به من مرحلة إعادة الإنتاج البسيط Simple Reproduction of Capital، إلى مرحلة إعادة الإنتاج المعقد/التراكبى (Extended Reproduction of Capital). وقد إكتملت حلقات ذلك الإنتقال بإنهيار المعسكر الإشتراكى فى عام 1989م، وبعدها ما عاد دافع الضرائب الغربى يسمح بأىِّ دعم يذهب للعالم الخارجى بدعاوى تمديد وإعادة إنتاج النظام الرأسمالى، والذى بات يتمدد بشكل ذاتى. وقد إنحسر دعم الدول الفقيرة إلى أقل من 1.1% بعد عام 1989م. حتى أنَّ بعض الكتابات بدأت تتكلم صراحةً عن موت الأيديولوجيات التى تبرر ذلك الدعم (فوكاياما 1992م)، وأُخرى تحدثت بَواحاً عن موت التنمية ( رِستْ 2002م).

إذاً، تُركت المعارضة (التجمع الوطنى الديموقراطى) لموتها السريرى، ولِملَلِها الداخلى، إلى أنْ بُثَّتْ فيها الروحُ من جديد بتداعيات حروب رأس المال الجديدة فى المحيط العربى المجاور.

التقدير الخاطئ الثانى هو أنَّ التجمع الوطنى الديموقراطى لم يدرك أنَّ خروجه من السودان كان داعماً للنظام المحاصر إقتصادياً وعسكرياً من وجهتين. الأولى تقليل الإحتكاك اليومى بالمعارضة، والثانية أنَّ تحويلات السودانيين العاملين بالخارج قد ساهمت مساهمة فعالة فى عمليات تمويل إستخراج البترول (50% من تمويل البترول، والـ 50% الأُخرى إستقطعت من قطاعى التعليم والصحة) الذى بدأ يُكسِبُ النظام بعضاً من شرعية على صهوة المنجز الإقتصادى، أو قُلْ بدأ يُكْسِبُهُ قيمة مضافة سياسية.

8- ولعلَّ المعارضة قد أخطأت أيضاً فى تقدير ثبات الشرائح الغنية (التجارية والزراعية) كفصيل معارض لشريحة غنية أُخرى (شريحة رأس المال المالى) ومن ثمَّ إسقاط نظامها. فذلك الملل الداخلى الذى أصاب التجمع، أصاب أول ما أصاب، الشرائح الغنية المعارضة. فمنها من إنشقَّ ووالى النظام، ومنها من إهتدى (تهتدون) ووالى النظام، إلى أنْ إستوت مجتمعةً كلُّها الآن فى خندق النظام.

وذلك لعمرى مكانُها الطبيعى فى إطار التشكل الإقتصادى/الإجتماعى. وما هو غير طبيعى هو إنتظار الأحزاب المتحدثة بإسم الفئات المستضعفة والمستنيرة لتحالف جديد مع أحزاب النخبة الإقتصادية (كوثيقة البديل الديمقراطى)، لينجز لها مشروعها الديموقراطى. أىُّ خطلٍ هذا!! أما آن الأوان لهذه الأحزاب المستنيرة أنْ تبحث لها عن صيغة تلبِّى الطموحات المادية والمعنوية لفئات المستضعفين والقوى المستنيرة فى البلد، وتجمعهم فى حزبٍ واحدٍ واعدٍ مستنير!

لا تُعيدوا علينا هذه الأسطوانة المشروخة، وجددوا أُطروحاتكم، واخرجوا علينا بصيغةٍ تجمع كل العمال والقوى الحديثة فى السودان تحت رايةٍ واحدة تلبى كل تطلعاتهم، الروحية منها والمادية. فأحزاب الشرائح الرأسمالية لا تمثلنا، وتتناقض مصالحها مع مصالحنا، فلماذا نتحالف معها!

