]"شملة كنيزة الامريكية" ابعد من كونها "تلاتية و قدها رباعي"!

ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

]"شملة كنيزة الامريكية" ابعد من كونها "تلاتية و قدها رباعي"!

مشاركةبواسطة Siddiq Abdelhadi في الاثنين أكتوبر 06, 2008 10:08 pm


عمـود / كلام في الاقتصـاد
[ color]"شملة كنيزة الامريكية" ابعد من كونها "تلاتية و قدها رباعي"!!
(2 من2)

(جريدة اجراس الحرية 30 سبتمبر 2008م)
صديق عبد الهادي
Siddiq01@sudaneseeconomist.com

اشرنا سابقاً الي حقيقة ضخامة الاقتصاد الامريكي، كما و استعرضنا، في الوقت نفسه، من الوقائع ما يتناقض مع حال هذا الاقتصاد العملاق. وقائع تكاد أن تصُفّ الولايات لمتحدة الامريكية و تضعها الي جانب الدول الفقيرة و المتخلفة من حيث انتشار الفقر و العطالة و الوضع الصحي المخيف. إن الارقام المهولة في هذا الصدد و من وهلتها الاولى بالنسبة للناظر تجعل الحالة اشبه بـ "شملة كنيزة"!!!. و لكن "الاقتصاد السياسي" للرأسمال له شأنٌ آخر في ان المسألة "ابعد" من كونها "كذلك"،خاصةَ إذا ما نظرنا الي حقيقة ان امريكا تقف و بدون شك "الحادية" لركب المانحين و الباذلين للعطايا ساعة الكوارث في الكثير من الاحيان. قلنا ان ذلك وضعٌ "عجيب" لا يستقيم فهمه إلا اذا ما تمّ النظر اليه بعيداً من مصيدة المقارنة السطحية لارقام الاقتصاد البحت.
لايستقر الرأسمال و لايزدهر الا بوجود الفقر. الفقر هو قطاعٌ اقتصاديٌ قائمٌ بذاته في ظل الراسمال، مثله و مثل القطاعات الاقتصادية الاخرى، الاستثمار، البنوك،تجارة الاستيراد و التصدير، البترول و التصنيع....الخ!!!. الفقر ليس "صدفة" و لا "إبتلاء"!!!. الفقر وظيفة اساسية من وظائف الراسمال، و هو "مدماكٌ" ركيزٌ في "حائطه" المتين. فإذا نظرنا الي واحدة من الطرائق العصرية لصناعة الفقر و زيادة معدله نجد ان المؤسسات الراسمالية الضخمة في الولايات المتحدة الامريكية تقوم بتصدير فرص العمل الي الخارج، اي بنقل مصانعها و عقود خدماتها الي البلدان الفقيرة و النامية خاصة في آسيا و بعض دول غرب افريقيا، حيث تنخفض الاجور الي مستوى يستعصي علي المقارنة ، إذ يصل فيها الاجر المدفوع للعامل المؤهل الي نسبة لا تتعدى 10% من اجر العامل الامريكي في حال القيام بنفس العمل. هذا بالاضافة الي عدم خضوع المؤسسات الامريكية لاي شروط خدمة او ضوابط فيما يتعلق بالبيئة و الانسان في تلك البلدان الفقيرة.
و بالنتيجة، فبقدر ما انها تجني ارباحاً طائلة بسبب إنخفاض تكاليف الانتاج و الذي يتراوح بين 30% الي 70%، فإنها تزيد من وتيرة معدلات الفقر في الولايات المتحدة الامريكية. يقول الخبراء الاقتصاديون بان سوق العمل الامريكي مهددٌ بفقدانه لما يصل 14,1 مليوناً من فرص العمل، و ذلك بسبب النقل لعمليات الانتاج الي خارج الولايات المتحدة. و من المتوقع ان تنتقل بالفعل 6 مليون فرصة عمل الي الخارج في خلال العشرة سنوات القادمة!!!.
إن رأسمال الامريكي لا يكتفي بخلق الفقر داخلياً فحسب و إنما يستثمر كذلك في كل المظاهر المرتبطة به و الناتجة عنه. تحتل الولايات المتحدة الامريكية المرتبة الاولى من حيث عدد نزلاء السجون، إذ تبلغ نسبة المسجونين 762 من كل 100 ألف شخص. و في الصدد نفسه تصل النسبة الي 32 من 100 الف شخص في دولة الهند. إن عدد سكان الهند يساوي ثلاثة اضعاف سكان الولايات المتحدة تقريباً، غير ان نزلاء السجون في الولايات المتحدة يساوون 24 ضعفاً لعدد المسجونيين في الهند!!!.
