تعقيب علي ندوة دكتور سلمان محمد احمد سلمان

ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

تعقيب علي ندوة دكتور سلمان محمد احمد سلمان

مشاركةبواسطة Siddiq Abdelhadi في الجمعة أغسطس 22, 2008 8:47 pm

تعقيب علي ندوة الدكتور سلمان محمد احمد سلمان
"اضواء علي مشروع الجزيرة،
التطورات و المتغيرات و قانون 2005م" (1) من (2)

صديق عبد الهادي(*)

يعتبر ، و دون شك، البحث الذي قدمه دكتور سلمان محمد احمد سلمان حول مشروع الجزيرة من البحوث القلائل، هذا إن لم يكن اميزها، التي تناولت قضايا ذلك المشروع بعلمية و بعمق. إستند فيه ليس فقط الي حقائق تاريخية و إنما استدعى فيه و بشكل سلس القدر الكبير من ارث المعالجات ، التي تصدت الي قضايا هذا المشروع. و هو استدعاء لا يخالجني شك في ان كثير من القراء و المهتمين بامر المشروع قد يكون و لاول مرة اتيحت لهم، من خلاله، فرصة الاطلاع علي فحوى جهد اللجان و الفرق المختلفة التي حاولت معالجة إشكالات المشروع و عبر تاريخه المديد. و ذلك بالقطع امرٌ لابد من تثمينه لانه يساعد المرء علي الاختلاف او الاتفاق علي بينة و بمعرفة، إن كان مع الباحث سلمان او مع غيره من الباحثين و المهتمين. و ذلك ايضاً في جوهره سيقلل من فرص الهرج السياسي و الابتزاز و ادعاء الاحاطة الكلية بقضايا المشروع. هذا كله من جانب ، اما من الجانب الآخر فهناك حقيقة لابد من لي من تكرارها و هي ان ما قال به الباحث، خاصة حول مشروع الجزيرة، لا يمكن المرور عليه عابراً إذ لابد من الوقوف عنده إن كان من جهة الاتفاق معه او الاختلاف لانه ، اي د. سلمان، يقف واحداً من الرواد المعروفين علي مستوى العالم الذين ارتبطت جهودهم بموضوع البحث في مسألة المياه، و تلك واحدة من القضايا الاساسية التي يدور حولها ليس فقط الجدل في مشروع الجزيرة و انما يُعوّل عليها في حسم الصراع بين وجهات النظر و الروئ المتعلقة بمستقبل المشروع.
هناك اتفاق عام بين كل الناس علي الاهمية التي إكتسبها و لا يزال يكتسبها مشروع الجزيرة بالنسبة الي الدور المرجو منه إن كان في مستقبل السودان و في توفير امنه الغذائي او ما سيلعبه علي المستوى الاقليمي و العالمي، إلا ان الخلاف كان دائماً متعلق بالسياسات التي يتم تبنيها في مواجهة المشاكل التي يعانيها المشروع و التي اصبحت تتفاقم و تزداد خاصة في العقود الاخيرة. نجح د. سلمان في تقصي تلك المشاكل و تلمسها حيث اجملها في تسعة بنود. هناك ملاحظتان لابد منهما في هذا المقام، الاولي هي إشارته المهمة الي دخول المشروع فيما يعرف بالحلقة الجهنمية و التي تبدأ بالري الضعيف و منه ياتي تدني الانتاج و الذي ينعكس في المداخيل المنخفضة و الذي بدوره يؤدي الي حالة عدم الرضا بين المزارعين، هذا بالإضافة الي ضعف استرداد تكاليف الري و الذي يؤدي الي ضعف الصيانة و التشغيل و الذي يؤدي تلقائياً الي ضعف الري ، و هكذا تكتمل الحلقة و تبتدئ من جديد. و هنا يمكننا ان نقول إن الضحية الاساس و الذي تطحنه تروس هذه الحلقة الشريرة و بشكل مباشر هو المزارع!!!. اما الملاحظة الثانية وهي انه و قد تكون من المرات النادرة جداً ان يتم فحص اسباب تدهور المشروع و بشكلٍ موضوعي دون اللجوء و بتحامل الي حشر المزارع حشراً كأحد اسباب التدهور كما درج البعض علي ذلك، إن كان لاسباب سياسية معلومة او لمصالح اخرى مبطنة، و الاغرب من ذلك ان بعضاً من قيادة اتحاد المزارعين نفسه، أحياناً، يذهب في ذلك الاتجاه . علي اية حال،هذه ملاحظة لها اهميتها ايضاً حينما نأتي الي موضوع إختلاف وجهات النظر حول مستقبل المشروع.
فإذا ما إستثنينا من اسباب تدهور المشروع إزدياد اسعار المحروقات عالمياً و تاثيرها في زيادة اسعار المدخلات الزراعية و كذلك زيادة الانتاج من القطن في آسيا الوسطى و الصين و الهند و تدني اسعاره عالمياً، فإننا نجد ان كل اسباب التدهور المتبقية لها علاقة وطيدة بالسياسات الحكومية كالتمويل و التسويق و غيره، و كذلك لها علاقة بالاداء الإداري لولاة امر الإدارة في المشروع!!!. هذا التوضيح مهم جداً هو الآخر خاصةً حينما ناتي الي المعالجات التي طرحتها الحكومة من خلال قانون 2005م الذي لم يكن موفقاً في اهم اجزائه.
ارى ان تاريخ مشروع الجزيرة ينقسم الي مرحلتين قبل صدور قانون 2005م، و الذي دشن المرحلة الثالثة في تاريخ هذا المشروع. المرحلة الاولى امتدت من تاريخ تاسيس شركة السودان للزراعة التجريبية و التي اقامت مشروع الزيداب في عام 1904م و من ثمّ تحولت الي الشركة السودانية الزراعية بعد ان تخلى عن رئاستها مؤسسها الامريكي "لي هنت" لتنشئ مشروع الجزيرة، و ذلك حتى نهاية عقدها في العام 1950م. اما المرحلة الثانية فتمتد من عام 1950م و حتى صدور قانون 2005م و المصادقة عليه في ذلك العام، و حيث مثل صدوره بداية تدشين المرحلة التاريخية الثالثة لمشروع الجزيرة. يستند هذا التقسيم علي الشكل الذي اتخذته و تتخذة "علاقة الشراكة" بين الاطراف المعنية بالمشروع. و لا اقول "علاقات الانتاج" بينهم ، لان استخدام مفهوم "علاقات الانتاج" كما هو سائر لوصف "علاقة الشراكة" لايكون دقيقاً من الناحية المفهومية لعلم الاقتصاد. فلو حاولنا ان نعالج المسألة من خلال مفهوم "علاقات الانتاج" كما هو معرفٌ إقتصادياً ،فإن كل اطراف المشروع، بمنْ فيهم المزارعون، قد تقف علي جانب واحد في مقابلة العمال الزراعيين و في مقابلة منْ لا يملكون حواشات او ارضاً في مشروع الجزيرة، علي الجانب الآخر. و لكن علي اية حال صارت "علاقات الانتاج" تعني في ادب الكتابة عن مشروع الجزيرة وفيما تعني "علاقة الشراكة".هذا التوضيح نحا نفس المنحى الذي ذهب اليه د. سلمان من ناحية المفهومية القانونية و الاقتصادية في معالجته للمعضلة التي برزت عند بداية المشروع في تحديد اسم للزراع، حيث ان ما كان مطروحاً هو هل هم "شركاء" ، "عمال زراعون" ام "مستأجرون"؟. و قد استقر الرأي علي استخدام "مستأجرين" وذلك لقرب انطباق ما هو سائد في العلاقة علي مفهوم "مستأجرين".
منذ قيام المشروع و حتى عام 1950م كان هناك وجود حقيقي للقطاع الخاص و بمعنى الكلمة، حيث كانت علاقة الشراكة تقضي بتوزيع الارباح ـ كما اورد د. سلمان ايضاً ـ بأن يكون نصيب الحكومة 40% ، المزارعين 40% و شركة السودان الزراعية 20%. إن شركة السودان الزراعية لم تكن تمثل قطاعاً خاصاً عادياً و انما "عابراً للقارات"!!!. إن الشركة الاصلية ، شركة السودان للزراعة التجريبية، قبل ان تتحول الي شركة السودان الزراعية ، كانت تضم سبع عشرة مستثمراً. ثمانية منهم يقيمون في لندن ببريطانيا، ستة منهم من نيويورك بالولايات المتحدة الامريكية، اثنان من ايرلندا و واحدٌ من باريس بفرنسا.