9- لا يمكن إنجاز حكم ديموقراطى (والحديث موجه للموقعين على وثيقة البديل الديموقراطى من الأحزاب المستنيرة) بالتحالف مع شرائح رأسمالية عاجزة عن العيش فى مناخ ديموقراطى. إذاً، لابد من عمل يكافئ/يوازى هذا العجز، ولا بد من عمل شئٍ يجعل شريحة الدولة فى غنىً عن أنْ تتحالف مع أىٍّ من الشرائح الإجتماعية السودانية. وذلك فى تقديرى يكمن فى وجود حزب جامع لكلِّ العمال والإنتلجنسيا السودانية يوازن معادلة العملية الإنتاجية، ويشارك فى مراقبة حيادية شريحة بورجوازية الدولة؛ كما يكمن فى وجود خدمة مدنية مجزية ومستقلة، جيش قومى مستقل ذى هيبة، وبوليس عفيف ومستقل، وقضاء فى كامل الإستقلالية.

10 – التحالف مع شرائح النُخبة الرأسمالية العاجزة، بالتجربة، عن العيش فى مناخ ديمقراطى، يجعل الشعب السودانى مُحِقَّاً (خاصةً قواه الحية العمالية والمستنيرة اليائسة يأس السنين (60 سنة) بسبب ضعف التوظيف والقيمة غير المُجزية لسعر العمل؛ التى ترى من يُمثلها من أحزاب، غير فاعل فى إحداث توازن فى العملية الإنتاجية لصالح كافة شركائها؛ لما عانته هذه الأحزاب من قهرٍ وحيفٍ وظلم، وللخلل البيِّن فى أُطروحة هذه الأحزاب عن أن تجتذب أعضاءها طرف الأحزاب الرأسمالية، وللتحالف المزمن مع أحزاب شرائح النخب الرأسمالية هذه) فى أن يسأل عن البديل.

نعم البديل هو أنتَ وأنا والجميع. ولكن تحت أىِّ مظلة من مظلاَّت الأُطروحات السياسية المبذولة الآن؟ هل التحالفات المطروحة تشكل بديلاً حقيقياً للعمال والقوى المستنيرة فى السودان، أم أنَّها تحمل بذرةَ فنائها بداخلها؛ وبالتالى نكون على أعتاب إنقلابٍ جديد؟

أنا فى تقديرى المتواضع، أرى البديل فى تكوين أُطروحة سياسية (حزب/كيان سياسى) قادرة على تلبية كافة مصالح العمال والقوى الحديثة الروحية والمادية، وبالتالى قادرة على إحداث توازن فى العملية الإنتاجية. وإذا تمَّ إحداث ذلك التوازن، نستطيع أن نَّبنى السودان بإذنِ الله.

11- لعلَّ من الأمور التى لا تُخطئها العين، هو إهتمام شريحة رأس المال المالى (الجبهة الإسلامية القومية) بقطاع الشباب. وهو أمر تنفردُ به فرادةً تجعلها الأكثر تأهيلاً لصناعة التغيير. تعتنى هذه الشريحة بكوادرها، تحرص على تعليمهم وتفوقهم، تنفق على تدريبهم وتأهيلهم لنيل أعلى الدرجات. لم نسمع بين كوادر هذه الشريحة من تمَّ تفرغيه للعمل الحزبى المحض، أو عُطِّلَ تخرجه ليقوم بمهام حزبية داخل المؤسسات الأكاديمية.

وبالمقابل، تحرص القيادات الشائخة للشرائح الرأسمالية الأخرى (وحلفاؤها) كالشريحة الزراعية والتجارية (الأنصار والختمية) على تعليم وتأهيل أبنائهم هم كأُسر، على حساب القطاعات الشبابية فى أحزابهم. والبعض من هذه القطاعات يعمل فيما يمكن نعته بالسُخْرَة (فيما يشبه التفرغ للعمل الحزبى عند الأحزاب التقدمية) لخدمة آل بيت هذه الطوائف. وعليك أن تتصور التغييب الذى يحدث لقطاعات الشباب هذه.

كما أنَّ الأحزاب التقدمية التى تتحدث عن العمال والقوى الحديثة حين تُفرغ أعضاءها للعمل الحزبى، فهى بالأساس تؤدى إلى إعاقتهم من الناحية الفنية العملية والمعرفية؛ والقليل جداً من بينهم من حظى ببعثات تعليمية وتدريبية خارج بلدهم مقارنة بأعضاء شريحة رأس المال المالى. والمحصلة هى يأس الفئات المناط بها التغيير داخل هذه الأحزاب.

أما العمال والقوى الحديثة السودانية أهل الوجعة، فلا أحد يهتم بهم، لعدم وجود حزب نابع منهم، يحمل إسمهم، ويشارك فى عملية إحداث التوازن فى العملية الإنتاجية الذى من شأنه أن يجعلهم فى دائرة الإهتمام تعليماً وتدريباً وخبرةً. إذ أنَّ الشرائح الرأسمالية مشغولة بتأهيل أعضائها من الشباب والشباب من أفراد أُسرها، كما أنَّ التدريب الذى تناله الأحزاب التى تتحدث بإسمهم لا يعنيهم فى شئ، وبالتالى يتحولون إلى عالمِ منسىٍّ بالكلية.

هذا الواقع من الديموغرافيا الحزبية المختلَّة؛ كهول يتقدمون التغيير فى أحزاب الممانعة، وشباب يائس وضعيف التعليم والتدريب والتجربة، وقابع فى المقاعد الخلفية للتغيير؛ كلُّ ذلك يجعل مسألة التغيير فى غاية التعقيد، ما لم تكن هناك أُطروحات حزبية جديدة مناهضة لهذا الواقع.

يتبع ...

حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: حيثيات الواقع الإقتصادى – الإجتماعى فى السودان، وآفاق التغي

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في السبت أكتوبر 06, 2012 11:42 am

آفاق التغيير السياسى:

تظل الأسئلة المرتبطة بالتغيير السياسى (من نوع: هل نحن على مسلك التغيير، من المستفيد منه، لماذا تأخر عندنا، وهل من بارقة أمل؟) أسئلة مِلحاحة. والإجابة عليها، بالطبع، ليست بلا أو نعم فى مضمار الإقتصاد السياسى؛ ولكنَّها تُستخلص من بين فرثِ الخطاب الأيديولوجى، ودمِ الصراع الإجتماعى.

فَفِى البدءِ نحتاج إلى المنهج التحليلى الذى يضعنا على أعتاب التغيير؛ منهجٍ متحررٍ من العلل الحاجبة للبصيرة النافذة المُمَحِّصة والإستقصائية (كالنظرة الآحادية، الأحكام المسبقة، التنميط، الأيديولوجيا، التحيُّز والتفكير المُتحيِّز، العقلية الحدسية السالبة، جلد الذات، التمركز على الذات). فبالتخلُّص من هذه الأدواء، يرقى الباحث إلى مصاف العقل الحر والتفكير الحر؛ وعندها يرى الباحث ما لا يُرى من الأسباب الباعثة/المثبطة للتغيير.

على المستوى العالمى:

لابدَّ إذاً، من التعاطى الحكيم وفن التفاوض واللباقة السياسية فى التعامل مع الخطاب الليبرالى المتناغم الصيرورة بشكلٍ دائبٍ مع سيرورة التشكل الإقتصادى/الإجتماعى العالمى، حالة كونه ظاهرة متعولمة ومؤثرة فى واقعنا السودانى وتحقيبه. ولابد من الإبتعاد عن النزق السياسى المدفوع بنفث الأيديولوجيا فى التعامل مع الخطاب الليبرالى؛ لا سيما وأنَّ هذا الخطاب، هو حليف أصيل للشرائح الرأسمالية على حساب الشرائح الأُخرى الضعيفة والخديجة.

فبدل أن يكون الحقد الطبقى (مفردة الحرب الباردة) هو دافعنا للتعاطى مع الوكلاء الرأسماليين فى العملية الإنتاجية، فليكن دافعنا (خاصة فيما بعد الحرب الباردة) هو الشراكة المتوازنة، بل والمتراحمة (من واقع سودانويتنا المعروفة) لخلق واقعٍ جديد، يُساهم فى بناء السودان (آسيا نمت من وراء ظهر النظام الليبرالى، بالسماع له، والتصفيق له، وفى الخفاء تُخالفه إلى ما ينفع شعوبها).

ومن وجهة نظر الخطاب الرأسمالى العالمى الآن، يمكن القول بكلِّ طمأنينة، بأنَّ النظام العالمى الرأسمالى لم يعد راغباً فى إجهاض الديموقراطيات. وذلك مرده، كما جاء آنفاً، إلى أنَّ الرأسمالية قد أكملت تمددها الأُفقى، ووكلاؤها المحليون ليسو فى حاجةٍ إلى دعم، وما عاد الخوف من الرادكاليين ممكناً بعد كل تلك الضربات المتلاحقة ومن ثمَّ إنهيار المعسكر الإشتراكى. كما أنَّ دعم الديكتاتوريات من قِبل النظام الرأسمالى؛ فوق كونه يمثل حالة من التناقض المذهبى وازدواج المعايير، فقد وجد أنَّه يضرُّ بعمليات تراكم الأرباح فى المدى الطويل.

فوجود ديكتاتوريات رأسمالية فى مرحلة النيوليبرالزم أمرٌ نشاز، ويعتبر عائقاً فى سبيل مضاعفة الأرباح، وتسمى هذه الديكتاتوريات بالرأسماليات عليلة الليبرالية، ويحاربها النظام الرأسمالى فى إطار حروب رأسمالية؛ أُختير لها فى المنطقة العربية إسمٌ أيديولوجىٌّ جميل هو "حروب الربيع العربى" بغرض تسويقها؛ وهى حروبٌ بين النَّاس، لا تتقاطع فيها الجيوش القطرية.

إذاً، فالمناخ من الناحية العالمية مواتٍ لإنجاح أىِّ ديمقراطية قادمة. فالنستثمر شبح الحرب القادمة على بلدنا لا محالة، ونستغلها لصالح القضاء على هذا النظام الأخرق.

وبالمُقابل، يجب ألاَّ تعول حركات الممانعة، العسكرية والمدنية، على أىِّ دعم يأتيها من الخارج لِإحداث التغيير، لأنَّه بات من غير الممكن فى فترة ما بعد الحرب الباردة، وحالة التجمع الوطنى الديموقراطى أقرب مثال لذلك (أنظر بعاليه). فالتظاهرات الطوفانية هى الحل الوحيد المتاح. وما لم يجد النّاس مصدراً مالياً مستداماً لتمويل عمليات التغيير المسلح (وقليلٌ ما هو)، فعليهم بالتظاهرات الطوفانية.

فالحروب بين النَّاس، هى جزء من الروشتة الجديدة للحروب الرأسمالية المطالبَة بإحداث توازن فى الخلل القائم بين الغذاء المتاح وعدد السكان. ولكن هيهات (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله).

يتبع ...
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: حيثيات الواقع الإقتصادى – الإجتماعى فى السودان، وآفاق التغي

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في السبت أكتوبر 06, 2012 9:00 pm

على المستوى الداخلى:

1- لعلَّ حيادية الدولة فى التعاطى مع كل طبقات المجتمع، تجعل البلد على مسلك التغيير. ولضمان حيادية الدولة، فلابد أن تكون هناك ديمقراطية شفافة (مُحارِبَة للفساد/مؤيدة للتنافس الحر)؛ فهى منطلقنا وهدفنا وسبيلنا إلى التغيير. ولضمان تأمين الديمقراطية، فلابد من قيومية وزارة المالية والإقتصاد الوطنى على المال العام وتوجيهه وفق خطط وسياسات مدروسة ومستقلة، لابد من إستقلالية بنك السودان، ولابد من وجود جيش مستقل، شرطة عفيفة ومستقلة، خدمة مدنية مجزية ودائماً على الحياد، وقضاء أكثر إستقلالية. ولن نثق فى إستقلالية الدولة، مهما تنطَّعتْ فى الحديث عنا، ما لم نكن مشاركين فيها لِإحداث التوازن فى العملية الإنتاجية بالفعل الجماعى الديموقراطى لصالح الفئة التى ننتمى إليها؛ فئة العمال والقوى الحديثة السودانية.

ولعل إحداث التوازن فى العملية الإنتاجية لصالح كل وكلاء العملية الإنتاجية، هو الضامن الوحيد لِإستمرار الديموقراطية وحيادية الدولة، وبالتالى قفل الباب على الصراعات الأيديولوجية الحادة (وتحويلها إلى صراعات برامج) والإنقلابات العسكرية؛ وربما تحقيق التنمية، والسلام الإجتماعى، والإستقرار السياسى.

2- لنكون على مسلك التغيير، فلابد للعمال والقوى الحديثة من إخلاء طرفهم من التحالفات المزمنة المفرغة الحلقات مع الشرائح الرأسمالية، التى أدخلتها فيها الأحزاب التى تتحدث بإسمها. إذْ كيف يستقيم الأمر للأحزاب التقدمية أن تبحث عن قضايا العمال والقوى الحديثة، وهى متحالفة مع الشرائح الرأسمالية لِإنجاز هذه المهمة؟ هذا منطق غريب، وطرح نشاز.

3- إنَّ تحالف الأحزاب التى تتحدث عن العمال والقوى الحديثة مع الشرائح الرأسمالية لمدة طويلة، وخلو الساحة من أىِّ حزبٍ للعمال والقوى الحديثة فى السودان نابع من أوجاعِهم ليساهم فى إحداث التوازن المطلوب لصالحهم فى العملية الإنتاجية، جعل سواد الشعب (العمال + الإنتلجنسيا) لا يرى بديلاً مطروحاً للتغيير من قِبَل هذه الأحزاب.

ولنكون على مسلك التغيير، لابد من إيجاد حزب عمال وقوى حديثة سودانى، لا يتحالف مع أحد، لأنَّه فى الأصل غير محتاج لذلك؛ لأنَّه يمثِّل أكثر من 85% من الشعب السودانى. وبغياب هذا الحزب، فإنَّ أَّىَّ تغييرسيكون فى صالح الشرائح الرأسمالية، كما هو سائد الآن. وهذا الحزب لن يكون على مسار التغيير، ما لم يكن قادراً على تمثيل كافة جموع العمال والقوى الحديثة السودانية، لاسيما تلك المنضوية تحت الأحزاب الرأسمالية الأخرى بغياب هذا الحزب.

إذاً، يتأخر التغيير عندنا، لوجود الخطل السياسى الذى يريد أن يُزيح شريحة رأسمالية مهيمنة بالتحالف معها (مشاركتها السلطة)، أو مع شرائح رأسمالية أخرى، ميلُها القلبى للشريحة ذات الهيمنة دون الشرائح الضعيفة.

4- أيضاً يتأخر التغيير عندنا، وبالتالى لن نكون على نهجه، مع وجود الخلل القائم الآن فى التركيبة الديموغرافية لمؤسساتنا الحزبية، حيث دعاة التغيير المقبلون على الحياة والفاعلون فيها، يحتلون الصفوف الخلفية فى هذه الأحزاب. والمدبرون عن الحياة، الباحثون عن حسن الختام السياسى وعدم الدخول فى الفتن، يحتلون مقاعد القيادة، ويُقعدون بالثورة، ويُثبطونها بالمواقف التوفيقية المائعة.

ويجب أن يكون هناك إهتمام واضح بالشباب وبتدريبهم وبتأهيلهم وبإكسابهم الخبرات والثقة بالنَّفس، وبدورهم فى التغيير. فمعظم الدول الحية فى العالم الآن تُدار بالفئة العمرية (15-45/50) ومثال لذلك أوباما، كاميرون، ميليبان ...إلخ.

5- يتطلب إحداث التغيير مراقبة ورصد الشريحة ذات الهيمنة بشكلٍ دقيق؛ ومن كل النواحى المالية والعسكرية (داخلياً وخارجياً)، ليسهل الأنقضاض عليها وشلَّها (ديمقراطياً أو جبراً) فى الوقت المناسب.

6- لابد من تسويق التغيير فى المحافل الدولية واستمالة العالم له بشكل أكثر فاعلية؛ ولو على مستوى المجاملات الشفاهية، والتظاهرات التضامنية؛ بغرض خلق زخم عالمى داعم له، طالما تعذر الدعم المالى والعسكرى.

7- لابد من فضح فساد النظام وتعرية أيديولوجياته (خاصة الدينية) بالحقائق، والحقائق فقط، وليس بالأيديولوجيات المضادة. فمثل هذه الأنظمة لا يُخيفها شئ أكثر من الحقيقة.

8- على الإنتلجنسيا السودانية الواقعة فى فئة العمال والقوى الحديثة السودانية الإضطلاع بدورها فى حمل لواء التغيير، وقيادة الجماهير باتجاه إسقاط النظام. وهذا النظام تكفيه مظاهرة طوفانية واحدة فقط لاغير؛ تزحف عليه من حيث يدرى ولا يدرى. ويومها سيتحقق سابع موبقاتهم، بتوليهم يوم الزحف.

9- صرف أنظار الصينيين من دعم النظام إلى دعم الشعب السودانى؛ فالصين لاعب مهم فى المنطقة الآن، وقد نحتاجها لحماية تنميتنا. كما يجب تأليب العالم على إيران التى تمد نظام الإنقاذ بالسلاح والمال والرجال، وفضح برامج التسليح السرية بينهما التى ربما إنطوت على تسليح نووى أو كيماوى يجر على البلد من الويلات الكثير.

10- يجب أن تعرف منابر المعارضة بالخارج بأنَّ منابرها يتسلقها الإخوان المسلمون، ويتسللون عبرها إلى مناطق حيوية فى الأجهزة الحكومية البريطانية/الأوروبية، التى من شأنها، بترك إنطباع سالب عنها، أن تضر بكيانات المعارضة ومصالحها.

11- لابد من الحصول على المال اللازم الذى يساعد فى عملية تسهيل التغيير، أى الذى يجعله ممكناً. وذلك بحملات التبرعات والأشتراكات والمساهمات الفردية.

12- التخطيط القومى الإستراتيجى يوجه قدرات البلد المالية نحو قطاعاتها المنتجة، وبالتالى يقطع الطريق على الفساد والنشاطات الطفيلية التى تؤثر سلباً على القيم الكلية للمجتمع، لا سيما تلك الباعثة على التغيير.

13- لابد من إيجاد وسيلة تعفى ديوننا على العالم الخارجى قبل/حال حدوث التغيير، أو على الأقل تجميدها ريثما يستقر النظام الديموقراطى البديل، وتتزن معادلته الإنتاجية. وبالتالى نعبر بالبلد من حلقات هيمنة الشرائح الرأسمالية، إلى فضاء الإتزان السياسى /الأيديولوجى والإقتصادى/الإجتماعى.

إنتهت.
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



السابقالتالي

العودة إلى ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار

cron