كفانا بكاَءً على أبواب العربان

ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

كفانا بكاَءً على أبواب العربان

مشاركةبواسطة Musadaq Alsawi في السبت يوليو 10, 2010 6:21 am

الأخوة الأعزاء

الأفكار المطروحة في المقال هي تجميع لعدة أفكار طرحتها هنا متفرقة مع بعض الإضافات.

أرجو أن تنال منكم المشاركة النقدية.ونسبة لطول المقال سوف أقوم بنشره على جزئين...

================

كفانا بكاءً على أبواب العربان..الجزء الأول

قابلني شخص لا أعرفه، في شارع من شوارع إحدى المدن العربية، ناداني دون سابق معرفة..
"- يا أسود..!"
صدمتني التسمية أول الأمر.حينما أفقت من الصدمة بادرته بعيون تقدح شررا..
"- قلت أيه.؟!"
إبتسم بطريقة بلهاء فيها شيئ من اللا مبالاة والتعالي وكأن الأمر لا يعنيه كثيرا ...
- " معليش بس .."
- " بس أيه..؟!"
- " بس إنت سوداني..!!..أسود يعني..!!"
لأول مرة أشعر بوقع الكلمة وهي مقروءة بالألوان الطبيعية.عندها نكصت على عقبي قلت في سري وأنا لا أزال احتفظ بالجدية العبوسة على وجهي...
"والله معاك حق..!!"
يبدو أننا شعب مصاب بعمى الألوان السمعي...!!

في المدينة العربية نفسها ...سألت شابا ، في سن المراهقة، يعمل في احد محال الاتصالات، إن كان لديهم خط دولي..رد علىَّ محاكيا عباراتي بعربية "مكسرة" وبصورة تهكمية تختلط فيها السخرية بالجد. رددت عليه أني لا أقبل هكذا مزاح. فاحترم نفسه ولم يرد علي..حين هدأت وراجعت نفسي تذكرت أن كثيرا من أهلنا في الشمال والغرب والشرق والجنوب هكذا ينطقون العربية.لا يتبقى إلا وسط نيلي هو الذي يستعمل الدارجة العربية "الفصيحة" التي هي في حد ذاتها مدعاة للسخرية والتندر لدى الكثير من العربان وهذا شأن آخر..
فلما الغضب إذن..؟؟

عندما كثرت علي المراجعات بدأت أحس بوطأتها الثقيلة على نفسي وروحي. شعرت بأني كالمُنْبَتْ لا أعرف من أكون. فالثقافة والسياسة التي تربينا في كنفها كانت كلها تصب في مجرى أني سليل نبع صاف من العربية والعربان. ولكنني حينما صرت في وسطهم شعرت بأني مختلف تماما عنهم:لون بشرتهم ، طبائعهم ، موسيقاهم، طريقة مزاحهم...ونستهم..أشياء كلها لا تشبهني لا أستسيغها..فهي غريبة عني ..

والمؤسف حقا هو أن الأمر لم يقتصر على بلاد العربان بل هو مطبق بين ظهرانينا...الوضع الذي يعلى من ثقافة العربان وبالتالي يملي علينا التعامل بالنقيض مع الثقافات المحلية "الأخرى". تربينا على اعتبار أن اللغات السودانية (غير العربية) ما هي إلا "رطانات" متخلفة تدعو الى السخرية..لا بل أن الإستعلاء بلغ شاؤا بعيدا من الازدراء بتلك اللغات إذ جعل بعض متحدثيها من الأجيال المتقدمة والمختلطين بالأوساط المدينية يفقدون الصلة بها تماما مما يهدد بانقراضها إن سار الجهل والتجاهل بهذه الوتيرة.لا أذكر ذلك على سبيل المغالاة بل الشواهد كثيرة هنا وهناك. فأنا أعرف مثلا قرى في جنوب شندي معظم قاطنيها من الأصول الدنقلاوية لكن لا تجد اليوم فردا واحدا يتحدث بلغة الدناقلة ، فقد اندثرت منذ جيل الآباء وربما الأجداد.

ميلاد لغة من اللغات يعد إنجازا بشريا عبقريا أرسى دعائم الحضارة الإنسانية والتقدم. يندر أن يضاهيه فعل في التاريخ.إستطاع الإنسان المعاصر أن يصل الى دقائق التشريح والتركيب في العلوم الطبية والفيزيائية وخلافه لكنه لا زال عاجزا عن فهم كنه تكوين اللغات.
دعنا نقول أن هذا الاستلاب متجذر فينا حتى النخاع الى الدرجة التي يفقد فيها الفرد الشعور بانتمائه الحقيقي ،النابع من تاريخه الحقيقي، والتحول الى وضع مصطنع لا يصمد أمام أي اختبار حقيقي كحالي تماما في مجتمع العربان. والمؤسف أن الأمر ،كما أظن، قد غطى شتى مناحي الحياة الإجتماعية والثقافية والسياسية.
Musadaq Alsawi
 
مشاركات: 182
اشترك في: السبت يوليو 12, 2008 1:04 pm



العودة إلى ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار

cron