و من بين هؤلاء السبع عشرة مستثمر لم يكن هناك غير بريطاني واحد وهو السيد "ليونيل فيليبس"، و لم يكن يملك غير 5000 سهم من جملة اسهم الشركة البالغة 80000 سهماً. و كان اكبر عدد من الاسهم هو 19000 سهم و يمتلكه الامريكي "لي هنت" المؤسس الفعلي للشركة، و الذي ظلّ يتجول بين القارات المختلفة وقتاً طويلاً لاقناع المستثمرين بجدوى الاستثمار في السودان!!!. إننا سنعرف و بتاكيد قاطع ان "لي هنت" لم يكن مستثمراً هاوياً يتحرك في الظلام و إنما فعل ما فعله علي ضوء معرفة مسنودة بتحقق واقعٍ جديدٍ كان ان بدأ يتمخض في السودان تاريخذاك. كتب "جون ج. لانق" قنصل الولايات المتحدة الامريكية في القاهرة الي "ديفيد ج.هيل" مساعد وزير الخارجية الامريكي في 13 اغسطس 1902م، قائلاً ،"تسعى حكومة السودان بشدة الي تطوير الموارد الزراعية في البلاد علي اسس اكثر ليبرالية لتشجيع راس المال و الهجرة. لقد اصبح السفر الي المدن الواقعة علي النيلين الازرق و الابيض اكثر ملائمةً إذ يمكن لاي مسافر ان يترحل، في الشتاء القادم، بشكل آمن و مريح ليس فقط بين الخرطوم و امدرمان ، و انما الي فشودة و الي ما بعدها "، و إلي ان يقول ، " هناك احتياجٌ للادوات و الآليات الزراعية....عليكم القدوم باكراً لتامين موقعٍ راسخ في اسواق البلاد". يمكننا القول بأنه علي ضوء ذلك ، و من هنا تاصل قدوم جزءٍ من ذلك القطاع الخاص المتعدد الجنسيات الذي اسس لمشروع الجزيرة، و بالتالي اسس لعلاقة الاقتصاد السوداني بالسوق الراسمالي العالمي و من تاريخه.
هذه الخلفية تاتي ضرورة ذكرها من محاولتنا التأكيد لحقيقة ان مشروع الجزيرة لم ينشأ إعتباطا ًاو نتاج الصدفة، هذا من جهة اما من الجهة الثانية، فان معالجة قضاياه ، و مهما كان حجمها، لابد من وجود مرجعية لها، علي الاقل ، لاجل إتاحة مقارنة معقولة و مفيدة. و في هذا الصدد نشير الي ان شركة السودان للزراعة التجريبية حينما كانت تدير مشروع الزيداب كانت تستأجر المزارعين و ذلك بواقع اجرة تساوي ثمان سنتات لليوم الواحد ( الدولار يساوي مائة سنت). ولكنها قبل الانتقال الي مشروع الجزيرة إعتمدت نظاماً للشراكة بديلاً للاجرة و ذلك لنفعه و لجدواه الاقتصادية. و قد تمّ تطوير تلك الشراكة الي النسب التي أُشير اليها من قبل و التي تمّ ، كذلك، التمسك بها حتى العام 1950م وقت انتهاء عقد شركة السودان الزراعية حيث تمّت إعادة توزيعها من جديد و بنسب مختلفة. و هو توزيعٌ إقتضته التطورات التي حدثت في المشروع و هي تطورات ايجابية إنعكست في حقيقة ان المزارع في مشروع الجزيرة قد اصبح شريكاً اصيلاً بانتاجه و ليس بعطف الحكومة. و كذلك كان من الاستجابات المتقدمة للتطورات الايجابية ان خُلِقت بنود جديدة للصرف علي الخدمات الاجتماعية، المجالس المحلية و الحساب الاحتياطي. لابد من النظر لهذه المتغيرات داخل "علاقة الشراكة" بانها كانت خطوات متقدمة جداً وبكل المقاييس حيث انها جاءت مستوعبة للتطورات الاقتصادية و الاجتماعية التي بدأت بالفعل تنتظم المجتمع الانساني في مشروع الجزيرة. فحينما نقارن ذلك بالنتائج الكارثية المتوقعة الحدوث وفق ما هو مخطط له الآن من بيعٍ للمشروع بناءاً علي قانون 2005م ، و الذي سيتحول بفضله المزارعون الي أجراء و ليس شركاء ، فإنه لايسعنا إلا ان نقول ان في ذلك ردة ما بعدها ردة!!!،(سنأتي الي ذلك حين العرض للقانون).
(*) إقتصادي سوداني مقيم في الولايات المتحدة . عضو جمعية الاقتصاد الامريكية.
(*) للاطلاع علي مواضيع و بحوث اكثر عن مشروع الجزيرة يمكنك مراجعة "الملف الاقتصادي" عن مشروع الجزيرة علي موقع "الاقتصادي السوداني" ، علي الرابط :
www.sudaneseeconomist.com
Siddiq Abdelhadi
 
مشاركات: 39
اشترك في: الجمعة يوليو 11, 2008 3:17 pm



العودة إلى ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 3 زائر/زوار

cron