تقول الاحصائيات ان امريكا في العام 2007م انفقت ما قدره 44 مليار دولار علي نزلاء السجون فيها، اي بواقع 22 الف دولار علي السجين الواحد!!!. و مما هو مؤكد ان النسبة الكبيرة من هذه الاموال الطائلة قد ذهبت الي الشركات و المؤسسات الامريكية الخاصة و التي لها علاقة تعاقدية مع مؤسسة السجون. تلك المؤسسات تمثل طرفاً اساساً فيما يعرف باقتصاديات السجون. تؤكد الاحصائيات، ايضاً، أن 64,9% من نزلاء السجون في الولايات المتحدة الامريكية هم من الاقليات اي من السكان السود و من ذوي الاصول اللاتينية و غيرهم.و معلومٌ ان تلك الفئات من السكان هي التي تكتوي بنار الفاقة و تعاني من إرتفاع معدلات الفقر بينها. إن تعامل الرأسمال الامريكي و من خلال مؤسساته مع تلك الظاهرة يمثل جانباً واحداً من النشاطات المرتبطة بإداة الفقر و تبعاته في الولايات المتحدة الامريكية. هذا علي صعيدٍ واحدٍ، اما علي صعيد المجالات الاخرى المتعلقة بالعمل الاجتماعي و برامجه التاهيل العديدة فيما يخص الفقراء فإن الانفاق يصل الي اضعاف الانفاق علي السجون و ادارتها. و تلك مجالات هي الاخرى تدار بواسطة مؤسسات رأسمالية ضخمة متخصصة في مجال العمل و العون الاجتماعي. و حتى لايكون هناك التباس، فإن برامج التاهيل تلك ليست لاجل ان يكسر المعنيون حاجز الفقر و انما للبقاء في حدود معقولة منه!!!.
إن ادارة الفقر و باشكالها المختلفة تمثل قطاعاً اقتصادياً مربحاً لا مصلحة للمؤسسات الراسمالية في اختفائه. بل و إنما تكمن مصلحتها الحقيقية في الحفاظ عليه، اي في الحرص علي إبقاء الفقر و بنسبٍ تضمن فاعلية النشاط الاقتصادي المرتبط به و بالتعامل التجاري مع مظاهره. إن تحقيق الربح هو هدفٌ يصبو اليه كل رأسمال،إطلاقاً، و في ذلك لايقتصر الامر علي المؤسسات الراسمالية الامريكية لوحدها و انما ستسعى اليه كل راسمالية و باستثمارها لنفس الظروف غض النظر عن منشأها او آيديولوجتها او دينها او موطنها، لان الربح و أي ربح هو وبحكم ميكانزم الراسمال امرٌ مشروع!!!.
علي مستوى آخر، تتعامل الولايات المتحدة الامريكية و بما في ذلك مؤسساتها الراسمالية العابرة للقارات مع الكوارث التي تلمّ بالآخرين من منطلقٍ ليس ببعيدٍ عما سلف ذكره.فبقدر ما انها، و من خلال المعونات التي تقدمها، ترمي الي تحسين صورتها و اضفاء مسحةٍ انسانيةٍ علي سلوكها، فإنها قد تسعى في الوقت نفسه الي فتح مسالك ظلت مغلقة في وجه التاسيس لعلاقات يؤمل في امتدادها علي المدى البعيد!!!. فما يراه الآخرون تناقضاً ـ اي الاسراف في منح الآخرين خارجياً في حين ان الفاقة تعصفُ بقطاعٍ عظيم من المواطنين داخلياً ـ ، تراه امريكا و مؤسساتها إتساقاً "إقتصادياً سياسي" ما بعده اتساق. فلذلك ، و عن قربٍ ، فإن "شملة كنيزة" الامريكية يضحى جلياً انها ليست كما تبدو "تُلاتية و قدها رباعي"، و إنما شأنها اعقدُ من ذلك بكثير!!!.
Siddiq Abdelhadi
 
مشاركات: 39
اشترك في: الجمعة يوليو 11, 2008 3:17 pm



العودة إلى ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron